ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 08/01/2007


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

كتب

 

إصدارات

 

 

    ـ مجتمع الشريعة

 

 

   ـ أبحاث    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


كتاب أزمة الإسلام

برنارد لويس  

راجعه وعلق عليه : زهير سالم

الفصل الثامن

اتحاد السلطة السعودية مع التعاليم الوهابية

إن رفض الحداثة[1] لصالح العودة إلى الماضي المقدس كان ذا تشعبات تاريخية متنوعة في المنطقة، وقد كان السبب في نشوء عدد من الحركات. وأكثر هذه الحركات أهمية كانت بغير شك هي تلك التي يطلق عليها، وفقاً لاسم مؤسسها، الوهابية. لقد كان محمد بن عبد الوهاب (1703 ـ 1792) عالماً دينياً من منطقة نجد في الجزيرة العربية التي يحكمها شيوخ آل سعود. في عام 1744، أطلق حملة تطهير وإحياء. وقد كان هدفه المعلن هو العودة إلى الإسلام الخالص الأصيل الذي جاء به المؤسس الأول، مزيلاً ومدمراً، حيث يكون الأمر ضرورياً، كل التراكمات الحادثة والانحرافات[2]. وقد اعتنق حكام نجد السعوديون المبادئ الوهابية، وعززوها لفترة من الزمن بقوة السلاح. وفي سلسلة من الحملات نشروا حكمهم وعقيدتهم إلى معظم أنحاء الجزيرة العربية الوسطى والشرقية بل إنهم أغاروا كذلك على أراضي الهلال الخصيب، التي كانت واقعة تحت الحكم العثماني المباشر، وبعد نهبهم لكربلاء، وهي مدينة الشيعة المقدسة في العراق، حولوا اهتمامهم إلى الحجاز، وخلال الفترة بين عامي 1804 ـ 1806، فقد احتلوا ووفق اصطلاحهم طهروا المدينتين المقدستين مكة والمدنية. وبذلك فقد كانوا يواجهون ويتحدون بوضوح السلطان العثماني، والذي كانوا يشجبونه باعتباره خارجاً عن العقيدة الإسلامية ومستولياً بغير حق على الحكومة الإسلامية.

وقد كانت الحكومة العثمانية، حتى وهي في هذه المرحلة من الضعف قادرة على التغلب على ثورة صحراوية. بمساعدة باشا مصر وقواته، أنجزت المهمة في عام 1818، عندما احتلت العاصمة وأرسل الأمير السعودي إلى استانبول حيث ضرب عنقه. في ذلك الوقت، لم تعد الدولة السعودية موجودة، ولكن المبادئ الوهابية استمرت، ومنذ حوالي عام 1823 تمكن عضو آخر من آل سعود من إعادة إنشاء الإمارة السعودية واتخذ من الرياض عاصمة له. مرة أخرى، قدم شيوخ آل سعود المساعدة، كما ساعدهم مناصرو المبادئ الوهابية.

إن صعود الوهابية في القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية كان لدرجة كبيرة استجابة للظروف المتغيرة في ذلك الوقت. من بين تلك الظروف كان هناك بالطبع تقهقر الإسلام والتقدم الذي صاحبه للعالم المسيحي. لقد كان هذا قد بدأ منذ زمن ظويل، ولكن خلال عملية بطيئة وتدريجية، كانت قد بدأت في المناطق الحدودية البعيدة من العالم الإسلامي. وبحلول القرن الثامن عشر كانت قد غدت واضحة حتى في مركز العالم الإسلامي. إن تقهقر العثمانيين الطويل والبطيء في البلقان وتقدم البريطانيين في الهند كانا لايزالان بعيدين عن الجزيرة العربية، ولكن المسلمين شعروا بهما، عن طريق العثمانيين من جهة، وفي التاريخ الفارسي من جهة أخرى، وقد انعكس ذلك بالتأكيد بين الحجيج الذين يأتون إلى الجزيرة العربية كل عام من جميع أنحاء العالم الإسلامي. لم يكن غضب الوهابيين موجهاً بشكل رئيسي ضد الغرباء، بل ضد أولئك الذين كانوا يرون أنهم يخونون ويحطون من رتبة الإسلام من الداخل. فمن جهة كان هناك أولئك الذين كانوا يحاولون إدخال أي نوع من الإصلاح الحديث؛ ومن جهة أخرى كان هناك ـ وكان هؤلاء يشكلون الهدف الأكثر إلحاحاً ـ أولئك الذين كان الوهابيون ينظرون إليهم على أنهم كانوا يحرفون وينتقصون من التراث الإسلامي الصحيح للرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته. (لقد كانوا بالتأكيد معارضين بقوة لأي مدرسة أو تفسير للإسلام مخالف لتفسيرهم، سواء كان سنياً أو شيعياً). وكانوا معارضين للصوفية على وجه الخصوص، حيث أنهم لم ينتقدوا غموضها وتسامحها وحسب، بل كذلك ما رأوه على أنه ممارسات وثنية مصاحبة لها.

قاموا بفرض معتقداتهم بأقصى صرامة وقوة ممكنين، حيثما استطاعوا ذلك، وقاموا بهدم القبور، واجتياح ما دعوه وثنية خاطئة، وكما انتهكوا أماكن مقدسة، وقاموا بذبح عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال الذين لم يحققوا معاييرهم في صفاء الإسلام وأصالته. ممارسة أخرى استحدثها ابن عبد الوهاب كانت إدانة وحرق الكتب. وغالباً ما تدور هذه الكتب بشكل رئيسي حول الأعمال الإسلامية المتعلقة بالعلوم الدينية والقوانين التي تعتبر مخالفة للمبادئ الوهابية. وقد كان حرق الكتب يترافق في العادة مع إعدام سريع لأولئك الذين ألفوها، وطبعوها، أو درسوها[3].

