الرئيسة \  واحة اللقاء  \  وزير الخارجية الفرنسي شد الحبل العسكري في سورية حتى منتهاه

وزير الخارجية الفرنسي شد الحبل العسكري في سورية حتى منتهاه

24.08.2013
تسفي بارئيل

القدس العربي
السبت 24/8/2013
المأساة الرهيبة التي قتل فيها مئات المواطنين، معظمهم اطفال ونساء، وضعت الدول الغربية في معضلة. لا تريد اي دولة في هذا الوقت الشروع في معركة عسكرية، جوية او برية ضد سورية، ولكن كل واحدة من الدول تفهم انه يجب عمل شيء، ولكنها لا تقترح صيغة العمل. ومع أن وزير الخارجية الفرنسي شد الحبل العسكري حتى منتهاه، حين صرح بانه يجب المس بالاسد، ولكن من الواضح انه من دون موافقة وتنسيق امريكي، فان الاقتراح سيبقى معلقا في الهواء، ولا سيما في ضوء رسالة رئيس الاركان الامريكي، الجنرال مارتين دمبس التي جاء فيها، انه ‘مع ان الولايات المتحدة يمكنها أن تبيد سلاح الجو السوري، ولكن هجوما كهذا سيتصاعد وسيفرض تدخلا امريكيا اكبر في الازمة، الوضع في سورية الان لا يفرض خيارا بين طرفين، بل خيارا لطرف واحد من بين اطراف كثيرة’. بؤرة المشكلة إذن، ليست انقاذ مواطنين سوريين، او ما هو الطابع المفضل للعملية العسكرية، بل بماذا سيخدم مصالح الغرب بشكل عام، ومصالح الولايات المتحدة بشكل خاص، انهيار نظام الاسد. وماذا عن الخط الاحمر الذي وضعه الرئيس اوباما؟ يبدو ان هذا الخط لم يعد قائما حتى بعد الهجوم الكيميائي الاخير. وبدلا منه يأخذ في التشكل خط الانسحاب عن الخط الاحمر.
للمفارقة، فان النظام السوري والمقاتلين في المعارضة السورية على حد سواء يقدمون للغرب ذريعة مريحة للامتناع عن عملية عسكرية. فمع أن سورية وافقت على زيارة وفد من مراقبي الامم المتحدة، الا انهم لا يزالون لا يمكنهم أن يفحصوا كل المواقع المشبوهة بضربات السلاح الكيميائي.
ومع ان سورية تؤكد بذلك الاشتباه ضدها، ولكنها تمنع الامم المتحدة من الحصول على الادلة التي تحتاجها، كي تحاول على الاقل تحقيق موافقة دولية على اعمال عقاب ومنع. وبالمقابل، فان موقعا للمعارضة السورية، اثبت في الماضي مصداقيته، حين بلغ عن هجمات الجيش الاسرائيلي في سورية، يدعي ان الهجوم الكيميائي الاخير لم ينفذه النظام. ففي تقرير تحليلي طويل يتساءل موقع ‘الحقيقة’ كيف يحتمل ان يكون كل الاطفال المصابين تجمعوا في مكان واحد، حين لا يكون هناك حاليا وقت دراسة والمناطق التي اصيبت هي مناطق قتالية يتجه فيها المواطنون نحو الملاجئ. فضلا عن ذلك، رغم ان الجيش السوري قصف واطلق النار في هذه المناطق لم تظهر على جثث المصابين علامات اطلاق النار.
كما ان فحصا لحركة الرياح في يوم القصف يفيد ايضا بان حركة الريح كانت بسرعة 20 25 كيلومترا في الساعة، و’معروف أنه في مثل هذه السرعة خطير استخدام السلاح الكيميائي، لان الغازات قد تصيب مناطق اخرى بل ووحدات من الجيش’. كما تساءل الموقع عن أن أعضاء فرق المساعدة لم يرتدوا ملابس وقائية ضد المواد الكيميائية رغم انه معروف ان غاز السارين يبقى على الملابس لعدة ساعات. لمن، ان لم يكن للنظام، توجد قدرة ودافعية لتنفيذ هجوم كيميائي كهذا؟ الموقع، الذي يعتمد على مصادر موثوقة، يدعي ان جماعات من المقاتلين التركمانيين الذين يعملون في محافظة اللاذقية، ويشكلون جزءا من الجيش الحر، حصلوا على مواد القتال الكيميائي بهدف احداث استفزاز دولي.
