ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 13/09/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

حدود اليسار الإسرائيلي

المستقبل - الاحد 12 أيلول 2010

العدد 3768 - نوافذ - صفحة 9

ماجد كيالي

السؤال عن اليسار الإسرائيلي، حجمه، حقيقته، ولاسيما هويته السياسية والاجتماعية والثقافية، صعب ومعقد ويتضمن إشكاليات عديدة. فالأمر في إسرائيل، يختلف عنه في مكان أخر، حيث تتحدد ملامح اليسار بهويته السياسية والاجتماعية، التي تقارب الحريات العامة والخاصة، وتنحاز لمصالح الطبقات الفقيرة، وتكافح في سبيل عالم تسوده العدالة الاجتماعية، وقيم الديمقراطية والحداثة والتقدم.

ولطالما كانت صورة اليسار في إسرائيل غاية في الضبابية، وملتبسة، حيث يعتبر حزب العمل، مثلا، حزبا يساريا، على خلفية احتضانه للتجارب الاشتراكية (القرى التعاونية) في بدايات إقامة إسرائيل (الكيبوتزات والموشاف)، وإنشائه منظمة "الهستدروت" للدفاع عن مصالح العمال اليهود، وانتمائه للاشتراكية الدولية. لكن هذا الحزب نحا قبل عدة عقود نحو الليبرالية الاقتصادية، وتخلى عن هويته الاجتماعية الأساسية، التي كان تشكل على أساسها، في نظر المستوطنين اليهود. من جهة أخرى، فإن هذا الحزب يتبنى على الصعيد الثقافي وجهة نظر يمينية بشأن هوية الدولة، باعتبارها دولة يهودية (دينية)، وهو لم يفعل شيئا للفصل بين الدين والدولة في إسرائيل بالنظر لتبنيه الأيديولوجية الصهيونية، التي تماهي بين اليهودية والهوية القومية، باعتبارها اليهود، بغض النظر عن انتماءاتهم، بمثابة شعب يتمتع بميزات "قومية".

وإضافة إلى أن حزب العمل كان في الحقيقة هو المسؤول عن إقامة إسرائيل، ونكبة الفلسطينيين، فإن إسرائيل شنت عدداً من حروبها ضد العرب، إبان قيادة هذا الحزب لها، وضمنها حرب حزيران (1967). وهذا الحزب هو المسؤول عن التأسيس للمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وعن تهويد القدس، وهو المسؤول أيضا عن التلاعب باتفاق أوسلو (1993)، إبان رئاسة ايهود باراك للحكومة الإسرائيلية (19992001)، وكذا عن اندلاع الانتفاضة الثانية (2000).

على ذلك يمكن الاستنتاج بأن حزب العمل إنما هو حزب وسطي، في حقيقة الأمر، وهذه المكانة بات يزاحمه عليها حزب "كاديما" المنشق من الليكود؛ ما يفسر تراجع مكانة حزب العمل في الخريطة السياسية الإسرائيلية من 44 مقعدا في انتخابات الكنيست ال 13(لعام 1992)، إلى 13 مقعدا فقط في انتخابات الكنيست الأخيرة (ال18 لعام 2009)؛ بمعنى انه تراجع من المكان الأول إلى المكان الرابع في عدد مقاعد الكنيست بين الأحزاب الإسرائيلية (بعد كاديما وليكود وإسرائيل بيتنا!).

يبقى ضمن الخارطة الحزبية اليسارية الإسرائيلية حزب ميريتس، وهو حزب يساري، يتبنى مسألة فصل الدين عن الدولة، ويناهض الليبرالية الاقتصادية، ويدعو لتقليل الفوارق والفجوات في العيش في المجتمع الإسرائيلي، كما يدعو لتأسيس علاقات سلام، خالية من الاحتلال مع الشعب الفلسطيني. هكذا فإن هذا الحزب يمكن اعتباره الحزب اليهودي الوحيد الذي يمكن التعاطي معه بمعايير حزب يساري، في المجالات الاجتماعية (تقليل الفجوات في العيش) والثقافية (الدفاع عن علمانية الدولة). والجدير ذكره أن هذا الحزب يحتل ثلاثة مقاعد في الكنيست الإسرائيلي الحالي (من 120 مقعدا)، بمعنى انه حزب صغير، في حين كان يحتل 12 مقعدا في الكنيست ال 13 (لعام 1993)؛ وكان بمرتبة الحزب الثالث فيه.

وما ينبغي لفت الانتباه إليه هو أن مصطلح اليمين واليسار في إسرائيل بات يرتبط بشكل أكبر، أيضا، بمسألة الموقف من الاحتلال، والسيطرة على الشعب الفلسطيني، وبكيفية التعاطي مع عملية التسوية.

