ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الثلاثاء 22/06/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الأزمة بين فكّي كسر حصار غزة ... وإيران!

الأحد, 20 يونيو 2010

عادل مالك *

الحياة

لبنان من جديد على خط الزلازل وهو الذي لم يبارحه فعلياً منذ بدايات الحروب الأهلية في منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم. وإذا كان صحيحاً أن الوطن الصغير قد تعايش مع سلسلة الأزمات التي عصفت به ولا تزال، فالصحيح أيضاً أن قدرة المناعة لدى لبنان تصيبه بحالات من الوهن وتحد أحياناً من قدرات المواجهة لديه وتعرض صيغته وتركيبته لمزيد من الأخطار والتحديات. واستعراض بعض الوقائع القابضة على الحالة العامة تقدم الدليل الواضح على ما نقدم.

على الصعيد الداخلي برز إلى سطح الأحداث قبل أيام موضوع قديم جديد يتعلق بمنح الفلسطينيين المقيمين على الأرض اللبنانية بعض الحقوق المدنية. وعندما طرح النائب وليد جنبلاط هذا الموضوع في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب مانحاً إياه صفة المعجل والمكرر أثار عاصفة كبيرة من الاحتجاجات لدى مختلف الكتل البرلمانية، الأمر الذي حدا بجنبلاط الى استحضار بعض التصنيفات الإيديولوجية حيث هاجم بشدة ما اسماه «اليمين الغبي». على أن وجه الخطورة في ما حدث هو عملية الفرز الواضحة التي اتخذت فوراً الطابع الطائفي والمذهبي وهو نتاج الانقسامات التي تعصف بلبنان. والفكرة باختصار التي استند إليها زعيم الحزب الاشتراكي أنه بعد انقضاء 62 عاماً على نزوح الفلسطينيين من أرضهم وإقامة بعضهم في لبنان وهم يعانون من الحرمان في كل ما يمت إلى الحياة الكريمة بصلة. وفي كل مرة كان يطرح فيها هذا الموضوع يأتي الرد بعدم اتخاذ أي قرار يتصل بالواقع الفلسطيني في لبنان مع ما يتعارض مع حق العودة من جهة والمخاوف من توطين الفلسطينيين الأمر الذي يثير الكثير من المخاوف لدى فريق من اللبنانيين من إحداث تغييرات ديموغرافية تؤثر في عملية التوازنات القائمة بين مختلف الطوائف والمذاهب التي يتألف منها النسيج اللبناني.

وكانت حجة المعترضين على طرح منح الفلسطينيين بعض الحقوق المدنية ب «هذه السرعة» ضرورة إجراء دراسة متأنية لما يمكن أن يؤول إليه الإقدام على مثل هذا الإجراء في حين كانت وجهة نظر المؤيدين له تقول: ألا يكفي مرور ما يزيد على 62 عاماً لطرح هذا الموضوع؟

وانتهى السجال داخل قبة البرلمان بتحديد مهلة شهر لدراسة هذا الموضوع والعودة من جديد لمناقشته أمام الهيئة العامة للمجلس النيابي. وفي هذا المجال لا بد من تسجيل بعض النقاط البارزة التي تتخطى حساسيات الواقع اللبناني، للقول بأن العمل على منح الفلسطينيين المقيمين في المخيمات بعضاً من حقوقهم المدنية، ليس خدمة أو هبة يمكن أن تقدم لما يقرب من أربعمئة ألف لاجئ فلسطيني، بل ان النتائج المتوخاة من الإقدام على هذه الخطوة هي ضرورة لبنانية كما هي ضرورة فلسطينية، باعتبار أن هذه المخيمات تحولت إلى بؤر تضم في صفوفها المجموعات الخارجة على القانون، وتحولت هذه المخيمات إلى مواقع خارجة كلياً عن السلطات اللبنانية، وما حدث في مخيم نهر البارد قبل ثلاث سنوات ما زال ماثلاً للعيان.

حدث كل هذا ولبنان يعيش تداعيات عمل القرصنة الذي أقدمت عليه إسرائيل بالهجوم على السفينة التركية «مرمرة» والتفاصيل التي أعقبت هذا الحادث الذي يضاف إلى ممارسات إسرائيل التي أكدت من جديد استحقاق صفتها: إرهاب الدولة بامتياز.

وفيما تستعد بعض السفن الأخرى للإبحار باتجاه قطاع غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض عليه منذ أربع سنوات، أطلق كل من نتانياهو وباراك التهديدات بمنع وصول أي سفينة بالقوة، وبدا أن الحملة التي قادتها تركيا لفك حصار غزة بدأت تعطي ثمارها عبر لجوء إسرائيل وأمام الضغوط الدولية إلى الإعلان عن الخفض التدريجي للحصار المفروض على غزة. وهذا هو الجانب المحوري في هذه الحملة أي إرغام إسرائيل على فك الحصار عن الفلسطينيين في القطاع والسماح بإيصال المواد الغذائية والطبية والحياتية لهم.

هل هذا يعني انحسار أخطار نشوب حرب في المنطقة؟

الأخطار ماثلة وعلى جبهات متعددة في آن معاً لكن العنصر الجديد الذي برز في الآونة الأخيرة هو الموقف التركي ضد إسرائيل، وهو العامل الذي لا يمكن لتل أبيب إلا أن تأخذه في الاعتبار في شكل جدّي والعمل على حصر الأزمة مع أنقرة قدر المستطاع. ومن مفارقات هذه المرحلة الغياب المعيب والمهين للدول العربية وتخلفها عن مواجهة تحديات المرحلة ليبرز العامل التركي إلى واجهة الأحداث.

كل هذه الاعتبارات رفعت التوتر الحالي إلى أعلى درجاته في مقياس الصراع العربي - التركي - الإسرائيلي! بخاصة إذا أخذ في الاعتبار التحالف الاستراتيجي الذي نشأ أخيراً بين تركيا والبرازيل وإيران حول تداعيات الملف النووي الإيراني وفي ضوء القرار الأخير لمجلس الأمن والذي نص على فرض المزيد من العقوبات على طهران.

إذن نحن أمام مجموعة أزمات. من الرئيسي إلى بعض الروافد الأخرى التي ترفع منسوب احتمال وقوع مجابهة عسكرية. لكن هناك قناعة بأن قيام هذه التوترات والتشنجات الإقليمية والدولية، في أكثر مراحل تضارب المصالح التي تعايشها المنطقة، وفي ظل قيام معادلة توازن الرعب، ترفع منسوب التوتر، لكن مجرد التفكير بتداعيات أي تطور عسكري كنتاج مباشر لعملية فرض آلية معينة لتنفيذ قرار العقوبات ضد إيران في ظل الأوضاع الراهنة يبعد احتمال وقوع حرب ستكون في حال نشوبها مدمرة للجميع.

وفي محصلة تحليل ما يجرى تبرز مشهدية الأحداث القابضة على المنطقة وفق نقاط رئيسية هي التالية :

• أولاً: ان تطورات الأيام الأخيرة أرغمت إسرائيل على الرضوخ لفك الحصار عن غزة، مع الأخذ في الاعتبار مواقف اسرائيل التي لا تريد أن تظهر بمظهر المهزوم.

• ثانياً: مع تزايد الكلام عن احتمال نشوب حرب في المنطقة برزت نتائج أكبر عملية لخلط الأوراق. فالولايات المتحدة قامت بأقصى ما يمكن أن تقوم به باستصدار قرار فرض العقوبات على إيران، لكن لا يمكن تصور رضوخ إيران لهذا المعطى، بل هي ماضية في السياسات والمواقف الرافضة لتطبيق العقوبات الجديدة. على أن الأمر المهم سيكون بمتابعة التطورات لمعرفة كيفية العمل على تطبيق قرار فرض العقوبات على إيران وبخاصة لجهة تفتيش بعض السفن للتأكد من أنها لا تحمل «الممنوعات» إلى طهران. وتدرك الولايات المتحدة قبل غيرها أن أي تدهور في المنطقة من شأنه أن يضيف إلى الوضع العام تأزيماً جديداً يصعب تصوره مع التورط الأميركي القائم في العراق وفي أفغانستان.

• ثالثاً: بالعودة إلى الوضع في لبنان فإن ملف منح الفلسطينيين المقيمين على أراضيه قد فتح وستتواصل تداعياته في المستقبل المنظور. وهذه الأزمة في خطوطها العريضة تقف بين إجراء عملية «تطبيع» للفلسطينيين مع الواقع اللبناني، واحتمال فرض أمر واقع قد يفضي إلى فرض توطينهم أو عدد منهم. وعلى كل الأفرقاء في لبنان عدم التعاطي مع هذا الملف القديم - الجديد بما يزيد من محنة وشقاء أهل المخيمات، ففي منح هؤلاء الحد الأدنى من الحقوق البشرية بعض الأنصاف لأهل القضية الذين انتظروا ستة عقود ويزيد على تهجيرهم من وطنهم، نزع فتيل توترات داخلية قد تعمد بعض الأطراف إلى استغلالها وتوظيفها في سبيل إضافة ارباكات جديدة تضاف إلى ما تواجهه الحكومة اللبنانية في هذه الأيام من ضغوط على غير جهة، وعلى أكثر من صعيد.

• رابعاً: في التصور العام لأزمة المنطقة وما يمكن أن تفرزه الأسابيع والأشهر الآتية يبرز مشروعان يتناقضان كلياً وهما: المشروع الإيراني الذي يعمل على قيام شرق أوسط جديد من دون أي وجود لإسرائيل، في وجه المشروع الإسرائيلي الداعي إلى قيام شرق أوسط جديد من دون إيران.

ويبقى السؤال حول مصير الدول الصغيرة القائمة في قلب الأحداث وفي طليعتها لبنان، وكيف يمكن له أن يواجه مستلزمات ومقتضيات المراحل الآتية؟

لعل هذا هو قدر الوطن الصغير أن يعايش أزمات كبرى تفوق طاقته بكثير، لكنه أثبت وعبر العديد من التجارب أنه لا ينحني بسهولة أمام الأحداث الخطير منها أو العابر، لكن الأمر الذي لا يجب أن يغرب عن البال أن الانقسام الوطني الحاد القابض على الواقع اللبناني ينطوي على العديد من الأخطار، وسيبقى الصراع بين مبدأ الجيش والشعب والمقاومة المطروح من جانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري مع الفريق الآخر الذي يعارض وجود السلاح خارج إطار شرعية الدولة، هو الذي يتحكم بحركية لبنان وأهله، والطامعين به والطامحين بالسيطرة على قراره، هو السمة البارزة لما هو آت في الشهور بل السنوات المقبلة.

ومرة جديدة: عندما يلعب الكبار بمصائر الصغار في سلسلة حروب بالأصالة والوكالة، يبقى الطموح أن يحدد الصغار خسائرها لأن ثمار المواجهات تذهب الى أصحاب النفوذ، ويبقى الصغار في فئة دافعي الضرائب.

* صحافي وإعلامي لبناني

======================

تركيا بين التغريب والأصالة

الأحد, 20 يونيو 2010

السيد يسين *

الحياة

تعد تركيا التي قامت من بين ركام الإمبراطورية العثمانية كدولة حديثة عام 1923، نتاج حركة الدولة القومية الحديثة التي نشأت في أوروبا. ومنذ قيامها كدولة علمانية – كما ينص على ذلك الدستور التركي – وهي تصوب نظرها إلى الثقافة الغربية باعتبارها النموذج الحضاري الذي ينبغي أن تحتذيه. ولا شك أن ذلك حدث بحجم الاتجاهات التغريبية التي كان يؤمن بها كمال أتاتورك مؤسس الدولة، الذي أراد أن يقطع مع التراث العثماني القديم، ولذلك ألغى العمل باللغة التركية، وابتدع لغة تستخدم الحروف اللاتينية. وهكذا حدثت قطيعة تاريخية بين الجيل الحالي من الأتراك والأجيال الماضية، بحكم أن هذا الجيل لا يعرف سوى اللغة التركية الحديثة.

وتتميز تركيا بأن دستورها نصّ في صلبه على وضع خاص للجيش التركي، باعتباره حامي العلمانية، ويعطيه الحق في التدخل السياسي لو قامت حركات تحاول نزع الطابع العلماني للدولة. وهكذا قام الجيش بعدة انقلابات دستورية. حدث ذلك عام 1960 وعام 1971 وعام 1980. وفي عهد قريب حاول انقلاب عام 1997 إزاحة رئيس الوزراء الإسلامي من السلطة.

ومن الخصائص الفريدة في الدولة التركية أن القوات المسلحة التي ساعدت على تغريب تركيا، مثلت عقبة أمام التحاقها بالاتحاد الأوروبي. وقد يبدو غريباً أن القوات المسلحة التركية تتمتع بشرعية شعبية، وذلك إذا اعتمدنا على العديد من استطلاعات الرأي العام التي تبين أنه يثق بها ثقة عالية.

غير أن حكومة رجب طيب أردوغان في ما يبدو نجحت في تحييد قوة الجيش السياسية التقليدية، نتيجة تطورات مجتمعية متعددة وأدخلت تعديلات على الدستور معروضة على الاستفتاء لتحجيم دور القوات المسلحة.

وأياً كان الأمر فإننا لو طبقنا منهجية التحليل الثقافي لفهم الاتجاهات الراهنة في الدولة التركية لقلنا أنه على رغم السعي الدؤوب للحكومات التركية للالتحاق بقطار الاتحاد الأوروبي، فإن الاتجاهات الشعبية أصبحت – نتيجة تطورات شتى - معادية للتغريب، وذلك نتيجة سعي أجزاء إسلامية متعددة لصياغة مفهوم إسلامي وسطي وعصري للسياسات، مما سمح للأحزاب السياسية الإسلامية بأن تحصل على الغالبية في الانتخابات، والتي كانت أبرزها ولا شك الانتخابات الأخيرة التي جاءت بأردوغان رئيساً للوزراء وعبد الله غل رئيساً للجمهورية.

وعلى رغم أن أردوغان يعبر عن حزب سياسي إسلامي نشط أصبح يركز على الأصالة الحضارية بدلاً من التركيز على التغريب، إلا أنه في مجال العلاقات الدولية فإن أردوغان يطمح الى الانضمام للاتحاد الأوروبي، لأن لديه مخططاً – بعد النجاح الاقتصادي والتجاري الذي تحقق – يتمثل في أن تلعب تركيا الجديدة دوراً بارزاً في العلاقات الدولية، ولن يتاح لها ذلك إلا إذا انضمت إلى الاتحاد الأوروبي.

غير أنه لوحظ في السنوات الأخيرة أن تركيا - ربما بعد فشلها في الانضمام الى هذا الاتحاد - ركزت بقوة على دول الجوار، وأصبح لها صوت مسموع في السياسات الشرق أوسطية، على رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل، والذي تكشف عنه التدريبات العسكرية المشتركة والتعاون الاستراتيجي الوثيق.

ومما لا شك فيه أن من الظواهر اللافتة للنظر بروز الدور الإيراني والدور التركي، كل منهما ضمن مجاله الحيوي في مجال السياسات في العالم العربي.

ويكفي أن نشير إلى الدور الإيراني في العراق، ودعم «حزب الله» في لبنان وتأييده ل «حماس». ومن ناحية أخرى فإن التصريحات التركية إزاء إسرائيل وخصوصاً بعد الاعتداء الإجرامي على «أسطول الحرية» ووقوع تسعة أتراك قتلى كانت بالغة الحدة والعنف. وإذا أضيف إليها تصريح أردوغان القاطع الذي قال فيه إن «حماس ليست حركة إرهابية ولكنها حركة مقاومة»، فمعنى ذلك أننا في الواقع أمام توجهات جديدة للسياسات التركية.

