الرئيسة \  مشاركات  \  هل تظلّ النُخَب المسحوقة ، في بلادنا ، بين متنبّئ ومتألّه ؟

هل تظلّ النُخَب المسحوقة ، في بلادنا ، بين متنبّئ ومتألّه ؟

15.11.2020
عبدالله عيسى السلامة




ادّعى مجنون ، في مشفى الأمراض العقلية ، أنه نبيّ ، فسئل : مَن أرسلك ؟ قال : الله ! فردّ مجنون آخر بجانبه : كذّاب كذّاب .. أنا لم أرسله !
مصحّات الأمراض العقلية والنفسية ، فيها نماذج كثيرة، من المتألّهين والمتنبّئين ، وكلّ مجنون في هذه المصحّات ، يَنظر إلى نزلائها الآخرين ، على أنهم مجانين ، جميعاً ، وينظر إلى نفسه ، بمنظار مختلف ! 
هذا الطراز، من الأمراض العقلية والنفسية ، ليس جديداً ؛ إنه قديم جدّاً ! وقد ظهر بعض هذه النماذج ، في العصر العباسي ، ولاسيّما في عهد المهدي ، الذي كان يحاصر الزنادقة، ويلاحقهم ، ويستدعي بعضهم ، للمحاورة والمناقشة.. ويقيم عليهم الحجج ، ويستتيب بعضَهم، ممّن يرى فيه مسكة عقل ، ويعاقب آخرين ، كلاًّ بحسب حالته !
ومن طرائف المتنبّئين ، أن الخليفة المهدي ، سأل أحدهم : ما دليلك على أنك نبيّ ، يوحى إليك ؟ فقال : دليلي هو أني أعلم مافي عقلك !
قال الخليفة : وماذا في عقلي؟ 
قال المتنبّئ : إنك تفكّر بأني مدّع كذّاب ! 
فضحك الخليفة ، وقال : صدقت ! ثمّ استتابه ، فتاب ، فعفا عنه !
لكن ، ما الذي دعانا ، إلى استحضار المتألّهين والمتنبّئين ، والحديث عنهم ؟
الجواب ، ببساطة ، هو: مانراه ، من النخب المسحوقة المضطهدة ، المطارّدة ، التي تسمّي أنفسَها : معارضات سياسية ، لحكومات دولها ! 
قال ربّ العالمين ، يصف نماذج من هؤلاء : (كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون).
وواقع هذه النخب المسحوقة ، دليل صارخ على حقيقتها ، أو على حقيقة كلّ منها ، إلاّ القليل النادر!
وقال أحد الرجال ، ينصح بنيه :
كونوا جميعاً ، يابَنيّ ، إذا اعترى    خَطبٌ ، ولا تتفرّقوا آحادا
تأبى الرماح ، إذا اجتمعن تكسّراً   وإذا افترقن ، تكسّرت أعوادا
وإن أيّة نظرة ، في حال النخب الحالية ، أو أكثرها ، تدلّ على أن كلاّ منها ، يراهن على مايحلم به ، هو ، بصرف النظر، عمّا يفكر به الآخرون ؛ ممّا يجعلهم ، جميعاً ، فرائس سهلة ، للحكومات التي تراهن على تفرّقهم ، واصطياد كلّ فئة منهم ، بما يناسبها ، من إغراء أو تهديد..أو مكر وخداع ! دون أن يفكّر أكثرهم ، بالواقع الذي يحكمهم ، وبالمصير، الذي هم وشعوبهم وأوطانهم ، شركاء فيه ! ومَن فكّر في التنسيق مع الآخرين ، فإنّما يفكّر من خلال زاويته ، هو، ومن خلال مصلحته : الراهنة والمستقبلة ! 
والنخب القليلة ، التي تحسب ، وتفكّر بالواقع والمآلات ، و بالمصير المشترك الأسود ، وتسعى إلى اتّقاء هذا المصير.. لاتستطيع ، وحدها ، فعل شيء ، لأن حسابات البشر، تختلف عن حسابات المتنبّئين ، وعن عقليات الأوثان البشرية المتألّهة !
ولا بدّ من التذكير ، هنا ، بأن المتألّهين والمتنبّئين ، بالأمس ، كانوا أفراداً عاديين ، كلّ منهم يحمل عبء نفسه ، ووزرَ مايفعل ! أمّا المتألّهون والمتنبّئون من النخَب ، فيَحمل كلّ منهم  عبءَ : شعب ، أو قبيلة ، أو حزب .. ويحمّل الآخرين ، أوزار ما يرتكبه من حماقات !