والمعضلة هنا أن اليسار الإسرائيلي (مع استثناءات محدودة) لا يتعاطى مع القضية الفلسطينية من جذورها، وإنما ينطلق أساسا في موقفه مما يعتبره حق اليهود في أرض فلسطين (أو ارض الآباء والأجداد بتعبيراتهم!). وهو يسار يقبل الايديولوجيا الصهيونية، وأسطورة "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض". وفي أفضل حالاته فإن هذا اليسار يعتبر أن الصراع الجاري على فلسطين هو صراع بين شعبين وبين حقين وروايتين. هكذا فإن هذا اليسار متصالح مع الصهيونية، ومع واقعة قيام إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وهو فقط يؤسس روايته "اليسارية" للقضية الفلسطينية انطلاقا من رفضه للاحتلال الحاصل عام 1967. وهو عندما يتحدث عن الطابع الكولونيالي لإسرائيل فهو إنما يتحدث عن احتلال 1967، في حين انه يرفض فتح ملف القضية الفلسطينية منذ العام 1948؛ وهذا ما يفسر اختزال التسوية بمجرد مقولة "الأرض مقابل السلام"، أو بمجرد إقامة دولة فلسطينية (محدودة) في الضفة والقطاع، واعتبار ذلك نهاية لمطالب الفلسطينيين.

ويوجه أريك ديامنت انتقادات حادة ومحقة لما يسمى اليسار الإسرائيلي، المتمحور حول حزب العمل، وعنده فإن هذا "اليسار يشبه الملك الذي يسير بين رعاياه عاريا.. ولا يجرؤ أحد على قول إن الملك عار. الملك عار لأن الصهيونية وصلت إلى طريق مسدود.. فشل اليسار الإسرائيلي لأنه حاول عبثا "سكب مضمون ديموقراطي- إنساني للإطار الصهيوني.. رفض اليسار الصهيوني التصدي للتناقض القائم في أساس وجوده- تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية.. إسرائيل اليوم هي اثنوقراطية..التمييز على أساس قومي يسيطر على كل مجالات الحياة، ويحوم فوقها ظل الاحتلال. ومع ذلك، يواصل اليسار الصهيوني التمسك بكذبة الدولة اليهودية والديموقراطية. يعيش رجال "اليسار الصهيوني" في تناقض لا يمكن تسويته. فهم يعارضون الاحتلال، لكنهم يتجندون في الجيش..هم مع السلام، لكنهم غير مستعدين لمناقشة مشكلة لاجئي 1948؛ هم مع المساواة، لكنهم يعيشون..في دولة نشيدها، علمها ورموزها تستبعد خِمس مواطنيها..المخرج الوحيد لليسار..يكمن في إدراكه أنه لا يمكن مواصلة إمساك الحبل من طرفيه".("هآرتس"، 23/3)

المعضلة الأخرى أن اليسار الإسرائيلي، على ما فيه من تناقضات وإشكاليات، يعاني أيضا من تراجع كبير، كغيره من التيارات اليسارية في العالم، حيث بات اليمين، واليمين المتطرف، في إسرائيل يسيطر على الكنيست مثلما يسيطر على الشارع، بحكم هيمنة الايديولوجيا الصهيونية والدينية على مختلف نواحي الحياة في إسرائيل، وهي ايديولوجيا لم يعمل اليسار الإسرائيلي في الحقيقة شيئا حيالها، لأنها تشكل جزءا من شرعيته وروايته، كما من شرعية الكيان الإسرائيلي.

من يتذكر اليوم مثلا يسارييين من مثل يوسي بيلين ويوسي ساريد وشولاميت ألوني وغيرهم؟ ومن يتذكر المؤرخين الجدد، وتيار ما بعد الصهيونية؟ معنى ذلك أن اسرائيل باتت اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في قبضة زعماء المستوطنين ومع صقور اليمين من مثل بنيامين نتنياهو وبني بيغن وموشي يعلون في الليكود، وافيغدور ليبرمان ومن هم على شاكلته في حزب "إسرائيل بيتنا"، وايلي يشاي وزبانيته في حزب شاس، لزعيمه الحاخام عوفاديا يوسيف الذي يدعو صباح مساء كي يبتلي الفلسطينيون بوباء ماحق! وإذا كانت اسرائيل لم تقدم شيئا للفلسطينيين في ظل "اليسار" خاصتها، فما الذي ستقدمه حقا في ظل يمينها؟!.

