ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 04/07/2007


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


ــ

معبر رفح .. شاهد على مأساة الشعب الفلسطيني

أ.د. محمد اسحق الريفي

العالم ينتهي – بالنسبة لمواطني قطاع غزة – عند الجانب الفلسطيني للحدود الفلسطينية المصرية التي يقبع في الجانب الآخر لها مصيدة رهيبة، حيث يعلق العائدون إلى غزة بين الأسلاك الشائكة التي تكوِّن جنبات هذه المصيدة قبل دخولهم سجناً كبيراً يضم بين جنباته مئات الآلاف من الفلسطينيين، وما بين المصيدة والسجن يشهد معبر رفح على مأساة الشعب الفلسطيني.

لا يستطيع الإنسان أن يدرك حجم هذه المأساة التي أصابت المواطن الفلسطيني، وشدة الظلم الذي وقع عليه دون ذنب ارتكبه سوى أنه فلسطيني، إلا عندما يجد نفسه عالقاً في تلك المصيدة الرهيبة وقد تقطعت به السبل، وتوقف عنده الزمان، وغابت معاني الرحمة الإنسانية، ولم يعد للكرامة الإنسانية أي معنى، وأصبح مجرد "شيء" ليس له كيان، أو أنه من غير صنف الإنسان.

والحقيقة أن هذه المأساة لا تقتصر فقط على معاناة آلاف من الفلسطينيين العالقين في تلك المصيدة الرهيبة، ويتعرضون لظروف قاسية وظالمة، انتظاراً للسماح لهم بالمرور عبر معبر رفح إلى ذلك السجن الكبير، فهي تشمل – علاوة على ذلك – معاناة شعب من حصار اقتصادي خانق، حيث يجثم على صدره احتلال صهيوني غاشم، في ظل ظلم أنظمة عربية متواطئة مع الاحتلال وضعف عربي شعبي ينعدم معه الأمل في التخلص من براثن الاحتلال.

وظلت هذه المأساة قائمة بعد إقامة سلطة أوسلو وإشرافها "الشكلي" على معبر رفح ومطار غزة الدولي، حيث بقيت السيطرة على معبر رفح والمعابر التجارية حكراً على الاحتلال، ولم يخفف مطار غزة الدولي من هذا معاناة شعباً إلا قليلاً، فقد كان الاحتلال الصهيوني لا يسمح لأي فلسطيني بالسفر انطلاقاً من مطار غزة الدولي إلا بعد اجتيازه عملية "الغربلة الأمنية" الصهيونية، هذا إن نجا من عملية الاعتقال التي أصبحت حقاً يملكه الاحتلال وفقاً لاتفاقية أوسلو.

وحتى بعد اندحار الاحتلال عن قطاع غزة، بقي الاحتلال متشبثاً بسيطرته على الحدود المصرية الفلسطينية ومعبر رفح من خلال المراقبين الدوليين الذين يخضعون لأوامر الاحتلال، وكان هذا طبعاً بموافقة سلطة أوسلو، حيث التنسيق الأمني مع الاحتلال والخنوع الكامل لأوامره.  ولذلك لم يطرأ أي تغيير جوهري على إجراءات سفر الفلسطينيين، وبقيت معاناة المسافرين الفلسطينيين كما هي، بل زادت كثيراً نتيجة لبقاء معبر رفح مغلقاً معظم أيام الأسبوع.

معبر رفح يشكل – لمعظم مواطني قطاع غزة – المنفذ الوحيد إلى العالم، لكنه في الوقت ذاته يمثل أداة لخنق غزة وإحكام الحصار الاقتصادي الظالم عليها، وهو وسيلة يستغلها الاحتلال للضغط على الشعب الفلسطيني وإلحاق أقسى أنواع المعاناة به، حيث تأتي هذه المعاناة وفقاً للعقيدة الصهيونية اليهودية التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني وتنظر إليه على أنه حشائش ضارة يجب التخلص منها بأي وسيلة، سواء أكان ذلك بقتل أبنائه، أم تجهيلهم، أم تهجيرهم، أم تغييبهم في غياهب السجون، لتتحقق المقولة الصهيونية "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

إن الحديث عن الجانب الإنساني لهذه المأساة يطول كثيراً، حيث يتعرض العالقون إلى أشد العذاب، فهم يفترشون الأرض ليلاً ويلتحفون السماء في مكان ضيق شديد الاكتظاظ لا يصلح لإيواء البهائم أو الكلاب، وقد يستمر هذا الوضع بالنسبة للعالقين إلى عشرات الأيام.  وقد توفى نتيجة هذه الظروف القاسية العديد من المسافرين المرضى، خاصة أولئك الذين أجريت لهم عمليات جراحية معقدة في المستشفيات المصرية، أو الذين يعانون من أمراض خطيرة، من الذين غادروا المستشفيات ليجدوا أنفسهم بعد شفائهم من أمراضهم في أحضان الموت.