لقد بدأ التحالف الثاني بين المبادئ الوهابية والقوة السعودية في السنوات الأخيرة للامبراطورية العثمانية واستمر حتى الوقت الحاضر. لقد ساهم تطوران حدثا في أوائل القرن العشرين في تحويل الوهابية إلى قوة كبرى في العالم الإسلامي وما وراءه. أولهما كان توسع واتحاد المملكة السعودية. ففي السنوات الأخيرة للامبراطورية العثمانية، لعب الأمير عبد العزيز بن سعود المولود في عام 1880، والذي حكم في الفترة بين (1902 ـ 1953) بمهارة على الصراع بين العثمانيين من جهة والقوة البريطانية الآخذة في التوسع في شرق الجزيرة العربية من جهة أخرى. وفي كانون أول من عام 1915 قام بتوقيع اتفاقية مع بريطانيا، والذي وفقاً لها، كان يمكنه مع الاحتفاظ باستقلاله، أن يحصل على المساعدة إذا ما تعرض للهجوم. وقد أنهى توقف الحرب وتفكك الامبراطورية العثمانية هذه المرحلة، وتركته وجهاً لوجه وحيداً مع البريطانيين. وقد استطاع أن يتدبر أمره بشكل جيد جداً في الوضع الجديد واستطاع أن يوسع مملكته على مراحل متتالية. وفي عام 1921 استطاع أخيراً أن يهزم منافسه القديم (ابن رشيد) في شمال الحجاز، وأن يستلحق أراضيه، متخذاً لنفسه لقب سلطان نجد.

لقد كانت المرحلة الآن هي مرحلة الانطلاق تجاه الصراع الأكثر أهمية، ألا وهو الصراع للسيطرة على الحجاز. هذه الأرض والتي كانت تشتمل على مكة والمدينة كانت محكومة من قبل أفراد من الأسرة الهاشمية الذين ينحدرون من نسب النبي (صلى الله عليه وسلم) لأكثر من ألف سنة في القرون القليلة الماضية، وتحت سيطرة عثمانية فضفاضة. وقد كان ابن سعود ينظر إلى تأسيس الحكومات الملكية الهاشمية، والتي كان يترأسها فروع مختلفة من العائلة في العراق، وفي الأردن، كجزء من إعادة هيكلة الأقاليم العثمانية العربية بعد الحرب العالمية الثانية، كان ينظر إليها على أنها تشكل تهديداً لعالمه هو. وبعد سنوات من العلاقات المنتقلة من السيء إلى أسوأ، قدم ملك الحجاز، الملك حسين، ذريعة مزدوجة لابن مسعود ليقوم بمهاجمة أراضيه، فقد قام أولاً بإعلان نفسه خليفة، ومنع الحجاج الوهابيين من أداء فريضة الحج في المدن المقدسة. وقد رد ابن مسعود باجتياح الحجاز في عام 1925.

لقد توجت حروب السيطرة السعودية بالنجاح الكامل. فقد سيطرت قواتهم أولاً على مكة؛ ثم وفي 5 كانون أول /1925، وبعد حصار استمر عشرة أشهر، استسلمت المدينة سلمياً. وبعد أسبوعين من ذلك، طلب الملك علي، والذي كان قد خلف والده حسين، من نائب القنصل البريطاني في جدة أن يعلم ابن سعود بانسحابه من الحجاز مع ممتلكاته الشخصية. وقد فهم هذا على أنه تنازل رسمي، وفي اليوم التالي دخلت القوات السعودية إلى جدة. لقد كان الطريق الآن مفتوحاً أمام ابن سعود ليعلن نفسه ملكاً للحجاز وسلطاناً لنجد. وليعلن استقلالهما في 8 كانون الثاني 1926. وقد اعترفت القوى الأوروبية مباشرة بالنظام الجديد، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي في مذكرته الديبلوماسية إلى ابن سعود في 16 شباط (على أساس مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وانطلاقاً من احترام إرادة الشعب كما عبر عنها في اختياره لكم كملك لهم). وقد تم توقيع اتفاقية رسمية بين ابن سعود وبريطانيا العظمى، تعترف فيها بريطانيا بالاستقلال التام للمملكة، في عام 1927 في 20 أيار. وقد تبعتهما بعض الدول الأوروبية الأخرى.

من جهة أخرى، كان اعتراف المسلمين أبطأ وأكثر تردداً. وقد قامت بعثة إسلامية من الهند بزيارة جدة وطلبت بأن يقوم الملك بتسليم زمام الأمور على المدينتين المقدستين للجنة من الممثلين المنتخبين من قبل جميع الدول الإسلامية. لم يستجب ابن سعود لهذا الطلب، وأعاد البعثة إلى الهند عن طريق البحر.

وفي حزيران من نفس العام، دعا إلى انعقاد مؤتمر إسلامي عام في مكة، داعياً حكام ورؤساء الدول الإسلامية وممثلين من منظمات إسلامية في الدول ذات الحكم غير الإسلامي. وقد حضر المؤتمر من جميع أنحاء العالم الإسلامي ستة وعشرون شخصاً. وقد وضح ابن سعود في خطابه لهم أنه قد أصبح حاكم الحجاز. وأنه سيقوم بواجباته كراع للأماكن المقدسة وحام للحجيج ولكنه لن يسمح بأي تدخل خارجي في قيامه بهذه المهام.