===========================

درس من 11 سبتمبر

تشارلز بلو

الشرق الاوسط

12-9-2010

في مثل يوم أمس قبل تسع سنوات، رأينا العالم وقد توقف تماما. ورأينا براءة أمة تنهار على الأرض. ورأينا وجه الشر في أعمدة الدخان والرماد. لقد كان ذلك في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001.

لقد سمعت ألف صيحة من ألف شخص وقفوا من دون أي تحرك في ميدان تايمز المزدحم، كالمعتاد، وهم يشاهدون الطائرة الثانية تضرب البرج الثاني على شاشة تلفزيونية كبيرة في ميدان التايمز.

لقد رأيت صورا لأشكال صغيرة بدت وكأنها طيور خارج البرجين. لم يكونوا طيورا، بل كانوا أناسا، أجبرهم لهيب النيران على القفز خارج المباني، أجبرتهم النيران على اللجوء إلى خيار مستحيل في ظل ظروف مستحيلة.

لقد شاهدنا جميعا الأبراج وهي تنهار تماما، وتسقط من السماء إلى السحاب تحتها، أمر فظيع ومريع، ومذهل ولا يصدقه عقل.

شعرت وكأنني فاقد الإحساس، لكنني رفضت أن أكون خائفا. كان موقفي في هذا اليوم هو نفس موقف معظم الأميركيين.. لا يجب السماح للإرهابيين بالفوز. لن يتم ترويع أميركا. سننهض، وستشرق عظمتنا، وستظل أفكارنا عن الحرية منارة للعالم.

وهذا هو السبب في أنه كان من الصعب للغاية مشاهدة النقاش خلال الأسابيع القليلة الماضية بشأن الإسلام في أميركا، بداية من المركز الإسلامي المقترح في جنوب مانهاتن إلى الحديث عن حرق المصاحف. يبدو أن معظم النقاش كان متركزا حول حساسيات الإرهابيين في عالم بعيد، الذين اختطفوا مشاعر الدين، ويريدون رؤيتنا مدمرين، ويريدون اجتذاب مزيد من الأرواح المدمرة إلى قضيتهم.

أفهم نظريا فكرة عدم إثارة عش الدبابير، في حين أن قواتنا لا تزال في طريق الأذى. لكنني أشعر بالغضب من الفكرة التي تقول إنه ينبغي ضبط النقاشات الأميركية الكبرى، بكل ما فيها من قبح وعظمة، من أجل الإرهابيين ومحاولتهم للتجنيد.

صحيح أننا على ما يبدو نمر بشعور جديد من جنون العظمة فيما يتعلق بهؤلاء المتطرفين والتهديدات التي يمثلونها.

ووفقا لاستطلاع رأي أجرته «إيه بي سي نيوز» و«واشنطن بوست» الأسبوع الحالي، فإن نسبة الناس الذين يقولون إن الدولة أكثر أمانا الآن من الإرهاب، مقارنة بما كانت عليه قبل 11 سبتمبر عام 2001، قد وصلت إلى مستوى متدن جديد.

بيد أننا لا نستطيع ببساطة السماح لهذه الموجة الجديدة من الخوف أن تحصرنا في شيء لسنا عليه. إننا دولة الحريات، دولة تتساوى فيها حرية الدين وحرية التعبير، دولة يعد فيها إنشاء مبنى وتدمير كتاب حقوقا مكفولة للجميع، حتى ولو كان يعارضها معظمنا.

التعبيرات الحرة ليست دوما سارة، لكن يجب حمايتها، بغض النظر عن ميول العدو.

هذه هي أميركا، واللحظة التي ننسى فيها ذلك تمثل بداية انتصارهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»

===========================

العيد العربي المستحيل؟!

بلال الحسن

الشرق الاوسط

12-9-2010

يتطلع الناس إلى الفرح في العيد، حتى الفقير يجبر نفسه على الفرح، حتى ولو لم يكن يملك متطلبات ذلك الفرح. يقتصد بضعة دريهمات ليشتري لمن حوله ثياب العيد، وحين يجد أطفاله فرحين من حوله، يشيع في داخله فرح يرضيه ويكفيه.

وتفعل أنواع الناس الأخرى الشيء نفسه، المواطن والتاجر والطالب والموظف والحزبي والسياسي، كلهم يسعون إلى أن يتجاوزوا ما حولهم لكي يلتقطوا لحظة فرح. أحيانا من خلال لقاء الأحبة، وأحيانا من خلال متع صغيرة، وأحيانا من خلال قرار إرادي بنسيان الهموم، والكل يتمنى للكل عيدا قادما أفضل.

