ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 14/11/2005


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


من التهميش إلى التهشيم :

قراءة في أحداث فرنسا

د. فيوليت داغر*

بعد اكثر من اسبوعين على أعمال الشغب التي طالت نواحي ومدن فرنسية عديدة إثر وفاة مراهقين ملاحقين من الشرطة، بتاريخ 27 اكتوبر/ تشرين الأول2005 في مدينة أولني سوبوا في الضاحية الباريسية، ما زال الوضع لم يهدأ. اضطرابات الضواحي القريبة انتقلت لمدن فرنسية أخرى  بالرغم من إحياء قانون حالة الطوارئ (1955) بعد رميم، ومنع التجول والتوقيفات الواسعة التي طالت القائمين بأعمال الشغب وزيادة أعداد الشرطة المخولة بحفظ الأمن والتعويل على عطلة نهاية الأسبوع الطويلة التي توافقت مع الذكرى السنوية لهدنة الحرب العالمية الأولى.

من المنشآت الحكومية إلى السيارات، كل شئ ما زال مرشحا لأن تطاله ألسنة النيران وأيادي التخريب والتدمير لشبان يصبون جام غضبهم على ما تمثله رمزيا وفعليا معالم المجتمع الذي وضعهم على قارعته. لقد بلغ عدد الموقوفين عدة مئات من شبان، نصفهم من القاصرين، غالبهم ليس له سجل جنائي وليسوا جميعا متحدرين من عائلات مهاجرة. أحيل قسم منهم للمحكمة وحكم على عدد بالسجن، حيث أعطيت تعليمات بانزال اقسى العقوبات لاعطاء الدرس. وكما يؤكد وزير العدل، ليس هناك من يقف وراء هذه الإعمال بالتخطيط لها، كما راح بعضهم للقول.

لقد بدت العواصم الأوروبية قلقة من وصول العدوى إلى أراضيها، خاصة بعد بدايات حوادث شغب أصابت المانيا وبلجيكا وهولندة. وحيث ليس بينها من نموذج يحتذى في سياسات الادماج المتبعة فيها، لا يمكن لأحد أن يشعر أنه بمأمن من انتشار هذا النوع من العنف ومن ردود الفعل المحتملة على الظروف الصعبة التي يعيش فيها المهاجرون على أراضيها.

مع استمرار الأزمة، برز من يتفوه بعبارات خارجة عن السياق والموضوع مثل "حرب أهلية"، ويطالب بانزال الجيش إلى الشوارع. في حين فضّل آخرون الدعوة لتجنيد الطاقات لمعالجة الإشكاليات العالقة بتحسين ظروف التعليم وتوفير فرص العمل والحد من البطالة ومن التمييز واعطاء الاهتمام للسكن. أما مقترحات الحكومة فذهبت لاعادة صرف مساعدات للجمعيات الأهلية كانت قد حرمتها منها في السنوات الأخيرة الماضية ولاعطاء منح للمتفوقين ولتشجيع مشاركة المهاجرين في الاقتراع على المستوى المحلي ولاتباع سياسات جديدة في السكن والتعليم. هذا التعليم الذي لن نخوض في جدل حوله الآن حيث أن مشكلته تستدعي نقاشا طويلا لا تتسع له هذه المقالة.

بانتظار التنفيذ، يمكن القول أن هذه الاقتراحات تحمل أسوأ مرضين فرنسيين وهما : الأول، الطابع الفوقي لوضع السياسات والذي يجري بمعزل عن أصحاب الشأن الذين ينظر لهم بالأساس كقاصرين وغير قادرين على المشاركة في حل مشاكلهم. والثاني، العقدة التقليدية المتعلقة بالهجرة والتي تقوم على أن السياسي في حال قيامه باجراءات لتحسين أوضاع المهاجرين، عليه بالمقابل طمأنة الأصوات اليمينية المتطرفة وتقديم التعهدات.

