ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 03/07/2004


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


هل دخلت السجن يوماً

بمناسبة شهر التضامن مع سجناء الرأي في سورية

من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين وعرب آخرين

بقلم : محمد الحسناوي*

الجواب بكل بساطة : نعم دخلت سجن الرأي في بلادي مرتين في الأقل ، وفي المرة الثالثة هربت بجلدي عبر الحدود إلى قطر مجاور مشياً على القدمين ، وإلا كنت اليوم من شهداء سجن تدر الصحراوي أو سجن الحلبوني أو فرع فلسطين أو سجن القلعة ، أو شهداء سجن المزة ، الذين تمت تصفيتهم فيه بقبض الجلاد على حنجرة الواحد منهم ، وسحقها أو قطعها كحنجرة الدجاجة أو العصفور ، أو الشنق بالتعليق على درج السجن بالسلك المعدني ( الكابل ) . ومن يدري لعلني كنت استرحت من هذا المنفى الإجباري الذي أعاني منه وزوجتي وأولادي وحفدتي ، منذ أكثر من ربع قرن ، بل ربما دخلت الجنة بسلام مع الداخلين . هل يقول ذلك مواطن سوري ، بل كل مواطن سوري مغترب بالإكراه عن وطنه ومسقط رأسه وأمه وأبيه وأقاربه وأصدقائه ومعارفه ، وعن القيام ببعض الواجب في بناء الوطن أو حمايته ؟؟

ودخلت سجن الرأي أيضاً في ثلاثة أقطار عربية مجاورة ، اثنان منهما في سجن المطار بسبب حملي بيانات عن انتهاك حقوق الإنسان في سورية في الثمانينات ، والثالث مدة ثلاثة أشهر في سجن المخابرات العامة ، والسبب – كما قال قاضي التحقيق الأمني ساعة الإفراج عنا وقد كنا خمسة – سببان : أحدهما لتعلم أجهزة الأمن التي اعتقلتنا من نحن ؟ وما عملنا في أرضها ؟ وما مدى تأثيرنا على شعبها ؟ وبعدها استجدّ سبب ثانٍ – فاعجب – وهو لحمايتنا من عمليات الاغتيال التي كادت تنزل بنا على أيدي سفراء من قطرنا ووطننا الحبيب !

أما كيفيات الاعتقال ومشاعر السجن ، فحديث حافل بالعجائب والمفارقات والمرارات ، وسأختار بعض المواقف المعبرة ، لا من باب الدعاية الشخصية ، بل للتضامن مع معتقلي الرأي في السجون السورية بشكل خاص ، وسجون الاحتلالين الصهيوني والأمريكي لأوطاننا المقدسة ، وإهدارهما لكرامة شعوبنا وتدنيس مقدساتنا الشخصية والجماعية على حد سواء . وليس من باب التذاكي السياسي القول : إن اعتقال الشعوب ، وتعطيل حرياتها خدمة مجانية ، أو مقبوضة الأجر من دول الاحتلال والعدوان الكبرى والصغرى.

اعتقالي الأول كان في ليلة من شهر نيسان من عام 1963م بسبب منع التجول ليلاً بحلب في ظل حكومة المرحوم صلاح البيطار ، بعد أن أودعت زوجتي في مستشفى التوليد ، لتضع ولدي البكر           ( محموداً ) ، وليس من اللائق – كما قال الطبيب المناوب – بقائي في المستشفى بين الممرضات ، أو أن أنام على إحدى أرائك المستشفى ، فقضيت تلك الليلة على أرضية القبو العفن البارد في مخفر ( شرطة شارع اسكندرون ) مع المخمورين وزعران الليل والأبرياء الآخرين من أمثالي ، يتحكم بنا عريف حقود :         ( اخرسوا ، اصعدوا ، اهبطوا ، كلوا ...) ، ولعل المؤلم غير هذه التفصيلات ، هو الحجز لما بعد منتصف النهار ، وزوجتي وأهلها في المستشفى لا يعلمون سبب غيابي ، وعدم حضوري العاجل ، والمناسبة ولادة أول طفل للأسرة .

أما اعتقالي الثاني مع عشرات من المدرسين والمحامين والمهندسين في نيسان أيضاً من عام 1967م بسبب فتنة ( إبراهيم خلاص ) ، الذي كتب مقالة تسفه الأديان السماوية ، والذات الإلهية ، وقمع الإضراب العام الشعبي الاحتجاجي على هذا المقال المأفون ..وذلك لمدة شهر تقريباً .