وراء هذا التمني بعيد قادم أفضل، تكمن الهموم الأكبر، الهموم الحقيقية التي تكاد تستلب الفرحة والفرح. يؤجل الناس الحديث عنها أياما من دون نسيان لها، ثم تعود هذه الهموم لتفرض نفسها. وما إن تعود تلك الهموم لتذكر بنفسها حتى يدرك الكثيرون أن العيد العربي أمر مستحيل.

إن كنت عراقيا، فما إن تخرج من باب منزلك حتى ترى بأُمّ عينيك دولة العراق المجيدة وقد انهارت. سترى الفوضى، وسترى الانفجارات، وسترى القتلى والجرحى، وسترى الفساد متجسدا في الأشخاص والقادة والأحزاب، وسترى الاحتلال، الاحتلال الأميركي، متجسدا ومتصلا بالآليات الأميركية، وبالجنود الأميركيين. بعضهم ظاهر أمامك في الشارع، وبعضهم محتجب في القواعد الاستراتيجية الثابتة، فيدرك أن يوم الخلاص من الاحتلال الأجنبي لم يحن بعد. يتفاءل بحوار السياسيين حول تشكيل حكومة، ثم يجد من يقول له إن تشكيل هذه الحكومة أمر مستحيل. حتى الذين جاءوا متحدين حول هذا الاحتلال يختلفون اليوم ولا يجدون ما يتفقون عليه.

أما إذا كنت سودانيا، فإن بلدك المجيد، بوابة العرب على أفريقيا، بلد النيلين بدل النيل الواحد، يقف على بعد ساعات من الفرقة والانقسام والانفصال. هناك من دون شك أخطاء داخلية صنعت هذا الانقسام، ولكن هناك أيضا ومن دون شك قوى استعمارية كبرى، تغري هذا الزعيم أو ذاك بالعمل من أجل الانفصال. يغرونه بدولة وبرئاسة دولة، وفي أذهانهم أن لديه ثروات مائية، وأن لديه ثروات نفطية، وهم يريدون النفوذ إلى تلك الثروات واستغلالها. وبينما يبدو الزعيم المحلي كبيرا أمام قومه، يجد نفسه صغيرا أمام من يمثل دولا عظمى، من الأميركي إلى الصيني داخل صراع النفط، إلى الفرنسي المتطلع إلى مناجم الذهب. ويتحاشى الجميع الحديث علنا عن اليورانيوم الكامن في بطن الأرض، والمحرك الحقيقي للحرب في دارفور. وغدا قد تقوم دولة في جنوب السودان، وبدلا من التفكير في الطرق والمدارس والمستوصفات، تبدأ هذه الدولة بالبحث عن تمويل لعشرات سفارات لا بد أن تنشأ، والبحث عن تمويل لمطارات دولية لا بد أن تقوم لتعبر عن وجود دولة مستقلة. وهنا تأتي الشركات من كل أصقاع الأرض، تعرض الأموال بيد، والعقود التي تحتاج إلى توقيع باليد الأخرى. أما الاستقلال... فيتحول عبر ذلك إلى حلم، حلم يستحيل معه فرح العيد.

أما إذا كنت يمنيا، فالويل الويل لك. فاليمن السعيد ليس سعيدا على الإطلاق. الحوثيون في جانب يتحصنون في جبال يستحيل على الجيوش السيطرة عليها، يقاتلون ويقتلون، ولكن المشكلة أن لا أحد يعرف ماذا يريدون، يهددون استقرار النظام في اليمن، ولا يجيبون على السؤال: «لماذا؟». يتحدثون عن حرب سابعة دون أن يسألوا أنفسهم ماذا أنجزت الحروب الست السابقة، كأنما الحرب هدف في حد ذاتها، أو كأنما الحرب وسيلة للوجود داخل السياسة. ولكن ما جدوى السياسة بعد تفتيت الوطن؟

وفي الجانب الآخر هناك في اليمن أهل الحراك في الجنوب. هؤلاء الذين كان لهم فخر صناعة دولة الوحدة اليمنية، ثم ها هم الآن يعبثون بها، ويرفعون شعار الانفصال. لقد عاشوا طويلا في ظل الانفصال ولكنهم لم يجنوا شيئا سوى الضعف والفقر، فماذا سيقدم لهم الانفصال من جديد؟ الكل يعرف أن أهل الجنوب لم يعاملوا كما يجب، وتعرضوا لعملية إقصاء ظالمة وخاطئة، ولكنهم لو رفعوا شعارات ومطالب تعبر عن ذلك لنالوا تأييد الكثيرين، من داخل اليمن ومن خارجه، ولكنهم يخسرون قضيتهم في ظل شعار الانفصال، وقد يخسرون وطنهم أيضا. ولا ندري إذا كانوا يعرفون أن نشاطهم، ونشاط الحوثيين معهم، لن يبقى قضية يمنية، بل سيتحول إلى قضية إقليمية تمتد نارها إلى أصقاع ودول أخرى. ولذلك يجلس اليمني في منزله في أعلى الجبل، فيشعر بالخطر الداهم أكثر مما يشعر بفرحة العيد.