سؤال يطرح نفسه بالحاح : من المستفيد مما حصل؟ هل يوجد طرف ثالث أو قوى مؤثرة تقف في المساحة الخلفية للصورة لها مصلحة في أن يحصل هذا الشرخ بين ابناء المهاجرين والبلد الذي استقبل أهلهم؟ هل القنبلة الحارقة التي طالت الليلة الفائتة مسجدا في كاربنترا   واليوم في مسجد ليون الكبير بعد ضرب المصلين في مسجد بلال قبل إسبوعين هي محاولة لصب الزيت على النار وربط الحوادث بالمسلمين والاسلام رغم رفض أشكال التمثيل الإسلامية المختلفة الربط بين ما جرى والاسلام؟

السؤال يبقى مفتوحا، ويتعزز على ضوء ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط. بكل الأحوال لا يمكن تغييب انعكاسات العنف الذي تعاني منه المجتمعات هذه وبلدان العالم الثالث اجمالا الواقعة تحت ضغط موازين القوى السياسية والاقتصادية. انعكاسات من نوع الشعور بانسداد الأفق والمهانة وصعود التوتر والقلق من المستقبل والانغلاق الاضطراري على الذات. خاصة مع تعميق الشرخ بين المجتمعات والثقافات منذ أحداث أيلول 2001 والحرب على الإرهاب وتشويه صورة الاسلام والمسلمين. وقد لعبت وسائل الإعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية دورا لا يمكن بأي حال من حال وصفه بالموضوعية، خاصة مع التأثير المتزايد للوبيات الضغط وللتوجيه الذي تعتمده في نقل الخبر والصورة. مما حدا بالبعض عند توفر الفضائيات العربية لتجنب القنوات الفرنسية التي فيها ما لا يشفي غليلهم باستقاء المعلومة، إضافة لما تحمل لهم أحيانا من صور سلبية عن ذاتهم ومحيطهم.

سؤال آخر يطرحه الجميع : على من تقع المسؤولية في ما حصل؟ على القائمين بأعمال العنف أم أهاليهم أم الدولة؟ هنا الصورة معقدة تستدعي عدم التسرع، ولإيفاء الموضوع حقه تحتاج لأبحاث ومؤلفات وليس لمقال، من أجل تبيان جوانب السؤال المتشعبة والمترابطة بعلاقة وثيقة بين السبب والنتيجة. لكن لا يمكن أن يتوخى كائن من كان الموضوعية إن لم يقر بأنها مسؤولية جماعية وإن لم تتوزع بنفس المقدار على جميع الأطراف. إنها مسألة سهلة القاء التبعات على الآخر والهرب من مواجهة الذات لاصلاح ما فسد فيها وتغيير زاوية الرؤيا.

لكن هناك من يحاجج بأن مسؤولية الأهل في تربية أبنائهم مرتبطة بقدر كبير بما اتبع ازاءهم من سياسات تهميش واقصاء جعلتهم يشعرون بالانتقاص من قيمتهم في نظر أبنائهم وبالمسافة منهم. خاصة عندما لم تستوعب المدرسة والمؤسسات التربوية خصوصياتهم وتعاملت مع الاختلاف لمحوه وليس للاستفادة منه. هذا الإقصاء يتعمق مع الجهل بقوانين وقيم المجتمع المستقبل ومع الامية في أحيان كثيرة. وبالتالي تنشأ عدم قدرة على متابعة أولادهم وأحيانا يضطر الولد للعب دور الوالد بسبب عامل اللغة. فتختلط الأدوار بشكل يسئ لصورة الأهل لدى ابنائهم وتهتز معالمها لديهم، في حين أنه من المفترض الاقتداء بهم لتشكيل الهوية.

هذه التربية التي تعاني من اشكالات بنيوية ومن الظروف المحيطة تودي عند البعض لتمرد على القوانين والضوابط وممثلي السلطة، أية سلطة، كرد فعل للمحافظة على الأنا من الانهيار. وفي وضع غير صحي لا يعد من معنى سؤال الشباب العابث بالقيم والرافض للوضع إن فكّر لحظة بنتائج ما ستجره أفعاله عليه وعلى أبناء جلدته من انعكاسات سلبية. خاصة في زمن يسهل فيه تعميم الجزء على الكل ونبذ الآخر المختلف عرقيا أو دينيا، وعندما يصبح سلوكه مدعاة قلق للذات التي تشعر بالتهديد الذي يحمله لها هذا الآخر. هذا الشرخ مدعو للاتساع حتى بين ابناء الجالية المهاجرة نفسها، بين مغاربة ومشارقة، بين أفراد كل جالية نفسها، بين من ينتمون لديانات مختلفة، وبين من يتبعون استراتيجيات متباينة للانخراط في المجتمع، إن برفض نموذج البلد الأم وتبني نموذج البلد المستقبل، أو العكس، أو ما بينهما.