وينبغي أن يثار السؤال: هل تخلت تركيا عن مشروعها الذي يتمثل في الالتحاق بالغرب من طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتركيز بدلاً عن ذلك على بناء علاقات مع الدول العربية؟

يمكن القول إن مهندس السياسة الخارجية التركية الجديدة هو البروفسور أحمد داود أوغلو مستشار رئيس الوزراء الطيب أردوغان. وأهمية أوغلو أنه مفكر استراتيجي رفيع المقام، نشر كتاباً مهماً بعنوان «العمق الاستراتيجي» صدر قبل عام من وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة. ويمكن القول إن السياسة التركية الجديدة تطبيق دقيق لنظرية أوغلو الاستراتيجية.

ويتسم تحليل أوغلو بالدقة في تحديد المراحل التي مر بها العالم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي نقلت العالم إلى مراحل جديدة. ذلك أنه بعد خطاب الحرية الذي ظهر بعد انتهاء الحرب الباردة، حل خطاب الأمن الذي تجسد في حربي أفغانستان والعراق.

وحقبة الأمن تنقسم عنده إلى ثلاث مراحل: المراحل النفسية التي جسد فيها حرب أفغانستان. والمرحلة الاستراتيجية التي مثلتها حرب العراق، وأخيراً وصلنا إلى مرحلة تأسيس نظام جديد، والتي قد تستمر من وجهة نظر الولايات المتحدة من عشر إلى خمس عشرة سنة.

تأمل زعماء تركيا هذه التغيرات الجوهرية في بنية النظام العالمي، وقرروا ضرورة صياغة سياسة خارجية مؤثرة ومتعددة الأبعاد، تتيح لتركيا - كما قلنا من قبل - أن تلعب دوراً مركزياً في السياسة العالمية. غير أن تركيا كانت أمامها ثلاث عقبات وهي الإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي، والأزمات الاقتصادية.

ويقرر أوغلو أن تركيا نجحت في استيعاب هذه العقبات وتجاوزتها. غير أن الأهم من ذلك أن أوغلو حدد خمسة أسس للسياسة الخارجية التركية الجديدة:

الأساس الأول: هو الموازنة بين تعزيز الحريات في الداخل ومواجهة الأخطار الأمنية. الأساس الثاني: تصفية المشكلات مع دول الجوار الجغرافي لتركيا، وقد نجحت تركيا في ذلك مع سورية وإيران واليونان وروسيا. الأساس الثالث: اتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد مرتبطة بموقع تركيا على تقاطع طرق القوى والمناطق الحيوية في العالم (آسيا – أوروبا، الإسلام – الغرب، أوراسيا – الأطلسي، الشمال – الجنوب، وأميركا – أوروبا). وفي هذا الإطار ليست علاقات تركيا مع طرف ما بديلاً من علاقاتها مع طرف آخر. والأساس الرابع: تطوير أسلوب ديبلوماسي جديد في السياسة الخارجية. والأساس الخامس والأخير: الانتقال إلى ديبلوماسية منتظمة ومتواصلة.

وفي ضوء التحليل السابق يمكن القول إن تركيا ليست مضطرة بالضرورة للاختيار بين التغريب والأصالة، بل إن رؤيتها الاستراتيجية الجديدة لا ترى أي تناقض بينهما.

ولعل هذه النظرية تجد منطقها في فلسفة ما بعد الحداثة التي قضت على الثنائيات الزائفة التي سادت طوال القرن العشرين، كأن يقال إما التغريب أو الأصالة، إما العلمانية أو الدين، إما الاشتراكية أو الرأسمالية.

انتهى عهد الأنساق الفكرية المغلقة، ووصلنا إلى عصر الأنساق الفكرية المفتوحة، التي لا تجد مشكلة في التأليف الخلاق بين تناقضات ما كان يظن أنه يمكن الجمع بينها.

وهكذا إذا كان هدف الإنسانية – بعد تجارب الشعوب المريرة في القرن العشرين – التأليف الخلاق بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، فليس غريباً أن تحاول تركيا في توجهاتها الراهنة التأليف بين العلمانية والدين، أو بين التغريب والأصالة.

السياسة التركية الجديدة تعبير عن فهم عميق للتغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي الراهن، والتي يمكن إجمالها بخمس تغيرات وهي الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج المجتمع المعلوماتي، والتحول من الحداثة إلى العولمة، والانتقال من مجتمع الأمن النسبي إلى مجتمع المخاطر، وسقوط النموذج القديم للأمن القومي وبروز نمط جديد هو الأمن القومي المعلوماتي، وأخيراً ظهور حضارة إنسانية جديدة تركز على التسامح واحترام الخصوصيات الثقافية وأهمية الحوار مع الآخر.

======================

لماذا لا تستفيد إيران من الرسالة اللبنانية؟

خيرالله خيرالله

الرأي العام

20-6-2010

في استطاعة إيران، التي تواجه حالياً المجتمع الدولي، الاستفادة من الرسالة التي وجهها إليها لبنان عبر موقفه في مجلس الأمن. أنها رسالة عربية ولبنانية في آن. رسالة صادرة عن العرب الذين يرفضون المزايدات ولغة الابتزاز التي لا طائل منها في المدى الطويل. في الواقع، اتخذ لبنان موقفاً حكيماً أراد من خلاله حماية نفسه وذلك عندما امتنع المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة السفير نوّاف سلام عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. قام المندوب الدائم بما يمليه عليه ضميره، وذلك بالترافق مع صدور القرار الرقم 1929 الذي تضمن رزمة رابعة من العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي. كان مهماً أن يتّخذ لبنان مثل هذا الموقف المتوازن، الذي يكشف في الوقت ذاته بكل أسف، العجز الحكومي عن اتخاذ مواقف من قضايا كبيرة. ولذلك، قال السفير سلام في الكلمة التي ألقاها في جلسة مجلس الأمن: «قامت حكومة بلادي بدراسة موضوع التصويت المهم المعروض أمامنا اليوم، ولمّا لم يتبلور موقف نهائي لديها في اللحظة التي نجتمع فيها، لذلك فإن لبنان قد امتنع عن التصويت».

تعكس تلك العبارة القصيرة الواردة في كلمة المندوب اللبناني نوعاً من الشلل على الصعيد الحكومي. وثمة من ذهب إلى حد اعتبار ما حصل في جلسة مجلس الوزراء التي درست مسألة التصويت في مجلس الأمن خطوة على طريق ظهور لبنان في مظهر الدولة الفاشلة نظراً إلى العجز عن اتخاذ موقف من أي قضية مهمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإيران. هذا لا يمنع من أن تكون هناك وجهة نظر أخرى تستند إلى أن على لبنان التعاطي مع الواقع، بما في ذلك أن إيران موجودة بقوة على أرضه بفضل «حزب الله» الممثل في الحكومة وفي مجلس النواب.

في النهاية، حمى لبنان نفسه واستطاع تمرير عملية التصويت بأقل مقدار ممكن من الخسائر والأضرار. أكّد لبنان مرة أخرى أن الأولوية في المرحلة الراهنة هي للمحافظة على السلم الأهلي والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الحساسيات بين طوائفه في انتظار اليوم الذي يكتشف فيه الجميع أن لا فائدة من السلاح، أي سلاح، متى كان خارج المؤسسات الوطنية. أي خارج سيطرة الجيش وقوى الأمن الداخلي، وذلك بغض النظر عن اللافتات الكبيرة التي ترفع من هنا أو هناك أو هنالك لتبرير تخزين السلاح تحت شعار «المقاومة»...

المهم في المرحلة المقبلة أن يستمر لبنان في سياسة حماية نفسه من الخضات التي تبدو المنطقة مقبلة عليها، خصوصاً في حال بقي التصعيد سيد الموقف بين إيران من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى. ما لايمكن الاستخفاف به أن القرار 1929 حظي بتأييد كل الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بمن فيها روسيا والصين. وهذا تطور في غاية الأهمية، خصوصاً بعد سعي تركيا والبرازيل إلى ايجاد صيغة تفاهم مع إيران لم تلق التجاوب المطلوب من الإدارة الأميركية والدول الأوروبية المعنية، على رأسها المانيا وفرنسا وبريطانيا. وما قد يكون أهم من ذلك، أن إدارة الرئيس أوباما نجحت بالطرق الديبلوماسية في استمالة روسيا والصين. وهذا يعني في طبيعة الحال أن هذه الإدارة ليست ضعيفة كما يتصور كثيرون، بمن فيهم إيران. فالقرار 1929 يمثل أول نجاح خارجي كبير للإدارة بعد تمريرها قانون الرعاية الصحية الذي يشكل بالنسبة إليها انجازاً استثنائياً على الصعيد الداخلي.

ليس أمام بلد صغير مثل لبنان لا طموحات له غير المحافظة على الاستقرار الداخلي وإعادة بناء نفسه، على العكس من بلدين كبيرين ومهمين مثل تركيا وإيران، سوى تمرير الوقت والصلاة. الصلاة من أجل أن يكون القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن فرصة كي تعيد إيران النظر في مواقفها بعيد عن أي نوع من أنواع التصعيد. لا يمكن للبنان أو لأي دولة عربية الاستفادة من أي مواجهة تحصل مع إيران، خصوصاً أن اسرائيل تسعى إلى مثل هذه المواجهة التي ستكون لها انعكاسات سلبية على كل دول المنطقة.

في المقابل، يفترض في إيران، التي يحق لها من دون شك أن تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً، فهم القرار الأخير لمجلس الأمن بطريقة مختلفة. وهذا يعني أنه بدل متابعة لغة التحدي، عليها التساؤل: لماذا انضمت روسيا والصين إلى المطالبين بحزمة عقوبات جديدة تستهدفها، ولماذا الجدية الروسية في التزام العقوبات وإعلان رئيس الوزراء فلاديمير بوتين من باريس «تجميد» بيعها صواريخ من طراز «اس-300»؟ الجواب عن مثل هذا النوع من الأسئلة أن المجتمع الدولي أراد ابلاغ طهران أن باب الحوار لم يغلق بعد وأنه ليس على استعداد للانصياع للرغبات الإسرائيلية في المواجهة العسكرية. كل ما أرادت الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، زائد ألمانيا، قوله انها تفضل التوصل إلى تسوية مع إيران، لكنها لن تقبل في الوقت ذاته بالسماح لها بامتلاك السلاح النووي. كيف سترد إيران على العرض الدولي الجديد؟

من حق لبنان وأي دولة عربية اعتماد الحذر الشديد. ومن حق الدول العربية دعوة إيران إلى اعتماد سياسة المنطق بديلاً من سياسة التحدي. نعم، ان إيران قوية في العراق، بل قوية جداً هناك بدليل أن لا حكومة عراقية جديدة من دون ضوء أخضر منها. كذلك، تعتبر ايران قوية في لبنان وغير لبنان. ولكن في مرحلة معينة، لابد من تسوية ما مع المجتمع الدولي على رأسه الولايات المتحدة. مثل هذه التسوية تخدم الجميع، خصوصاً الدول العربية في المنطقة. ولذلك، كان موقف لبنان الممتنع عن التصويت على قرار مجلس الأمن بمثابة رسالة إلى طهران فحواها أن العرب ليسوا ضدها... لكنهم ليسوا في الوقت ذاته مع أي سياسة لا تؤدي سوى إلى انفجار إقليمي يدفع ثمنه جميع أهل المنطقة من عرب وغير عرب!

كاتب لبناني مقيم في لندن

======================

الصهيونية وجرعات الحصار

آخر تحديث:الأحد ,20/06/2010

خيري منصور

الخليج

وصفت صحيفة “هآرتس” شمعون بيريز هذه الأيام بأنه يعاني من اكتئاب سياسي وحالة من انعدام التوازن، بسبب تردي صورة الدولة الصهيونية أمام العالم، والمأزق الدبلوماسي الذي تعيشه منذ مجزرة باخرة الحرية، والحقيقة أن كآبة بيريز تعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فالرجل عاد من موسكو بعد مشاركة هامشية في ذكرى الانتصار على النازية وهو يشعر بإحباط شديد بعد أن عومل في مطار موسكو كمجرد زائر عادي ووجد نفسه واقفاً في طابور طويل بلا أي احتفاء بروتوكولي . وكآبة بيريز المزمنة تقترن بالشيخوختين المتزامنتين، شيخوخته الشخصية بعد توليه منصب رئيس الدولة وهو قاب خطوتين أو أدنى من القبر، وشيخوخة الصهيونية التي حلم بيريز وجيله بأنها ستمكث ألف عام في ربيعها .

 

وما تعيشه الصهيونية الآن، سواء تجسد في الدولة أو في الدوائر السياسية والإعلامية هو حصار بامتياز، ومن أدمنوا اللذة السادية في محاصرة الآخرين يجربون الآن جرعات أولية من هذا الحصار، الذي هو أنكى من الحصار المتصل بالغذاء والدواء، فهو حصار سياسي وأخلاقي، وله مظاهر دبلوماسية بدأت تتضح من خلال سحب السفراء لبعض الدول من تل أبيب مثل نيكاراغوا وجنوب إفريقيا، وإن كانت المفارقة أشد بالنسبة لجنوب إفريقيا التي كانت قبل ثلاثة عقود تتقاسم مع الدولة الصهيونية خندقاً عنصرياً، ثم تحررت وأخذت على عاتقها الانحياز لكل من يعانون من التمييز والاضطهاد العرقي .

 

وقد لا يكون هذا الحصار بالنسبة لمن تعهدوا الدفاع عن أخطاء الصهيونية وخطايا قادتها منذراً بالمزيد، لأنهم لا يرون أبعد من أنوفهم، والحقيقة أن ما حدث في جنوب إفريقيا في مطلع الثمانينات من القرن الماضي أدى إلى تراكم أفرز ذلك الإنجاز الإنساني والتاريخي الذي وضع نهاية لحقبة تاريخية مفعمة بالشقاء . وقد يكون هذا أول الغيث بالنسبة للعربي الظامئ منذ ستين عاماً لكنه أول الغروب بالنسبة لمستوطن راهن على غيبوبة التاريخ وتحويل البشرية إلى رهينة .

 

ما يحتاج إليه العرب الآن ليس السجال حول منسوب هذا الحصار المضاد وجديته أو جدواه، بل استثمار ما تحقق منه من أجل مضاعفته وتصعيد وتيرته، فالمناخ الدولي ملائم تماماً، وثمة شعور بالاشمئزاز من الممارسات الصهيونية سواء ضد الفلسطينيين أو الناشطين الذين يناصرون قضيتهم .

 

وما يصدر تباعاً من تصريحات لمثقفين وساسة أوروبيين حول شعورهم بالضيق من الدولة الصهيونية يمهد ويعبد الطريق أمام إضعاف هؤلاء ممن ترددوا زمناً في التعبير عن آرائهم، لأن فزاعة الاتهام بمعاداة السامية تتربص بهم .

 

إن ما كان يقال همساً وبتحفظ شديد ضد الصهيونية أصبح الآن يقال علناً وبصوت جهوري عبر مختلف المنابر، ليس فقط لأن الكيل طفح بالدم، بل لأن ما يدفعه الغربيون ثمناً للعدوان الصهيوني والتمدد الاستيطاني أصبح باهظاً ولا يطاق .

