ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 29/11/2006


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

إصدارات

 

 

    ـ القضية الكردية

 

 

   ـ أبحاث    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


 

لقاء لا أنساه .. في أقبية السجون  

(1-2-3-4)

د. هشام الشامي 

صحوت من غيبوبتي ، و كنت ما أزال و يدايّ خلف ظهري مكتوفتان ، و العصابة السوداء الكئيبة فوق عينيّ ، و قد أمسك عنصران من ذئاب التحقيق المفجوعة بقدميّ و هما يسحباني على الأرض خارج غرفة التحقيق ، و رأسي الثقيل المتدلي يحتك بأرض الغرفة المبللة بالماء و الدماء ، لاشك أنها دمائي تلك التي ملأت أرض الغرفة بعد حفلة التعذيب الشديدة ، لا أدري كم مضى من الوقت منذ استدعاني العنصر المتوحش أبو كنان من زنزانتي ، و قام بوضع يديّ خلف ظهري ، و شد وثاقها بالأغلال الضيقة التي جعلتني لم أعد أحس بكفيّ اللتين انحبست الدماء فيهما و تورمتا ، و وضع عصابة سوداء عريضة فوق عينيّ و عقدها خلف رأسي بلؤم ، و أخذ يجرني في الممر الضيق بين الزنازين ، ثم أقفل باب السجن الحديدي ، و بدأنا نصعد السلم ، صعدنا حوالي عشرين درجة ، ربما ، فأنا لا أدري بالتحديد كم صعدنا ، و لا ألقي بالاً لكلمات أبي كنان البذيئة التي كان يتلفظ بها طوال طريقي إلى غرفة التحقيق ، لقد كان جلّ تفكيري يتركّز بما سيحل بي داخل الغرفة ، تلك الوجبة شبه اليومية ، و ربما كانوا كراماً بعض الأحايين و أخضعوني لوجبتين أو ثلاث من وجبات التحقيق في اليوم الواحد ، كنت أراجع خلال مسيري تلك الجلسات السابقة ، و أتسأل في نفسي : متى سينتهي هذا التحقيق اللعين ؟ ؛ هل سيستعملون صعقات الكهرباء معي هذه المرة أيضاً ؟ ؛ هل سيكتفون بالدولاب أم سيضعونني على بساط الريح ؟ ؛ يا رب أرجوك و أتوسل إليك ألا يستعملوا الكرسي الألماني فإني لم أعد أقوى على الوقوف و أحس أن فقرات ظهري السفلية قد تهشمت ؛ هل سيخلعون عني ملابسي الممزقة ؟ ؛ هل سيسكبون الماء الحار و البارد بالتناوب على جسدي العاري ؟ ؛ هل سيضربونني بالكرباج المطاطي الغليظ أم بالسلك الحديدي المفتول أم بأعواد الخيزران المنفوخة الرأس و المزودة بالدبابيس و المسامير الحديدية ؟ ؛ ماذا سيطلبون مني بعد ؟ ؛ أكثر من شهرين و أنا على هذه الحال ؛ ألم ييأسوا مني ؟ ؛ لقد قلت لهم كل شيء عني ، لقد ذكرت لهم حتى عدد رضعات الحليب التي رضعتها من أمي ؛ يريدونني أن أعترف بأنني منظم ، و أنني من الأخوان المسلمين ؛ و لكنني لا أعرف شيئاً عن الأخوان و لا عن التنظيم ؛ إلا ما أسمعه من وسائل الإعلام الرسمية التي تشتمهم و تسفهم ليل نهار ، أو من بعض الأهل و الجيران ، عن فلان الأستاذ الجامعي الذي أعتقل لأنه من الأخوان ، و فلان المحامي الذي حوصر بيته و قتل أمام زوجته و أولاده لأنه من الأخوان ، و فلان الطبيب الذي أغلق عيادته و هرب متخفّياً لأنه من الأخوان ، و فلان المهندس الذي سافر لكندا لأنه خشي من الاعتقال ، و فلان و فلان و فلان ، أكثر من ذلك لا أعرف عنهم ، هل أعترف على نفسي بشيء لم أفعله ؟، و ماذا سيحل بي إذا ما اعترفت ؟، هل سيصدقونني ؟ طبعاً سيسألونني عن زملائي في التنظيم ، و ماذا سأقول لهم حين يسألونني هذا السؤال ؟ ، و لكن إلى متى سأبقى أتحمّل هذا التعذيب الوحشي ؟ و متى سينتهي هذا المسلسل الإجرامي الطويل ؟ ، أكثر من شهرين و أنا في هذه الزنزانة الضيقة ، أنام و أنا جالس لأن طولها لا يتجاوز المتر إلا قليلاً ، أضع قدمايّ فوق فوهة المرحاض في طرف الزنزانة ، و أسند ظهري إلى الجدار الإسمنتي البارد و الذي يتصبب رطوبة و عفناً ، لا ضوء إلا ما يصلني عبر الفتحة الصغيرة المسدودة بقضبان الحديد في سقف زنزانتي من ذلك المصباح البعيد ذي الضوء الأصفر الكئيب و المعلق في سقف الممر الطويل ، لا أعرف الليل من النهار إلا من حملات التعذيب التي تشتد و تتكثف ليلاً بعد أن ينام البشر ؛ و من وجبات الطعام الهزيلة التي يوزعونها علينا في النهار ، و لا خبر إلا ما أسمعه من كلام بذيء يوجهه سجاني السوء لأولئك المساكين المعزولين في زنازينهم ، و لا خروج إلا إلى غرف التحقيق المشؤومة ، ماذا حل بأمي و أبي بعد اعتقالي يا ترى ؟ ، هل سمعوا باعتقالي أصلاً ؟ ، هل يعرفون في أي فرع من فروع المخابرات الكثيرة أقبع الآن ؟ ، أعانك الله يا أمي فأنت لمّا يلتئم جرحك بأخي الشهيد بعد ، أعانك الله يا أبي فقد كنت تأمل أن أدرس الطب أو الهندسة ؛ و لا ترضى عنهما بديلاً ، هل الله يعاقبني هذا العقاب القاسي لأنني لم أخبركما ما عزمت على دراسته دون رضاكما ؟ ، و لكنكما لن تقبلا بهذا الاختصاص أبداً ، و لن توافقا أن أنفذ هذه الرغبة التي كانت تشدّني إليها دائماً ، كنتما لا تسمحان لي بمجرد مناقشة الأمر معكما ، سامحاني يا والديّ الحبيبين ، سامحاني و لا تحرماني من دعائكما ، فأنا بأمس الحاجة له في هذا القبر المظلم المحكم ، و أنا لم أعص لكما أمراً من قبل طوال حياتي ، و كم كنت أتمنى أن أحقق رغبتكما ، لكن هناك قوة عظيمة تمنعني من ذلك ، هناك أمر يعشعش في داخلي و يملأ فكري منذ نعومة أظافري ، هناك وصية أخي الشهيد أحمد التي لم تغب عن خاطري لحظة واحدة ، أشعر أنها أمانة و لا بد لي من أدائها .....

