الرئيسة \  واحة اللقاء  \  المرّ والأقل مرارة أمام الانتفاضة السورية

المرّ والأقل مرارة أمام الانتفاضة السورية

25.12.2014
عبدالعزيز حسين الصاوي



الحياة
الاربعاء 24-12-2014
وفق منظور بارد، ربما لبعد صاحبه عن سورية أكثر من معنى، فإن مبادرة روسية أو غير روسية تحت سقف الإسقاط الكامل للنظام السوري تبدو ضرورة مترتبة على افتراض أن الانتفاضة السورية كانت منذ اندلاعها محكومة باستحالتين: استحالة التنازل عن مطلب إسقاط النظام خاصة رئيسه والدائرة القريبة منه، واستحالة تحقيق ذاك المطلب كاملاً. الاستحالة الأولى كانت التعبير العفوي الطبيعي لقوى الانتفاضة على الأرض كرد فعل مضاد لقمع مادي ومعنوي نادر النظير، لا سيما وأن المطلب بدا ممكن التحقيق على غرار ما حدث في تونس ومصر.
الاستحالة المعاكسة كانت تعبيراً عن رجحان ميزان القوى ضد المطلب الانتفاضي بتأثير التباين الكبير بين كامل استعداد حلفاء النظام الدوليين والإقليميين لدعمه ديبلوماسياً وعسكرياً ومالياً، بينما بقي، وسيظل، العنصر الحاسم في ترجيح كفة المعارضة، وهو التدخل العسكري الغربي الأوروبي والأميركي غائباً.
خليط حسابات المصالح القومية وراء هذا الغياب يضاف إليه الارتفاع المطرد لنفوذ التطرف الديني في الانتفاضة السورية. وهذا يشكل مصدر المخاوف والحساسيات الأقوى لدى الغرب حتى من دون جهودنا التي لا تفتر لتذكيره بها وبأنها متصاعدة إلى ذرى الحضيض "الداعشي" الذي يشخصه النظر الموضوعي، وليس التوجس الغربي فقط، بكونه ناتج غربوفوبيا متمكنة عربياً- إسلامياً. وإلا كيف نفسر أن البيئة الثقافية - الاجتماعية نفسها المتهلفة إلى التدخل العسكري الغربي، إلى حد اللوم والاتهام بالتواطؤ مع إسرائيل عندما لا تسمح حسابات المصالح وغيرها بحدوثه، تنقلب إلى بيئة معادية له حاضنة لعنف الحد الأقصى ضده بمجرد سقوط الأنظمة، كما تشهد حالتا ليبيا والعراق. وفي أحد النماذج (البريئة) للغربوفوبيا نسمع رأياً شائعاً يربط "داعش" بالغرب على لسان الممثل المصري الأشهر نور الشريف ("بي بي سي" العربية، صباح الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر).
رغبة جميع المنحازين لحقوق الشعب السوري الطبيعية في تصنيف سورية والسوريين خارج دائرة تلك الجهود، يعاندها "قانون" التلازم العضوي بين الاستبداد والتطرفات الدينية وغير الدينية. فاضطرار المجتمع للتقهقر صوب الماضي الإسلامي، ولكن أيضاً غير الإسلامي، والطائفي – الإثني، ناتج طبيعي لتغول الاستبداد على مناخ الحرية اللازم لازدهار التساكن البنّاء بين المكونات المختلفة. والحال أن استبداد النظام السوري، هادم المدن من حماه حتى حلب، هو الأطول عمراً والأكثر تغولية من بين الاستبدادات العربية التقليدية وغير التقليدية، مما شل جهاز المناعة المجتمعي السوري ضد الجموح الديني وهيأ لأكثره أهمية من منظور هذا المقال، وهو الإسلامي (السني)، بيئة تفريخ واستيطان محلية مثالية بمزيج من الاحتضان الطوعي، والناتج عن رهبة التخويف الديني. المثال الصارخ على ذلك يؤرخ له بحزيران (يونيو) 2010 عندما اضطرت السلطات السورية إلى إبعاد 1200 منقبة من سلك التعليم دلالة على مدى انتشار التدين الانكفائي الذي أثبت وجوده حتى في قلب مجتمع ثورة البعث العلماني، وذلك في قانون للأحوال الشخصية يقيد حقوق النساء والأقليات كان على وشك أن يصدر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009. المؤشرات