أما إذا كنت جزائريا أو مغربيا فالويل لك. كل طموحاتك تصطدم بصخرة يسمونها الصحراء أو يسمونها البوليساريو، وبسببهما تعيش الجزائر حالة حرب، وتخسر حالة الاستقرار والتنمية والتعاون. وتعيش المغرب حالة حرب تستنزف إمكانات الاستقرار والتنمية والتعاون. ويطل شعار الانفصال برأسه، بينما تتجه كل دول العالم نحو الاتحاد والوحدة، ولا يستطيع مشروع «الاتحاد المغاربي» أن يطل برأسه. وعلى الرغم من إمكانات الجزائر، وعلى الرغم من إمكانات المغرب، فإن رمال الصحراء تلتهم فرحة العيد حين يأتي، ولا يستطيع حتى الأهل والأقرباء أن يلتقوا عبر الحدود المغلقة، ليقول أحدهم للآخر: كل عام وأنت بخير.

أما إذا كنت لبنانيا، فحدِّث ولا حرج، والحديث يطول. من «البكاء» والجدل حوله، إلى الانفجارات المفاجئة في الأحياء، إلى الجواسيس، إلى قضية شهداء الزور، إلى الاعتداءات الإسرائيلية، إلى سلاح المقاومة الذي يدور الجدل حوله بين الفخر والإدانة.

وأما إذا كنت فلسطينيا، فحدِّث ولا حرج، والحديث يطول. من ثورة انتهت قابعة في حضن الاحتلال، إلى ثورة يمولها خصومها، إلى ثورة بدأت تفتخر ببناء نظام بوليسي برع في مواجهة الفدائيين واعتقالهم والقضاء على نشاطهم.

ثم يأتي العيد إلى لبنان، وإلى فلسطين، وكأنه يوم حسرة لا يوم فرح.

ومن العراق إلى فلسطين، مرورا بالسودان واليمن والمغرب والجزائر ولبنان، تجد الأميركي يقف متربصا عند كل منحنى وعند كل زاوية، تجده يعلن باسم هيلاري كلينتون أنه قائد العالم، أي أنه قائد كل هذه المشكلات، أو العاجز عن حل كل هذه المشكلات، فيصبح بذلك المسؤول الأول عن ضياع فرصة العيد.

أما القائد العربي، فمن حقه أن يحكم بلده هادئا مطمئنا، ولكن هل يستطيع القائد العربي أن يحكم بلده الصغير متجاهلا كل هذا الذي حوله؟ شرط الحكم، وشرط القائد، أن يلقي نظرة على الأفق، وأن يتعامل مع الأفق وما وراء الأفق، لكي يستطيع أن يحكم بلده الصغير، وإلا... وإلا فإن تلك المشكلات البعيدة ستمتد بآثارها إلى بلده.

وكلنا في الانتظار لكي نسمع أمنية غير مستحيلة تقول لنا: كل عام وأنتم بخير.

===========================

هل في استطاعة الحكومة اللبنانية نسف المحكمة؟

خيرالله خيرالله

الرأي العام

12-9-2010

يبدو الخائفون من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مصممين على أمر واحد هو نسف المحكمة ليس إلاّ. يفترض بهؤلاء إدراك أن ذلك ليس ممكناً بالصراخ. الصراخ لا يلغي المحكمة الدولية التي تنظر في جرائم ذات طابع إرهابي على رأسها جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي تلتها أو مهّدت لها. المحكمة مستمرة، وأي كلام عن «شهود الزور» لا معنى له نظراً إلى أن أحداً لم يحدد بعد من هم شهود الزور. الأهمّ من ذلك، أن المدعي العام للمحكمة نفسها لم يسرب أي معلومات تتعلق بوجود شهود زور أو عدم وجود هؤلاء، كما لم يحدد موعداً لصدور القرار الاتهامي. وهذا يعني في طبيعة الحال أن الأمر كله مقتصر على تكهنات ومحاولات تستهدف الضغط على الحكومة اللبنانية من أجل أن تعمل على التخلص من المحكمة. هل في استطاعة الحكومة اللبنانية نسف المحكمة التي بات «حزب الله» يعتبرها إسرائيلية؟

ربما لدى الحزب، الذي يمتلك ميليشيا مسلحة تشكل لواء في «الحرس الثوري الإيراني»، أسبابه الخاصة التي تدفع في اتجاه الضغط من أجل التركيز على إسرائيل في التحقيق في اغتيال الحريري. تبقى إسرائيل، إلى اشعار آخر، المكان المفضل لممارسة عملية الهروب إلى أمام من جهة، ورفض الاعتراف بأن على الطرف العربي، أي طرف عربي حتى لو كان تابعاً لإيران، تحمل مسؤولياته ومواجهة الواقع كما هو بدل السعي إلى تجاهله عن طريقة ممارسة لعبة التذاكي وافتعال صدامات داخلية من جهة أخرى.