ويبدو أن صلاحية الابتزاز الهولوكوستي قد أوشكت على نهايتها، وهذه أسباب كافية لأن تشمل الكآبة بيريز وسائر السلالة .

======================

تحطيم الحياة . . العراق نموذجاً

آخر تحديث:الأحد ,20/06/2010

محمد خليفة

الخليج

تتجلى مشاهد العنف والدمار والقتل في العراق وكل شيء ينهار ويحترق ويذروه الرماد غارقاً في الأمواج العكرة المسعورة، مليء بالآلام في الماضي والمستقبل اللانهائي الذي يبدو كشيء مجهول وسط ضجيج الانفجارات التي تبرق في مساحتها، حيث يشهد العراق سقوط الأيديولوجيات في ظلام عالم الشر، وما يصاحب هذا الشر من الآلام وعذاب وعداء لمئات المدنيين الأبرياء الذين يبادون صباح مساء فتراق دماؤهم وتداس كراماتهم من جراء السياسات المبنية على أساس عرقي أو ديني أو الهيمنة الأجنبية التي من مصلحتها استمرار حالة الانقسام والتشظي في وطن يبدو وكأنه منذ أن ولد إنسانه يسعى جهده، محتملاً أشد صنوف العذاب والقلق والفزع والخوف، محفوفاً بالمتاعب والعراقيل، باذلاً ما في وسعه من طاقة، وكل ما يحصله بعد هذا العناء كله هو أن يحافظ على هذه الحياة البائسة بينما الموت نصب عينيه في كل فعل وفي كل آن . فهو في كل يوم جديد يرى الدم يسفك في وطنه وكأنه ينطبق عليه قول المفكر هوبز بأن الناس بطباعهم أشرار يسودهم النفاق والغدر والحقد والرغبة في الأذى والظلم، والإنسان شر ما فيه، فهو ذئب لأخيه الإنسان، هذه الصفة انبثقت من ارادة عمائق اللاشعور في عالم لا نهاية له ولا حدود وسط حشد هائل من الأفراد المجهدين المتألمين الضالين .

 

ففي النظريات الأخلاقية يحيا الإنسان في الزمان لإثبات نبل البشر وتفوقهم على المخلوقات الأخرى، وهيمن هذا الدافع على أولئك المدافعين المخلصين عن فضائل النورانية التي تحلق في الملأ على درب الحياة وتميز الإنسان في أحواله الروحية عن الوحوش التي لا تقتل المخلوقات الأخرى لمجرد الابتهاج ولا تبني معسكرات اعتقال لأبناء جنسها إلى أن تهلكهم ألماً ولا تستنبط متعة منحرفة من معاناة أقرانها وآلامهم .

 

ولقرون خلت والفلاسفة وعلماء النفس يبحثون عن السبب الذي يجعل الإنسان أكثر فحشاً وضراوة، فمنذ فجر التاريخ كان الألم ماثلاً في كل موجود، وكان البابليون والعبرانيون القدامى يعذبون الأسرى بالرجم أو بالحرق، وكانت لدى الآشوريين والمصريين تدابير تشريعية لاستخدام التعذيب مثلما كان الأمر عند الفرس والأغريق والقرطاجيين والرومان .

 

وأسوأ الفظاعات التي ارتكبتها الإنسانية كانت باسم الرب والوطن والصالح العام، ففي العصور الوسطى كان الأباطرة والأساقفة والبابوات يتنافسون على الممتلكات والثروات والسلطة، وكانت للكنيسة الكلمة العليا لأنها تمسك بمفاتيح أبواب العالم الآخر كما تزعم، وكانت تقف في وجه الأفراد والجماعات التي تشكل خطراً عليها، وخير مثال مذبحة الألبيجنسيين في عام 1244 بعد حرب مدمرة دامت 65 عاماً شنتها الكنيسة ضد الهرطقة، وحينما بدأت محاكم التفتيش حربها على الهرطقة اعتمدت على سلاح التخويف واستخدمت التعذيب بكافة أساليبه، من المخلعة والبكرة والحديد المحمي والجلد والشنق والحرق حتى الموت . وكان حاملو الجثث الذين يعذبون الأبرياء يقترفون جرائم مروعة لمجرد تحقيق الربح والطاعة للمؤسسة الدينية . وفي أيام الرق كان المالكون والمراقبون يفرضون أشنع أنواع العقوبات من أجل ترويض العبيد، ولاجبارهم على أداء الحد الأقصى من العمل . وفي مراحل التاريخ كلها كان السجانون يستخدمون التعذيب لبث الذعر في المساجين، ولن تجد فيهم غير الظلم الفادح والقسوة الباهظة والرغبة في الإيذاء .

 

إن المبادئ هي ذاتها التي ارتكبت بموجبها الفظائع والتعذيب في زنزانات القرون الوسطى أو في معسكرات الاعتقال النازية، فقد كانت أعمال التعذيب والأعمال الوحشية دائماً تستخدم من أجل تحقيق أغراض مختلفة، والمفارقة الجلية أن أفظع المجازر البشرية كانت دائماً من صنع أولئك الذين كانوا أكثر تحضراً، وكثيراً في الحضارات ما يتشابه المتحضرون وغير المتحضرين في وحشية التعذيب الجسدي .

 

ورغم أن التعذيب ليس وارداً في الجرائم كلها إلا أن كل تعذيب يشكل جريمة من وجهة نظر المثاليين، وليس جريمة ما لم يقم به عدو من وجهة نظر الذرائعيين وكثيراً ما تكون أكبر مشكلة في تحديد هوية العدو .

 

إن الجريمة لن تزول مثلما أن التعذيب لن يزول، وستبقى هاتان الوصمتان على وجه الأرض طالما أن الإنسان موجود للابقاء عليها . إن ذروة الوحشية التي يصل الناس في الحرب ليست وقفاً على شعب أو أمة، ولكن معظم الناس يميلون إلى النسيان وينظرون إلى مظالم الماضي بلا مبالاة ويندفعون للدفاع عنها والتقليل من شأنها أو إنكار كل ما قام به أبناء بلدهم .

 

إن مواليد القرن ال 20 رأوا أموراً من كافة صنوف التعذيب التي يتمنون أن ينسوها وألا تتكرر، ففي عام 1905 اندلعت ثورة في روسيا القيصرية وقمعت بأفظع أنواع التعذيب الجسدي والمعنوي، وارتكب “الإسرائيليون” أبشع المذابح وعمليات التطهير العرقي بحق الفلسطينين بعدما كان اليهود ضحايا النازية، وعذب الجنود الفرنسيون الشعب الجزائري بأسوأ ما تعنيه الكلمة بعدما كان الفرنسيون ضحايا الاحتلال الألماني . وقد بدأ الراهب الفرنسي ايريك كروسه كتابه “قونيوس الجديد” في 1590 ببيان أسباب الحروب والعنف لإثبات أنها لا تستحق ما تؤدي إليه من تكاليف في المال والرجال لعوامل دينية أو اختلاف القوميات، وليس في الحرب مغانم تعيد ما أنفق فيها من سفك الدماء وضياع الأموال وخراب الديار، أما الأديان كلها فتقوم على حجج وكل واحد منها يزعم أنه وحده الأفضل، بالرغم من أن جميعها تهدف إلى غاية واحدة، هي الاعتراف بالألوهية وعبادتها، ولهذا فإن اختلاف الدين لا يمكن إذن أن يحول دون السلام العالمي، ويقول: لماذا أنا، أنا الفرنسي أضمر الشر إلى الياباني أو الهندي؟ لا يمكنني ذلك، حين أنظر إليهم إنهم أناس مثلي تماماً، وإنني مثلهم معرض للخطأ والخطيئة، وإن كل الأمم تتشارك برابطة طبيعية وبالتالي لا تقبل الانفصام، ويضيف ايريك هل هناك ما هو أدعى إلى السخرية من كون أن إنساناً له الحق في قتلي لأنه يقيم على الشاطئ الآخر من الماء وأن السياسة السبب في هذا الخلاف بينما أنا ليس بيني وبينه أي خصومة .

 

العنف يدمر الحرية ومادة الإرادة العامة المراعية للأخلاق وإرادة الأعلى للخير، للوجود ومكان الإنسان وتأثيره حيث يشكل القانون الأخلاقي بالنسبة للإنسان الكامل نظرية التفاعل والتسامي التي من شأنها أن تجعل الإنسانية مقدسة في الإنسان والإنسانيات المرتبطة بوجوده في معزل عن الظاهرة الفيزيائية لوجود الإنسان على سطح الأرض .

ويبقى العراق لطخة سوداء على جبين ما يسمى الديمقراطية الأمريكية، إذ إنه في ظلها تجرى مجازر يومية ضحاياها من المدنيين .

======================

الهجرة الخارجية.. أبعادها وتأثيراتها

بقلم :فاطمة الصايغ

 البيان

20-6-2010

تناقش الكثير من المؤتمرات الدولية والإقليمية المعنية بالشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية قضية الهجرة بجميع أبعادها. فقد أصبح موضوع الهجرة موضوعاً مؤثراً في مسار انتخابات كثير من الدول، وفي السياسة الخارجية وفيما يتعلق بمبادئ الدول وقيمها.

 

كما أصبح هذا الموضوع حديث الساعة في المنتديات الشعبية والرسمية الإقليمية والدولية بدءا من منتدى دافوس وانتهاء بمنتدى الدوحة للديمقراطية (والذي انتهت نسخته العاشرة في مطلع يونيو 2010).

 

وقضية الهجرة مرتبطة بقضايا أخرى كالفقر، الحروب والنزاعات المسلحة، انحسار مستوي الحريات العامة، الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية في الكثير من بلدان العالم الثالث وأخيرا وليس أخرا العولمة وما أفرزته من متغيرات علمية وتكنولوجية جمة رمت بظلالها على مجتمعات العالم كافة فخلقت ما يشبه مجتمع القرية الصغيرة بكل ما في مجتمعات القرى من متناقضات، كما أفرزت عوامل عدة أدت إلى تخلخل سكاني هائل وبالتالي هجرة داخلية وخارجية.

 

وإذا كانت الهجرة تسبب أصلا مشاكل عويصة بالنسبة للمجتمعات المتقدمة وذات الكثافة السكانية العالية بكل ما تجلبه تلك الهجرات من تنافس على فرص العمل المتاحة، وتأثير على الهويات القومية، وقضية استيعاب المهاجرين الجدد وإدماجهم في داخل المجتمعات التي نزحوا إليها.

 

فما بالك بالمجتمعات التي يمثل سكانها أقلية ولديها أجندة كبيرة على رأسها الحفاظ على مكوناتها التراثية وثقافتها الوطنية وغير ذلك من مفردات مرتبطة بالتخلخل السكاني.

 

ولسنا هنا بصدد مناقشة الهجرة الداخلية من الأطراف إلى المدن في المجتمع الواحد على الرغم مما يترتب على هذا النوع من الهجرة من متغيرات ديمغرافية واقتصادية واجتماعية ولكن بصدد مناقشة الهجرة الخارجية وأبعادها وتأثيرها على المجتمع المستقبل لتلك الهجرة.

 

وتعد مجتمعات الخليج أنموذج للدول المستقبلة للعمالة الأجنبية بكل أنواعها حيث تأتي البلدان الأسيوية على رأس القائمة من حيث عدد المهاجرين.

 

ومنذ بدأ الحديث عن موضوع الهجرة وحقوق المهاجرين حسمت دول الخليج ذلك الموضوع حين أعلنت بأن العمالة الخارجية لبلدانها هي هجرة «مؤقتة» وليست «دائمة». فجميع المهاجرين الدائمين لهم حقوق قانونية على الدول المستقبلة لهم التأكد من تطبيقها، كما أن هناك آليات تطبقها الدول لاستيعاب ودمج المهاجرين الجدد.

 

وعلى الرغم من عمق العلاقة التاريخية التي تربط بين دول الخليج والدول المصدرة لتلك العمالة، كالهند مثلا، إلا أن دول الخليج لم تنفتح ديمغرافيا على هذه البلدان. فقد ظلت علاقة (العمل المؤقت) هي التي تحكم العلاقة بين الطرفين.

 

فعلي الرغم من أنها لم تفتح باب التجنيس مثلا، إلا أنها وسعت العلاقة مع تلك البلدان إلى أوسع الحدود حيث تمثل العمالة الآسيوية حوالي 70% من حجم العمالة الوافدة. وبالتالي فأنه لا يمكن اعتبار مجتمعات الخليج أنها دول مستقبلة للمهاجرين قدر اعتبارها بأنها دول مستقطبة للعمالة الخارجية وليست للهجرة الخارجية.

 

وعلى الرغم من ذلك فهي تعاني مثلها مثل غيرها من إفرازات هذه القضية اجتماعيا واقتصاديا. فاجتماعيا لا يخفى على أحد ما تعانيه هذه الدول من تأثيرات أمنية، ثقافية، لغوية وتأثيرات أخرى على النسيج الاجتماعي وعلى الهوية الوطنية.

 

أما اقتصاديا فهي مدركة تماما حجم الهدر من الناتج القومي والذي يذهب في صورة تحويلات إلى دول المنشأ. وعلى الرغم من هذه التأثيرات إلا أن الجهود تقف عاجزة في الوقت الحالي عن التقليل من قضية انهمار العمالة الخارجية أو حتى التخفيف من أثارها السلبية.

 

وعند التمعن في الأسباب التي تدفع هؤلاء إلى التوافد يأتي العامل الاقتصادي للمهاجر على رأس تلك الأولويات، حيث تأتي الرغبة في تحسين المستوى الاقتصادي للمهاجر أو الكسب المادي غير المشمول بضرائب كعامل رئيس يأتي سنويا بملايين الأفراد الراغبين في العيش أو العمل أو الاستثمار القصير أو الطويل في بلدان الخليج.

 

أما العوامل الأخرى كالتعرف على الثقافات،أو توفر الحريات العامة والرغبة في الأمن والأمان الذي توفره لهم هذه المجتمعات فلا تبدو سببا مباشرا لتوافد المهاجرين، وهي بالتالي لا تشكل أولوية عند اتخاذ قرار العيش أو الهجرة إلى دول الخليج.

 

وهكذا يأتي المهاجر ويعيش في دول الخليج لسنوات طوال ولكنه لا يبذل أدني جهد للتعرف على ثقافة المنطقة أو لغتها بل في معظم الأحيان ينكمش ضمن جاليته السكانية عازفا عن المشاركة في أي نشاط عام.

 

دول الخليج من ناحية أخرى، تدرك تماما الأهداف التي يأتي من أجلها المهاجر أو العامل. فعلي الرغم من أن هناك لا يقل عن عشرين مليون عامل من إجمالي 30 مليوناً هم سكان دول الخليج، وحوالي 65 ملياراً سنوياً هي عبارة عن تحويلات العمالة الأجنبية إلى دولها.

 

بما يمثله هذا المبلغ من هدر كبير للموارد الاقتصادية، ألا أنها أيضا لا تبدي تخوفا كبيرا من استمرار تدفق هذا الكم الهائل من العمالة.

 

بل على النقيض من ذلك فالخوف الذي تبديه من أن يتوقف يوما هذا الكم الهائل ولا تجد مصدرا أخرا يفي بأغراض النمو الاقتصادي المتواصل. فهي لا تتواني من أن تصرح أنها لن تستطيع يوم أن تعتمد على نفسها ولن تجد مصدرا أخرا رخيصا كالمصدر الأسيوي.