في حينها أثار ذلك ردود فعل مختلطة من قبل ضيوفه. فقد عارض البعض وغادر، في حين قبل آخرون واعترفوا بالنظام الجديد. ومن بين الجديرين بالملاحظة من بين الأخيرين، كان رئيس وفد المسلمين في الاتحاد السوفييتي والذي أعلن رئيسه في مقابلة له مع وكالة الأخبار السوفييتية (تاس)، إن المؤتمر الإسلامي قد اعترف بالمللك ابن سعود راعياً للأماكن المقدسة، كما أنه دعا إلى تحويل أجزاء من الأردن إلى المملكة الحجازية الجديدة، وعبر عموماً عن تأييده لابن سعود. إلا أن اعتراف الحكومات الإسلامية وخصوصاً الحكومات العربية أخذ وقتاً أطول.

وقد تم توقيع معاهدات صداقة مع تركيا وإيران في عام 1929، ومع العراق في عام 1930، ومع الأردن في عام 1933. ولم تعترف مصر رسمياً بالضم السعودي لأراضي الحجاز إلا في اتفاقية أيار من عام 1936.

في هذه الأثناء، تقدم ابن سعود بسرعة كبيرة في عملية إعادة تنظيم وبناء مملكته، وفي عام 1932 أعلنها دولة موحدة جديدة، سيطلق عليها من الآن وصاعداً المملكة العربية السعودية. وفي السنة التالية، عين أكبر أبنائه سعود كوريث للعرش.

وقد شهدت هذه السنة عينها، التطور الرئيسي الآخر الذي كان له أثره في المنطقة، بتوقيع اتفاقية بين وزير التمويل السعودي وممثل شركة نفط كاليفورنيا، في عام 19/أيار/1933. لقد استقرت السياسة السعودية والتعاليم الوهابية الآن على أرضية اقتصادية صلبة.

يعود الاهتمام الغربي لنفط الشرق الأوسط إلى أوائل القرن العشرين وكانت تديره بشكل رئيسي شركات نفط بريطانية، وهولندية، وفرنسية. وقد بدأ الاهتمام الأمريكي في أوائل عقد العشرينات، مع القلق المتنامي حول نفاذ مصادر النفط الداخلي والخوف من احتكار أوروبي لنفط الشرق الأوسط. وقد دخلت الشركات الأمريكية مبدئياً إلى سوق النفط الشرق أوسطي كشركاء ثانويين في تجمعات أوروبية. وكانت شركة (نفط كاليفورنيا ستاندرد) أول شركة أمريكية تأخذ على عاتقها مهمة سبر النفط. تحولت شركة (نفط كاليفورنيا ستاندرد) أخيراً إلى السعوديين، وقامت في عام 1930 بطلب ترخيص للقيام بسبر جيولوجي للقطاع الشرقي. في البداية، رفض الملك ابن سعود هذا الطلب، إلا أنه وافق بعد ذلك على القيام بالتفاوض، والذي توجته (اتفاقية عام 1933) أحد الأسباب التي دفعت الملك إلى تغيير رأيه كان دون شك (الكساد الكبير) الذي بدأ في عام 1929 وتسبب في تدهور خطير ومتنام في تمويلات المملكة. بعد أقل من أربعة أشهر من توقيع الاتفاقية وصل أول جيولوجيين أمريكيين إلى شرق السعودية العربية. ومع نهاية العام أسست بعثة الاستكشاف بشكل جيد، وفي السنة التالية بدأت الفرق الأمريكية باستخراج وتصدير النفط. وقد قطعت الحرب العالمية الثانية عملية التطوير إلا أنها استؤنفت عندما انتهت الحرب. يمكن رؤية دلالة ما على تدرج التطور في كميات النفط المستخرجة في الجزيرة العربية، بملايين البراميل:

في عام 1945 / 21.3

        1955 / 356.6

        1965 /  804.8

        1975 / 2.585.5

إن تدفق النفط خارجاً والتدفق المرافق للأموال إلى داخل البلاد قد أحدث تغيراً هائلاً في المملكة السعودية، وفي هيكليتها الداخلية وأسلوب الحياة فيها، ودورها وتأثيرها الخارجي، في كل من الدول المستهلكة للنفط، وبشكل أكثر قوة، في عالم الإسلام. إن التغير الأكثر أهمية في تأثير الوهابية ودور حماتها. لقد أصبحت الوهابية الآن العقيدة الرسمية، التي تعززها الحكومة لواحد من أكثر الحكومات نفوذاً في كل العالم الإسلامي ـ راعية أقدس أماكن الإسلام، والتي تستضيف الحج السنوي، الذي يأتي لأدائه ملايين المسلمين من كل جزء من جميع أنحاء العالم ليشاركوا في مناسكه وشعائره. في نفس الوقت، فقد أصبح تحت تصرف معلمي ودعاة الوهابية مصادر مالية ضخمة، قاموا باستخدامها لتعزيز ونشر فهمهم للإسلام. حتى في الدول الغربية في أوروبا وأمريكا، حيث الأنظمة التعليمية العامة هي أنظمة جيدة، إلا أن المراكز التعليمية الوهابية قد تكون الشكل الوحيد من أشكال التعليم الإسلامي المتاح للمعتنقين الجدد وللأهالي المسلمين الذين يحبون منح أطفالهم بعض التأسيس عن دينهم الموروث وتقاليدهم الثقافية. هذا التعليم متوفر في المدارس الخاصة، والحلقات الدينية، ومدارس المساجد، ومخيمات العطل، وبشكل متزايد في السجون.