في النهاية، لا يمكن للمحكمة الدولية سوى أن تتابع سيرها. المحكمة ولدت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب قرار اتخذ تحت الفصل السابع. ولذلك، يمكن القول ان الرئيس سعد الحريري كان عاقلاً عندما بذل كل ما يستطيع من أجل الفصل بين سير التحقيق وعمل المحكمة من جهة، وموقفه الشخصي من جهة أخرى. فسعدالدين رفيق الحريري رئيس لمجلس الوزراء في لبنان. وفي اللحظة التي قبل فيها أن يكون في هذا الموقع، بدأ يتصرف بصفة كونه على رأس حكومة «وحدة وطنية» يتوجب عليها أوّلاً حماية مصالح لبنان والفصل بين المحكمة والعلاقة مع كل من سورية وإيران وتوابعهما في لبنان.

من هذا المنطلق، امتلك سعد الحريري ما يكفي من الشجاعة ليتحدث عن «أخطاء» ارتكبت في مرحلة معينة وليضع ما يسمى قضية «شهود الزور» في نصابها، وليؤكد أهمية العلاقة مع سورية والسوريين. وحده التحقيق الدولي سيثبت ما إذا كان النظام السوري متورطاً أم لا في اغتيال رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي استهدفت اللبنانيين الشرفاء الذين يمثلون الوجه المشرق للعروبة في هذا الزمن العربي الرديء. وحده التحقيق الدولي سيظهر ما إذا كان «حزب الله» على علاقة ما بالجريمة والجرائم الأخرى بدءاً بمحاولة اغتيال مروان حماده في الأول من اكتوبر 2004 بواسطة سيارة مفخخة... أم انه بريء من ذلك.

المهم في نهاية المطاف صدور القرار الاتهامي الذي سيحدد من وراء الجريمة والجرائم الأخرى. يكفي صدور القرار كي يعرف اللبنانيون أن جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي تلتها لم تمر ولن تمر كما مرت عمليات الاغتيال التي كان لبنان مسرحاً لها منذ العام 1977 حين استُهدف كمال جنبلاط لأسباب ليست خافية على أحد...

تكمن أهمية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في أن المجتمع الدولي أخذ على عاتقه وضع حدّ للجرائم التي ترتكب في الوطن الصغير والقاء المسؤولية على طرف لا علاقة له بها من قريب أو بعيد. هل من يريد أن يتذكر الاعتداءات التي استهدفت قرى مسيحية في الشوف بعيد استشهاد كمال جنبلاط؟ اغتيل مسيحيون وقتذاك ودمرت منازل بهدف تعميق الشرخ الطائفي في لبنان والتغطية على المجرم الحقيقي الآتي من خارج الحدود.

ليس لبنان وحده معنياً بالمحكمة الدولية. المحكمة مسألة مرتبطة بالعدالة الدولية واسسها، علماً بأنّ هناك من يعترض عليها. هل هناك عدالة دولية أم لا... هل يظل لبنان استثناء؟ ما على المحك يتجاوز لبنان وحدوده بكثير. فانهيار المحكمة الدولية يعني انهيار كل المحاولات الجارية لملاحقة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة ودول افريقية عدة من ليبيريا، إلى سييراليون، إلى رواندا، إلى السودان...