 

ولذا يظل تخوف هذه الدول، أذا ما كان فعلا خوفا حقيقيا، ليس من تأثيرات هذه الهجرات وإفرازاتها بل من قضية أخرى هي تقلصها ان صح التعبير.

 

أن معدل النمو الحاصل في الخليج يعنى وبكل صراحة أن دوله ما زالت بعيدا عن الاكتفاء السكاني وما زالت بحاجة إلى عمالة خارجية حتى تستطيع الإيفاء بكل التزاماتها البنيوية بل ما زالت بحاجة إلى عمالة رخيصة كمثل حاجتها للعمالة الماهرة.

 

ولكي تحافظ على أمن مجتمعها مع الحفاظ على معدلات النمو المتوقعة فإن أمامها طريقين لا ثالث لهما: اما ان تفتح باب التجنيس على مصراعيه وهو أيضا طريق محفوف بالمخاطر الأمنية والصعوبات الاجتماعية وإما أن تكبح مقود التنمية السريع وتجعله متوازنا بعض الشيء، ومتناسبا مع وضعها الديمغرافي.

جامعة الإمارات

======================

المستوطنات لإسرائيل.. والحمص لغزة

بقلم :جلال عارف

البيان

20-6-2010

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها حديثا إسرائيليا عن تصدير مشكلة الوضع المأساوي في غزة إلى مصر، وتحميلها المسؤولية عن القطاع الذي قاسى من حصار غير إنساني وغير مشروع، ومن آثار احتلال جاوز الأربعين عاما مارست فيها إسرائيل كل الجرائم النازية بانحطاط يتفوق حتى على النازيين أنفسهم.

لم تكن هذه هي المرة الأولى؛ فالحديث قديم عن خطط إسرائيلية لإلحاق غزة بمصر، ثم إلحاق ما يتبقى من الضفة بعد ابتلاع معظمها بالأردن، وقتل أي مشروع للدولة الفلسطينية.

لكن الحديث هذه المرة يأتي من وزير مسؤول في الحكومة الإسرائيلية، ويأتي في ظل إدانة عالمية للحصار الإسرائيلي، وفي ظل الأزمة التي ثارت مع جريمة إسرائيل البشعة ضد قافلة الحرية واستشهاد تسعة من الأتراك وتصاعد الموقف بين إسرائيل وتركيا.

وفي ظل إقرار داخل إسرائيل نفسها بفشل الحصار في تحقيق أهدافه، والبحث عن سبل لتخفيف الخسائر التي لحقت بإسرائيل بعد جريمتها.

ومواجهة الضغط العالمي لرفع الحصار عن مليون ونصف المليون يواجهون الموت والجوع على يد محتل يريد أن يمارس فعل الاحتلال دون أن يدفع تكلفته، بل وأن يفرض على ضحايا احتلاله أن يضمنوا أمنه ويحرسوا الأرض التي يغتصبها منهم، ويساهموا في بناء المستوطنات لمغتصبي الوطن، مقابل لقمة العيش المغموسة بدماء الشهداء.

وقد ردت مصر بعنف على هذا الإعلان الإسرائيلي الذي ينبغي أن يؤخذ بجدية على المستويين الفلسطيني والعربي، حتى وإن كانت الظروف لا تسمح لإسرائيل بالمضي في تنفيذه الآن، لما يؤدي إليه من تداعيات تعرف واشنطن أساسا مدى خطورتها..

المهم أن ندرك أن هذا الحديث ليس فقط سطورا في دراسات أكاديمية أو مقالات صحافية، بل هو جزء من رؤية للمستقبل عند فريق قوي في إسرائيل، وإذا كان التلويح به حتى الآن يدخل في باب التهديد وابتزاز المواقف تجاه مصر.

 

فإنه في المدى البعيد لن يقف عند هذا الحد إذا وجد ظروفا ملائمة، وإذا وجدت القوى التي تستهدف مصر أن من مصلحتها زيادة إرباكها، في وقت تزداد فيه التحديات الداخلية وهموم قضايا أساسية.

 

مثل مياه النيل والأوضاع في السودان الشقيق، أو على الناحية الأخرى إذا وجدت إسرائيل نفسها أمام موقف دولي حاسم يفرض الدولة الفلسطينية قي حدود 67.

 

ويضع إسرائيل في مواجهة العالم وأمام الحقيقة التي يحاول اليمين الإسرائيلي الحاكم والمسيطر أن يهرب منها، اعتقادا منه بأن أي دولة فلسطينية حقيقية مهما كانت الضوابط والضمانات هي بداية النهاية لهذا الكيان العنصري الدخيل على المنطقة.

 

وهي النهاية التي أوجعهم أن يسمعوها أخيرا في البيت الأبيض من الصحفية الشجاعة هيلين توماس، التي واجهتهم بأن الحل هو أن الأرض لأصحابها وأن يعودوا من حيث جاؤوا، إلى بولندا وألمانيا وأميركا وسواها.

 

قالتها هيلين ودفعت الثمن، ولكنها كشفت أيضا الوجه الحقيقي لديمقراطية خاضعة للنفوذ الصهيوني، في تقاتل من أجل ألا تدان إسرائيل على جريمة بحجم الهجوم على سفن مدنية في مياه دولية تحمل الغذاء والدواء لشعب تحت الحصار.

 

ثم تنتفض غضبا لكلمات تعبر بها صحفية لها شأنها عن رأيها، فتجبر على الاستقالة ويسرع البيت الأبيض بإدانة ما قالته، باسم الرئيس أوباما الذي لم يشعر تجاه ضحايا قافلة الحرية إلا ب«الأسف العميق»!

 

إسرائيل تشعر بالفعل أنها تحت حصار عالمي يزداد يوما بعد يوم، وتساهم في تفعيله أخطاء وجرائم ترتكبها تكشف طبيعتها العنصرية، لتجد نفسها يوما بعد يوم في موقف شبيه بالنظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا والذي كانت أقرب حلفائه قبل سقوطه.

 

وإذا كانت جريمة قافلة الحرية قد فتحت ملف الحصار اللاإنساني المضروب على غزة، فإنها تحت الحماية الأميركية تحاول الهروب من حتمية رفع الحصار، بالحديث عن تخفيفه أو تجميله، بالسماح بإدخال بعض البضائع وتسليم بعض شحنات الإسمنت والحديد (التي تعتبرها من أسلحة الدمار الشامل!) عن طريق مؤسسات الإغاثة الدولية، مع إبقاء الحصار البحري ومنع الانتقال بين غزة والضفة وتكريس الانفصال بينهما.

 

وإذا كان التلويح بتصدير المشكلة إلى مصر وتفجير الموقف معها، يستهدف فرض شروطها لتخفيف الحصار بدلا من إنهائه، فإن الرد لا ينبغي أن يتوقف فقط عند رفع الحصار جزئيا أو كليا، وإنما الرد في الإصرار على أن قضية الاحتلال هي الأصل.

 

وأن فتح الطريق بين غزة والضفة أهم حتى من رفع الحصار البحري، وأن تعاطف الرأي العام العالمي مع قضيتنا لن يتحول إلى عامل حسم لصالحنا، إلا إذا استند إلى قاعدة صلبة من وحدة وطنية فلسطينية وموقف عربي موحد.

 

قلنا ذلك كثيرا ولا ينبغي أن نمل من تكراره أو نتوقف عن الجهد لتفعيله، مهما كانت العقبات ومهما كان حجم خيبات الأمل مما جرى ويجري على الساحة الفلسطينية والعربية.

 

وأظن أن كل الأطراف أصبحت أكثر إدراكا لحجم الخطر الذي يمثله استمرار الانقسام، ولعل الأفكار التي طرحت أثناء زيارة عمرو موسى لغزة وانفتاح الطريق لمباحثات وفد منظمة التحرير مع قيادات حماس، تعبر عن ظروف أفضل لإتمام المصالحة.

 

ودون الدخول في تفاصيل، فإن المهم أن ينطلق الطرفان من رغبة حقيقية في التفاهم، ومن إدراك بأنه لا شيء يفوق في أهميته الآن تحقيق الوحدة الوطنية، خاصة إذا كان من يفاوض يعرف أن الطريق مسدود.

 

ومن يقاوم يعرف أن تفعيل المقاومة لا يكون باستنزاف الجهد في صراع الإخوة الأعداء، وإذا كان العدو لا يأبه لإدانة العالم لجرائمه ما دام تأثيره في القرار الأميركي على قوته.

 

وما دام الضعف العربي سيد الموقف، وما دام الانقسام الفلسطيني يعطيه القدرة على ممارسة الوقاحة لآخر مداها، فيعلن عن السماح بدخول الحمص والبسكويت لمليون ونصف المليون يعيشون في سجن كبير بغزة، في نفس الوقت الذي يعلن فيه عن بناء 1600 منزل جديد في القدس المحتلة.

 

ليؤكد أن الجريمة مستمرة وأن الأرض لهم.. أما نحن فلنا حتى نتخلص من ضعفنا وانقسامنا الحمص والبسكويت، و.. عميق الأسف أو بعض العزاء!

كاتب مصري

======================

حصار غزة... هل انتهى؟

بقلم: يوئيل ماركوس‏

هآرتس

ترجمة

الأحد 20-6-2010م

ترجمة: ريما الرفاعي

الثورة

في اطار التهم المتبادلة بين النخبة السياسية وقيادة الجيش، يتم الكشف عن الأسباب التي قادتنا إلى حرب تشرين أو جميع الحروب التي تلتها،

ومعرفة من المذنب؟ ومن يجب أن يتحمل التبعة آنذاك؟ كما هي الحال الآن. كان هنالك قبل كل شيء فشل استخباري فضلاً على أن الجيش كان شديد الثقة بنفسه كما هو عليه الوضع اليوم وعلى يقين من أننا سنقضي عليهم كما قال رئيس الاركان ديفيد أليعازر في مقالته المشهورة في اليوم الثاني للهجوم المصري - السوري «سنكسر عظامهم».‏

كيف اعتقد نتنياهو وباراك أن تظهر عملية الجيش ضد السفن المحملة بالمساعدات الإنسانية في نظر العالم؟ ربما كان الأمر في واقع الأمر كالتالي: عملية تستعمل بها القوة العسكرية. سفينة تقترب، يتم عليها الإنزال العسكري يقتل عدد من ركابها ويتم الاستيلاء عليها بالقوة وجرها إلى ميناء أسدود، كما يفعل القراصنة.‏

بعد حرب تشرين، زعم وزير الدفاع آنذاك، مثل وزير الدفاع اليوم، أن عمله يقتصر على تقديم «نصائح وزارية»، أما رئيس الأركان فهو الذي يدبر الحرب. لكن مما لاشك فيه الآن أن المسؤولين عن هذه القضية المخزية هما باراك ونتنياهو في الأساس. خطط الاثنان معاً للاستقبال العنيف للأسطول الإنساني والآن يلقيان بالمسؤولية على رئيس الأركان. فلماذا لم يبق في وكره أثناء الاستيلاء على السفينة التركية «مرمرة»؟ ولماذا كان قائد سلاح البحرية قريباً من السفينة في البحر؟ يزعم محاربون قدماء أن رئيس الأركان مع أجهزة البحث والتعقب الحاسوبية المتقدمة الموجودة اليوم يستطيع حسم الأمر وهو يجلس على صخرة في شاطئ البحر أيضاً.‏

يذكرنا تقاذف التهم والبحث عن كباش فداء اليوم، بالأيام التي تلت حرب تشرين. كان نتنياهو في كندا عندما استولت الوحدة البحرية على سفينة «مرمرة» في عرض البحر في ظروف محرجة ومخزية رغم معرفتهم تماماً بعدم وجود مسلحين على متنها... ولما كانت مبادرة الاستيلاء على السفينة كلها منا، فليس واضحاً لماذا أصدر باراك الأمر قبل لقاء بيبي لأوباما ببضع ساعات فقط؟‏

على أي حال، من الواضح أن النجمين أجازا العملية بتفاصيلها معاً، وأن المسؤولية كلها تقع على عاتقها. لو كنا حقاً في دولة سليمة لوجدنا دعوات عديدة لهما بالاستقالة وعدم مزاولة العمل السياسي. في الدول المتقدمة هناك تعبير «مسؤولية» لكن الجهاز السياسي هنا لا يعترف مطلقاً بها.‏

وتدور حالياً في الأروقة السياسية خلافات عديدة حول أي نوع من لجان التحقيق يجب أن تشكل، على نحو يشبه الوضع الذي كان بعد حرب تشرين، لكن الفرق هو أنه استعمل وقتها ضغطاً عاماً قوياً لإنشاء لجنة تحقيق تسعى لكشف الأسباب الحقيقية للفشل، المفاجأة العسكرية وعدم الاستعداد لها. ولكون اللجنة لم تعالج مسؤولية المستوى السياسي، جرت ثورة عامة ومظاهرات أفضت إلى استقالة غولدا مائير وموشيه دايان من الحكومة. وكان هناك فرق صغير بين ما وقع آنذاك وما حدث اليوم. فالسادات من جهة، ونيكسون - كسينجر وبيغن من جهة ثانية جعلوا من الحرب على مسار التسوية سلمية. الآن نجد رئيساً أميركياً غير ودود، وأوروبا معادية تخاف سيطرة اسلامية عليها. هذه المرة نستطيع القول: إن «العالم كله ضدنا» من غير أن يقولوا: إننا مصابون بمرض الخوف من المطاردة.‏

إن الحصار الذي فرضناه على غزة لا يراه العالم عادلاً ومفيداً ويصورنا على أننا «دولة» بلا قلب تقتل وتجوع الأطفال، وتجبر أهل غزة على العيش حياة بدائية وتمنع عنهم الغذاء والدواء ومواد البناء. أظهرنا (كدولة) بلا عقل، قال أبو مازن للرئيس أوباما: إن موضوع الدولتين للشعبين أخذ بالتلاشي، وهذا قول يشبه وضع مسدس مليء بالرصاص على المائدة قبل محادثات التقارب. إن من لا يريد لجنة غولدستون أخرى، ومن يخاف من لجنة تحقيق دولية، اضطر أخيراً إلى الاستسلام والرضوخ والموافقة على لجنة تقص بمشاركة مراقبين أجانب، وبرغم أن صفتها لا تبدو ضارة، من المهم أن ينظر باراك ونتنياهو جيداً في تقرير اغرانات الذي لم يتطرق إلى غولدا وديان لكنه أفضى إلى عزل كليهما عن الحكم.‏

انتصرنا في معركة الاسطول لكننا خسرنا الحرب لأن الحصار على غزة قد انتهى.‏

======================

بلبلة أوباما الأفغانية.. الانسحاب أم إكمال المهمة؟

دويل ماكمانوس (كاتب ومحلل سياسي أميركي)

«إم سي تي انترناشونال»

الرأي الاردنية

20-6-2010

لم تحمل الأخبار الواردة مؤخراً من أفغانستان ما يفرح القلب، لاسيما في ظل التباطؤ الكبير الذي تشهده الحملة العسكرية للسيطرة على قندهار، وتسلل متمردي «طالبان» للعودة إلى بعض المناطق الجنوبية التي سبق أن حررها مشاة البحرية الأميركية، هذا ناهيك عن موقف الرئيس كرزاي المتذبذب وغير الواضح إزاء المجهود العسكري الأميركي وتقاعسه عن محاربة الفساد الذي ينخر حكومته وينال من التأييد الشعبي لسلطته... لكن رغم ذلك وعندما أجرى الجنرال ماكريستال تقييمه لحالة الحرب خلال الأسبوع الماضي» قال بنوع من الحذر إنه يحقق نجاحاً فيما يتعلق بالهدف الأول والمتمثل في تعطيل زخم «طالبان» قائلا: «نحن نرى التقدم في كل مكان، إلا أن ذلك لا يكفي، ومع أن الأمور تجري ببطء إلا أنها عموماً إيجابية». والحقيقة أن تقييم ماكريتسال والطريقة التي عبر بها عن الوضع في أفغانستان تلخص المعضلة التي سيواجهها أوباما مع نهاية السنة الجارية عندما يحين وقت مراجعة سياسته في أفغانستان بحيث سيجد نفسه أمام واقع لم تعد فيه أميركا تخسر الحرب لكنها لم تصل إلى مرحلة النصر. فعندما وافق أوباما على إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى ساحة القتال في أفغانستان أرفقه بجدول زمني محدد لإنهاء الحرب، مانحاً جنرالاته سنة لتحقيق نتائج ملموسة، مؤكداً أنه سيراجع الوضع في ديسمبر 2010، كما وضع هدفاً نهائياً للانسحاب الكامل بحلول يوليو 2011، لكن لحد الآن استعصت أفغانستان عن التعاون مع الجدول الزمني، ومن غير المرجح أن تنساق للموعد الذي حدده أوباما للانسحاب.