في الاستخدام الإسلامي التقليدي، تشير كلمة (مدرسة) إلى مصدر عال للتعليم، للثقافة، والبحث. لقد كانت المدرسة التقليدية الإسلامية في القرون الوسطى هي السلف وفي كثير من الأحيان النموذج للجامعات الأوروبية في القرون الأوسطية. في الاستعمال الحديث، فإن كلمة مدرسة قد اكتسبت معنى سلبياً، فقد أصبحت تشير إلى مركز لتعليم التعصب والعنف[4]. ويمكن رؤية مثال شفاف على ذلك في خلفية عدد من الأتراك المعتقلين للاشتباه بتواطئهم في نشاطات إرهابية. وقد ولد كل فرد منهم وتعلم في ألمانيا، ولم يولد أي منهم أو يتعلم في تركيا. لا تقوم الحكومة الألمانية بالإشراف على التعليم الديني للأقليات. تبقي الحكومة التركية عيناً يقظة على هذه الأمور. في أوروبا وأمريكا وبسبب تردد الحكومة في إقحام نفسها في المسائل الدينية، فإن تعليم الإسلام في المدارس وفي أماكن أخرى لم تكن السلطة لتشرف عليه إجمالاً بشكل عام. هذا الوضع يدعم بشكل واضح أصحاب الضمائر الصغيرة، وقوة الإقناع الكبيرة، والقدرة المالية الأكبر.

ربما يمكن فهم النتيجة عبر شبيه افتراضي. فإذا افترضنا أن جماعة الـ (كوكلكس كلان) أو أي جماعة مشابهة قد تمكنت من الحصول على سيطرة كلية على ولاية تكساس، وعلى نفطها، وبالتالي عائداتها النفطية، وبعد أن فعلت ذلك، استخدمت هذه الأموال لتأسيس شبكة من المدارس والكليات جيدة التمويل في جميع أنحاء العالم المسيحي، ناشرين طريقتهم المسيحية الخاصة. هذا المثال هو إلى حد ما أقل سوء من الواقع، لكون معظم الدول المسيحية لديها نظام مدرسي عام فعال خاص بها. في بعض البلدان الإسلامية ليس الأمر كذلك، وتمثل المدارس والكليات التي يدعمها الوهابيون بالنسبة للكثير من الشباب المسلم التعليم الوحيد المتاح. لقد نشر الوهابيون عن طريق هذه الوسائل رسالتهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبشكل تدريجي بين مجتمعات الأقلية المسلمة في دول أخرى، خصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية. إن الحياة الإسلامية العامة المنظمة، والتعليم، وحتى العبادة، هي إلى درجة مرعبة، ممولة، وبالتالي موجهة من قبل الوهابيين، ورؤيتهم للإسلام، والتي يمارسونها ويدعون إليها في ظل المبادئ الوهابية. إن رعاية الأماكن المقدسة إضافة إلى عائدات النفط قد منحت تأثيراً ذا نطاق عالمي لما كان سيكون، لولا ذلك، جماعة متطرفة في دولة هامشية[5].

لقد جلب استثمار النفط ثروة ضخمة جديدة جلبت معها توترات اجتماعية جديدة ومؤلمة بشكل متزايد. في المجتمع كان التفاوت في الثروة محدوداً، وبالتالي كانت آثاره مكبوحة، من جهة، بفعل الروابط الاجتماعية التقليدية، والالتزامات التي كانت تصل بين الغني والفقير، ومن جهة أخرى، بخصوصية حياة البيت المسلم. لقد عمقت الحداثة في كثير من الأحيان الفجوة، وحطمت الروابط الاجتماعية، وجعلت عدم التكافؤ الناشئ مرئياً بشكل مؤلم عن طريق عالمية الإعلام الحديث. كل هذه الأمور تسببت في تكوين جمهور جديد ومتقبل للتعاليم الوهابية وللجماعات ذات العقول المشابهة، ومن بينها الإخوان المسلمون في مصر وسورية والطالبان في أفغانستان.

لقد كان للثروة النفطية تأثيرات سلبية كذلك، وذلك لأنها كبحت تطور المؤسسات التمثيلية. (لا ضرائب بغير تمثيل) هو قول يميز مرحلة حاسمة في تطور الديمقراطية الغربية. ولسوء الحظ فإن العكس صحيح كذلك، فلا تمثيل بغير ضرائب. فالحكومات التي تمتلك ثروة النفط ليست في حاجة إلى المجالس الشعبية لفرض وجمع الضرائب، وبإمكانها أن تتدبر أمرها، لبعض الوقت على الأقل، عدم أخذ الرأي العام بعين الاعتبار. بل حتى هذا المصطلح ذو دلالة ضئيلة في مجتمعات كهذه[6]. ولعدم وجود أي منفذ آخر، فإن الامتعاض الجديد والمتزايد يجد التعبير في الحركات الدينية المتطرفة.

لقد أصبح المألوف الآن وصف هذه الحركات بالحركات الأصولية. ولكن المصطلح لم يحالفه التوفيق لعدد من الأسباب، فقد كان في أصله مصطلحاً أمريكياً وبروتستنتياً، استخدم لتوصيف كنائس بروتستنتية معينة تختلف في بعض النواحي عن الاتجاه العام للكنائس. وقد كان الاختلافان الرئيسيان هما لبرلة دراسة علم اللاهوت والنقد الإنجيلي، واللذين نظر إليهما على أنهما أمران لا يمكن الموافقة عليهما. لقد كانت لبرلة العلم الديني قضية بين المسلمين في الماضي وقد تكون كذلك مرة أخرى في المسقبل. ولكنها ليست كذلك في الوقت الحاضر[7]. إن كون القرآن كلاماً إلهياً ومنزهاً عن الخطأ هي عقيدة أساسية في الإسلام، ورغم أن البعض قد يشكون فيها[8]، إلا أن أحداً لم يتحداها قط.