أما الطلاب الذين عادوا من جامعاتهم ليقضوا الإجازة بين أهليهم، فقد وجودوا أنفسهم في اللامكان واللازمان، وعلقوا في المصيدة مقهورين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ومن تمكن منهم دخول غزة يجد نفسه حائراً بين مشاعر متضاربة من الهناء بلقاء الأهل، من جهة، والأمل في مفارقتهم خوفاً من البقاء في ذلك السجن الكبير إلى ما لا نهاية، من جهة أخرى.

وفي هذه المصيدة الرهيبة، تغيب وسائل الإعلام عن هذا المكان الذي لا تصل إليه مؤسسات حقوق الإنسان، وتختفي آثار جريمة العصر التي تحدث على مرأى ومسمع من الحكومة المصرية وسلطة أوسلو والمجتمع الدولي وكل الدول "المتحضرة" والمتشدقة بحقوق الإنسان وحريته وكرامته...

وقد شاهدت بأم عيني كيف تمنع الشرطة المصرية وسائل الإعلام من الوصول إلى تلك المصيدة الرهيبة، ففي ذات مرة كنت عالقاً في تلك المصيدة مع العالقين، فاقتربت من أحد ضباط المعابر لأحثه برفق على الاتصال بمؤسسات حقوق الإنسان، علَّها تفضح الاحتلال فيسمح لنا بالمرور إلى غزة، فأدركت من إجابته أن الأمر مبيَّت وينم عن توطئ وخذلان...!!

أما بالنسبة للجانب الاقتصادي لهذه المأساة الفظيعة، فإن الاحتلال الصهيوني حرص دائماً على أن يبقى الاقتصاد الفلسطينية في قبضته، ولهذا فقد أصر في كل الاتفاقيات أن يبقى معبر رفح وغيره من المعابر تحت سيطرته ومراقبته، وذلك بذريعة الأمن المزعوم للكيان الصهيوني، حيث تمثل طقوس الإغلاق والمراقبة والغربلة الأمنية عبادة للأمن الذي اتخذه الصهاينة إلهاً لهم من دون الله عز وجل ويقدمون حقوق شعبنا الفلسطيني قرباناً له.

المشكلة أن العرب الرسميين يسلمون بحق الاحتلال في خنق الشعب الفلسطيني والسيطرة على اقتصاده من خلال التحكم في المعابر والحدود، فالحكومة المصرية لا تفتح تلك المعابر – لمرور المسافرين والبضائع التجارية – إلا بأمر من حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية، حتى لو أدى ذلك إلى وأد طموحات شعبنا في التخلص من براثن الاحتلال، وحتى لو أدى ذلك إلى خنق مواطني غزة عن بكرة أبيهم حتى الموت.

وهنا تكمن المصيبة الكبرى، إذ لا مجال للحديث عن دولة فلسطينية أو اقتصاد فلسطيني مستقل في ظل تحكم الاحتلال في المعابر والحدود، ومنع الصادرات الفلسطينية من الخروج إلى دول العالم، والحؤول دون دخول الواردات العالمية إلى غزة والضفة، فالاحتلال لا يزول إلا بزوال سيطرته على الحدود والمعابر، ولا أمل لشعبنا في نيل حريته واستقلاله طالما بقيت بعض الأنظمة العربية تتنازل عن حقها في السيطرة على حدودها مع الضفة وغزة للاحتلال، ولا تفتح هذه الحدود والمعابر أمام الشعب الفلسطيني ليمارس حقه الطبيعي.

ومما يؤسف له أن الشعوب العربية لا تملك إزاء هذه المأساة سوى إلقاء المسؤولية واللوم على الاحتلال والأمريكان، وهي لا تحمِّل نفسها أو حكوماتها أي مسؤولية، وكأن الاحتلال هو وحده المسؤول عن تزويد الضفة وغزة بالطعام والغذاء والبضائع والمستلزمات.  أما العرب شعوباً وحكاماً، فهم لا يملكون سوى الصمت أو أحياناً ندب الشعب الفلسطيني حظه وما ألم به من مصائب وما أصابه من مآسي.

لقد زاد الاحتلال الصهيوني هذه المأساة بشاعة في الأيام الأخيرة، الأمر الذي يوضح الدور الذي كانت تضطلع به سلطة أوسلو فيما يتعلق بمعبر رفح تحديداً، وهو حماية أمن الاحتلال بالوكالة، فالسلطة تمثل الجهة المؤتمنة لدى الاحتلال على المعابر وأمنها، ولما فقدت هذه السلطة سيطرتها على قطاع غزة، قام الاحتلال بإغلاق معبر رفح بسبب غياب من يقوم بدوره.

والآن، في هذه الظروف الصعبة، يستنجد العالم آلاف العالقين من الفلسطينيين على معبر رفح، ولقد فقد العديد منهم حياته في تلك المصيدة الرهيبة، والعالم كله عرباً وعجماً وشعوباً وحكاماً يتحمل مسؤولية هذه الجريمة التي أصبحت من أكبر جرائم هذا العصر، فهل بقي مبرر للصمت مع استمرار هذه الجريمة البشعة ؟!!

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