فحسب خبراء مكافحة التمرد يستغرق النجاح في مجهود كسب عقول وقلوب الأهالي وقطع الطريق على المتمردين، عقداً كاملا من الانخراط الجدي والمتواصل لتغيير الأمور وليس 18 شهراً التي حددها الرئيس. هذا التخوف انعكس أيضاً في شهادة الجنرال بتراويس أمام لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، عندما لم يجد أكثر من كلمة «نعم» الفاقدة لأي حماس للإجابة عن سؤال ما إذا كان يدعم خطة الرئيس في أفغانستان، قائلا:»علينا أن نكون حذرين فيما يتعلق بالجداول الزمنية». وعندما فقد وعيه لفترة وجيزة أكد معاونوه أن ذلك جاء بسبب التعب الناتج عن السفر الطويل ولا علاقة لشهادته بالأمر. لكن التوقعات المتضاربة بشأن موعد الانسحاب ليست هي العائق الوحيد أمام النجاح في أفغانستان، بل يضاف إليها فشل حكومة كرزاي في حشد تأييد الشعب للمجهود الحربي الأميركي، وعجزها عن إقناع الرأي العام بجدوى اقتلاع «طالبان»، وهو أمر يختلف عن التفاؤل الذي وجدت عليه القادة العسكريين أثناء زيارتي لأفغانستان في شهر مارس الماضي حيث أبدى مساعدو ماكريستال حماساً تجاه الحملة العسكرية في قندهار، معتبرينها نقلة نوعية في الحرب حيث عرضوا أمام الصحفيين خطتهم التي تعتمد على إجراء سلسلة من الاجتماعات مع الأعيان لكسب تأييد الناس تنتهي بعمليات عسكرية تقضي على «طالبان» وتدفعهم بعيداً عن المناطق القروية المحيطة بقندهار.

لكن ما حدث بعد ذلك سار في غير الاتجاه المرسوم له، حيث أبدى الأعيان شكوكهم إزاء الحملة العسكرية، وهناك من رفض تماماً تواجد القوات الأميركية والحكومية في قراهم، فيما فضل البعض الآخر التفاوض أولا مع «طالبان»، فكانت النتيجة الوصول إلى طريق مسدود.

وفي هذا الإطار قال ماكريستال إن الهجوم العسكري «سيحدث بوتيرة أبطأ مما كان مقرراً»، مضيفاً أن «الأمر يستغرق بعض الوقت لإقناع الناس، وأنا لا أنوي التسرع لأن الأهم هو حسن الأداء وليس الإسراع فيه». ثم جاء موقف كرزاي ليفاقم الوضع، فقد كان ماكريستال ومعاونوه يعولون على كرزاي لإقناع الناس بجدوى التدخل العسكري وحشد الرأي العام في هذا الاتجاه، لكن بدلا من ذلك تردد كرزاي في تأييد العملية العسكرية وأبدى تحفظاته الخاصة ليكتفي بدور الوسيط وبقطع وعود لسكان قندهار بأن الهجوم لن ينطلق دون موافقتهم.

وليس هذا المثال الوحيد الذي يظهر عدم تعاون كرزاي مع عرابيه الأميركيين، بل أطلق مباحثات خلفية مع «طالبان» وسط تحذيرات غربية من تحركاته غير المحسوبة، كما أنه أخرج مطلع الشهر الجاري وزيرين في حكومته يحظيان بتقدير من لدن واشنطن هما وزير الداخلية ومدير المخابرات.

 والحقيقة أن ما يحاول كرزاي حسب العديد من الملاحظين فعله هو تحصين نفسه، وفقا لتصريح أدلى به الوزير «صالح» لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن كرزاي «لم يعد يثق في قدرة قوات التحالف ولا في حكومته على حماية البلاد»، وهو ما يرجعنا إلى مسألة الجدول الزمني وإلى معضلة أوباما. فعندما يحل الموعد المحدد في يوليو 2011 سيكون أوباما أمام خيار صعب؛ فإما الإصرار على خفض قواته كما تعهد بذلك، وهو ما سيصعب أكثر من مهام ماكريستال ويضعف فرص نجاحه، أو أن يعدل من خطته بأن يبعث برسالة واضحة إلى كرزاي والشعب الأميركي مفادها أنه ينوي البقاء لإتمام المهمة حتى لو كان ذلك يعني تأخير موعد الانسحاب. وإلى حد الآن بدا الرئيس متشبثاً بالخيارين معاً، الانسحاب وإنجاز المهمة، وهو ما خلق المزيد من البلبلة والغموض.

======================

لعبة العقوبات من أجل إسرائيل

يوسف الحوراني

الرأي الاردنية

20-6-2010

يجرى استعداد محموم من قبل الكونغرس الأمريكي، وكذا الأوروبيين، لزيادة جرعة الحزمة أو الموجة الرابعة من العقوبات التي أقرها مجلس الأمن ضد طهران في قطاعي النفط والغاز إضافة الى العزلة الاقتصادية من جانب المؤسسات المالية الكبرى، وهو ما أثار حفيظة روسيا التي أعلنت أن هذه الخطوة تقوض أسس العلاقات مع الدول الخمس، وما قد يدفع إيران الى اتخاذ خطوات دفاعية أو مضادة كإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة المستخدمةِ له وخاصة ناقلات النفط العملاقة المتوجهة الى أوروبا والصين واليابان وبعض دول العالم ومن شأنه أن يأجج الصراع ويدفع الى حافة حرب قد تتورط فيها المنطقة بأسرها.

 

مِن أجل مَن لعبة الحرب هذه ؟

هل تريدنا واشنطن وبروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، أن نصدق بأن هذه العقوبات وهذا التوتير في المنطقة والعالم بسبب « نوايا « طهران لامتلاك السلاح النووي ؟ وحتى لو فعلت ايران ذلك هل تخشى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من ذلك وهو ما لم تفعل حينما كانت تدور رحى الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي النووي ومنظومة الدول الإشتراكية السابقة، ولم تكن لتثير مثل هذه المخاوف الساذجة التي تحاول أن تسوقها على العالم لإثارة الفزع والرعب تحت حجة أن ايران تدعم الارهاب ( حزب الله وحماس ) ؟

الحقيقة، كل الحقيقة التي يدركها رجل الشارع العادي، أن كل هذه المعارك و « الزوبعة « التي يثيرها الغرب ناتجة عن المخاوف من تعاظم دور ووزن إيران في المنطقة وسحب البساط من تحت أقدام اسرائيل الحليف القوي والاستراتيجي له، والتي بقيت تتزعم وتثير رعب أنظمة المنطقة وتصنع الحروب وتحتل الأرض العربية و شكلت الخطر الأكبر على المنطقة بسياساتها العدوانية، وبوجود سلاح نووي في ترسانتها العسكرية يزداد خطرها وعدوانيتها. إضافة الى أن بروز الدور التركي بقوة واتخاذه مواقف تحرج إسرائيل وحلفاءها اثار الفزع في الكونغرس الأمريكي الذي أخذ يحرض ضدها ويألب الرأي العام عليها محذرا أنقرة بأن علاقاتها مع واشنطن سوف تتضرر إذا استمرت في ما يرونه مساراً معادياً لإسرائيل ، وقد صرح النائب الجمهوري في الكونغرس الأمريكي مايك بانس، بأن على تركيا أن تدعم إسرائيل أو تعلن دعمها لحماس .. أتذكرون النظرية البوشية « من ليس معنا فهو ضدنا « !

ما أقلق الغرب عموما والكونغرس الأمريكي بخاصة، التدهور الذي أصاب سمعة إسرائيل وتراجع منسوب التأييد لها في العالم الذي بدأ يعي الدور اللاإنساني وغير الأخلاقي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، وأن توتر المنطقة ناتج عن العدوانية والممارسات الصهيونية القمعية للشعب الفلسطيني واستمرار إحتلالها غير الشرعي، الأمر الذي خلق إرباكا لدى مناصري إسرائيل وقد كتب يتسحاق بن يسرئيل في صحيفة يديعوت أحرنوت اليمينية المؤيدة للحكومة يقول « اذا كان الجميع ضدنا فعلينا ان نتحد. هذا رد لا ينزل إلى جذر الامور. العالم، يا سادتي، ليس ضدنا بهذا القدر. الاصح القول اننا نحن (أي، الحكومة) ضد العالم. انصرفت عيوننا عن ان نرى الوضع كما هو: وضع يعيش فيه الفلسطينيون تحت احتلالنا، ضد ارادتهم وضد ارادة العالم بأسره».

هو نفس السيناريو الذي مورس ضد العراق ولنفس الأسباب .. حماية أمن إسرائيل.

هل سنرى نسخة من هذا السيناريو في مرحلة قادمة ضد تركيا التي تدعم «الإرهاب» ؟ احتمال وارد جدا ..

======================

«ترويض».. اردوغان؟

Kharroub@jpf.com.jo

محمد خرّوب

الرأي الاردنية

20-6-2010

ثمة هجمة شرسة تستدعي وبالضرورة استحضار نظرية المؤامرة (للذين يتطيرون من هذه النظرية التدقيق جيداً في ما يحدث حقاً) تستهدف «ترويض» رئيس الحكومة التركية, الذي خرج على النص أو أُجبر على ذلك, أو أنه وجد الفرصة متاحة لاحراز المزيد من النقاط والنفوذ والادوار لبلاده وللدبلوماسية التركية وخصوصاً لحزبه, في مواجهة خصومه الذين ما أن بدا انهم «كبوا» وانهم على وشك خسران «شارعهم» وبخاصة بعد الفضيحة الجنسية التي اطاحت زعيم اكبر حزب للمعارضة (دنيز بايكال- حزب الشعب الجمهوري) حتى استعادوا زمام المبادرة, وانتخبوا زعيماً أكثر تشدداً ومغامرة في الدفاع عن قيم الجمهورية العلمانية التي اعلنها مصطفى كمال اتاتورك في العام 1923 (مؤسس حزب الشعب الجمهوري ايضاً)..

 

هل قلنا خصومه؟

نعم, فمحكمة النقض التركية امرت يوم أول من امس, بالافراج عن مدعي عام, اتهم بالانتماء الى شبكة انقلابية كما أمرت بالافراج عن تسعة موقوفين آخرين, لا سيما عسكريين وعناصر في الاستخبارات, ما اثار غضب اردوغان الذي اتهم المحكمة بعدم احترام القضاء وخرق المبادئ الدستورية.

 

ما يعني ان الرجل الذي يخوض مواجهة داخلية وخارجية صعبة, يريد ان يستبق الامور قبل ان ينجح خصومه في فرض «الرسالة» التي أرادوا ارسالها له من خلال المؤسسة القضائية وخلفها المؤسسة العسكرية, بما هما «القلعتان» اللتان حاول اردوغان «دكّهما» بطرق قانونية ودستورية وهو وإن كان أصاب نجاحا نسبيا في هذا الشأن عبر قضية «ارغنكون» وتحقيقاتها التي طالت قضاة وجنرالات (في الخدمة والتقاعد) بل وسجّل نقطة مهمة في ادخال تعديلات على الدستور لم يحرز فيها عدد الاصوات الكافي لتحويلها الى قانون نافذ, ما أدى الى عرضها على استفتاء شعبي وشيك، الا انه الان يواجه «نكسة» تسبب فيها قرار محكمة النقض والذي قد يزيد من ثقة خصومه بانفسهم, ويدفعهم الى مزيد من المواجهة على نحو قد يدفع باردوغان الى خطوات غير محسوبة تعرضه الى مزيد من الخسائر على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

 

الخارجي؟

نعم، ف»انصار الحرية والمدافعون عن حقوق الانسان وابناء النور» في الكونغرس وفي الكنيست، خرجوا الى العلن ورفعوا الكارت «الاصفر» (ما دمنا في حمّى المونديال) في وجه رئيس حكومة الدولة العضو في حلف شمال الاطلسي (والمشاركة قواته في الحرب على الارهاب في افغانستان، نقصد تركيا) محذرين من مغبة مواصلته «الابتعاد» اسرائيل وتعريض مصالحها للخطر, ملوّحين علناً وفي خطوات ميدانية و»مدروسة» باخراج البطاقة «الحمراء» تمهيداً لاطاحته, وربما تعليقه على حبل المشنقة تماماً كما حال سلفه قبل نصف قرن, عدنان مندريس؟

 

ماذا سيفعلون؟

اعادة فتح النقاش حول ملف مذابح الارمن الذي واصل اللوبي الصهيوني في الكونغرس (وبالتالي الكنيست) الطمس عليه وتأجيله, لأن مصالحهم التقت ومصالح تركيا كحليفة استراتيجية لكل من واشنطن وتل ابيب, ولم تعد المسألة – كما كل قضايا التحرر وحقوق الانسان ومقاومة الاحتلال والعنصرية والحريات العامة – ضميرية أو اخلاقية أو ذات اهمية على جدول أعمال الغرب «المتنوّر», أما الان فهي تُستدعى من الارشيف ويُزال الغبار عنها, فالكونغرس شمّر عن ساعديه وسيناقش مذابح الارمن, كذلك سيفعل «شقيقته» الكنيست في القريب الوشيك, وعلى اصحاب الرؤوس الحامية في انقرة أن يفهموا المضامين وان يبحثوا لأنفسهم عن مخرج مشرّف.. وإلاّ؟!

 

انهم «يروّضون» الجياد, فهل ينجحون مع اردوغان؟

التكهن يقترب من المغامرة, ففي السياسة بما هي فن الممكن (كل شيء ممكن).. واردوغان محكوم في النهاية بمستقبله الشخصي ومصالح بلاده وحزبه.. لكن مستقبله السياسي سيكون اكثر خطورة اذا ما تراجع عن كرامة بلده ودماء ابناء شعبه وسيادة وطنه, ولهذا قد يواصل (وإن بحذر) مهاجمة اسرائيل والقول: «ان بلاده لن تصمت حيال القرصنة والظلم وسنسعى الى حلول ضمن اطار القانون الدولي» كما قال في اجتماع لحزب العدالة والتنمية يوم اول من أمس, مبدياً حرصاً لافتا باشارته الى ان مشكلة بلاده هي مع موقف «الحكومة» الاسرائيلية التي ترفض «الاعتراف بالقوانين».. وليس مع «الشعب الاسرائيلي».