لا يوجد أي تشابه بين هذه الاختلافات وبين تلك التي تفصل الأصوليين المسلمين عن التيار الإسلامي العام، وبالتالي فإن المصطلح قد يكون مضللاً. ولكنه على كل قد أصبح الآن متداولاً، بل إنه قد ترجم حرفياً إلى كل من العربية والفارسية والتركية.

لقد ترك انهيار القومية العربية الأصولية الإسلامية على أنها البديل الأكثر جذباً لجميع أولئك الذين شعروا أنه ينبغي أن يكون هناك شيء أفضل وأصدق وأكثر أملاً من حكامهم المستبدين غير الكفوئين، ومن  الإيديولوجيات المفلسة التي فرضت عليهم من الخارج. لقد تغذت هذه الحركات على الحرمان والإذلال وعلى الإحباط والسخط الذي دفعهم للنهوض، بعد فشل كل العلاجات السياسية والاقتصادية، سواء التي استوردها الأجانب أو ذات التقليد المحلي. كما يرى الكثيرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد جربت كل من الرأسمالية والاشتراكية وفشلتا، لم يثمر كلا النموذجين الشرقي والغربي إلا الفقر والاستبداد[9].

 قد لا يبدو عادلاً أن يلام الغرب في مرحلة ما بعد استقلال الجزائر، على سبيل المثال على السياسات الستالينية الزائفة لحكومة معادية للغرب، على فشل الأولى وعدم كفاءة الثانية. إلا أن الشعور الشعبي ليس خاطئاً بشكل كامل في رؤيته لأفكار العالم الغربي على أنها الأهم للتغيرات الكبرى التي غيرت العالم الإسلامي في القرن الأخير. وكنتيجة لذلك، فإن الكثير من الغضب في العالم الإسلامي يصب جامه على الغربيين، الذين ينظر إليهم على أنهم العدو المغرق في القدم للإسلام منذ الصدام الأول بين الخلفاء المسلمين والأباطرة المسيحيين، كما ويصب جام هذا الغضب على المتغربينأباتتت ؟، الذين ينظر إليهم على أنهم أداة أو شركاء للغرب وكخونة لدينهم ولشعبهم.

تحظى الأصولية الدينية بعدة مميزات في مقابل الأيديولوجيات المنافسة. فهي مفهومة لكل المسلمين المتعلمين وغير المتعلمين. كما أنها تطرح مجموعة من الأفكار، والشعارات والرموز المألوفة بشكل كبير وبالتالي فإنها تكون فعالة في تعبئة التأييد وفي صياغة نقد لما هو خاطئ وتطرح برنامجاً لتصحيحه. تحظى الحركات الدينية بميزة عملية أخرى هي تلك التجمعات الدينية التي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،  فهذه الدول الواقعة تحت حكم مطلق بشكل أكبر أو أقل: ديكتاتوريين بإمكانهم منع الأحزاب والتجمعات، ولكنهم لا يستطيعون منع العبادة العلنية، وكل الذي يستطيعونه التحكم بالخطب الدينية إلى مدى محدود فقط.

وكنتيجة لذلك، فإن جماعات المعارضة الدينية هي الجماعات الوحيدة التي لديها أماكن للاجتماعات المنتظمة حيث يستطيعون أن يحشدوا وأن يضعوا تحت تصرفهم شبكة لا يمكن للحكومة السيطرة عليها أو على الأقل ليست خاضعة لها بشكل كامل. وكلما كان النظام أكثر قمعاً ساعد الأصوليين بشكل أكبر بمنحهم فرصة الاحتكار العملي للمعارضة[10].

إن الراديكالية الإسلامية العسكرية ليست جديدة. فقد كان هناك حركات معارضة عسكرية عبر عنها بشكل ديني مرات عديدة منذ بداية التأثير الغربي في القرن الثامن عشر. وقد فشلت كلها حتى الآن. لقد فشلوا أحياناً بطريقة سهلة وغير مؤلمة نسبياً بتعرضهم للهزيمة والقمع، وهي الحالة التي يمنحهم فيها تاج الشهادة نوعاً من النجاح. وفي أحيان أخرى فشلوا بالطريقة الصعبة، بالحصول على السلطة، ومن ثم مواجهة مصاعب اقتصادية واجتماعية عظيمة ليس لديهم حلول لها. ما يحدث عادة أنهم يصبحون بعد فترة مستبدين ومستعلين كأسلافهم المخلوعين[11]. إنها هذه هي المرحلة التي قد يصبحون فيها خطرين. إذا استخدمنا النظرية الأوروبية، تدخل الثورة المرحلة النابوليونية، أو ربما، ينبغي القول، الستالينية. في برنامجهم للعدوان والتوسع فإن هذه الحركات ستحظى، كأسلافهم اليعقوبيين والبلاشفة، بميزة الطابور الخامس في كل دولة ومجتمع والذين يشاركونهم خطاباً عالمياً مشتركاً[12].