و بينما أنا مسترسل في أفكاري و أحلام يقظتي ، دفعني أبو كنان داخل غرفة التحقيق بعنف و هو يقول بصوته المخيف : - جبتو سيدي .

و ما إن وطئت قدماي أرض الغرفة حتى انهالت علي اللكمات و الضربات من كل اتجاه ، و صوبت نحو كل منطقة من جسدي دفعات سريعة و متتالية و عنيفة من الرفسات و الصفعات و القبضات ، و صاح كبير مجرميهم : - ما بدك تعترف بقى يا عرص ، عامل حالك فهمان ، و الله لكسر عضامك تكسير ، حطوه بالدولاب .

و بلمح البصر ، سحبني عنصران و طرحاني أرضاً و قوسا ظهري و أدخلاه مع رأسي في دولاب سيارة مطاطي ( عجل ) ، بينما سحب عنصر ثالث قدمايّ و وضعهما داخل الدولاب ، و بدأت سمفونية الكرابيج تعزف بانتظام على أخمصي قدميّ المتورمتين أصلاً من حفلات التعذيب السابقة ، و اللتين ما تزالان تنزفان دماً ، و تنزان صديداً و قيحاً منذ الحفلة الأولى قبل أكثر من شهرين و حتى الآن ، فبعد الحفلة الأولى انتفخت بطنا قدمي و تورمتا ، و ظهرت فقاعات ضخمة ممتلئة بالماء و الدماء تحت جلديهما ، و ازرقت قدماي و ساقيّ حتى أسفل الركبة ، ثم انفتحت تلك الفقاعات و بدأت تنز دماً و قيحاً و صديداً ، و شيئاً فشيئاً انحفرت فيهما حفرتان بحجم البيضة ، و أصبحت أسير عندما أسير ( إلى التحقيق حتماً ) على طرفي قدميّ الخارجيتين ، و كأني كسيح مقوس الساقين .

لا أدري كم استمرت تلك المعزوفة الصاخبة ، ربما ربع ساعة ، كنت أسمع سبابهم القبيح و شتائمهم المتكررة ، و كانوا يمررون أحياناً بعض الجمل المقصودة ، من مثل : - بدك تعترف غصب عنك يا منيـ.. ، لسا بتكبر راس ، ولاك ما بتشبع قتل ولا ، و الله لنيـ.. أمك ، شو مفكر حالك ولاه ، نعمى بعيونك نعمى ، الأكبر منك اعترفوا ، مين نظمك ولا؟ ....

كنت أصرخ بقوة من شدة الألم ، و استنجد و أقول :

- مشان الله ، مشان محمد ، ارحموني ، و الله ما بعرف شيء ، و الله كلشي بعرفوا قلتوا ، ما عدت اتحمل ، رح موت دخيلكون ...

كانوا يشتمون الله بجرأة غريبة ، و يسبون محمداً بحقد عجيب ، و يشتمون عرضي و ديني و شرفي بلا رحمة و لا شفقة ..

ثم صرخ كبيرهم : - حطوه عالكرسي ، خليه ينشل بقى ،بدي نيـ.. أمّوا ...

و بلمح البصر رفعوني من الدولاب الذي كان صدري يعانق ركبتاي داخله ، و بطحوني على بطني فوق سطح خشبي طويل ، ثم بدؤوا يعطفون ظهري إلى الخلف ويقوسون بطني، حتى كاد ظهري ينطبق على إليتيّ ، و شعرت أن فقراتي القطنية قد انحشرت ببعضها ، و بدؤوا يضربونني بالكبلات المعدنية و الكرابيج المطاطية على كل ناحية من جسدي ، و كلما فقدت وعيي من شدة الألم و التعذيب كانوا يصبون المياه فوق رأسي و جسدي و يتابعون وجبتهم الدسمة بشره و نهم ، ثم وضعوا سلكين في أذناي ، و بدؤوا يصعقونني بالكهرباء ، فكلما سرت صعقة ، اصطكت أسناني ببعضهما ، و تقلصت عضلات وجهي في كل اتجاه ، و عضضت على لساني ، و شعرت أنني قطعته بأسناني ، و بدأت الدماء تسيل مع لعاني .

كانوا لا يكفون عن تعذيبي ، حتى أقول لهم : - خلص ؛ خلص ؛ و الله لأحكي ؛ اتركوني ..

فيقول كبيرهم : - اتركوه لشوف ؛ حكي و لا .

فأقول : - و الله ما بعرف شي ، كلشي بعرفوا قلتوا ..

فيتابعون عملهم من جديد و بشكل أشد مما سبق .

و بعد زمن لا أستطيع تحديده ، لكنه طويل جداً جداً ، استيقظت من غيبوبتي و هم يسحبونني من قدميّ خارج الغرفة ، و سمعت كبيرهم يقول : - خدوا هالمنيـ.. لعند الكلب المتوحش .

ثم رموني خارج الغرفة مكبوباً على الأرض لدقائق ، و أنا أتساءل خائفاً : - هل بدأ نوع جديد من التعذيب ؟ ، هل سيعذبونني بالكلاب الجارحة ؟ ، هل سيرمونني بينهم ؟ ، يالله لم أعد أتحمل ، يا رب ارحمني من هؤلاء المجرمين ، خلصني منهم ، يا رب لم يعد بي طاقة على العذاب ..