 

الاحتمالات مفتوحة بما فيها الترويض أو تهديد مستقبل اردوغان السياسي, لكن هل يخرج كل ما يجري عن نظرية المؤامرة المثلثة الابعاد اميركا.. اسرائيل والمؤسسة العسكرية التركية التي قد تُخرج الدبابات من الثكنات باسناد «غربي» يعتمد لغة النفاق والكلام المغسول الذي عرفناه في تبرير الاعتراف بانقلابات عسكرية «بيضاء ودموية» دبرتها ال سي أي ايه؟

======================

طريق الأعلام وجادتها العريضة إلى الجمهور المضطرب

الهوية... معبّدة بالحرب والدم

المستقبل - الاحد 20 حزيران 2010

العدد 3687 - نوافذ - صفحة 9

وضّاح شرارة

غداة العاصفة الديبلوماسية والإعلامية التي بعثتها مهاجمة قوات إسرائيلية سفينة تركية في المياه الدولية، قبالة ساحل غزة، وقتلها ناشطين أتراكاً كانوا على سطح المركب، سرت في الجماعات العربية المشرقية حمى هوى تركي، أردوغاني على وجه الخصوص، بلغت الألسنة والعقول والصدور والأيدي. فاستظل ناس الجماعات هذا العلم التركي الأحمر البسيط والجميل وهلاله بضعة أيام، كان أولها مساء الحادي والثلاثين يوماً اللائي خلون من أيار، على قول الإخباريين. ويلاحظ طلال أبو دية، وهو غزاوي يملك محل هدايا وتذكارات تتصدرها الأعلام في بعض الظروف، أن رجب طيب أردوغان جنى "شعبية فورية ضخمة" في "الأراضي الفلسطينية"، وهو يقصد غزة في المرتبة الأولى، حين رد على حادثة السفينة التركية، "مافي مرمرة"، ومقتل مواطنيه من ناشطي جمعية الحقوق والحريات الإنسانية الخيرية التركية، صاحبة حملة "غزة الحرة"، بحملة ديبلوماسية وإعلامية عريضة وصاخبة. ولم تقتصر الحملة على التنديد بعنف القوات الإسرائيلية، وتهمتها بتعمّد القتل وقصده، بل وضعت نصب العين "معاقبة إسرائيل"، على قول أبودية.

فالتصدي للإقتصاص من القتل المتعمد، على قول الأتراك، وإدانته والتمثيل على الإدانة الصريحة بعقوبة وتعويض ينزعان عن العمل استظهاره بالحق المشروع في الدفاع عن النفس، ويثبتان نسبته الى العدوان والانتهاك هذه كلها استحقت شيوع هوى تركي أردوغاني في صفوف جماعات عربية تتقلب في دول متنازعة الهوية الوطنية، ومنقسمة على دولها ووطنيتها. ولا ريب في ان مبادرة القادة والحكام الأتراك، وهم من تربط دولتهم وبلدهم بالدولة العبرية والجيش الإسرائيلي علاقات قوية، الى صرم العلاقات هذه، ظاهراً، وتوسلهم في هذا السبيل بخطابة ونبرة قويتي الشبه بالخطابة والنبرة العربيتين، دعت الجمهور "العربي" الفلسطيني إلى مبايعة رأي أو هوى خاله الجمهور مشايعاً لرأيه هو في "الكيان الصهيوني"، وبطلانه جوهرياً، واستوائه على غصب خالص. فحيا الجمهور الخطابة والنبرة، أو ما سمعه منهما وما طاب له سماعه، وصفق لشبههما بخطابته ونبرته هو. وقرأ في الانقلاب التركي على الحليف العسكري والأطلسي و"الأميركي" القريب تبرؤاً وانفضاضاً لعلهما يؤذنان بضعف العدو ومهانته وانكساره، وفي نهاية المطاف بتقوضه وتقطع خيوط بيته المنسوجة من لعاب العنكبوت السوداء والقابعة في وسط حصن متداع، بحسب كناية من الكنايات الأثيرة.

[تسديد الدَّين

فالجمهور، والحال هذه، يقضي ديناً عليه. فيقول أحد الغزاويين الى صحافي وكالة الصحافة الفرنسية (صحف 12 حزيران): "أهدروا (وهو يريد بذلوا) دمهم من أجلنا، ونحن مدينون لهم بالدماء هذه". ويقضي الجمهور دينه الى القتلى الأتراك، وإلى الدم التركي الذي امتزج بالدم العربي على قول الرئيس السوري في منتدى الأمن بأنقره قبل أيام قليلة، من طريق الامتنان والميل والإكبار والانتساب. والجمهور القريب الفلسطيني، والمفترض صاحب الهوى الأقوى، يرد دين الدم، وما يكني الدم عنه من طعن في حق الدفاع وصرم حلف وتقويض كيان، ولا يغفل عن رد ديون أخرى. فجمعية الحقوق والحريات الإنسانية الخيرية، "صاحبة" سفينة الأسطول الأولى، تنشط بغزة منذ استقلال "حماس" بالسيطرة على القطاع، وإناختها عليه بثقلها "الإسلامي" والأمني. وتولت نقل الغذاء، ما وسعها الأمر، إلى الغزاويين. وخططت لإعمار الرقعة الفلسطينية المنكوبة وجمع مواد البناء التي يحتاجها الإعمار المعلق (وهي حصلت خبرة في اثناء الزلزال الذي هز الساحل التركي في 1999، ومهدت مذ ذاك فيمن مهدوا لسطوع نجم حزب العدالة والتنمية، وفوزه في انتخابات 2002 واستقراره في الحكم).

وسبق لتركيا ان بنت مستشفيات في غزة، وأرسلت مساعدات. وفي 9 حزيران وزعت الجمعية ألعاباً على بعض أيتام غزة الذين فقدوا آباء وأمهات على يد الجيش الإسرائيلي. ومصدر الألعاب، على الأرجح، هو سفن "أسطول الحرية" التي قادتها السلطات الإسرائيلية بالقوة، الى أشدود، ونقلت حمولتها الى غزة، وجمدت "حماس" توزيعها بعض الوقت، ثم رضخت لرغبة الجمعية التركية في إبلاغها غايتها فعلاً، أي أولاد الأطفال، دون الاقتصار على أثر الأسطول الدعاوي المدوي، ورمي حمولته من مأكل ومشرب وألعاب.

ويرد الجمهور الفلسطيني القريب، ومعه الجمهور العربي، الدين التركي برفع الأعلام حيث يُقيَّض رفعها، أي في الأمكنة وعلى الصواري كلها. ويلاحظ احد الغزاويين ان رد الجميل التركي الأردوغاني برفع العلم الأحمر وهلاله على مقهى، والمقهى في العهد الحمساوي "الإسلامي" والإخواني موبوء وقريب الى النجاسة، قد يبدو ملتوياً ونابياً. ولكن الغزاوي يقوّم الرأي هذا. فيصبغ المقهى بصبغة "السياسة". ويطهره من فساد "آلاته" المعروفة مثل ورق الشدة (الكوتشينة)، ونفث الدخان، وتبديد الوقت، و"مقالات" السوء و"أكل لحم" الغير، ويعتذر عن احتضان السياسة المقهى بالقول: "وجودنا كله مسيَّس". واستظلال العلم، أي علم، في الظروف كلها هو إعلان ولاء، ودخول في حماية اهل العلم، أو قومه وأرضه ودولته، وفي جوارهم وإجارتهم. فهم له، للمحتمي بهم والمستجير، "جار" على قول أحد أشراف قريش في "ابن عمه"، النبي القرشي، حين عز المجير. فتنشأ بين الجار ومواليه، أو مولاه، رابطة شديدة التعقيد ومن غير سوية، هي ميدان السياسة العربية بامتياز.

فالداخل في الولاء إنما هو الضعيف. ولكن الولاء ليس استضعافاً، والمستقوي على من يوالونه ليس أهلاً لولائهم، إلا ان يكون استقواؤه بهم على أعدائهم. وولاؤهم يدخلهم في القوم، وفي "أهل" رئيس القوم وشيخهم على وجه التخصيص. وهم ينتسبون الى القوم من طريق انتسابهم الى "الشيخ". ومن مزايا "الشيخ" قوته على إدخال ناس في "ذمة" قومه، على ما جاء في الأثر. وهي قوة أراد الإسلام قسمتها في ضعفاء المسلمين، على رغم أقويائهم. وفي المعرض هذا نفسه، رئيس القوم هو عَلَمهم، وهو جبلهم على قول الخنساء في رثاء صخر: "كأنه علم في رأسه نار". والولاء، ورابطته هي غير رابطة النسب والدم وولد الفراش، مداره على الدم والحرب. وحق المولى على مولاه حمايتُه، والانتصار له، ومنعه من (أي الحؤول بينه وبين) العدوان عليه. فينبغي ان تردع مهابة الولي وقوته اللتين أسبغهما على مولاه الضعيف، وألبسهما إياه، العدوَ القوي من العدوان أو العَدْو على الضعيف. وهذا، أي الردع، هو من تلقاء فضيلة الولاء، وإلزامها الولي الانتصار لمولاه، وحمايته. فكأن الاثنين (قوم) واحد، وعصبية واحدة، ودم واحد، وعلم واحد، وحمى واحد.

[أمواج الأعلام

وعندما يؤرخ الغزاويون للأعلام التي رفعوا بعضها فيما مضى، ويرفعون بعضاً آخر اليوم، لا ينسون أنهم رفعوا العلم الفرنسي في 1996. فيومها زار الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، "الديغولي"، غزة. فكانت زيارته، ثلاثة أعوام تقريباً بعد أوسلو، و"السلطة" وليد يحبو ويعد الوعود، وياسر عرفات في أوج "ديغوليته"، كانت الزيارة ديْناً طوّق به الرئيس الفرنسي الجديد عنق "فلسطين". فرد الفلسطينيون الوطنيون، و"الإسلاميون" على بعض التردد، الدين انتساباً رمزياً وجزئياً. وقضى بالرمزية والجزئية ان دماً لم يسفك، وحرباً لم يلوح بها. واقتصر الأمر، في هذا الباب، على ضيق الزائر الفرنسي، في القدس الشرقية، بمبالغة حرسه الإسرائيلي في "حمايته" من أيدي الفلسطينيين المقدسيين الممدودة لمصافحته. فخرج الزائر عن (بعض) طوره، وطلب تركه وشأنه ومضيفيه من غير مجاملة. وحين زار الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، غزة المحتلة في 1998، لوح الفلسطينيون بأعلام "الصديق الأميركي"، على ما كان ياسر عرفات يسرع الى القول. الأرجح ان الأعلام الأميركية لم تشخ في أيدي الأولاد، ولم يزد عمرها عن عمر الوردة المقطوفة، وذبلت بعد ساعات على مرور الزائر، رئيس الدولة.

فرعاية مفاوضة تؤدي، حتماً، الى صدوع بالنزول عن بقية أرض، وإلى حدود ضيقة تزداد ضيقاً، وسيادة منقوصة، واختبار لا يتستر على شكوك وظنون متكاثرة وتعصى الطمأنة، رعاية مفاوضة مثل هذه، بواشنطن أو واي بلانتايشن أو طابا، لا تنتج ولاء أو قرابة، ولا تُشعر بنسب. وفي 2006، على قول صانع الأعلام وبائعها طارق أبو دية، ابن طلال، حمل الغزاويون وفلسطينيون وعرب كثر الأعلام اللبنانية مع أعلام "حزب الله"، حسباناً منهم ان هذه تمت الى تلك برابطة وقرابة. وفي كانون الثاني 2006 "انتشرت الإعلام الفنزويلية في القطاع غداة قطع الرئيس الفينزويلي هوغو تشافيز علاقات بلده بإسرائيل "عقاباً لها على عدوانها الدامي"، على قول أبو دية، الوالد وابنه. وباع المتجر المتواضع "الآلاف من الأعلام التركية" لقاء 40 شيقل (10 دولارات) للعلم الواحد، ثم 30 شيقل (8 دولارات أو أقل بقليل) "تشجيعاً". ولا يخفى على صانع الأعلام، ومؤرخها الحكيم، ان الأعلام تمضي وتنقضي، شأن الأماني والحياة و "موج الموت"، على ما ترجم الشاعر اللبناني زميله الفرنسي الرومنطيقي، والحدثان السياسية الشريفة النسب. و"الاحتفاء الذي لقيه (ويلقاه) العلم التركي يشرف على نهايته". وهو يُسْلم مكانته ومحله الى "أعلام 32 دولة تتنافس على كأس كرة القدم العالمي"، ليس فيها ولا بينها، علم الدولة التركية، بحسب تأويل المراقب والمؤرخ الغزاوي.

وربما نسي "مؤرخنا" أول علم غير فلسطيني انتشر في غزة انتشار النار في العشب اليابس. فهو يعود الى شتاء 1991، يوم قصف صدام حسين، العراقي أو "صاحب العراق"، ضاحية تل أبيب، عشية طلبه وقف إطلاق النار، ببضع عشرات من الصواريخ أخطأ معظمها المدينة وأهلها. فرفع الفلسطينيون علم الدولة العراقية و"شيخها" المهيب والمجيد. ودعا صدام حسين، من طريق موالٍ كثر، الفلسطينيين الى الإلقاء بأنفسهم على الإسرائيليين، وقتلهم والموت معهم. ووعد من يفعل هذا، ويستجيب الدعوة، بآلاف الدولارات عداً ونقداً، وأن تعذر تصوير متقاضي الهبة الكريمة المكرمين، وأهل الكرامة على المعنى الذي أوجبته واستحدثته حوادث لبنان القاتلة والمتلفزة، بالعدسة التلفزيونية الجزيرية والمنورة. فما تكني عنه الأعلام التركية الأردوغانية كناية، وما يستخرجه التأويل القاصر ولا يفلح في إحضاره، جَهَرَه صدام حسين بالفم الملآن. فلوح بحرق إسرائيل ب "المثلث الكيماوي" سبعة أشهر قبل دخوله الكويت عنوة، ونشر أعلامه خفاقة على أرضها. ودل إيران خامنئي وأحمدي نجاد والباسيج والباسدران والجماعات الحرسية المسلحة هنا وهناك، على الطريقة الوحيدة الناجعة في معالجة العدو، وإجلائه عن الأرض المحتلة، ومن الهواء المحتل، والحياة المغتصبة والمنحولة و"السرطانية" التي يحيا بها، على ما أفتى الإمام المرشد الأول.