إذا ما تكلمنا بشكل أعم، فإن الأصوليين المسلمين هم أولئك الذين يشعرون أن مشاكل العالم الإسلامي في الوقت الحاضر ليست نتيجة لتحديث غير فعال بل للإفراط في الحداثة، التي يرونها على أنها خيانة للقيم الإسلامية الأصيلة. بالنسبة لهم فإن العلاج هو العودة إلى الإسلام الحقيقي، ونبذ جميع القوانين وجميع العادات الاجتماعية المأخوذة عن الغرب والعودة إلى القانون الإسلامي المقدس، الشريعة، باعتبارها القانون الفعال على الأرض[13]. من وجهة نظرهم، فإن الصراع الجوهري ليس مع الغربيين المتطفلين بل ضد الخونة المتغربين في بلادهم. إن أخطر أعدائهم كما يعتقدون، هم المسلمون الضالون والمرتدون الذين يحكمون بلاد العالم الإسلامي والذين قاموا باستيراد وفرض أساليب غربية في الحياة على الشعوب المسلمة.

هذه النقطة موضحة بشكل لا لبس فيه في كتيب من تأليف عبد السلام فرج[14]، وهو مصري تم اعدامه مع آخرين في نيسان من عام 1982 بتهمة التآمر والتحريض على اغتيال الرئيس السادات. وتلقي ملاحظاته بعض الضوء على دوافع هذا التصرف:

(إن قاعدة وجود الامبريالية في أراضي الإسلام هم هؤلاء الحكام أنفسهم، وأن نبدأ بالكفاح ضد الإمبريالية ليس بالعمل العظيم ولا المفيد، وهو ليس سوى إضاعة للوقت، إن واجبنا هو التركيز على قضيتنا الإسلامية، والتي هي قبل كل شيء تحكيم شريعة الله في بلادنا والعمل على نشر كلمة الله. ليس هناك شك في أن أول معركة للجهاد هي اجتثاث هذه القيادات الكافرة[15] واستبدالها بنظام إسلامي كفؤ، ومن هنا ستنطلق طاقاتنا).

في الدقائق القليلة الفاصلة بين قتل السادات وبين اعتقال قاتليه، هتف قائدهم (القاتلين) مبتهجاً بانتصاره: (لقد قتلت الفرعون! ولست خائفاً من الموت). إذا كانت خطيئة السادات، كما كان معتقداً على نحو واسع في الغرب في ذلك الوقت، في عيون قاتليه، هي صنع السلام مع إسرائيل، فقد يبدو لقب الفرعون اختياراً غير ملائم لنعته به. من الواضح، أنهم لم يكونوا يشيرون إلى الفرعون في الكتب المدرسية المصرية الحديثة، والذي يجسد عظمة وتألق مصر القديمة. إن فرعون سفر الخروج، والذي ذكر في القرآن كما في الإنجيل، على أنه الطاغية الوثني الذي يقمع شعب الله. ولاشك في أن أسامة بن لادن تحدث عن الرئيس بوش باعتباره فرعون اليوم بهذا المعنى.

في زمن الخروج (خروج بني إسرائيل من مصر) كان أبناء إسرائيل هم شعب الله. لا يعترف مسلمو اليوم في غالبيتهم بدولة إسرائيل الحديثة على أنها الوريث الشرعي لأبناء إسرائيل القدامى ـ في القرآن يطلق عليهم اسم بني إسرائيل ـ وبالتأكيد، فإن الذين اغتالوا السادات لم يوافقوا على اتفاقية مع هذه الدولة. ولكن كما يوضح الاستجواب اللاحق للقتلة ولشركائهم، فإن السلام مع إسرائيل كان، بالنسبة إليهم، ظاهرة صغيرة نسبياً وعرضية وليست أصل القضية لخطيئة أكبر هي التخلي عن الإيمان بالله، وقمع شعب الله[16]، ومحاكاة أساليب الكفار في الحياة.

 



[1] ـ يصر المؤلف على أن ينسب إلى المسلمين موقفاً رافضاً للحداثة، وعلى اعتبار المشروع الإسلامي مشروعاً (ماضوياً) يهدف إلى إعادة بناء الماضي في الحاضر. وينبع هذا الإصرار من محاولة لتشويه صورة المشروع الحضاري الإسلامي المقابل للمشروع الغربي، الذي يتحالف معه المؤلف وأشياعه حتى النهاية. المشروع الحضاري الإسلامي مشروع منفتح على معطيات العلم والفكر والثقافة، يأخذ منها كل جديد ونافع حسب تقويمه، لا حسب تقويم الآخرين. وهذا التقويم يتم على أسس وقواعد ثابتة في تاريخ الضمير الإنساني والعقل الإنساني والحضارة الإنسانية والتي تصوغها الشريعة الإسلامية في أجلى صورها. إذا كانت الحداثة  تعني التعامل اليومي مع معطيات العلم لا معطيات الهوى، مع معطيات الفكر المستقيم لا الفكر الأعوج؛ فإن المشروع الإسلامي الحضاري هو حداثي بالدرجة الأولى. وأما إذا كانت الحداثة تعني اللهاث المستمر وراء أهواء ونزوات الفرد أو التجمعات الرغائبية!! فسيكون المشروع الإسلامي بشكل طبيعي على الطرف الآخر منها.      المراجع