ثم جاءني أبو كنان ثانية ، و سحبني من يدي بقرف و هو يقول : - اتحرك ولا ، أحسن ما جرك عالدرج جر ، ما بدك تعترف يا منـ...

و تحاملت على نفسي ، و بدأت أحاول السير على أطراف قدميّ المتورمتين ، و كلما تعثرت ، شتمني أبو كنان و سحبني من جديد ، حتى وصل بي إلى باب زنزانتي ، ففك وثاق يديّ ، و رفع العصابة عن عينيّ ، و دفعني داخل زنزانتي و هو يشتمني ، ثم أغلق الباب بشدة ، و سحب المزلاج ، و وضع القفل الغليظ ، ثم انصرف ينهق كالحمار و هو يغني .

جلست أفكر بيني و بين نفسي ، لماذا أرجعوني إلى زنزانتي ؟ ، لماذا لم يأخذوني إلى الكلب المتوحش كما أمرهم كبيرهم ؟ ، لا بد أنهم سيعودون و يأخذونني إلى هناك ؟ ، ما هو شكل ذلك الكلب ؟ ، لا بد أنه أسود ضخم ، لا بد أنه يلهث جوعاً و عطشاً ، كيف سيهجم علي و كيف سأتعامل معه ؟ هل سأستطيع أن أقاومه و أنا محطم هكذا ؟، يا رب ماذا سأفعل ؟ يا رب ارحمني ، لقد أنساني هذا التفكير آلام جسدي الشديدة و التي كنت أعاني منها في تلك اللحظات ، كنت أغسل قدماي من الدماء بقليل من الماء فوق فوهة المرحاض ، و أمسح وجهي بالماء و أجففه بطرف قميصي ، أنه قميصي و بنطالي الذي دخلت بهما إلى السجن قبل شهرين ، لقد تجمدت الدماء و اختلطت بالعرق و الأوساخ فوق ملابسي ، و أصبحت رائحتها نتنة عفنة ، كنت عادة ما أغسلها بالماء بعد عودتي من جلسات التعذيب و أنشرها على باب الزنزانة الحديدي ، و أجلس بملابسي الداخلية أرتجف برداً حتى تجف ، و لكنني اليوم لا أجرأ على غسلها ، لأنني أخاف أن يعودوا ، لا بد أنهم سيعودون و ينفذون أمر سيدهم اللئيم ، لا بد أنهم سيأخذونني إلى الكلب المتوحش الجائع ليتابع نهش ما بقي من جسدي المتورم ...

و بينما أنا استجمع قوتي و أراجع أفكاري المتشتتة ، سمعت قدما أبي كنان اللئيم تطرق الأرض و تكسر صمت ليل السجن الرهيب ، لقد حفظت صوت مشيته و عطاسه و تنحيحته ، و أصبحت أميّزها عن مشية سجانيّ الآخرين ، أنه يمشي و يدب على الأرض دباً كبغل ثقيل ، أنه قادم نحوي الآن ، نعم ، لقد اقترب من زنزانتي ، ها هو يضع المفتاح في قفل زنزانتي ، و يفتح الباب ، سيأخذني إلى الكلب المتوحش حتماً ، يا الله أعني .....

فتح السجان أبو كنان باب زنزانتي و صاح بي : - طلاع ولا .

يا الله ، إلى أين سيأخذني هذا اللئيم فوجهه لا يأتي إلا بالسوء و الشر؟ ، صحيح أنني كنت أتوجس خيفة كلما أخرجوني من الزنزانة ، فأنا لا أخرج منها إلا إلى التحقيق ، لكنني هذه المرة ترتعد مفاصلي و أشعر بخوف لم أشعر بمثله من قبل ، و أحب أن أموت داخل زنزانتي على أن أخرج منها ، لا أريد أن أرى ذلك الكلب المتوحش الذي أمرهم سيدهم المتعجرف أن يأخذوني إليه ، لم يعد بي قوة على تحمل أي عذاب جديد ، لقد خارت عزيمتي ، و ضج صبري ، و انهارت صحتي ، يا الله كن معي ، يا الله ارحمني و خلصني من هؤلاء المجرمين الظالمين الذين ماتت قلوبهم ، و انتحرت إنسانيتهم ، و ظهرت ساديتهم ...

و بينما أنا أتثاقل لا أريد أن أتحرك من مجلسي ، صاح أبو كنان بعصبية لا تفارق طبعه :

- بتقوم ولا جيب الكبل ولا .

- إلى أين ستأخذني ؟. قلت له بصوتي المرتجف .

- إلى بيت أمك . أجابني ساخراً .

استندت إلى الحائط و أنا أحاول الوقوف ، فقدماي المتورمتان و المتشققتان تؤلماني بشدة ، و أسفل ظهري يلمع و يبرق و يرعد ، و هناك المجهول الذي ينتظرني و يشدني إلى مكاني و يمنعني من الوقوف ، قمت بصعوبة بالغة كما يقوم الجمل الكسيح من مرقده ، و أبو كنان يصرخ بي قائلاً :

- قوم قوم حاجة دلال يا منيـ...

وقفت على طرفي قدميّ الخارجيين و أنا محني الظهر ، و خرجت متثاقلاً كعجوز مريض أكل عليه الدهر و شرب ، فصاح أبو كنان من جديد :

- جيب غراضك ولاك .

- ما معي غير صباطي ( حذائي ) و ما عاد يدخل بإجري ( قدميّ ) .

- شيلوا عراسك يا حمار .

ما أصعب أن أحني ظهري لأحمله ، لكنني فعلت مكرهاً و وضعته تحت إبطي و سرت خلف سجاني اللئيم كما تتهادى البطة السمينة ، و هو يصرخ بي :

- اطلّع قدامك ولا ، لا تتلفت يمين و شمال بنيـ ... أمك ها .

قطعنا الممر الضيق بين الزنازين حيث كانت زنزانتي في طرفها البعيد ، ثم دخلنا ممراً أخر يفصل بين زنازين جديدة في الجهة المقابلة أعرفها من أبوابها الحديدية الصدئة المتجاورة و المتقابلة ، و رائحتها الكريهة ، و كأنني في حمامات مدرستي الابتدائية القديمة التي بناها العثمانيون و هدها التحديث و التنظيم الذي غير كل شيء بعاصمة الأمويين .