ستبذل جهود كثيرة للتخلص من المحكمة الدولية. حين يجد «حزب الله» نفسه مضطراً إلى التزام الهدوء، سيحرك أدواته من مستوى النائب ميشال عون، وما شابه ذلك من أيتام النظام الامني- السوري - اللبناني الذين يستخدمون عادة في حملات تغطية كل أنواع الجرائم في حق لبنان واللبنانيين. ستكون صدامات في الشمال والجبل والجنوب وستستهدف القوات الدولية في جنوب لبنان مجدداً عن طريق «الأهالي». سيستخدم السلاح، كما حصل أخيراً في برج أبو حيدر، لتأكيد أن بيروت مدينة محتلة. سيٌستفز سعد الحريري يومياً إما عن طريق الحملات ذات الطابع الشخصي مثل تلك الحملة التي شنها عليه الأمين العام ل «حزب الله» بسبب تفقده آثار العدوان على مسجد لأهل السنّة في برج أبو حيدر، أو عبر ابتزاز الحكومة بطريقة مبتذلة يمارسها الوزراء والنواب العونيون، ومن على شاكلتهم من الذين لا يخجلون من تبرير الاعتداءات على المواطنين العزل في بيروت والمناطق اللبنانية الأخرى بواسطة سلاح ميليشيوي. ستستخدم كل أنواع الأسلحة لتهديد المحكمة بما في ذلك المس بالسلم الأهلي في الوطن الصغير. مشكلة الذين يخافون المحكمة أنهم لا يدرون أن الضغط على لبنان وحكومته لا يفيد في شيء. مشكلتهم أنهم لا يعرفون شيئاً عن العالم وعن التوازنات الإقليمية والدولية. مشكلة هؤلاء أنهم لا يعرفون أيضاً أن في الإمكان قلب الطاولة على الجميع في لبنان من دون أن يعني ذلك سقوط المحكمة. قلب الطاولة شيء والتخلص من المحكمة الدولية شيء آخر. سقوط الحكومة شيء وسقوط المحكمة شيء آخر. العالم تغيّر. هل من يريد أخذ العلم بذلك وأن اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 لن يمرّ مثلما مرّ اغتيال كمال جنبلاط في العام 1977... أو بشير الجميل في العام 1982، أو رينيه معوض في العام 1989!

كاتب لبناني مقيم في لندن

===========================

مراكز التفكير الأميركية... نتائج إخفاقات كارثية

السبت, 11 سبتمبر 2010

إميل أمين

الحياة

ضمن قضايا متعددة تضمنها كتاب «أوضاع العالم 2010» الصادر عن دار النشر الفرنسية La Decouverte والذي يشرف عليه برتران بادي، ودومينيك فيدال، يصدمنا فيليب دروز فنسان، عالم السياسة الفرنسي، بتساؤله: هل أخفقت مراكز التفكير الأميركية؟ والبحث عن جواب في واقع الأمر عملية مركبة تتطلع الى توصيف كينونة مراكز الأفكار وأدوارها، وهي ثانياً تطرح سؤالاً حول: لماذا يرى المفكر الفرنسي أنها أخفقت أو في طريقها لذلك؟

المقطوع به ان التساؤل عن ماهية مراكز- خلايا التفكير الأميركية هذه يقودنا ولا شك الى قضية أكثر عمقا تتعلق بعملية صناعة القرار الأميركي والقوى الحقيقية الفاعلة والمؤثرة التي تقف خلفها وبخاصة من قبل جماعات بلورة الأفكار وطرح الرؤى والتنبؤ بالمستقبليات ورسم الاستراتيجيات.

والثابت انه إذا كان ملوك ورؤساء العصور القروسطية قد اتخذوا من المستشارين ناصحين ومشيرين لهم بشكل فردي، فان الحراك العصري الحداثي قد جمع هولاء في مراكز الأفكار بصورتها الآنية في ما يعرف بال Think Tanks.

وعند السياسي والديبلوماسي والمنظر الأميركي الشهير ريتشارد هاس ان مؤسسات الفكر والرأي هي مؤسسات مستقلة تم إنشاؤها لهدف إجراء الأبحاث وإنتاج معارف مستقلة متصلة بالسياسة، وهي تسد فراغا في غاية الأهمية بين العالم الأكاديمي من جهة وعالم الحكمة من جهة ثانية.

والشاهد ان تلك المراكز وإن تأسس بعضها في بدايات القرن العشرين مثل «مجلس العلاقات الخارجية الأميركية» في نيويورك، فان ازدهارها حصل في النصف الثاني من القرن العشرين، أما أوج تجلياتها فكان في تسعينات القرن الماضي لتبلغ ذروتها بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، إذ دعم العديد منها، مثل «المعهد الأميركي للدراسات السياسية» القريب من المحافظين الجدد و»مؤسسة بروكينغز» الأقرب الى الديموقراطيين وغيرهما خطط الرئيس بوش لمقارعة العرب والمسلمين انطلاقا من أنهم باتوا أشرار القرن الذين يتوجب مقاتلتهم قبل ان تتكرر أحداث نيويورك وواشنطن.

