ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 14/08/2006


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

إصدارات

 

 

    ـ القضية الكردية

 

 

   ـ أبحاث    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


 

"جذور المشكلة":

حوار الطرشان بين العرب وأمريكا !!

بقلم فرح الأتاسي*

farah@aactcenter.com

يتردد كثيراً هذه الأيام تعبير "جذور المشكلة" على لسان المسؤولين العرب والأوروبيين والأمركيين منذ بدأت عملية تكسير العظام وقلع الأسنان في لبنان الجريح والمتألم .. وبرغم اتفاق جميع الأطراف اللاعبة على ضرورة معالجة "جذور المشكلة" من الأساس للتوصل إلى تسوية شاملة لجميع "الآفات والأمراض في المنطقة" .. إلا أن هناك خلاف أشبه ما يكون "بحوار الطرشان" بين العرب و الأمريكيين، وبالأخص حول تعريف تعبير "جذور المشكلة" و تحديد ما هي هذه الآفات والأمراض التي يجب مداواتها في الشرق الأوسط "القديم"..

فبينما يحتفظ العرب بترديد أسطوانتهم التقليدية الأزلية، التي أقعلت الأسواق الغربية عن شرائها والاستماع عليها، وهي أن جذور المشكلة لأي عاقل وحكيم وأي شخص لديه أدنى مستويات المعرفة بالمنطقة هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية منذ ما يناهز عن 50 عاماً وضربه بعرض الحائط لجميع القرارات الدولية على سطح البسيطة التي تطالب بإعادة الأراضي والحقوق العربية إلى أصحابها .. مع استمرار آلة الجيش الإسرائيلي وحكومته في قهر وذل الشعب الفلسطيني وخنق أنفاسه بتفريخ مستوطنات جديدة وبناء أسوار عازلة وجدار فصل عنصري يلتوي كالأفعى في خاصرة ما تبقى من الأراضي الفلسطينية .. علاوة على الانحياز الأمريكي الأعمى لتطيب خاطر المارد الإسرائيلي الهائج كلما "أرغمه" أحد على الخروج من قمقمه العجيب ..  

أما على الطرف الآخر، فيتعاطف العم سام مع الدولة العبرية "المهيضة الجناح والمكسورة" .. إسرائيل، "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" .. تلك الزهرة المتفتحة اليانعة بين غابة من الوحوش والديكتاتوريات .. الدولة "العصرية" الوحيدة الموالية للغرب قلباً وقالباً والمحاطة بأسوأ الجيران العرب الشرسين والمنافقين الذين يتحينون الفرص للانقاض عليها ورميها "وراء البحار"، لذا فإن حماية أمن إسرائيل يعني حماية أمن أمريكا فهي تستحق ضخها بمليارات الدولارات التي تتسرب من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين لتعزيز وشد عضد الساعد الإسرائيلي الفتي ليوجه الصفعات يميناً وشماله لأولاد عمه العرب .. و يكسر شكوكتهم و يفتت أضلاعهم و يهشم جماجمهم .. و يقطع نسلهم .. ثم يحرق جثثهم ..

وإذا تحولنا من الآفات الخارجية لنتحدث عن أمراضنا الداخلية، فجذور المشكلة العربية هي هذا الاحتقان الداخلي "المتورم" مع استمرار اغتصاب الحريات والكرامات وحق التعبير ولقمة العيش من كيان هذا الشعب العربي المغلوب على امره، وانحدار مستوى الفرد الإنساني في المؤسسات الرسمية والفكرية والاقتصادية وحتى الشعبية إلى أدنى المستويات مع تخبط المواطن العربي بين الواقع المرير والأوهام المسكنة .. بين الممكن والمستحيل .. بين الخوف الجبان واللامبالاة المستهترة .. بين المقاومة والإرهاب .. بين الواجب والمسؤولية .. بين الانتماء والولاء و الطاعة إلى التمرد والشذوذ والمعارضة .. بين الكفر و التطرف ..

لكن على الطرف الآخر من العالم، ترى أمريكا عكس ذلك، فجذور المشكلة بالنسبة لها هي "الآفات والعلل" التي يتميز بها الشرق الأوسط عن بقية غيره من المناطق، تماماً كما وصفته كوندليزا رايس في أحد المرات أمام الكونغرس .. !! هي ما تراه ذلك المد المتنامي " المخيف" من العداء للديمقراطيات الغربية وكرهها والسعي للقضاء عليها وعلى "العالم الحر" .. جذور المشكلة للأمريكيين كما يسوقونها هي "الفاشية الإسلامية" كما يسميها المحافظون الجدد، وكما يحلو دائماً للصحف الأمريكية وصفها في افتتاحياتها اليمينية المتطرفة والتحريضية والساذجة .. هي هذه "الحركة الجهادية" و"الغزو الإسلامي الجديد" الذي حذر منه وزير الدفاع الإسرائيلي دونالد رامسفيلد منذ أسبوع حين قال في جلسة استماع أمام الكونغرس إنه من الخطر لأمريكا مجرد أن تتحدث عن كيفية إنهاء الحرب في العراق !! موضحاً بالحرف الواحد: "إذا تركنا العراق نهائياً، فلربما سيُطلب منا أن نترك أفغانستان وأن ننسحب بعدها من الشرق الأوسط. وإذا تركنا منطقة الشرق الأوسط، سيأمروننا، وكل أولئك الذين لا يشاطرونا الإيدولوجيات، أن نترك ما يسمونه الأراضي الإسلامية المحتلة من إسبانيا إلى الفيليبين" !!