وعلى هذا، فطريق الأعلام المَلَكية والعريضة الى الجمهور المضطرب الهوية الوطنية هي طريق الحرب والدم، الموعودين إذا عصي إنجازهما، وطريق النسب والولاء المموهين والمشبهين الوحدة التامة. فيقول "الشيخ" والعلم التركي ان "العرب هم عيون الأتراك"، وهم "من لا طعم للعالم إلا بهم". يقول إن "تركيا وسوريا شيء واحد"، وأن "تركيا ولبنان، على المقياس نفسه، شيء واحد". وعلى مثال معروف في الأنساب العربية، والبدوية أو القبلية عموماً، يربط النسّابون حليفين يريدون توثيق روابطهما بنسب دموي واحد، ويرفعون النسب الى صلب أو مصدر عال وقديم أو بعيد زمناً. ويجلو النسب الواحد والقديم، والمنسي في الأثناء، "سر" الحاضر، وحلفه وأواصره ووشائجه. فإذا سفح أتراك دماءهم على ظهر مركب ييمم شطر غزة المحاصرة، وأهلها الجائعين وأولادهما اليتامى، فما ذلك إلا برهان ساطع على عظمة العرب والأتراك، وبينة باهرة على إرهاب إسرائيل. فيعطف الأتراك على العرب، والعرب على الأتراك، نسبٌ فلسطيني (وإسلامي) واحد. فقضية فلسطين، على قول الرئيس السوري في منتدى أمن الشرق الأوسط، هي قضية المنطقة والعالم الأولى. ومن مت إليها بنسب، من طريق خوض حرب غابرة أو إيواء قيادة أو تسليح فصيل أو تدريب ناشطين أو رعاية حليف أو تمويل قيادة أو جزء من قيادة واستدخالها... حظي بمكانة عالية، وعاد إليه ريع وقف ذري لا ينقطع، وحق نظارة على تصريف "الوقف الفلسطيني" ودقائقه وتفاصيله. وسند الحق في الريع وفي النظارة نسب صوفي ومعنوي أقوى بما لا يقاس من نسب الأصلاب والأرحام.

[عَلَم من غير ذوبان

والمقارنة بين الهوى التركي المشبوب والمتخلف عن مأساة، أو مآسي غزة المتناسلة والمتعاظمة منذ استيلاء الحركة الإخوانية الفلسطينية عليها، وبين ضعف الانعطاف الذاوي في صف الجمهور العربي الى الحركة الديموقراطية الإيرانية، هذه المقارنة، وهي يدعو إليها اتفاق واقعة سفينة "مرمرة" وانقضاء سنة تامة على الانتخابات الإيرانية "المسروقة"، بليغة الدلالة على حال الجمهور العربي ومجتمعاته المتفرقة. فعلى خلاف تركيا الإسلامية "المعتدلة" والعثمانية، وعلى خلاف إيران الخمينية المقاتلة والثائرة، وأخيراً على خلاف فلسطين المضطربة والقلقة والمعلقة في أشتات تعصى الوصل والجمع، اقتصرت الحركة الخضراء بإيران على برنامج سياسي ودستوري أساسي وداخلي.

فالحركة الإيرانية ولدت لتوها من حوادثها نفسها، ومن تأويل اصحابها هذه الحوادث. وهي صدرت عن اجتماع اصحابها أو أفرادها على تأييد مرشحين "إصلاحيين" الى رئاسة الجمهورية. والمرشحون، أو المرشحان مهدي كروبي ومير حسين موسوي بعد انسحاب المرشح المحتمل محمد خاتمي، وأنصارهم فتحوا عيونهم أو أدركوا ما هم عليه، ومن يكونون، في سياقة الانتخابات وحوادثها. وفي هذه السياقة، وليس في حضن ماض نسبي وأسطوري يصرف الأنظار عن الوقائع والعقول والألسنة عن تدبرها وقولها، شدت الروابط بعض جمهور الناخبين الى بعضهم، وميزت بعضهم من بعض. وكان ذلك مشهوداً في التظاهرات والمهرجانات. وسمع الجمهور المتفرق أحزاباً وشيعاً وجماعات، في أثناء الحملة الانتخابية، آراء ومواقف متباينة ومختلفة. ولم يقتصر دوره على الاستماع والتدوين. فقارن وأحصى وفحص وامتحن، ودعاه هذا الى المناقشة والرد، وإلى التهاتف والمكاتبة الإلكترونية على أنواعها ووسائطها. وميز جمهور المعارضة نفسه من الكل العصبي والقومي المذهبي الذي ينتصب أهل القوة والسلطان علماً عليه، ويوجبون على عموم الإيرانيين الانضمام إليه والانخراط فيه، قرينة على إذعانهم لأهل القوة والسلطان. فاختاروا اللون الأخضر، وعصبه وأساوره ومناديله وقمصانه و"سقوفه"، شارة خاصة، وعلماً على رابطتهم السياسية الجديدة والوليدة.

======================

تآمر دبلوماسي علني لمنع فك الحصار عن غزة

بلال الحسن

الشرق الاوسط

20-6-2010

إلى أين تمضي الحملة العالمية الداعية إلى فك الحصار عن غزة؟

لقد مثل «أسطول الحرية» حالة نضالية سلمية من أجل فك الحصار، وأدى الهجوم الإسرائيلي على الأسطول إلى بروز حملة عالمية ضد إسرائيل، يعترف بها الإسرائيليون، من دون أن يدرك بعض القادة الفلسطينيين وبعض القادة العرب، مغزاها السياسي العميق. وحده شيمعون بيريس رئيس دولة إسرائيل، يدرك هذا المغزى ويعلن أن مستقبل إسرائيل في خطر، وتسنده في ذلك عشرات المقالات في الصحف الإسرائيلية تتحدث عن الشيء نفسه.

ولكن ما إن هدأت الحالة النضالية السلمية التي فجرها «أسطول الحرية»، حتى هدأ الحراك النضالي، وانفتح المجال أمام العمل الدبلوماسي الدولي، وهنا تقدمت القوى الدولية الفاعلة، والإدارة الأميركية في مقدمتها، إلى طرح دبلوماسية جديدة للتعامل مع الحصار، يمكن أن نقول إنها تقوم على المبادئ التالية:

أولا: تخفيف الحصار الغذائي والبنائي (الإسمنت) على غزة، والإبقاء على الحصار البحري، بحجة منع وصول السلاح إلى القطاع.

ثانيا: التأكيد على موضوع المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وضرورة إقدام حماس على توقيع ورقة المصالحة المصرية، على أن تبحث اعتراضاتها بعد التوقيع، و«بالتوافق»، الأمر الذي يعني إعلان هزيمة حماس في غزة أمام زحف السلطة الفلسطينية.

ثالثا: العودة إلى اتفاق عام 2005 الخاص بفتح معبر رفح، وهو الاتفاق الذي أنجزه محمد دحلان في حينه، والذي ينص على وجود أمن السلطة الفلسطينية في المعبر، ووجود مراقبة أوروبية مباشرة، ووجود مراقبة إسرائيلية عبر الكاميرات.

وخلاصة هذه النقاط الثلاث، أنها تعني التخلي عن فكرتي: المشاركة في السلطة، والاتفاق على الخط السياسي النضالي في مواجهة الاحتلال، وقبول ما كان سائدا في السابق، أي سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، وإلغاء مبدأ مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، على غرار ما هو معتمد في رام الله.

وخلاصة هذه النقاط الثلاث أيضا، إعلان فشل حملة الأسطول البحري، وإعلان فشل الضغط التركي على إسرائيل، وإعلان التخلي الفلسطيني عن مطالبة أحرار العالم برفع الحصار الكامل عن غزة، حتى بعد أن قدموا أرواحهم ثمنا لذلك.

وتؤيد هذه السياسة خمسة أطراف هي: واشنطن، واللجنة الرباعية الدولية ممثلة بتوني بلير، وإسرائيل، ومصر، والسلطة الفلسطينية، وهي تتعاون فيما بينها لتخفيف حدة الحصار على غزة، ومنع حركة حماس من الاستفادة من حالة الإنهاء الكامل للحصار، وتحويل الانتصار السياسي إلى صالح السلطة الفلسطينية ومخططها.

وأمام هذه الصورة لا بد من القول، إن حصار غزة هو حصار مفروض على الشعب الفلسطيني، على مليون ونصف مليون نسمة، وليس مفروضا، كما يجري القول، على حركة حماس. إن حركة حماس تتأذى من الحصار من دون شك، ولكن ذلك يحدث كنتيجة، وليس هو الموضوع الأساسي. وما يجري فعليا هو تجويع الناس، وتركهم في العراء سنوات، من أجل ضرب فكرة حق المقاومة المسلحة للاحتلال، وبحيث ينصاع الجميع لقبول المخطط الأميركي - الإسرائيلي.

ولذلك، وبناء على هذه الصورة الموجزة، التي يمكن تدعيمها بعشرات الاستشهادات من المواقف الإسرائيلية المعلنة، ومن التصريحات الفلسطينية والعربية التي تقال في الغرف المغلقة، ثم يجري نفيها بتصريح صحافي، وكفى الله المؤمنين شر القتال. بناء على هذه الصورة، يصح القول بأنه لا يمكن مواجهة هذا المخطط الدبلوماسي إلا بسفن بحرية جديدة، تحيي المعركة مع الخصم الأساسي الذي هو إسرائيل، وتعري الموقف السياسي الأميركي الداعم لإسرائيل. وهناك عمل دؤوب يجري الآن من أجل إرسال سفن بحرية جديدة إلى غزة، ولكن إسرائيل تتنبه إلى خطورة استمرار هذا العمل، وبدأت بمواجهته من خلال اتصالات تجريها حاليا مع دول أوروبية، طالبة منها ألا تسمح لمواطنيها بالانضمام إلى السفن الجديدة التي يجري إعدادها. وتعرف إسرائيل هنا أنها لن تستطيع تكرار تجربة الهجوم التي حصلت مع «أسطول الحرية»، رغم أن نتنياهو يواصل إطلاق تصريحاته العنترية المؤكدة على أن المواجهات ستستمر. والغريب هنا أن الأطراف الأساسية المتعاملة مع الوضع كله، تواجه مواقف سياسية متعنتة تضر حتى بحلفائها، ولا تسهل المضي بحل رفع الحصار الجزئي، إلا إذا حصلت تغيرات أساسية في المواقف. وتدور حول هذه النقطة حوارات إسرائيلية صاخبة وصعبة (على حكومة نتنياهو)، وخلاصتها كما يلي:

أولا: ضرورة أن يقدم نتنياهو على حل التحالف السياسي القائم حاليا داخل حكومته، والإقدام على بناء تحالف سياسي جديد، يقوم على مشاركة حزب «كديما» في الحكومة، وهو أمر ليس سهلا على نتنياهو، لأنه يعني ضرورة بناء دبلوماسية جديدة تجاه أميركا وتجاه الفلسطينيين، عنوانها التنفيذي إقالة وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان، ونبذ سياسته العنصرية.

ثانيا: يتولى التحالف الجديد بلورة خطة سياسية تفاوضية مع الفلسطينيين، تلتقي مع مطالب الرئيس أوباما، وتفتح طريق الانتقال بالمفاوضات من مفاوضات غير مباشرة إلى مباشرة، يظهر معها (ولو شكلا) أن سياسة أوباما في موضوع التسوية، تسير في طريق النجاح. ويتولى شيمعون بيريس داخل إسرائيل، إجراء اتصالات ومفاوضات غير علنية، مع الأطراف السياسية المختلفة، للوصول إلى هذا التحالف الجديد.

الطرف الفلسطيني (السلطة) هو الطرف الثاني في هذه المعادلة، وهو رغم موقفه المترجرج، يواجه تحديا من نتنياهو نفسه. فالمفاوض الفلسطيني يطلب موقفا إسرائيليا محددا من قضيتي الحدود والأمن، من أجل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة. ولكن نتنياهو يرفض تحديد موقفه من هذه القضايا حتى الآن. وبدلا من ذلك يقوم بخرق اتفاقه مع أوباما حول تجميد الاستيطان بشكل غير معلن رسميا، فيعلن فور بدء مطالبته بوضع خطة سياسية جديدة، عن مشروع استيطاني جديد وضخم في منطقة القدس (1600 وحدة سكنية). ويشكل هذا الموضوع تحديا لواشنطن، وتحديا للسلطة الفلسطينية في الوقت نفسه، ويضع الرئيس محمود عباس أمام وضع صعب، إذ يقدم على التحالف دوليا وعربيا ضد حماس، بينما يفشل مخططه التفاوضي من جديد.

ولا يوجد مخرج من هذا الوضع المتناقض والمعقد، من خلال سياسة ترك الأمور بأيدي القائمين عليها الآن، إذ لا بد من موقف سياسي عربي جديد، يطرح موقفا صارما من أجل فك الحصار عن غزة بالكامل، برا وبحرا، وهو أمر ممكن بقليل من المصارحة العربية الداخلية. ولا بد أيضا من القول، وبجرأة، إن قضية المصالحة الفلسطينية، تحتاج إلى تأكيد مبدأ المشاركة بين الفائزين في الانتخابات الفلسطينية، والتخلي نهائيا عن منهج غلبة طرف على آخر. ولا بد أيضا من أن يقول العرب بصوت عال إن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم الاحتلال، ثم يكون هذا المبدأ أساسا جامعا لكل القوى الفلسطينية، الفصائلية والسياسية، وليس أساسا لعلاقات ثنائية بين فتح وحماس فقط.

لقد ألقى العرب عبء موقفهم الغائب على عاتق عمرو موسى، ولكن عمرو موسى ليس إلا صدى للموقف السياسي العربي، وهو يستطيع أن يفعل الكثير حين يتم تزويده بموقف عربي جديد... فهل نأمل؟

=========================

هذيان سوري على مدرجات المونديال !!

سيريا نوز 20/6/2010

نضال معلوف

أخذت مقعدي بين آلاف المشجعين ، و كان الملعب يتلون بألوان الدنيا كلها ، مباراة وراء مباراة ويوما بعد يوم حملت فوق رأسي علم كبير لسوريا،

فانا لا اطيق ان احمل علماً سواه .. ورحت الوح فيه فوق رؤوس الجموع ، و أصيح .. سوريا .. سوريا ..

وعندما يعزف النشيد الوطني .. أي نشيد .. أي موسيقا .. انتصب ، مرفوع الهامة .. واردد حماة الديار.. بأعلى صوتي وملء حنجرتي واصفق لنفسي عندما ينتهي النشيد .. واخذ مكاني بين الحشود واراقب ..

اقف مع كل هجمة واصفق لكل هدف واتأوه لكل فرصة ضائعة .. واركض بين المدرجات حاملا العلم يرفرف في كل ارجاء الملعب .. فرح .. اقفز وانحني واضحك .. واغني وانشد تواشيح المشجعين في سوريا .. من "هاتو غيرو" .. الى "باي باي مع السلامة" .. وصولا الى "معليش شو صار" ..

معليش شو صار

كانت تمر معي اسماء فرق لم اسمع بها في غانا ، سلوفينيا ، سلوفاكيا ..

معليش شو صار ..

لم يكن هناك أي اثر لاي شيء سوري سواي ، لا حكم ولا كرة ولا تي شيرت ، ولا حتى اعلان لشركة تجارية خدمية ، نقل .. تصوروا ان القدموس لم يفتح فرعا هناك ، وغابت اعلانات صناعتنا الرائدة في مجال العلكة .. وكانت دهشتي كبيرة لانه لم تطل علي اعلانات علكة مسواك ( نط .. نط ) .. وعلكة منطاد ( لا تمزح ) ، لا عم احكي جد .. ولا اوغاريت كولا (شو بتشرب .. آه ه ه .. ) .. حتى كلمة ( يا هلا ) افتقدتها هناك .. تصوروا ..

 

معليش شو صار ..

حتى المعلقين ، والمراسلين والصحفيين ، والرسميين والحرامية ولك حتى ال 400 الف مومس اللواتي تكلمت عنهن الصحافة العالمية ، لا اثر لنا هناك .. مصور .. مطهر .. مخرج .. منتج .. مراسل .. سفير .. وزير .. معارض .. رئيس مكتب الطلبة في المانيا .. راقصة ، مغني .. كان اقرب شيء علي.. ظهور اليسا في اعلانات البيبسي كولا .. فرحت بداية ومن ثم غضضت النظر لاني تذكرت بانها محسوبة على تيار الحريري ..