النقاط البارزة في ذلك الاعتقال ، أنه وقع ولم أنل حظاً كافياً من النوم ، أي مقدار ساعة أو أقل ، وهو لون من العذاب شديد عليّ ، بعد نهار حافل بالنشاط الجسدي والفكري على حدّ سواء . كما كانت زوجتي يومها خارج المنزل تعمل (قابلة ) في مستشفى توليد ، وأنا لست مع عمل المرأة ولديها طفل في البيت ، لكن ذلك من توقع الاعتقال ، والحرمان من الراتب الشهري ، وهو مصدر العيش الوحيد . بسب المفاجأة لم أفطن لتوديع ولدي الطفل لحظة الاعتقال . والاعتقال كان على أيدي مدنيين مسلحين ، وكنت أخشى من عملية انتقام أحد الأحزاب ، لأنني هاجمت ارتباطه العلني بجهات أجنبية علناً في حفل جماهيري . زد على ذلك أننا لم توجه إلينا أية تهمة طوال مدة الاعتقال ، وتمّ الإفراج عنا بسبب هزيمة حزيران ، كما هو معلوم .

أحد أقارب زوجتي كان يعمل آنذاك في متجر حلبي ، وعرف أن ( سعيد ..) المشرف على مصادرة المتجر آنذاك وإدارته .. هو من أبناء بلدتي جسر الشغور  ، ومن معارفي السابقين ، فتلطف إليه هذا  القريب ، والتمس منه المساعدة في الإفراج عني ، فكان جوابه : ما دمنا نحن في الحكم ، فلا تحلم بهذا  الحلم . أما ضابط الأمن الذي راجعته زوجتي بالنيابة عن زميلاتها من زوجات المعتقلين ، فأجابها : أنصحك وزميلاتك أن تبحثن عن أزواج آخرين .  ومن مرارات ذلك الاعتقال ازدحام زنزانتنا الجماعية ليالي العدوان الصهيوني ، وحشرنا مع معتقلين يهود ومشبوهين وآخرين من رواد القمار والمواخير . ولما حصل الإفراج في صباح يوم باكر كئيب ، طرقت باب بيتي ، فلم يجب أحد ، وبعد اليأس اضطررت إلى التسلق عبر السطح  لبناء شاهق من خمسة طوابق ، لأتسلل إلى داخل البيت ، فأجده مقلوباً رأساً على عقب بسبب ظروف الحرب ، وهجرة الأسرة إلى عند أقارب الزوجة !

في اعتقالي الأول في مطار عربي اعتدى عليّ ثلاثة عناصر أمنية بالصفع واللكم والرفس ، وأنا فوق الأربعين من عمري ، لكي أعترف بأن جواز سفري مزور ، مما يلحق الضرر بالآلالف من أبناء  بلدي . قال المحقق :  إذا لم تعترف فسوف نسلمك لحكومة بلدك ، فقال المحقق الثاني : لكن ليست لنا علاقة دبلوماسية الآن بحكومته ، فرد الأول : نسلمه إذن لقوات الردع في لبنان !

وفي اعتقالي الذي امتد ثلاثة أشهر في قطر مجاور ، كانت ليلة الاعتقال هي تاريخ ذكرى اليوم الخامس من حزيران ، وتساءلت ساعتها : هل هناك أدنى علاقة في اختيار التوقيت ؟ أما الشعور الأهم ساعة الاعتقال والانتقال ( أي من مدينة قرب العاصمة) إلى سجن المخابرات العامة داخل العاصمة ، فهو الخوف من أن يكون هناك تعاون بين مخابرات البلدين ، فنسلم إلى مخابرات بلدنا ، حيث الحكم الفوري بالإعدام ، بنا على القانون(49) الصادر بحق المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين ، أي المحاسبة على الرأي ، وحسب ! وبالفعل قبل اعتقالنا بشهور حصل مثل هذا التسليم . وطوال أيام التحقيق الأولى كان التهديد الأهم هو بتسليمنا لسلطات بلادنا ما لم نتعاون في التحقيق . ومع ذلك اعتصمت بالتكتم والإنكار ، مضمراً في نفسي إذا وصل التهديد بالتنفيذ والانتقال .. إلى الحدود السورية ، فساعتها سوف أعترف بهويتي الشخصية لوقف التسليم . ولأعترف بأن مرارة الاعتقال في بلد غريب ، على ما فيها من آلام ، كنت أراها أفضل من التسليم لسلطات بلدنا بكثير ، بل بدرجات لا يمكن تصورها ، لأنها الفرق بين الموت والحياة ، بين التحقيق بالتي هي أحسن ، والتحقيق بالتي هي ألعن !!

