ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 05/07/2004


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الحملة الإنسانية من أجل المفقودين في وطنهم سورية

نايف كنجو : أسير آخر

بمناسبة شهر التضامن مع سجناء الرأي في سورية

من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين وأردنيين وعرب آخرين

بقلم : محمد الحسناوي*

في مدينتي جسر الشغور الصغيرة وحدها عشرات الضحايا من الشهداء والمعتقلين والمفقودين والمنفيين قسرياً ، فما بالك بالمحافظات الكبرى ، وعلى تطاول نصف قرن ، وتعدد مناسبات الاضطهاد وتنوع الاتجاهات والتيارات التي أراد ( الحزب الحكم = الفرد) إزاحتها أو استئصالها ليخلو له الجو :

خلا لكِ الجـوُّ فبيضي واصفِـري       ونقِّـري ما شئـتِ أن تُنقَّـري

من هذه الضحايا السجين المفقود حتى هذه اللحظة الصديق نايف كنجو ، الذي كان يعمل مساعد مهندس في ( مصفاة حمص ) للنفط يوم اعتقاله من صيف عام 1980 م .

تعرفت إليه منذ المرحلة الابتدائية لأننا من مواليد متقاربة (عام 1938م ) ، واستمرت الصداقة بيننا مع تقدم العمر لانسجامنا في الطباع والأفكار ، ولاسيما روح المرح والسخرية البارعة ، وهو يتفوق عليّ أو علينا نحن الأصدقاء الكثيرين المعجبين بظرفه وحضور بديهته و( خفة روحه ) كما يقال .

وعلى الرغم من منبته الاجتماعي الرقيق ، لكن العريق ، استطاع أن يسجل اسمه في الإعدادية الصناعية في حلب ، وكانت يومها مطمحاً من المطامح قبل أن يستخف بالتعليم الصناعي ، ويطوّح به خارج التحصيل الجامعي ، وهي خطة في تقديري مشبوهة ، لوأد محاولات التصنيع في القطر .

كيف استطاع أن يوفر لنفسه نفقات العام الدراسي كل عام ، وهو ما هو عليه من  ضنك العيش ؟

العطلة الصيفية هي فرصة لراحة الطلاب والمعلمين من عناء العام الدراسي ، أما بالنسبة للشاب النحيل الأشقر نايف كنجو ، فهي فرصة للعمل وكسب الرزق الحلال ، وهل هناك كسب أفضل من تعليم الأطفال في مدرسة صيفية ؟ ولما كانت المنافسة بين الناس قائمة ، فإن سمعة ( الشيخ محمود المصري ) إمام (جامع عابدين ) مناخ جذاب ، للعمل في ظل هذه السمعة : الإشراف أو الترخيص للشيخ ، والعمل ( أو الكتف) بتعبير التجار من الشاب نايف كنجو . وهكذا تدور أيام الصيف ولياليه ، ولا نظفر بالصديق السمير إلا لحظات مختلسة من الليل أو النهار.

في أحد أسفاري إلى حلب وأنا مراهق لشراء أوراق نقدية تركية لوالدي الذي كان يعمل بالإضافة إلى بيع العطور (بالصرافة ) ، صادفت الصديق نايف كنجو في (باب الفرج ) ، فتسالمنا ، وأخذنا نجوب الشوارع ، والنقود معي مطمئن عليها كل الاطمئنان ، لأن والدي علمني أن  أضعها في حزمة قماش ، وأن ألفها بالقماش على جسمي مباشرة ، خشية من الأيدي الخفيفة أن تصل إليها ، ولكن مع الأيام ظهرت أيدٍ ثقيلة ، لا تكتفي بخطف المال بل الناس ، مثل صديقي الحبيب نايف كنجو ، الذي نخاطبه تحبباً بأبي ( النوف ) .

ظللنا نجوب في حلب الساعات ، ووالدي ينتظر والزبائن ينتظرون في جسر الشغور على أحرّ من الجمر ، احتياجاً للمال وخوفاً عليه وعليّ من الحوادث ، فغابت الشمس ، وانقطع سفر السيارات العامة إلى مدينتنا ، فقضيت الليلة في بيت خالي ، ولما رجعت إلى أبي تناسى ما حصل  ، وعاتبني كيف أغامر بالتأخير ، وهو لا يعلم السبب ، ومقدار حبي وتعلقي بالصديق نايف كنجو . فأين أنت الآن يا أبا النوف وقد مضى على فراقنا نصف قرن : لا خبر ولا مخبر !!

من نوادري العجيبة مع (الباش مهندس أبي النوف ) ونحن مراهقون أننا كنا كعادتنا صيفاً نسبح في نهر العاصي في منطقة اسمها ( الحمّامات) ، ومن أنواع السباحة التقاذف بحفنات الطين والرمل والجري بعضنا وراء بعض على اليابسة وفي الماء ، واستطاع نايف بخفته وذكائه أن يقفز فجأة من أعماق الماء بقربي وجهاً لوجه ، وأن يضربني بكلتا يديه بكتلة طينية رملية كبيرة ، دخل قسم منها مباشرة في عيني المفتوحتين ، فغسلتهما مما علق بهما من الوحل والرمل ، وفتحهتما ، فلم أبصر شيئاً من الكائنات ، فأيقنت أنني أصبت بالعمى نتيجة لذلك ، فاضطر أصدقائي لجرّي كالأعمى لألبس ثيابي ، وأبحث عن مكان لكي أحل المشكلة ، وأنا فتى أخاف من أهلي أن يعرفوا الحادث ، ولا حيلة لي بالذهاب إلى طبيب ، فرأيت الالتجاء مؤقتاً إلى المسجد الكبير للراحة والتفكير بالمخرج ، فنمت قليلاً ، ولما صحوت أشرقت الكائنات أمام عيني ، وكأن شيئاً لم يكن ، فلم يدرِ أهلي بالذي حدث ، وانقضى الحادث والخطر .

وهناك طرفة رواها لنا الأسير أبو النوف ، مفادها أنه لما كان طالباً في الثانوية الصناعية في مدينة حلب ، وكان مدرس التربية الإسلامية الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله تعالى يلقي الدرس على صفه .. شرد ذهن الطالب نايف عن الدرس ، فانتبه له الشيخ ، فلفت نظره قائلا : أين أنت يانايف . انتبه . لاتشغل ذهنك  بشيء . فقال الطالب نايف مداعباً أستاذه الذي يحبه : أنا منتبه يا أستاذ . إن بعض الظن إثم . فأجابه الشيخ على البديهة كعادته : نعم بعض الظن وليس كله . ويضحك أبو النوف معقباً على الطرفة بملء   شدقيه ، فأين أنت الآن يا أبا النوف ، وهل ضحكت يوماً بعدما افترقنا ، وبعدما اختطفتك الأيدي ؟

مع الأيام كبر الصديق نايف وكبرت ، وتخرج بالدراسة وتخرجت ، وتمّ تعيينه في حمص وتعييني في حلب ، وتزوج الرجل وتزوجت , وأنجب أولاداً وأنجبت ، ثم كانت النهاية أن اختطف من عمله ، ونفيت من وطني . وما كان يخطر في بالي ولا في باله مثل هذا المصير .

لكن هل أبو النوف هو الوحيد الذي ذهب إلى سجن (تدمر ) ولم يعد ، وهل أسرة نايف الصغيرة والكبيرة وأصدقاؤه ومحبوه هم وحدهم الذين نكبوا ؟ وكيف تسوّى الأمور ؟ سؤال خطير ، فمتى يكون   جوابه ؟

* كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