في وسط حماسي .. وفرحتي .. باحد الاهداف التي لم اعد اذكر لصالح من كانت .. نظر الي احد المشجعين هناك و قال لي بانكليزية طليقة .. انت مع من بالتحديد .. اجبته بانكليزية مجعلكة ..

انا مع سوريا

قال : سوريا .. !؟ في أي مجموعة ..

قلت : في مجموعة عدم الانحياز ..

قال : اقصد رقم المجموعة .. ؟؟ الاولى الثانية .. ؟؟!

قلت : كنا قبلا في مجموعة الدول الثالثة .. اما اليوم رح نصير عشرة على عشرة .. ما شاء الله

قال : يعني مع غانا .. توغو ..

قلت : لا يا زلمة شو جاب لجاب ..

قال : مين في لاعبين مشهورين في فريقك

قلت : اخر واحد اذكر اسمه كان وليد ابو السل لان اسمه متلازم مع وباء خطير لا يمكن نسيانه

قال : يعني مع من يلعب فريقك ..

قلت : مع سلطنة عمان ، وجيبوتي ، والسودان وربما منغوليا ..

قال : هذه الفرق ليست في المونديال ..

قلت : معك حق هذا كان في التصفيات ..

قال : وماذا حدث ..

قلت : بتعرف .. حظ سيء للعام الخمسين على التوالي ..

قال : اذا.. كيف وصلتم الى المونديال .. ؟

قلت : من سوريا.. الى هنا مباشرة بالطيارة .. 5 ساعات ..

قال : اين سوريا

قلت : في الشرق الاوسط ..

قال : لم اعرفها بماذا تشتهر بلادك ..

قلت : الخيل والليل .. عنترة ، الفرزدق ، ابن سينا ، ابن النفيس ، الزهراوي .. حمورابي ، سيف الدولة الحمداني والنوفرة ..

قال : اعرف ابن سينا .. لكن هذا في العصر القديم .. اليوم بماذا تشتهرون..

قلت : باشياء كثيرة

قال : مثلا ..

قلت : بنعيم حمدي فقد فاز في بداية التسعينيات بجائزة في مسابقة الاغنية في كوريا الشمالية ..

قال : من نعيم حمدي هذا ..

قلت : هو صاحب مذهب استعراضي فريد ..

قال : كيف

قلت : يقف امام الضوء باتجاه الكاميرا ..وبحركة سريعة .. يتنحى (يخلي) للضوء من ورائه ليسطع مباشرة في عدسة الكاميرا ، مرة على اليمين ومرة على الشمال.. وبهذا يبهر المشاهد بضوء شديد متقطع .. وهو يقول : إيه..إيه..إيه

قال : يبدو مهما ...

قلت : ماذا .. لو حدثتك عن وجيه شويكي ..

قال : لا اعرفه . . ماذا لديكم ايضا ..

قلت : نحضر لدخول كتاب غنيس بقوة هذا العام ..

قال : كيف

قلت : اكبر قرص كبة ل حمص ، واكبر جاط تبولة ل حوران ، ولم تعد الكلمات المتقاطعة في الجرائد تكفينا .. واليوم نحضر بطلا سيدخل كتاب غينيس بعدما صنع بمساعدة الشعب السوري اكبر شبكة كلمات متقاطعة .. تعلم لدينا الكثير من الوقت لنحلها ..

قال : فقط هذا ..

قلت : لا عندنا اطول قانون طوارئ ، واخفض مرتب للموظفين ، واكبر عدد من المشاركين في برنامج تلفزيون الواقع " سورفايفر " ( الناجون ) .. ، وشو بدي عدلك لا عدلك ..

قال : اذاً متى مباراتكم القادمة ومع من ..

قلت : اي مباراة ؟

قال : هنا في المونديال ..

قلت : نحن لا نشارك في مثل هذه المونديالات الهابطة ..

نظر الي نظرة فهمت انه يشكك في قواي العقلية .. وانصرف عني ..

عدت اشجع واقفز واصيح .. سوريا .. سوريا .. واصافح واضم وافرح وابكي واترقب وانتظر .. امر بالجموع المنكسرة فانكسر ، و تغمرني فرحة الفائزين فاسعد .. واتجول في المدرجات اسمع الكلمات والاحاديث واضرب كفاً بكف وأتقول .. واشارك في التوقعات واحسب النقاط اتمنى الفوز للجميع واتهيب من الخسارة ..

عرفت كل شيء عنهم ، بلدانهم ، اسمائهم واسماء صاحباتهم ، ارقام قمصانهم .. ، ونمرة احذيتهم ، اعمارهم ، الوان اعلامهم .. والبستهم الداخلية ..

تفرح الجموع وتلتهب .. يحتفلون .. يرقصون يحلمون .. ويرحلون ..

ابقى وحدي في كل ليلة .. اجلس في المدرجات الخالية في الظلام .. يشعّ نور الاضواء الكاشفة فجأة .. ويصدح نشيد بلدي .. حماة الديار .. انتصب .. واغني .. تمتلئ المدرجات .. ويعلو علم بلادي الرؤوس ويغطي الوجوه ويرفرف فوق الصواري .. ويتعالى الهتاف .. ويصول اصحاب القمصان البيضاء والحمراء الملعب .. يدافعون يهاجمون .. يلعبون بشجاعة .. ويسجلون .. هدف .. هدف .. هدف ..

اقفز مع كل الحاضرين ونغني النصر والفرح . .. وتصرخ الجموع بملء حناجرها .. " كوووووول " .. وتدمع العيون وتنتعش الابدان بعد ان سرت فيها بعد غياب طويل نشوة النصر ..

 

النصر .. ؟؟ النصر .. !!!

ها انا وحيد في المدرجات الفارغة .. اواجه الحقيقة ، التحف بالعلم عله يدفء جسدي البارد.. وانظر الى جدول المباريات .. افتقد بلدي الغائب .. وابكي بحرقة .. وانتحب ..

كل مونديال وانتم بخير ..

نضال معلوف

‫* نشر هذا الموضوع من اربع سنين في مونديال 2006

‫ومازال صالحا للنشر حتى الان ، وأمل ان تنتهي صلاحيته قبل المونديال القادم

=============================

«النقاب» وسلم الأولويات

محمد سعيد رمضان البوطي

الحياة- السبت, 19 يونيو 2010

أرأيت الى طريقين مفتوحين أمامك الى غاية واحدة، ونظرت... فإذا بقوة صدتك عن متابعة السير في أحدهما، المنطق سيدعوك لا محالة الى سلوك الطريق الآخر الذي سيوصلك الى الغاية ذاتها.

وانها لكثيرة تلك الطرق المتعددة في الشريعة الاسلامية والمؤدية الى غاية ربانية مطلوبة واحدة. وانما اعني بالطرق المتعددة الخلافات الاجتهادية المنبثقة عن نصوص شاء الله لحكمة باهرة ان تكون محتملة لأكثر من دلالة، لكي لا يجد الناس عنتاً، لدى سيرهم الى الغايات التي أمرهم الله ان يتوجهوا اليها. فان غم عليهم اليها سبيل مفتوح وجدوا اليها سبيلا ثانياً وربما ثالثاً ايضاً.

وانها لظاهرة مهمة تبرز عظيم رحمة الله بعباده، عندما يتوجهون الى تحقيق المبادئ والقيم التي دعاهم الى التحلي بها، يفتح لهم اليها اكثر من سبيل ويجعل امامهم من الدلالات المحتملة في النصوص التي يخاطبهم بها، جواز مرور شرعياً من طريق أي تلك السبل يشاؤون.

والأمثلة العملية على هذه الظاهرة كثيرة، تفيض بها مصادر الشريعة الاسلامية، ولكننا لسنا هنا بصدد الخوض فيها وفتح ملف استقرائها والحديث عنها، وانما الذي يعيننا في هذا المقام، ان نلتقط منها مسالة « النقاب» التي افرزت في هذه الايام مشكلة بين كثيرين من المسلمين في المجتمعات الغربية، وهددت بحدوث أزمة في بعض البلاد العربية.

و كان من اليسير اتقاء هذه المشكلة، لو ان الذين تلقوها فاثاروها قبلوا الفرار منها الى الحل الذي وضعه المشرع جل جلاله بين أيديهم.

هل يجب على المراة المسلمة ان تسدل على وجهها النقاب عند خروجها من الدار؟

شاء الحكيم جل جلاله ان يكون النص القرآني المتضمن حدود الحشمة المطلوبة من المرأة محتملا لأكثر من دلالة واحدة. وذلك في قوله عز وجل: «ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن» [ النور:30].

فمن علماء الشريعة، بدءاً من صحابة رسول الله، من فسر هذا النص بأن الوجه والكفين هي الظاهرة، فلا حرج في كشفها ومن ثم فلا حاجة الى النقاب، واليه ذهب كثيرون من الصحابة والتابعين. ومنهم من ذهب الى انها مما يجب ستره وأن الظاهر ما ترتديه المرأة على جسدها مما يدخل في معنى الاناقة والزينة.

اذاً فقد فتح الشارع جل جلاله الى الحشمة التي يجب على المرأة ان تتحلى بها، سبيلين اثنين اليها، ان أحرجها أحدهما سلكت اليها السبيل الآخر.

وانني لأؤكد أن كلا السبيلين من حيث المشروعية في ميزان الشرع وحكمته واحد. ولكن ربما كان سبيل الالتزام بالنقاب أقرب الى الاحتياط والورع.

 

غير ان هذا التساوي وارد في حق المراة التي لم يحملها الشارع وظيفة اجتماعية ذات فائدة دينية خاصة او انسانية عامة. ومن ثم فهي بسبيل ان تختار لنفسها أي الطريقين تشاء وربما كان الطريق الورع والاحتياط اولى بها.

اما امرأة حملها الله عز وجل وظيفة التدريس مثلاً، لا سيما تدريس الدين او ما هو في حكمه، وعلمت ان الله يجري الخير على يدها من خلال هذا الذي اقامها الله فيه، ونظرت فعلمت ان اصرارها على النقاب سيفصلها عن تلك الوظيفة، ومن ثم فسينقطع الخير الذي كان يصل منها الى اللائي تتعهدهن بالتربية والتعليم والتثقيف عموماً، فإن سلم الاولويات المرسوم في دين الله عز وجل، والمرتبة درجاته في ما يسمى المصالح الضرورية، ثم الحاجية، ثم التحسينية، يدعوها الى ان تؤثر فائدة وظيفتها على فائدة التمسك بنقابها عندما لا يقع، لأمر ما، بينهما التناقض. ومن ثم فان نداء المشرع جل جلاله يهيب بها ان تتحول في طريقها للتحلي بالحشمة المطلوبة، الى الطريق الثاني الموصل هو الآخر اليها.

ان الورع بالنسبة اليها والى امثالها إنما يتمثل في حفاظها على الخير الذي يسري منها الى الآخرين من طريق الوظيفة التي اقامها الله فيها، لا في الانقطاع عن الرفد الذي سخره الله له.

واحب ان اذكر هنا بأن حظوظ النفس كثيراً ما تتداخل في مثل هذه الحالات، فتحجب اصحابها عن رؤية ما هو ارضى لله عز وجل، وتزجهم في قدر كبير من المزج والالتباس.

اجل... فربما استقر في نفوس الكثيرات من النساء المنقبات ان النقاب اصبح جزءاً من شخصية الواحدة منهن. فاذا حملت على خلعه وجدت في ذلك خدشاً لشخصيتها وهضماً لمكانتها. ومن ثم فهي تصر على مقاومة هذا الذي يطلب منها وتحرص على التمسك بنقابها أياً كانت الحال، تظهر بذلك الحرص على حكم الله والغيرة على شريعته. ولكنها تعلم – ان هي تأملت في حوافزها الكامنة في اعماق نفسها – انها انما تنتصر بذلك لشخصيتها.

ربما قيل: ان ما يجري اليوم في بعض مجتمعاتنا العربية من محاربة النقاب، انما هو مكايدة للشعور الديني لدى المتنقبات، وتسلق الى حيث يتاح الهجوم بعد ذلك على الحجاب.

وأقول: قد يكون هذا التصور صحيحاً. ولكن الحل الذي يدعو اليه الشارع الحكيم هو ما قد ذكرت من التحول من طريق النقاب الى طريق الحجاب الموصل ايضا الى مقصد الحشمة والتحلي بالأخلاق.

 

وربما قيل: بل ان النقاب غدا الستر الذي يختبئ تحته الناشطون سعياً لاستثارة الفتن وتفجير الازمات وقتل البرآء وتصادم السياسات، تسخر لذلك النساء المنقبات.

واقول: ماأقرب ان يكون هذا الكلام الثاني صحيحاً ايضاً.غير ان الحل الذي يدعو اليه الشارع جل جلاله هو ما قد ذكرت ايضاً، اجل... لا بد عندئذ من استلاب هذه الذريعة من ايدي الرجال المنتقبين، قصداً الى اختلاق أسباب الفتن والهرج والمرج، وسد الذرائع أصل كبير لا ينكر في الاسلام.

وربما قيل: بل ان فيمن يكيد للاسلام وضوابطه الاخلاقية، من يدفعون رجالا الى ان يتنقبوا ثم ينهضوا ببعض الانشطة المريبة، فيلفتوا الانظار اليهم، فيضبطوا بالجرم المباشر، فيتخذوا من ذلك ذريعة الى ملاحقة المنتقبات والقضاء على النقاب. وأقول: ان هذا الاحتمال الآخر ليس ببعيد، وللفكر ان يسرح في تصور كل الاحتمالات. غير ان الحل الذي يوصي به الشارع لكل فتاة تنهض بمسؤولية دينية مشروعة سليمة، وتعلم ان الله يجري على يديها الخير بما تنهض به، وانها تساهم بذلك في تحقيق وعي اسلامي صاف عن الشوائب يحصن المجتمع كل غلو وافراط وتفريط، أقول: الحل الذي يوصيها به الشارع انذاك هو التحول من طريق النقاب الى طريق الحجاب.

ولست أشك في ان اخلاقيات الاسلام وادابه عموما، تعاني في بعض بلادنا العربية من امتهان ومكايدة لا تعاني من مثلها او قريب منها في الدول والمجتمعات الغربية. ودلائل ذلك واضحة مكشوفة ،ولسنا بحاجة الى ذكر مواقف وحوادث تشهد بذلك.

ولكن فلنعلم ان على كل مسلم ومسلمة يعتزان بما شرفهما الله من الالتزام بآداب الاسلام ان يعلما ان اول ما يتطلبه الاسلام منهما في هذه الحال، وامام هذه المثيرات والمهيجات، هو ضبط النفس بضوابط العقل، واخضاع العقل لرشد الدين واخلاقيات الاسلام.

ان الالتزام الصامت بهدي الاسلام متمثلا بالانضباط بسلم الاولويات امام تدرج المصالح والمقاصد، على النحو الذي اوضحناه، وتهدئة العواطف والخواطر في ظل قول الله تعالى:» سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين « واستلاب الذرائع ممن يريد ان يتصيدها للشر، من دون جلبة ولا ضوضاء، هو النهج الامثل الذي سار عليه رسول الله ثم تركنا عليه.

وقد تجلت الاخلاق العربية، قبل ان يتوجها الاسلام بتعاليمه في مثل قول الشاعر العربي:

ولقد أمرّ على الجهول يسبّني/ فمضيتُ ثمة قلت لا يعنيني

* أستاذ في جامعة دمشق

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