و في آخر الممر دفع أبو كنان باب أحدى الزنازين الغير مغلقة بقدمه و هو يصرخ :

- ادخول يا عرص ، انشالله بسمع صوتك .

نظرت داخل الزنزانة و كأنني أتفحص ما بداخلها قبل أن ألجها ، هل فيها ذلك الكلب المتوحش ؟ ، الحمد لله وجدتها فارغة ، ليس فيها مخلوق ، فتجرأت و استندت على طرف باب الزنزانة لأرفع قدمي و أصعد تلك الدرجة الموجودة على باب الزنزانة ، فدفعني أبو كنان بعنف و رماني على أرض الزنزانة ، و لأن قدميّ بقيتا خارج الزنزانة ، قام بركلهما بقدمه بعنف كما يرفس كرة قدم ، فصرخت صرخة شديدة من ألم صاعق لا يحتمل ، ثم أغلق الباب بقوة ، و غادر و هو يشتمني و ينهق كالحمار .

كانت الزنزانة الجديدة أكبر قليلاً من سابقتها التي قضيت فيها ما يزيد عن شهرين ، فطولها يقارب المترين و عرضها يزيد عن المتر قليلاً ، و كانت نظيفة بعض الشيء ، فيها فرش و بطانيات ، و فيها بعض الملابس المعلقة على مسمار دق في الحائط ، و كأنها مسكونة من نزيل و لكنه غير موجود ، و في زاوية الزنزانة الداخلية كانت هناك علبة لحفظ الطعام و بجوارها كيس فيه بعض الفاكهة ، و لأنني أتضوّر جوعاً ، و فقدت حوالي ربع وزني خلال الشهرين الماضيين ، فتحت العلبة لأنظر ما بداخلها ، يا الله ، ماذا أرى ؟ ، إنها رقائق الأوزي التي تفوح منها رائحة السمن العربي و المحشوّة بالرز و اللحم و البازلاء و المكسرات ، يا الله ، بعد شهرين لم أتناول فيهما سوى الرز و مرق البندورة يوماً ، و في اليوم الذي يليه البرغل و المرق الذي يكون فارغاً عادة إلا من بعض قطع البطاطا أو الكوسا أو الباذنجان أحياناً ، أما الرز المنقوع بالماء و الخالي من السمن و الشحوم الثلاثية و الكولسترول ( حفاظاً على الصحة طبعاً !! ) و الغير مطهو جيداً فكان يتكسر تحت أسناننا وكأننا نأكل زجاجاً ، مما جعلني أفضل ( و على غير عادتي خارج السجن حيث العز للرز ) البرغل عليه ، فهو مقبول الطعم سواء طهي جيداً أم لا ( مخبوص أم مدردر ) رغم أنني أظن أن الكلاب ( أعزكم الله ) لا تأكله خارج السجن لو رأته بهذه الحالة المزرية التي يقدمونه لنا و فلفله الحصى و الأوساخ و الحشرات المنزلية فقط ( لكن الجوع كافر ) ، بعد شهرين من الجوع و الحرمان أجد أول ما أجد أمامي تلك الوجبة التي أفضلها و أعشقها ، و التي كانت أمي – آه أين أنت يا أمي الآن ؟ - تسألني بابتسامتها المحببة المعهودة عندما أعود من مدرستي جائعاً - كلما حضّرتها - هل تدري ماذا طبخت لك اليوم ؟ . فأعرف من ابتسامتها و طريقة سؤالها ؛ إنه الأوزي الوجبة التي أحب ؛ فأقول لها : لقد عرفت يا أمي ، لقد عرفت ، الله لا يحرمني منك و من أكلاتك اللذيذة ، هاتي أربع خمس رقائق يسدوا جوعنا . و نضحك سوياً و نحن نتجه إلى المطبخ لنجلس إلى طاولة الطعام .

و لكن ؛ كيف عرفوا أنني أعشق الأوزي ؟ ، و من أحضر هذه الوجبة الدسمة لي ؟ ، و رغم جوعي المزمن الشديد ، أصحو من حلمي الجميل ، و أتذكر أن الزنزانة فيها حاجات أخرى غير الطعام ، و فيها أغراض شخصية ربما لنزيل آخر خرج للتحقيق أو أمر آخر و سوف يعود ، فأغلق حافظة الطعام مكرهاً ، و أبلع ريقي الذي كان يتدفق كنبع بردى قبل أن يجففه طغيان الظلم و الفساد ، و أضع يدي على معدتي التي كانت تفرك من شدة الجوع ، و كأني أقول لها : صبراً يا معدتي العزيزة ، صبراً و رفقاً بي ، لا تقرقعي و لا تتصارعي ، فغداً سوف يكون موعدنا مع البرغل و المرق اللذيذين .

و يقبل أبو كنان ثانية ، و يفتح باب زنزانتي ، و يدخل علي رجل وسيم مربوع القامة لا توجد عليه أثار تعذيب واضحة و يلبس ثوباً رمادياً ( كلابية ) نظيفاً ، و ما إن يغلق أبو كنان باب الزنزانة خلفه ، حتى يقول لي :

- السلام عليكم ، كيفك ، الله أكبر شو هادا ؟ . قالها و هو يشير لقدمي المتورمتين .

- الحمد لله ، ما في شي ، طبيعي. أجبته متوجساً .

- هادا كلو أتل ( تعذيب ) ، مو معقول ، كيف عما تتحمل ؟. قال و هو يجلس بجانبي و يسند ظهره إلى حائط الزنزانة .

- و الله ما عدت اتحمل ، بس شو بدي ساوي .

- ليش عما يأتلوك هالأتل ، شو بدن منك ؟، لا تخاف أنا سجين متلك .

- بس ما مبين عليك أنك سجين متلي ، يعني عدم المؤاخزة ، زنزانة نضيفة ، و تياب نضيفة ، و أكل بيتوتي ، و ما في أسار تعزيب .