على أن الفاجعة التي كان لها وقع الصاعقة على نفوسنا ، فهي  تبليغنا لحظة الإفراج عنا بتفاصيل مجزرة ( تدمر ) الصحراوي ، التي وقعت ونحن داخل المعتقل بتاريخ 27حزيران عام 1980م . أولاً لم نستطع تصديق الخبر لهوله وفظاعته : ألف سجين من المدنيين العزل ..من الرجال والشباب وحتى الأطفال ..من العلماء والأدباء والمفكرين يذبحون ذبح النعاج ، خلال نصف ساعة ، ثم يوارون التراب في خنادق الصحراء ، وجراحهم تنزف وبعضهم لم يفارق الحياة بعد . ثانياً : لم نشعر بطعم الحياة ولا الحرية ساعة إطلاق سراحنا ، وذكرى إخواننا شهداء تدمر ، تنتصب أمام مخيلتنا ، لأن الكثيرين منهم نعرفهم     بأسمائهم , وأشخاصهم ومواقعهم الاجتماعية والعلمية ، كالأديب إبراهيم عاصي والكاتب الدكتور عبد الودود يوسف ، والمدرس الجامعي المهندس في الذرة النووية الدكتور محمد حسين ، والمدرس عدنان شيخوني ، وفرقة الإنشاد الحلبية  ، وطلاب تظاهرة دير الزور ( من الشباب ) ، وبعضهم مراهقون . ثالثاً : مؤشر تدهور الوضع السوري عامة لدرجة حصول مثل هذه المجزرة الجماعية ، غير المسبوقة في تاريخ سورية القديم ولا الحديث ، ولا في أيام الاستعمار .

ويسألونك : هل دخلت السجن ؟ وأنا أتساءل: هل خرجت أنا منه ؟

فعلاً : كان أول سؤال لضابط التحقيق خارج سورية : هل سبق أن اعتقلت يوماً ؟ وغرضه أن يستكشف سبب ضبطي لأعصابي على حد قوله . والسبب الحقيقي لتماسكي هو أنني أمام جهة أقل ظلماً من أبناء بلدي الأدنَين ، تعتمد على العقل والمنطق أكثر من التهديد .

تتمة الصورة : ما مصير منزل العمر الذي اشتريته بعرق الدروس الإضافية ، والمكتبة التي تشغل إحدى غرفه الواسعة من السقف إلى الأرض بنوادر الكتب وأغلاها وأحلاها على قلبي ! والفرش الذي لم يتح لي يوم عرسي ، وأنا خريج جامعي مفلس ، فأعدت الفرش والتأثيث للبيت كبيت العرسان ، واقتنيت خط هاتف ، وأنا مقيم في ضاحية المدينة لأن زوجتي قابلة ، تتمتع بحق الخط الاستثنائي . كل ذلك صار كأن لم يكن ، فقد استولى عليه ضابط أمن بغير قرار مصادرة رسمي . المنزل الجديد لم يكن مسجلاً بعد باسمي ، فعمد الضابط إلى تهديد البائعَين بالتنازل عن البيت لدى دائرة العقارات بحلب ، وتسجيله باسمه غير  الشريف ، ثم بيعه إلى جهة ثالثة . ومع تطاول الزمن مات البائعان ، وبقيت بيدي ورقة البيع العادية ، كما بقيت الظروف الاستثنائية : من قانون طواريء ، وحكم الحزب القائد ، وتغول الأجهزة الأمنية ، وغربتي الدائمة خارج الحدود ، وحرماني من حضور جنازة والدي وأخواتي وكل الأحباب .

لم يكن بودي تصديع رؤوس القراء بمأساتي الشخصية ، وقد سطرت الكثير من جوانبها فنياً في ديوان ( في غيابة الجب ) وفي رواية ( خطوات في الليل ) المنشورتين ، أقول : ولو كانت رمزاً لمأساة الآلاف من المواطنين أمثالي ، لكنني شعرت بواجب التضامن مع معتقلي الرأي السوريين وغير السوريين ، الذين خصص لهم ( مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية ) .. شهراً للتضامن معهم . ولا بد من معلومات موثقة ، وليس أوثق وأصدق من المعلومات التي تتعلق بك ، توضح أبعاد هذه المأساة ، وخصوصاً مأساة الذين ، اعتقلوا بلا سبب كالرهائن ، أو بسبب الرأي ، أو الذين صدرت بحقهم أحكام  عرفية ، وقضوا مدة حكمهم ، ولم يتم الإفراج عنهم ، وبعضهم أمضى أكثر من ربع قرن ، بل ضرب الرقم القياسي في مدة الاعتقال عالمياً ، مثل الناشط عبد العزيز الخير. ناهيك بالمفقودين ، والمهجرين قسرياً ، والمحرومين من حقوقهم المدنية بعد الإفراج عنهم . ولك أن تتساءل : أين نعيش ؟ وفي أي عصر ؟ وإلى متى هذا الكابوس الهمجي ؟ 

* كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام

 

السابقأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