[2] ـ لقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحق مجدداً ومطهراً لحياة المسلمين مما علق بها من أوضار وعادات وتقاليد. لا يمكن أن يحسب محمد بن عبد الوهاب إلا على أنه رصف العتبة الأولية لتحرير العقل الإسلامي من البدع والخرافات كالتمسح بالقبور، ونذر النذور للأولياء، والتعبد بشعائر ليس لها في الإسلام أي مستند شرعي. نادى محمد بن عبد الوهاب بتصحيح التصورات العقائدية كما نادى بتصحيح أساليب وأنماط الحياة. ولكن الذي نقص محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هو شمولية الرؤية!! فقد توقف عند بعض العادات والمظاهر والسلوكيات دون أن يطرح مشروعاً شاملاً لإنقاذ الأمة من حالة الوهن التي كانت فيه. باعتبارالظروف التاريخية كان لا بد من مرور قرنين من الزمان حتى ينضج مثل هذا المشروع على أيدي مجددين كبار مثل الشيخ جمال الدين الأفغني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا ثم الشيخ حسن البنا رحمهم الله جميعاً؛ فلا يمكن للمؤلف أن يحاسب الشيخ محمد عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر عن (الحداثة!!) بمنطوق أو مفهوم القرن العشرين أو الحادي والعشرين. لا بد من الأخذ بالاعتبار الظروف التاريخية للحضارة الإنسانية أجمع. أما نزاع محمد بن عبد الوهاب مع بعض المذاهب الإسلامية الأخرى ومع سياسات الدولة العثمانية فهو بعض الحراك الفكري والعملي الذي تخوضه باستمرار حركة التجديد الإسلامي. المجدد الإسلامي لا يعتبر نفسه حائزاً على الحقيقة المطلقة، ولا ناطقاً باسمها يردد دائماً رأيي صواب يحتمل الخطأ وعلى هذا الأساس تستمر عمليات التجديد في إطار الحياة الإسلامية العامة التي كان محمد بن عبد الوهاب واحداً من مؤسسيها في العصور المتأخرة.     المراجع

[3] ـ يبدو المؤلف متحاملاً جداً على حركة محمد بن عبد الوهاب فينسب إليها كل شنيع. ومع أنه وقع كثير من الممارسات الخاطئة في تاريخ الحركة ولكن لا يمكن أن ينسب إلى هذه الحركة قتل الأطفال والنساء في الطريقة التي يويها المؤلف، لأن قتل النساء والأطفال محرم في الإسلام بشكل مطلق.    المراجع

[4] ـ يمارس المؤلف نوعاً من التحريض المكشوف على التعليم الإسلامي في الغرب وعلى المدارس الإٍسلامية الخاصة المنتشرة هناك. ويتجاوز المؤلف الحقائق عندما يوحي بأن العربية السعودية بمناهجها أو أفقها (الوهابي) تسيطر على التعليم الإسلامي الخاص في دول الغرب أجمع. فللجاليات الإٍسلامية عموماً حضورها وقواها الذاتية ومناهجها التي تدور جميعاً في إطار فهم إسلامي عام ومتجدد. لا يخلو الواقع من أخطاء محدودة. كما لا يخلو من صراعات مذهبية أو فئوية ومنها صراعات حادة تدور ضد بعض العقليات التي ترتكز إلى سلطة ما أو بين أبناء الجاليات.     المراجع

[5] ـ يضخم المؤلف كثيراً من دور العربية السعودية في نشر الإسلام والتعاليم والوهابية في العالم الإسلامي، بل إن المسلمين في العالم يشكون دائماً من لامبالاة سعودية بقضاياهم وبأوضاعهم. إن التعاليم (الوهابية) إذا جارينا المؤلف في الاصطلاح هي قليلة النفوذ في العالم الإسلامي الذي يشكل الكتلة البشرية  الضخمة للمسلمين (مصر ـ الشام ـ  الشمال الإفريقي ـ  تركيا ـ الهند ـ إندونيسيا ـ  ماليزيا ـ ومن باب أولى إيران). إن عملية التحريض ماتزال مستمرة على الحكام السعوديين، والمؤلف يسند إليهم دوراً مباشراً في تغذية ورعاية ما يسميه التطرف في العالم الإٍسلامي. كلام لا يجوز أن يمر بدون تأمل.    المراجع

[6] ـ  تبدو نبرة الاستعلاء وازدراء الآخرين واضحة في أسلوب المؤلف. هذه الحال النفسية هي بعض السبب في ما آلت إليه أوضاع الإنسانية. ليخبرنا المؤلف أين كان دور الرأي العام في الولايات المتحدة أو في بريطانيا يوم قرر ابوش وبلير احتلال العراق؟! هل كان للرأي العام في تلك المجتمعات أي وزن في القرار السياسي؟!

ثم إن المؤلف يخلط ويخبط في البحث عن جذور الصحوة الإسلامية أسبابها وأبعادها ومكوناتها ومظاهرها فهو يبحث في القرن الحادي والعشرين عن أسباب ظواهر انطلقت منذ القرن التاسع. يحاول أن يحزم العالم الإسلامي أجمع في حزمة واحدة. ويضع الحركات الإسلامية على ما بينها من تباين في الرؤية أو في المنهج في سلة واحدة كل هذا يفوت على بحثه النتائج الموضوعية المنتظرة منه.       المراجع

[7] ـ إن (لبرلة) التفكير الديني حسب تعبير المؤلف أو  تحريره من سلطة كنيسة ليس قضية بالنسبة للمسلمين لا في الماضي ولا في الحاضر ولن يكون كذلك في المستقبل، لأنه ببساطة لا كنيسة ولا أكليروس في عالم المسلمين. التفكير الديني الحر ظل متداولاً عبر العصور وظلت في الإسلام مذاهب ومدارس للفهم والاجتهاد. ما يدندن حوله المؤلف هو إخضاع القرآن للنقد قد تم لفترات متعددة من حيث منهجية النقل والثبوت وتفسير المتشابه والغريب والذي يبحث عادة تحت عنوان علوم القرآن. يبقى أن المؤلف يريد أن يطلق العنان لحملات التشكيك في الكتاب الكريم وهي المحاولة التي بدأها طه حسين مع بداية القرن العشرين في كتابه (في الشعر الجاهلي) المحاولة التي أحدثت عاصفة من المقاومة  في مصر والعالم الإسلامي.   المراجع