- أنا صرلي أكثر من ست شهور محبوس ، أكلت أتل أكثر منك بكتير . قال لي ، و هو يكشف لي و يريني ندب التعذيب الواضحة على مرفقيه و ركبتيه و تابع : لما ما عدت اتحمل ، و لقيت ما في مجال لازم اعترف متل ما بدون ، اعترفت و خلصت من التعزيب ، و حطوني بهالزنزانة ، و صاروا يجيبولي زيارات ، و اليوم كانت مرتي و ابني و بنتي بالزيارة ، حتى جابولي أوزي و شوية فواكه . و فتح محفظة الطعام ليريني الأوزي الحبيب و تابع : أكيد أنت جوعان ، تفضل كول ، هدول إلك ، ترى أنا تغديت و تعشيت أوزي ، تفضل و الله لتاكل .

- لاء ، شكراً ، ما ني جوعان . أجبته و أنا أتحسر على قطعة واحدة من رقائق الأوزي تسكت قرقرات بطني الفارغة .

- كيف مانك جوعان ؟ ؛ شو ما بعرف شو جابوا غدا و عشا اليوم ، أنا ما أخدت شي ؛ قلتلن ما بدي ؛ عطون لغيري ؛ أنا عندي أكل ؛ كول يا ابني كول ؛ هدول إلك . قالها و هو يناولني قطعة من الأوزي .

أخذتها من يده ، و قضمت جزءاً من طرفها ، و ظهر الرز الأبيض و الصنوبر و اللحم و البازلاء في داخلها ، و رحت أتذوقها بتلذذ ، لكنني وجدت صعوبة في بلع أول لقمة ، ربما لأنني خائف و متوتر ، و ربما لأنني نسيت كيف يؤكل مثل هذا الطعام اللذيذ ، و شعر مضيفي بغصتي ، فأخذ كأساً و ملأه ماء ثم ناولني إياه و هو يقول :

- اشرب و كول على مهلك ، ترى بدك تاكل هدول كلن ، هدول نصيبك ، كول و أنا رح نضفلك إجريك و أعملك مساج و ضمدلك جراحك ، خاف يصير فيهن غرغرينا ، أنا شفت واحد سجين صار باجريه غرغرينا و اتأخروا ما أسعفوه ، و كان يصيح و ما ينام الليل من الألم ، و بعدين أخدوه عالمستشفى و قطعولوا اجروا و رجعوه بعد أسبوع و بعدين مات لأن الغرغرينا مشيت بدمه .

و جلست أتناول طعامي اللذيذ و صاحبي يقص علي من مآسي السجن الرهيبة ، و أغصّ فأدفع لقمتي بالماء ، كمن يأكل طعاماً لذيذاً في مقبرة موحشة ....

كنت و كلما انتهيت من تناول إحدى رقائق الأوزي اللذيذة ، ناولني صاحبي أخرى ؛ و هو يتابع سرد المزيد من قصص السجن المأساوية ، مما عاناه و عاينه و سمعه خلال الأشهر الماضية في هذا القبو المظلم الرهيب ، و كانت كل قصصه المأساوية تنتهي باعتراف السجين المسكين - كما يريد المحققون - بأنه منظم ، و كأنه كان يريد أن يقول لي : لا فائدة من الإنكار ، و لا بد من الاعتراف في نهاية الأمر بما يطلبه المحققون ، فوفّر عنك معاناتك في جلسات التعذيب و اعترف بما يطلبون منك . و لم ينتهِ سرد القصص حتى أتيت على كامل رقائق الأوزي اللذيذة و الموجودة في حافظة الطعام ، فقال لي صاحبي :

- صحة ، ألف صحة إن شاء الله .

- دايمه إن شاء الله . أجبته ؛ ثم تداركت نفسي و قلت و أنا أبتسم : بس خارج السجن طبعاً .

- آآآه ، إن شاء الله . قالها و هو يزفر زفرة حارة طويلة .

- بس أنا شو بدي اعترف ؛ ما ني عرفان .

- ليش شو قصتك .