أما بما يخص مسؤولية الدولة، فمن المعروف تخبط السياسات الفرنسية على اختلاف الحقبات. فالحكومات المتعاقبة لم تتبع مسارا متناسقا وواضحا، معطية الانطباع بمعالجة الأزمات بنظرة تمييزية إن لم نقل عنصرية. مما أدى لتعفن الوضع وزيادة مشاعر الاحتقان والنبذ الاجتماعي والمراوحة في المكان إن لم يكن التقهقر. ولنا في معركة الحجاب مثال على سوء إدارة قضايا اجتماعية هي بعلاقة بالهوية أكثر منه بالدين.

لقد عاش أبناء هذا الجيل (الذي يطلق عليه الباحثون تسمية الجيل الثالث) تجربة البحث عن عمل دون جدوى. بات لديهم قناعة بأن أحدا لن يقبل بهم لسبب أو لآخر حتى ولو ولدوا في هذا البلد وحملوا جنسيته. يكفي وجود علامات فارقة كالإسم أو لون السحنة كي يعتبروا فرنسيين من الدرجة الثانية وغير مرغوب بهم بالرغم من مساواتهم أمام القانون. ففي بعض الأحياء وصلت نسبة البطالة لأربعين وحتى خمسين بالمائة وأول من طالت اولئك الذين لا يملكون الجنسية الفرنسية. لا يشذ عن ذلك حملة الشهادات، حيث بين أولاد المهاجرين ترتفع النسبة لأربعة أضعاف. وعندما يحصلون على العمل، نسبة عالية جدا منهم تشعر بانها لا تعامل في أماكن عملها على قدم المساواة مع زملائها الفرنسيين. يؤكد ذلك هذا الاختبار الذي أجري في 287 شركة كان العنصر الذي ارتكز عليه إسم طالب العمل. فبين أن يسمى جان بيير أو محمد حصل الأول كطالب عمل على نسبة مقابلات خمس مرات أكثر من الأول. أما بعد حصول المقابلة وتبيان السيرة الذاتية انخفضت النسبة لضعفين.

لكن عندما يحرم الشاب من العمل ومن العلم كليهما فهناك الطامة الكبرى. ففي الأحياء التي تشتعل فيها السيارات يخشى الشباب فيها المجئ للمدرسة. الامكانيات المخصصة لمدارسها ومؤسساتها التربوية تنقرض تدريجيا وظاهرة الرسوب والتسرب تطرح اشكاليات عديدة. تقليص المساعدات المالية انعكس بنقص في متابعة العاملين الاجتماعيين لمن يعيش اشكالات نفسية واجتماعية وبازدياد اللجوء للحلول القضائية على حساب المساعدة التربوية.

فشل النموذج الفرنسي للانصهار الاجتماعي كانت علاماته ظاهرة جلية للمراقب المهتم. لكن ما من أحد من مقرري السياسات في الحكومات المتعاقبة على مدى ثلاثة عقود على الأقل عرف كيف يستدرك الخلل بشكل ناجع قبل تسرب النخر للعظام واصابة الهيكل بالشلل. كانت الوعود تقطع ولم يبخل بها كثيرون، لكن الحنث بها كان السياسة المنتهجة. السياسيون يعرفون هذا الواقع وليسوا مقطوعين عنه، لكنهم لاعتبارات مصلحية كانوا يغضون الطرف. فهم لا يمكن أن يجازفوا بمركز أو جاه كسبوه، كما لا يمكن أن لا يخشوا تربص الجبهة الوطنية بخطواتهم التي ستستفيد بالتأكيد من عثراتهم.

بغض النظر عن المساواة المعلنة أمام القانون والتمتع بالضمانات الصحية والاجتماعية والتعليم المجاني، مخططات الادماج تتطلب مشاركة الجميع ومساواة في فرص العمل ومستوى المعيشة. لكن هجرة ابناء الريف للمدن وضواحيها وابناء العالم الثالث إلى العالم المتقدم ترافقت بتفاوت كبير في توزيع الثروات وبعجز في تأمين هذه الفرص.