جذور المشكلة بنظر الأمريكيين هي مساعدة الحكومات العربية "المعتدلة" و "الديمقراطيات الوليدة" على مواجهة الجماعات الإسلامية التي تتزايد شعبيتها.. جذور المشكلة عند العرب هي أن أمريكا هي التي قوت شوكة الجماعات الإسلامية "وفرختهم" وصبت الزيت على النار ودفعت بالشعوب العربية إلى أحضان التطرف والتعصب والعداء للغرب بسياساتها الخرقاء التي تستند على أفكار ومعتنقات دينية وأيدولوجيات متعصبة أكثر "فاشية" وتطرفاً مما يسمونه "الإسلام الفاشي والمتعصب" ..

جذور المشكلة أن العرب يرون ما لا تراه أمريكا، بينما تؤمن أمريكا بما لا يؤمن به العرب .. كل طرف يوجه أصابع الاتهام للطرف الآخر بدون محاولات التوصل إلى "صيغة تفاهم" حول تعريف تعبير "جذور المشكلة" !!! وأي حل "مبدئي" ستتوصل إليه جميع الأطراف الآن لتهدئة أزمة لبنان وتخدير وحقن الوضع الحالي بالمسكنات .. إلا أن "جذور المشكلة الأصلية"، وهي انعدام التفاهم والحوار والتواصل والجسور بين الغرب والشرق، ستعود لتزيل المسكنات وتتفشى أمراض أخرى و أزمات من نوع جديد ..  

جذور المشكلة أن أمريكا تجاهلت العالم العربي طويلاً .. وعندما قررت اكتشافه بعيداً عن التحالفات النفطية والعسكرية والمصالح الاستراتيجية لم يرق لها الحال، فرأت أن الحل هو "ترويض" وإجهاض الشرق الأوسط القديم تمهيداً لقيامة شرق أوسط جديد من مقبرة الشعارات الوطنية والأغاني الثورية و التحرر من أفكار الوحدة وصيحات الممانعة و الصمود والتحدي ..

جذور المشكلة عند العرب أنهم "طلقوا أمريكا ومن فيها وما فيها بالثلاثة" .. وتغلبت مشاعر العداء والغضب على مشاعر العقل والرجاحة والحكمة .. فبدلاً من التواصل باتجاه الغرب لشرح قضايانا ووجهات نظرنا حول "جذور المشكلة" .. اختار العرب العزلة والانتقام الداخلي و الانكماش على الذات فترى غالبية المؤتمرات الأمريكية التي تعقد حول العالم العربي شبه خالية من أي حضور أو تمثيل عربي رسمي أو فكري أو شعبي وكأن الموضوع يخص المكسيك أو الصين او استراليا .. !! والسبب هو ما اختصره أحد السفراء الأمريكيين السابقين عند استفساري حول غياب التمثيل العربي في أحد المؤتمرات العربية الأمريكية الاقتصادية الكبيرة والمهمة، حين قال لي مازحاً: "يبدو أن العرب قد سئموا منا" ..

ولا يخفى على أحد أن مشاعر السأم والملل والغضب والقهر، وإن كانت مبررة ومشروعة مائة بالمائة، إلا أنها لا تصب إلا في مصلحة أعداء العرب والإسلام الذين عملوا، ولا يزالون، على زيادة التصدع والشروخ في العلاقات العربية الأمريكية ونسف "ما بقي" من جسور التواصل والتفاهم والحوار، وترويج إشاعات ونظريات مبالغة حول عدم جدوى أي محاولات عربية للتواصل مع الغرب وأمريكا وأن أصواتهم "ستهدر" قبل أن تنطلق و جهودهم "ستبعثر" قبل أن تبدأ وهذا "خلط" غير صحيح على الإطلاق، فلا يمكن لأي إدارة أمريكية أو مجموعات أن تختزل الشعب الأمريكي بكامله، هذا الشعب الحي والنابض الذي يدافع بشراسة عن حرياته وحريات الآخرين مهما "اختطفت" بعض المجموعات المبادىء التي يؤمن بها الشعب الأمريكي وتقوم عليها أمريكا بحجة "الأمن القومي"، وما الصفعات التي وجهتها المحكمة الفيدرالية لإدارة الرئيس بوش حول محاكمة معتقلي غونتانامو وكشف الإعلام الأمريكي لفضيحة سجن أبو غريب ومجزرة الحديثة و تراجع شعبية الحزب الجمهوري إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1994، إلا دلائل على أن هناك وسائل عديدة يمكن للعرب التواصل معها مع الأمريكيين، إن لم يكن عبر القنوات الرسمية، فليكن عبر القنوات الشعبية والأكاديمية والفنية والسياحية والثقافية والرياضية والنسائية، والفكرية و ليؤمن العرب أن هناك الكثير الكثير من الأمريكيين الذين يشاطرونهم آرائهم ووجهات نظرهم حول "جذور المشكلة"، وربما يقفون إلى جانبهم عندما يكونوا هؤلاء العرب "متواجدين" .. وليعلموا جيداً أنه إذا لم يشرح العرب قضاياهم و"جذور" مشاكلهم ووجهات نظرهم بأنفسهم، فسيقوم المنافقون والدجالون والانتهازيون والمنظرون بسد هذا الفراغ والتلاعب بالكلمات والتعابير والحقائق ضد مصلحة العرب والإسلام والشرق الأوسط ..

"جذور المشكلة" التي يتحدث عنها الجميع هي المشكلة نفسها، ويجب التوصل إلى اتفاق بشأن تعريف ما هي "جذور المشكلة" قبل البدء في حلها .. وإلا فإن التواصل الشرقي الغربي و الحوار العربي الأمريكي سيبقى "حوار الطرشان" .. و سيبقى هناك مزيد من الأبرياء يقعون كل يوم و كل سنة ضحايا "لجذور المشكلة"..

* كاتبة عربية ورئيسة المركز العربي الأمريكي للترجمة والبحوث والاتصالات في واشنطن

 المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها    

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