العديدة الظاهرة وراء هذه التطورات تعود إلى 4 كانون الثاني (يناير) 2006، حين تحدثت السلطات عن تفكيك عدد من الخلايا التكفيرية إثر تسرب معلومات صحافية عن محاكمات لعشرة أشخاص اتهموا بتلقي تدريبات في أفغانستان، لم تلبث أن تطورت إلى أنباء عن عمليات أمنية استباقية ضد مجموعات إرهابية ثم إلى صدامات إثر عمليات قامت بها بلغ عددها 8 عمليات حتى أيلول (سبتمبر) 2008، عندما وقعت عملية انتحارية قتل فيها 17 شخصاً.
وفي ظل نظام مبرمج لإخفاء الحقائق لا يغدو مبالغة تخمينية القول إن تقدير المصادر الغربية للحجم الحقيقي لهذه النوعية من المجموعات قبل عام ونيف تقريباً (5-6 آلاف) كان أقل من الحقيقة بكثير. أما بعد أن أرغمت الانتفاضة النظام على فك قبضته عن مساحات أوسع من مناطق البلاد وعن احتكاره للفضاء الإعلامي والتواصل الإلكتروني، مع الكشف عن وحشيته اللامتناهية وتحريك الاستقطابات الطائفية والتشجيع التكتيكي للقاعده وتفرعاتها، فقد توفرت دوافع وفرص مستجدة لتوسع الظاهرة كمّاً ونوعاً مجتذبة تعزيزات في شكل دعم مالي - عسكري ومجاهدين ومجاهدات من كافة أرجاء المعمورة وصولاً إلى الخلافة المترامية من الرقة حتى الموصل.
والأسوأ قادم. إذا تحقق سيناريو السقوط غير التدرجي للنظام ستتعطل كافة أجهزة الدولة وعندها ستنبسط الساحة مفتوحة للجميع خالية من كل الموانع حتى الضوابط والأجهزة الديموقراطية، فينطلق الإسلام التبسيطي المنغلق، مستثيراً ردود الفعل المضادة من الأطراف الدينية والطائفية الأخرى، في كامل طاقته، وبمحرك إضافي: مناخ الإحباط والسخط المنبثق من الفجوة الهائلة بين ثورة التوقعات الشعبية بزوال ناجز لمكابدات العيش اليومي نتيجة التعبئة بشعار وممارسات "إسقاط النظام هو الحل"، والصعوبات الهائلة لإعادة البناء بعد خراب استثنائي حتى لو توفر الدعم المالي (70 بليون دولار في بعض التقديرات). مع ملاحظة أن من مفاعيل هذا الخراب هروب رأس المال والقوى البشرية المؤهلة إلى الخارج وتحول النزوح الداخلي الكثيف (6.5 مليون) واللجوء الخارجي (4.5 مليون)، وفق الأمم المتحده التي تقدر عدد القتلى بـ 190 ألفاً حتى نيسان (ابريل) الماضي، إلى عشوائيات متكاثرة حول المدن الرئيسية وداخلها سيضطر إلى اللجؤ إليها قسم كبير من هؤلاء.
وبما أن البيئة المثالية لتنمية الأصوليات بأبعادها الإضافية هذه، مجافية لتنمية نقيضها المدني العابر للانتماءات الطائفية النشطة أيضاً، فإن تركيبة هذا الطرف في المعادلة السياسية السورية ستبقي على هشاشة ولدت فيها وتطرد في مواجهة المرحلة الجديدة متخذة طابع تعدد عقيم لأحزابها وتياراتها واختلافاتها، بينما القوى المتناقضة تكوينياً معها في عز فتوتها. والأخيرة ستجد مصدر تغذية إضافي من تدخلات المؤسسة البعثية الدولتية والحزبية العميقة، وإيران-حزب الله، وفي مناخ مشبع بالفوضى والاضطراب يناسبها ولا يناسب القوى النقيضة. وكلما طال الزمن بمحاولات إسقاط النظام، وهو ما يساعد عليه التمسك بكافة المواصفات الانتفاضية في ظل الاختلال المتفاقم للتوازن ضدها بانتقال التركيز على الحرب ضد "داعش"، ازدادت التعقيدات منزلقة بسورية نحو دوامة من الطراز العراقي، حيث الحرب الأهلية المنخفضة المستوى أو المرتفعة هي القاعدة منذ سقوط النظام البعثي عام 2003.
أما المسار الآخر فهو إعادة اختراع عجلة مستبد "عادل" من أسمائه المالكي والسيسي.