ومع ان هذه الاقوال تبدو محاولة لابعاد التهمة عن النظام او فرضها على مجموعة من داخل الجيش السوري الحر، ولكن في ضوء حقيقة ان الموقع نفسه نشر في 14 آب/اغسطس تقريرا عن تهريب مواد كيماوية للجيش الحر من الاراضي التركية، وعن النية لتنفيذ عملية كيميائية، ليس بعيدا عن البيان الفحص والتحقيق في هذه الامكانية أيضا، ولا سيما عندما تشكك الولايات المتحدة أيضا في ان يكون الهجوم نفذه النظام. من دون برهان قاطع على أن النظام هو الذي نفذ الهجوم، لا يمكن للدول الغربية ان تقنع روسيا والصين بالموافقة على المس بالنظام في اطار توافق يتحقق في الامم المتحدة.
واضح تماما انه اذا تبين ان مقاتلين في الجيش السوري الحر هم الذين استخدموا السلاح الكيميائي فستكون النهاية لهذا الجيش وللمعارضة السورية بشكل عام. ولكن مجرد التشكيك بهوية المهاجمين بالذات من جانب موقع معارض، يشير ايضا الى الخلافات الشديدة القائمة بين فصائل المعارضة، ولا ينطبق الامر فقط على الشرخ بين الكتائب الاسلامية مثل جبهة النصرة، وبين التيارات العلمانية، او بين المعارضة الكردية وتلك العربية. الخصومة توجد ايضا بين التنظيم السري التركماني ووحدات الجيش الحر، ولا سيما في منطقة اللاجئين في شمال سورية، حيث دارت رحى معارك شديدة في الايام الاخيرة، قتل فيها مئات الاشخاص. ان العداء بين الطائفتين، العربية والتركمانية، أدى الى أن تكون حتى مخيمات اللاجئين التي اقيمت للمواطنين السوريين في بلدة يالداي في اقليم التاي، تفصل بشكل تام بين اللاجئين التركمانيين والعرب. وحسب تقرير في موقع معارض، وقعت معارك في بلدة الرقة بين منظمة ‘احفاد النبي’ ومنظمة ‘دولة العراق والشام الاسلامية’ المتفرعة عن القاعدة. هاتان هما منظمتان متطرفتان تتنافسان على السيطرة في البلدة، وتخوضان اساس معاركهما الواحدة ضد الاخرى وليس بالذات ضد النظام.
ان الخصومة الفئوية والشخصية بين رؤساء الجيش السوري الحر والمعارضة المدنية التي نقلت مركزها من مصر الى تركيا، هي عائق كبير آخر في وجه توحيد الصفوف وخلق قيادة متفق عليها.
أمس أعلن لؤي المقداد، الناطق بلسان الجيش السوري الحر ومندوبه في الائتلاف الوطني الجسم المعارض الاكبر والمعترف به من الاسرة الدولية عن استقالته من الائتلاف.
وقد علل ذلك بانه تبين له بان الائتلاف غير راض عن ادائه، وان في نيته مواصلة العمل في اطار الجيش الحر. وفي نفس الوقت أعلن ايضا محمد الشعار، ممثل منطقة خرستا في الائتلاف عن انسحابه بسبب ‘عجز الائتلاف الذي لم ينجح في أن يحقق حتى ولا في المستوى الادنى أمل الشعب السوري’.
انسحاب ممثلين للجيش السوري الحر من جسم المعارضة المركزي يدل كم هو بعيد الاحتمال في هذه اللحظة بتحقيق توافق داخلي بين اجسام المعارضة، ويؤكد أقوال الجنرال دمبسي عن الحاجة الى اختيار طرف واحد من اصل عدة اطراف.
حين يكون الخيار الوحيد الذي تقف امامه في هذه اللحظة الدول الغربية، فان القرار هو عدم القرار والانتظار الى أن يتبين من ينتصر، حتى ان استغرقت المعركة سنوات اخرى. ويساعد هذا الموقف جدا المنظمات الراديكالية والجيش السوري الحر، والذين يثبتون لانفسهم مناطق سيطرة ذات حكم ذاتي ستجعل من الصعب اكثر وجود أي حل سياسي حين يحين وقته. مناطق السيطرة المحلية هذه ليست ساكنة، وهي تثير معارك داخلية ليس بينها وبين اسقاط النظام شيء، وقد باتت تصدر الى خارج سورية.
هآرتس23/8/2013