الرئيسة \  واحة اللقاء  \  بعد الضربة ..استعادة سورية 1950

بعد الضربة ..استعادة سورية 1950

02.09.2013
ياسر أبو هلالة



الغد الاردنية
الاحد 1/9/2013
من المؤذي للعقل والضمير الاستماع إلى عويل الشبيحة على سيدهم في دمشق. فلو سقط بثورة سلمية مئة في المئة ودون إسناد دولي سيبكون عليه ويشعرون باليتم. إنهم ذاتهم الذين تكشفوا اليوم ويعيدون الاعتبار إلى مبارك، ويساندون جرائم السيسي الوحشية التي تجابه بسلمية، إنهم يريدون أن ينضم المجتمع الدولي إلى روسيا وإيران في إسناد النظام في مواجهته مع شعب سورية، وليس لديهم أدنى مشكلة عندما يوجه السلاح الأميركي إلى خصومهم، هل سمعنا استنكارهم لضربات الطائرات بدون طيار في أفغانستان واليمن؟ ألم تساند إيران غزو أميركا للعراق وأفغانستان ؟
كل هذا الجدل لن يؤثر شيئا، لكنه كما قالت التايم في افتتاحيتها بأن بريطانيا خسرت أخلاقيا بتصويت مجلس العموم ضد المشاركة. أميركا ليست بحاجة إسناد من أحد، وهي تحركت متأخرة عامين وبعد استخدام الكيماوي، ولا يوجد عاقل يخبرنا كيف يمكن إقناع بشار الأسد بعدم استخدام الكيماوي وقد استخدمه 19 مرة! في النهاية يمضي غير مأسوف عليه مجرم لم تعرف البشرية طاغية بقبحه. والمهم أن يتصرف السوريون في اليوم التالي بشكل صحيح، فإن صدقت وعود الروس بحصول انشقاق عمودي وعزل الرئيس فهذا يؤمن حلا سياسيا يوفر مزيدا من الدمار، ويحقن دماء عزيزة.
الإنجاز الكبير للسوريين بعد الضربة هو العودة فورا إلى دستور 1950، أي طي صفحة انقلاب البعث عام 1963، ذلك الدستور الذي أنتج حياة سياسية عزّ نظيرها عالميا، للتذكير عندما وصل بروتستانتي اسمه فارس الخوري إلى رئاسة مجلس النواب السوري كانت هولندا تعاني في ذلك العام من التمييز بين الكاثوليك والبروتستانت! والمفارقة الأعظم، بحسب ما يذكر أكرم الحوراني في مذكراته أن زوجة فارس الخوري  كانت مسؤولة لجان المرأة في حملة انتخابات الشيخ مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين، وأكرم الحوراني ابن الإقطاعيين السنة في حماة هو من تبنى الفلاحين العلويين وسمح لهم بالانتخاب في حزب البعث، وهو ما كان يعارضه ميشال عفلق الذي كان يرى الحزب نخبويا.
هذه سورية العظيمة التي تستعاد من نظام شمولي طائفي مجرم قبيح. بعد الحرب العالمية الأولى عاشت سورية التمزق الذي تعيشه اليوم. ومن يقرأ في كتاب وجيه كوثراني "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين" من إصدار المركز العربي  يشاهد في الوثائق دويلات وطوائف وعشائر، لا دولة ومواطنين. في عام 1928 بحسب ما ينقل فؤاد عجمي  في كتابه "التمرد السوري" كتبت فريا ستارك في رسالة من سورية "لم أجد أي ذرة من الشعور الوطني، كل شيء طوائف وكراهيات وأديان". أما إدوارد عطية، الكاتب العربي المسيحي المرموق فقد كتب على المنوال نفسه في كتابه "عربي يحكي قصته: دراسة في الولاءات"، عام 1946: "لو كان هناك بلد فيه كل تأثير ممكن الوجود، الإلهي والدنيوي، والتحفّز ضد الوحدة القومية، وضد تكوّن مشاعر المواطنة. فذلك البلد هو سورية قبل عام 1914". ذلك التمزق الذي عاشته سورية لم يدم، واختار السوريون بمحض إرادتهم، وقد كان لديهم خيار الانفصال دولا طائفية أن يكونوا مواطنين في دولة جامعة لهم، وفي الممارسة قدموا نماذج متقدمة على عصرها. وهذا هو الملح والعاجل، استعادة سورية التي اختطفتها الأسرة الأسدية، لا استعادة سورية ما بعد الحرب العالمية.
انها سورية التي نقشها أطفال درعا على أسوار مدارسهم وصدع بها أول الشهداء: الله .. حرية ..سورية وبس. بعد عقود من الاختطاف آن لها أن تعود.