[8] ـ الذي يشك في أن القرآن الكريم كتاباً إلهياً منزهاً عن الخطأ لا يبقى مسلماً للحظة واحدة.   المراجع

[9] ـ وهذا تزوير آخر من المؤلف. إنه بتفحص دقيق للمكونات البشرية للحركة الإسلامية نجد أن بناء هذه الحركات يقوم على كواهل مثقفين متنورين أساتذة جامعات وطلابها وأدباء ومهندسين وأطباء درس كثير منهم في الغرب وتتلمذوا على كتبه ومناهجه ونظروا إلى واقعه بعين فاحصة. إن الحركات الإسلامية (مؤسسيها ومنتسبيها)  ينظرون إلى الغرب نظرة علمية تعترف بما لدى القوم من مؤهلات وإنجازات، وهي في الوقت نفسه ترى عيوب الغرب المختلفة، وتطرح البديل الإسلامي عن علم ووعي وليس إنطلاقاً من فقر وذلة كما يرى المؤلف. إن غرور المؤلف وشيعته ترى في الغرب الأنموذج الكامل للحضارة الإنسانية وهذا ما لا يراه المسلمون الذين نهلوا من معين القرآن.  لا يستطيع المؤلف أن يزعم مثلاً أن أسامة بن لا دن كان يعاني من الفقر أو من البطالة أو من الإحباط لعدم وجود فرصة لحياة أفضل على النمط الغربي. إن دراسة الظاهرة بموضوعية تجعلك تدرك السبب والعلاج بموضوعية وإلا فليس هناك إلا المزيد من خداع الذات.    المراجع

[10] ـ  يحسد المؤلف المسلمين على هذا المتنفس الجمعي (المسجد) أو الحلقات الدينية، ويتمنى أن تجد الأدوات التي سخرت منذ قرن لخدمة المشروع الغربي الوسيلة للسيطرة على هذا المتنفس، بعد أن صادرت الحياة العامة وجميع مؤسسات المجتمع المدني التقليدية منها والحديثة. لم يعدم الدكتاتوريون حتى اليوم وسائل ناجعة في كبت الحريات العامة والدينية منها بشكل خاص، من حيث التحكم في أوقات افتتاح المساجد، وفي أشخاص الخطباء والمدرسين،  وفي تعميم الخطب والموضوعات التي يجب على هؤلاء الالتزام بها. فليقر المؤلف وأشياعه عيناً.    المراجع

[11] ـ إذا كانت الحركات الإسلامية قد فشلت في كل مرة فكيف أصبحت مستبدة كما يصفها المؤلف؟!    المراجع

[12] ـ بهذه اللغة السوداء يحاول المؤلف أن ينقل صورة الحركات الإسلامية إلى الإنسان الغربي بل إلى صاحب القرار الغربي متجنياً على العلم والواقع والتاريخ لخدمة أهداف صهيونية خبيثة.    المراجع

[13] ـ هذا تبسيط متعمد لموقف الإسلاميين من معطيات العصر والحداثة فجوهر الموقف الإسلامي يقوم على أن الإسلام وضع أسس الحياة العامة وترك للمسلمين الاجتهاد بأن يختاروا الأساليب: النماذج والقوانين والعادات التي تناسب عصورهم وفق تلك الاسس العامة المتفق عليها، وليس المقصود العودة إلى حياة القرون الأولى بكل جزئياتها وأنماطها. ولقد تقدمت أكثر من حركة إسلامية في البلاد العربية برؤيتها المستقبلية وفق رؤية عصرية متجددة. المؤلف يضرب عن متابعة كل ذلك لكي يصور الحركات الإسلامية حركات بدائية تنشد العودة إلى حياة القرون الأولى.     المراجع

[14] ـ لماذا يلجأ المؤلف إلى كتيب مغمور لشخص مثل (عبدالسلام فرج)، مضى على تأليفه ربع قرن،  ويتغافل عن الفكر الذي تطرحه حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم العربي. لماذا يتغافل عن جوهر طروحات الإمام البنا أو كتابات عبدالقادر عودة أو المشروعات السياسية التي تقدم بها في أوائل هذا القرن كل من الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسورية واليمن والمغرب وتركيا والتي تضم برامج سياسية حقيقية.         المراجع

[15] ـ من المؤكد أن الحركات الإسلامية الكبرى ترفض ـ رغم المعاناة الأليمة ـ تكفير حكام المسلمين وإن كانت تنظر إلى تصرفاتهم بكثير من الحذر والريبة.    المراجع

[16] ـ هذا تعبير يهودي ينسبه المؤلف إلى مجموعة إسلامية، وهو بحد ذاته أحد ركائز المفاصلة مع الفكر اليهودي. إن الآية الأولى في السورة الأولى في القرآن الكريم تمجد الله سبحانه على أنه (رب العالمين)، ويستمر هذا الوصف في كل آيات القرآن. لا يمكن أن يتسلل إلى تصور أي مسلم مثقفاً كان أو عامياً أن الله هو رب المسلمين كما ظن الرئيس بوش أن الله هو ربه وحده!! كما أن المؤلف يحاول على نهجه أن يقلل من دور الخرق الذي أحدثه السادات في الموقف الإسلامي باعترافه بإسرائيل في التسبب باغتياله.   المراجع

 

السابقأعلى الصفحة

 

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