- قصتي آه على قصتي ! ؛ أنا طالب حصلت عالثانوية هالسنة ، و رحت – و بِدون ما خبّر أهلي يلي كانوا رافضين فكرة التطوع بالجيش بالمرّة و بَدون مني سجل بكلية الطب أو الهندسة حصراً ، و خصوصاً أنني وحيدهم بعد استشهاد أخي ؛ و صغيرهم المدلل الذي جاءهم على كبر- أنا و ستة من زملائي بالمدرسة لإجراء الفحص المطلوب للتطوع في الكلية الجوية بنادي الضباط بدنا نصير طيارين و ندافع عن الوطن مثل ما كنا عما نخطط و اتفقنا على هالشي خلال السنة الدراسية ، و خضعنا لكل الفحوص الطبية المطلوبة و بقي منا ثلاثة اجتازوا كل الفحوص بنجاح ؛ أنا واحد منن ، اجتزنا على مدى يومين كل الفحوص الباطنية و العينية و الأذنية و الشعاعية و المخبرية و القلبية و الجلدية ، و ما بقي علينا إلا الفحص الثقافي ، و بالفعل دخلت على مساعد أول ؛ ضخم الجثة ؛ قبيح المنظر ؛ له شارب طويل ، و كرش مقذع ، و يلبس ثيابه العسكرية ؛ و يضع على صدره شعار فنيين الدفاع الجوي ؛ لإجراء فحص الثقافة القومية ، فسألني عن اسمي الكامل ، ثم سألني : منين هنت ( أنت ) . قلتلو : من المهاجرين ( و هو يعلم أن الفحص في هذا اليوم لأبناء مدينة دمشق حصراً ) ، قلي : بعرف ، هنت كاتب عنوانك في طلب الالتحاق قدامي ، بدي منين أصل العيلة . قلتلوا : من الميدان . قلي : شو بقربك الطيار الشهيد أحمد يلي استشهد بحرب تشرين . قلتلوا : أخي . قلي : ما بكفّي قدمتوا شهيد للوطن ، روح علاماتك كويسة ، ادخول أي فرع تاني أحسنلك . قلتلوا بحماس و اندفاع صادق : بدي أخود بتار أخي ؛ أنا وعدتوا و أنا طفل أنوا أخد بتاروا من اليهود ؛ كان يقلي الله يرحموا بوكره اليهود بدون يقتلوني مين بدوا ياخود بتاري فأجيبه أنا. فقلي باستخفاف و استهزاء : و الله وطني و الله ؛ روح انقلع ، إنت بتدوخ إذا طلعت بالطيارة ، معك فقر دم . قلتلوا : كيف ؟ ، أنا رياضي و صحتي جيدة و بحياتي ما دخت ، و تحاليلي ممتازة ، و نجحت بالفحص الطبي كلوا . قلي : شو بعرفك هنت ؛ أنا عم قلك ما بتنفع ؛ لا تعاند ؛ روح قباض فلوسك عن هاليومين إلي قضيتن معنا من المحاسب و انقلع . قلتلوا : حرام عليك تحرمني من حلمي و حلم أخي الشهيد من قبلي ؛ حرام عليك بدي دافع عن وطني ؛ بدي آخد بتار أخي . قلي : شو هنت ما نتفهم ؛ لا تضيع وقتي ؛ عندي غيرك ؛ انقلع برّا أحسن ما جبلك الشرطة العسكرية . قلتلوا : ما في قوة بالدنيه بتمنعني أنوا حقق حلمي و إني أوفي بوعدي لأخي ؛ إنت ما بتخاف الله . فرفع سماعة الهاتف و تكلم بغضب قائلاً : بعتلي دورية الشرطة فوراً . ثم جاء عنصران من الشرطة العسكرية مدججان بالسلاح . فقال لهم المساعد : خدوا هالعرص عما يسب الرئيس قدامي ؛ قال نحن ما بدنا ناخدوا لأنوا مو علوي ؛ بدون يدخلوا الجيش مشان يعلموا انقلاب و يستلموا البلد . فقلت خائفاً مستغرباً من هذا الكلام : و الله ما سبيت حدا ؛ و الله كذاب بدوا يبليني بلوه . فأمسك العنصران بي و أخذاني إلى غرفة صغيرة داخل النادي ، و حبساني فيها وحيداً ، و أغلقا الباب علي . و بقيت في الغرفة أكثر من أربع ساعات دون أن يكلمني أحد ، ثم جاءت دورية المخابرات و أخذتني إلى هذا الفرع في نفس الليلة .

كان صاحبي يصغي إلي باهتمام و إنعام و إمعان ، و لا يحب أن يقاطعني ، و ما إن توقفت قليلاً عن الكلام لأستجمع قوتي المنهارة ؛ و لأملأ صدري من هواء الزنزانة المخنوقة المنقوصة الأكسجين ؛ حتى قال لي :

- ليش شو اسمك ؟ .

- هشام .. هشام الشامي .

- أخوك الشهيد الملازم أول الطيار أحمد الشامي موهيك ؟.

- نعم ، أخي الأكبر و أخي الوحيد و بيننا ثلاث بنات و أنا الصغير بينهم ، هو حبيبي ، و أستاذي و أمثولتي و قدوتي ، لا أنساه و لا يغيب عن بالي لحظة واحدة ؛ كان يلاعبني و يرفعني على أكتافه و أنا صغير و يقول لي : أنا بوكره بستشهد ؛ و بقتلوني اليهود ؛ بس ما ني زعلان ؛ لأنو في إلي أخ بطل ؛ بوكره بياخد بتاري ، مو هيك يا أبو الوليد ؛ كان يلقبني أبو الوليد من صغري تيمناً بخالد بن الوليد ؛ و كان لا يفكر إلا في وطنه و الدفاع عنه ؛ و كان يرفض الزواج رفضاً تاماً ؛ و عندما كانت أمي تلح عليه و تقول له : حاجتك بقه ؛ بدي أفرح فيك ؛ شو ناقصك ؛ بدي أخطبلك غصب عنك ؛ روح كمّل نص دينك . كان رحمه الله يهدئها و يقول لها : يا أمي ؛ يا حبيبتي ؛ أنا طيار ؛ و روحي على كفي ؛ ما بعرف إيمتى بموت ؛ ليش لأظلم بنات الناس ؛ و أتركها مع أطفالها الأيتام تعاني من بعدي ، ثم يستدرك و يلطف الجو بمزحة لطيفة كعادته : بعدين وين بدي لاقي متلك ؛ أنا ما بتجوز إلا وحده متلك ؛ إذا في وحده متلك بالضبط قليلي عنا و بتجوزه على طول . فتقول له : حاجة دهلزه حاجه ؛ إنت واحد مزعبر . كنت أقص و أشرح لصديقي بإسهاب و تفصيل ؛ عن أهلي الذين أحبهم أكثر من روحي ؛ و كأنني بعد هذا السجن الانفرادي الطويل أكبت داخلي كلاماً كثيراً أريد أن أبوح به لشخص يحب أن يسمعني ؛ و أريد أن أهرب من هذا الجو الكئيب الرهيب إلى ذكرياتي التي لم و لن تغيب لحظة عن خاطري ؛ هذا الاندماج العاطفي بيني و بين ما أقص جعلني أنسى دموع صاحبي التي كانت قد بدأت تعبر من عينيه مع بداية حديثي له ، و لم أقطع حديثي حتى أنفجر صاحبي يجهش بالبكاء و كأنه طفل صغير . لقد شعرت عندما ذكر لي اسم أخي و رتبته و عمله و كأنه قد سمع به أو حتى يعرفه من قبل لأن عمره يبدو قريباً من عمر أخي المرحوم ؛ لكنني لم أستغرب من ذلك ؛ فقد كانت جنازته مهيبة ، سمعت بها دمشق كلها ، و كأن عاصمة الأمويين قد خرجت عن بكرة أبيها تودعه بشيبها و شبابها إلى مثواه الأخير ؛ كانوا يسيرون بجنازته مرفوعاً على أكتافهم في موكب عظيم كطوفان هادر ، و كان هتافهم و هم و يرددون ( لا إله إلا الله * و الشهيد حبيب الله ) تهتز من صداه أبنية المدينة الشاهقة ؛ و يمخر عباب السماء الحزينة و المتلبدة بالغيوم الكثيفة . لكنني حقاً اندهشت و تفاجأت من بكاء صاحب زنزانتي الكريم ؛ الذي انفجر البكاء كالبركان من صدره ....