لقد بات الكثيرون يحتجون على كلمة ادماج، متسائلين كيف يمكن استعمال هذا التعبير لاشخاص هم فرنسيون بالجنسية والمولد والمنشأ؟ من الممكن الحديث عن ضعف الشعور بالانتماء لهذا المجتمع وضعف العلاقات الاجتماعية، لكن أليس هذا حال شريحة كبيرة من الفرنسيين أباً عن جد؟

ثمة من يتساءل : أية مكافأة أعطيت لهؤلاء المهاجرين على جهودهم في المشاركة على جبهات القتال ابان الحربين العالميتين وفي اعمار فرنسا المهدمة والمحتاجة لسواعد لادارة مصانعها في زمن الثورة الصناعية؟ لقد استقدموا يوم كانت فرنسا بحاجة لقوة عملهم وكذلك لشبابهم في تعديل النقص الديموغرافي لديها. لكن منذ أن أغلقت حدودها قبل ثلاثين سنة أصبحت قوانين الهجرة إليها أكثر تعقيدا والسياسات الحكومية المتبعة أكثر اقصاءا وتمييزا لمن له علامات فارقة. مع ذلك لا تتورع اليوم فرنسا- ووزير داخليتها ساركوزي نفسه - عن وضع مشاريع لاستخدام الادمغة من بلدان شمال أفريقيا أو أفريقيا السوداء وللاحتفاظ بطلاب العالم الثالث المبرزين والمحتاجة لطاقاتهم، خاصة في مجال البحث العلمي والتدريس الجامعي. ذلك بعد أن ازداد تسرب ابنائها بسبب ضعف ميزانياتها نحو العالم الانكلوساكسوني الذي وجدوا فيه مكافآت مادية أكبر تتناسب مع ابداعاتهم وطموحاتهم.

مسؤولية ساركوزي كبيرة في ما حصل. لقد أشعلت كلماته المهينة للشبيبة الشرارة التي استعرت نيرانا في الهشيم. كما ثبت أن حلوله الأمنية لم تكن حلولا ذكية وناجعة وإن كان لا أحد يعترض على وجوب قيام القانون بدوره في تنظيم المجتمعات. لكن الطريقة التي تعمل بها القوانين هي ما يهم، بحيث لا يشعر الواقعون تحت حكمها وكأنها تطبق على حساب كرامتهم وحقوقهم وبشكل تعسفي أحيانا من طرف رجال الأمن. الشعور بالمهانة قد يدفع بعض من لم يعد هناك ما يخسره بكل المعاني إلى أن تصبح علاقته بحق الحياة مجردة عن المعاني المتداولة. كما أن الحفاظ على الذات لا يمكن أن يتم على حساب الآخر باستباحة كرامته. بديهيات لا تبدو مفهومة عند "مسؤولين" سياسيين غير مسؤولين، تستهويهم لعبة السلطة وموازين القوى التي يتمتعون بها. وفي مرحلة صعبة من مراحل حياتهم قد يسيئون استغلالها، لكن غالبا ما يدفع ثمنها المجتمع بكامله.

أضف لذلك أنه في بلد يرفع شعارات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لا بد من استغراب دعوات المسؤولين للقضاء بالتشدد في الأحكام على مفتعلي الشغب. أليس هذا تدخلا للسلطة التنفيذية في السلطة القضائية التي هي مبدئيا مستقلة في دولة القانون؟

هل العولمة هي فقط اقتصادية، حيث غالبا ما تأخذ شكلا همجيا باكتساح البلدان الغنية لأسواق البلدان الفقيرة حارمة إياها من امكانية التنمية ورسم مستقبل أجيالها القادمة؟ يفترض في العولمة أن تترافق بتعددية فكرية وثقافية واثنية، بحيث يتم استثمار الطاقات البشرية بغض النظر عن لونها أو دينها أو منشأها. لكن نرى للأسف أنها زادت من صعود العصبيات الاتنية والدينية، وبالتالي من العدوانية والخوف من الآخر والانكماش على الذات وعدم الاعتراف بالحق بالاختلاف. أليس ما يحصل في فرنسا مدعاة للتأمل عند البلدان النامية المصدّرة لثرواتها البشرية، والتي من المفترض أن تتبع سياسات تحافظ على هذه الطاقات بعد أن تكلّفت على تعليمها وتربيتها بدلا من تقديمها هبة للعالم المتقدم؟ هذه البلدان المضيفة التي لن تستفيد منها كما يرتجى بعد أن تكون قد خسرتها بلدانها الأم، بحيث يصبح معنى حياتها موضوعا ضمن علامة استفهام كبيرة؟

*كاتبة في علم النفس وحقوق الإنسان

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