لقد كان صاحبي يجهش بالبكاء بصوت عالٍ ؛ حتى خشيت أن يسمعنا أحد السجانين الحاقدين ؛ و خصوصاً أن زنزانتنا قريبة جداً من باب السجن ؛ عكس زنزانتي السابقة المعزولة ؛ و لقد كان بكاؤه غريباً بعض الشيء ؛ و أثار في داخلي تساؤلات عديدة ، فقد أحسست به عندما دخل علي بأنه رجل ذو شخصية جادة قوية خبرت و عجنت الحياة و علكتها ، و بدا لي بأنه رجل حكيم خبير يحمل شخصية قوية واثقة بالنفس ؛ و أحسست براحة من لقاءه و كأني أعرفه من سنين ؛ و قد كان كأخ كبير يخفف عني و يواسيني و يساعدني و يضمد جراحي ، و ما إن سمع قصتي حتى انفجر بالبكاء كطفل صغير ، و انقلب السحر على الساحر ؛ و بدأت أواسيه و أخفف عنه ؛ و أرجوه رغم صغر سني بالنسبة له أن يخفض صوته و يتماسك نفسه قبل أن يسمعنا أحد السجانين ؛ فيفتح علينا باب الزنزانة و يعكر صفو جلسة التعارف و التصارح بيننا ، و أخذت أغسل يدي بالماء و أمسح بها وجهه ؛ و أعطيته منشفته ليمسح بها وجهه . و ما إن هدأ قليلاً و استمسك قوته ؛ حتى سألته :

- ما الذي أبكاك هذا البكاء الشديد ؛ و كأن قصتي قد قلّبت عليك المواجع ؛ و نكأت جروحاً قديمة لديك ؟ .

- نعم يا أبا الوليد ؛ أحمد الله أنني اجتمعت معك قبل تورطي و فوات الأوان .

- الحمد لله ؛ بماذا كنت ستتورط ؟ .

- اسمع يا أبو وليد ؛ إن الله أرسلك لي لكي لا أنزلق في متاهات لا يعلم حدودها إلا هو ؛ فبعد أشهر من حملات التعذيب التي تعرضت لها في هذا الفرع الرهيب ؛ و رغم يقينهم أن الشكوى ضدي كيدية ؛ و أنني بريء من التهم التي وجهت لي ، لكنهم أرادوا أن يضغطوا علي و يجعلوني أعمل لصالحهم ، و قالوا لي : سنفتح لك الزيارات ؛ و سنسمح لعائلتك أن تزورك كل أسبوع ؛ و سنضعك بزنزانة نظيفة ؛ و إذا ما ساعدتنا و أقنعت المساجين بالاعتراف بما هو مطلوب منهم ؛ فسنفرج عنك و لن نرسلك إلى سجن تدمر ؛ و ما أدراكما سجن تدمر ؟! ؛ و أعطاني المقدم رئيس فرع التحقيق اسماً حركياً هو الكلب المتوحش ؛ و بالفعل نقلوني إلى هذه الزنزانة ؛ و زارتني والدتي و زوجتي في الأسبوع الماضي ؛ وطلبتُ منهما أن أرى ولديّ سمر و سمير ؛ و فعلاً رأيتهما لأول مرة منذ أكثر من ستة أشهر ليلة أمس ؛ فقد جاءا مع والدتهما ؛ و جلسنا نبكي جميعاً أكثر من نصف ساعة ؛ و بعد أن صرخ المساعد انتهت الزيارة ؛ تمسكا بي و رفضا أن يتركاني و هما يقولان : لا تتركنا يا بابا ؛ نحن ما منحسن نعيش من غيرك ؛ خليك معنا ؛ إمتى بدك ترجعلنا ؟ . و بقيا متمسكيَن بي حتى سحبني عنصرا المخابرات من بينهما بالقوة.

- إذاً أنت الكلب المتوحش الذي سمعت ضابط التحقيق يقول لعناصره خذوه إليه بعد حملة التعذيب الأخيرة ؛ لقد ظننت فعلاً أنهم سيأخذونني إلى كلب متوحش ؛ كم كنت أخشى هذا اللقاء ؛ و لكن الله جمعني بك .

- نعم يا أبو وليد ؛ أرجوك و أتوسل إليك ؛ لا تعترف بأنك منظم كما يطلبون ؛ لأن اعترافك يعني الموت ؛ سيرسلونك إلى سجن تدمر الصحراوي ؛ هناك حيث الجحيم المقيم ؛ لقد قابلت بعض العائدين من سجن تدمر لاستكمال التحقيق ؛ لقد نقلوا لي صورة لا تطاق عن ذلك السجن الرهيب ؛ و يكفي أنهم كانوا يدعون الله أن يبقوا هنا في هذا القبو الرهيب أطول مدة ممكنة قبل أن يعودوا إلى تدمر ؛ فقد كانوا يقولون إنهم في إجازة الآن ؛ رغم كل ما يعانونه من تعذيب في التحقيق ؛ فتصور أنهم يفضلون سجن المخابرات الجوية سيء الصيت عن سجن تدمر المهلك .

- سبحان الله ؛ كنت تطلب مني الاعتراف ؛ و الآن تطلب مني عدم الاعتراف .

- نعم ؛ لقد طلبت منك الاعتراف ؛ لأنني ضعفت أمام ضغوط أبنائي و أسرتي ؛ و ظننت أنهم سيساعدونني فعلاً ؛ و سيفرجون عني في نهاية الأمر لأعود لأبنائي و أهلي ؛ و كانوا قد أقنعوني أنني بمساعدتهم إنما أساعد السجناء ؛ لأنهم لا بد لهم من الاعتراف أخيراً ؛ فأنت توفر عنهم عناء جلسات التعذيب ؛ و لكنك بقصتك أحييت عندي أموراً كثيرة ؛ و أعدتني أكثر من خمسة عشر سنة إلى الوراء ؛ إي إلى عام 1967م ؛ و بالتحديد بعد هزيمة حزيران الكارثية .

- و ما دخل قصتي بهزيمة حزيران ؛ فقد كنت رضيعاً عند حدوثها .

- عندما كنت رضيعاً يا أبو وليد ، كنا نحن نشتعل شباباً و حماساً ؛ و قد أثّرت بنا الهزيمة أشد الأثر ، و غيرت مجرى حياتنا ؛ فبعد أن كنت أنوي دراسة الهندسة الزراعية ؛ غيرت وجهتي و ذهبت و تطوعت في الكلية الجوية ؛ و لم أكن الوحيد الذي تحمس للدفاع عن الوطن ؛ فقد التقيت هناك بشباب متحمس أكثر مني ؛ كحبيبي و صديقي أخيك الشهيد أحمد ؛ هل عرفت لماذا بكيت هذا البكاء الآن ؟ ؛ نعم لقد ذكّرتني بتلك الأيام الخوالي ؛ لقد أججت الهزيمة فينا حب الوطن ؛ و أشعلت فينا غريزة الثأر من أعداء الوطن ؛ لقد كنا نتسابق في طلعات التدريب الجوية ؛ و كأننا نريد أن نحرق المراحل و نستلم قيادة الطائرة ؛ و نذهب لندمر الدولة الصنيعة التي مرّغت وجوهنا بالتراب ؛ كنا نحلم باليوم الذي سنستلم فيه قيادة الطائرة و يسمحون لنا أن نحلق فوق الجولان الحبيب و فلسطين الغالية و نقصف اليهود في عقر دارهم و نرد شيئاً من كرامتنا الجريحة ؛ هكذا كنا نفكر و نحلم ؛ حتى عندما كان أخوك يمارس هوايته المحببة ؛ و هي الرسم ؛ كان يرسم معارك جوية ؛ و طائرات سورية تحلق عالياً في السماء ؛ و أخرى إسرائيلية تتحطم و تهوي على الأرض ؛ و انهينا دراستنا في سورية ؛ و أرسلوا دفعة من أوائل دورتنا إلى الإتحاد السوفيتي ؛ للتدرب على طائرة السيخوي 21 ؛ و كنا عشرين طياراً ؛ منهم أنا و أخوك أحمد يرحمه الله ؛ و أمضينا فترة تدريبنا هناك بنجاح ؛ و أعجب المدربون الروس بشجاعتنا و رجولتنا و كفاءتنا و حماسنا و وطنيتا ؛ و أذكر أن أحد الضباط المدربين الروس قال لأخيك أحمد : لو كان عندي رجال مثلكم لحاربت العالم بهم ، فقال له أخوك : نحن نريد أن نحارب إسرائيل ، و نسترد الحق العربي ؛ و الكرامة العربية . فقال الضابط : أظن أن ذلك سيكون قريباً ؛ فأنا أعلم جبن اليهود ؛ و قد خبرت شجاعتكم و اندفاعكم . و عدنا من الإتحاد السوفيتي ، و كنا أول دفعة تحلق بالسيخو 21 فوق أرض الوطن ؛ و التي كان يفترض أن تواجه الأسطورة الأمريكية آنذاك ( طائرة الفانتوم ) التي كان الصهاينة يرهبوننا بها ؛ و فعلاً كانت طائرة السيخو21 و صاروخ سام 6 هما نقطة التحول الهامة في سلاح الجو السوري في حرب تشرين 1973م . و عملت بعد عودتي في قاعدة الضمير الجوية مع أخيك ؛ و قبل الحرب و بالتحديد في عام 1972م ؛ دخلنا معاً في عدة طلعات استعراضية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ، و فتحنا جدار الصوت فوق عدد من المدن الإسرائيلية ؛ و كنا نتسابق فعلاً على العودة إلى الجو و ملاقاة الصهاينة ؛ و أذكر في إحدى الأيام أننا اشتبكنا مع الصهاينة فوق الجولان و جنوب دمشق في معركة جوية حامية استمرت لساعات ؛ و خسرنا فيها عدة شهداء و عدداً من الطائرات ؛ و يومها حلق أخوك أربع طلعات بطائرته ؛ و كان قائد السرب كلما سأل من سيحلق الآن يا شباب ؟ ؛ يكون أخوك أول المندفعين ؛ حتى منعه القائد عن التحليق مرة خامسة ؛ و قال له : كفاك اليوم ؛ لقد تعبت ؛ خلي مجال لغيرك . كنا كلنا نحب أخاك أحمد ؛ و نعتبره مثال الوطنية و الإنسانية و الشجاعة و الشهامة و الرجولة و التضحية و الإيثار ؛ كان طياراً شجاعاً ؛ و سباحاً ماهراً ؛ و رساماً رائعاً ؛ و شاعراً مرهف الأحاسيس ؛ لم أنس شهامته عندما عينت في مطار الضمير ؛ و أردت أن أستأجر سكناً لي في دمشق ؛ و قد كان أهلي يقطنون مدينة حلب ؛ و ليس لي خبرة في دمشق و أحيائها ؛ لكنه لم يتركني لحظة حتى استأجر لي ملحقاً من غرفة و منتفعات في حي المزة ؛ كما ساعدني في شراء مستلزمات المنزل ؛ و عندما نقصتني بعض الفلوس ؛ أقرضني من نقوده الخاصة ، و قد دعاني مع رفاقنا الطيارين القادمين من خارج دمشق إلى منزلكم الشامي القديم في الميدان قبل أن يخضع للهدم و التنظيم عدة مرات ؛ و رأينا من كرم أهلك و طيبة أبيك و حنان أمك ما لم نره من أهلنا ، هذا بعض ما أبكاني يا أبا وليد ؛ و لعل أكثر ما ألمني هو شعوري بعد كل هذا التاريخ البطولي و الحماس الوطني أنني أصبحت جاسوساً نذلاً و مخبراً حقيراً ؛ على أبناء وطني الذين يفترض أنني أحميهم و أدافع عنهم ؛ و على من ؟ ؛ على أخ الشهيد أحمد الذي ضحى بروحه من أجل الوطن ؛ و كان مثال الإيثار و الكرم ؛ فهل أردّ جميله بتسليم رقبة أخيه الوحيد إلى رقاب المجرمين القتلة ؟ ؛ لا و الله لن أفعل .

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