والحق انه لا يهم ما في أطروحات هولاء من زيف أو ما تتضمنه من حقائق، بقدر ما باتت الوقائع تشير الى ان هذه الخلايا الفكرية أضحت قاطرة تقود الإعلام الأميركي الداخلي وتؤثر كذلك على الرؤية الغربية بشكل عام تجاه القضايا المصيرية، وتحديداً في مجالات الحروب والعلاقات الحضارية تصادماً أو تحاوراً.

لماذا يرى فيليب دروز فنسان حالة إخفاق تحوم حول خلايا التفكير الاميركية؟

يدلل الرجل بواحدة من أشهر واخطر ما عرفه عالم تلك الخلايا، أي وثيقة إطلاق «مشروع القرن الأميركي الجديد» PNAC (إعلان المبادئ في حزيران/ يونيو 1997)، وهو خلية تفكير صغيرة ضمن المعهد الأميركي للدراسات السياسية، والمجلة الأسبوعية «ذي ويكلي ستاندرارد»، تحمل تواقيع دونالد رامسفيلد، وديك تشيني، وبول وولفوفيتز، ولويس ليبي، الخ... هولاء الذين أصبحوا لاحقاً أعضاء مهمين في الإدارة الجديدة، وقد نشرت الخلية على موقعها الالكتروني منذ العام 1998، مواقف حيال العراق نفذها الرئيس بوش لاحقاً. وأوسع من ذلك أنها مثلت رؤية تقضي باستخدام القوة العسكرية لتخدم دور الولايات المتحدة الأميركية، وهو دور توحي به التسمية بحد ذاتها: مشروع القرن الأميركي الجديد.

على ان علامة الاستفهام التي ترتفع الى أعلى عليين: ماذا عن حظوظ نجاحات أو إخفاقات ما جاء في وثيقة القرن؟

يرى فنسان ان هناك فشلاً كبيراً ثبت لجهة الأفكار المناقشة في خلايا التفكير والمقدمة وفقاً لتسلسلات ميكانيكية ذات نتائج متراكبة بشكل تام، وتذهب في اتجاه واحد مرغوب فيه تتراوح بين نشر الديموقراطيات وإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير، وتمكين حكومة عراقية ديموقراطية، وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي... لكن الحقائق على الأرض أكدت ان البون شاسع بين الرؤى التنظيرية وبين النتائج الكارثية التي تتصدر المشهد الآني عربياً وشرق أوسطياً.

وفي كل الأحوال يمكننا ان نتساءل: هل ارتباط مراكز التفكير الأميركية بمؤسسات القوة في الولايات المتحدة بداية النهاية لأي موضوعية بحثية علمية مجردة عن الأهواء ومنزهة عن المصالح واللوبيات؟

المقطوع به ان نشوء خلايا تفكير ترتبط بتمويل قوات الجو الأميركية مثل مؤسسة «راند»، أو مقربة من وزارة الدفاع الأميركية ك»مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية»، يفقدها الكثير من صدقيتها الفكرية، ولعل هذا ما دعا مجلة «ايكونوميست» البريطانية لأن تشير في عددها الصادر في شباط (فبراير) 2003 الى ما سمته «هجمة دبابات الفكر» في إشارة واضحة الى التحالفات الجديدة بين الفكر والسلاح في ظروف عالمية طارئة.

فعوضاً عن إنتاج كتب ودراسات لحل مشكلات العالم المعقدة مثل العنف، أو التغير البيئي والتوازنات بين الشرق والغرب والعلاقات الدولية الحديثة وما بعد العولمة، بات الشاغل الأكبر لنسبة متقدمة منها هو تهييج القوة الأميركية واستثارتها حتى تندفع أبعد كل يوم على طريق الحرب. وما يصدر عن البعض منها ويتقاطع مع السجال الدائر حول برنامج إيران النووي يدلل على صدق ما نقول. يكفي ان نشير هنا الى ان مركز المشروع الأميركي «أميريكان انتربرايز» هو الذي سك وأشاع تداول تعبير «الدول المارقة»، وهو تعبير فكري أدبي لم يلبث ان أضحى إستراتيجية حرب.

فهل هي بداية النهاية لسطوة التفكير الأميركي وموعد ظهور انساق بحثية ودراسية متحررة من ربقة رأس المال وسطوة المجمع الصناعي العسكري والأدلجة الفكرية والاختراقات الدينية اليمينية في سموات الحياة السياسية والفكرية الأميركية؟

* كاتب مصري.

===========================

الأزمة السياسية في العراق تضع الديموقراطية في مهب الريح

السبت, 11 سبتمبر 2010

حميد الكفائي *

الحياة

الأزمات السياسية لا تمر من دون ثمن قد يكون باهظاً في بعض الأحيان، فهي تربك الاقتصاد والأمن والنظام العام وتزعزع التماسك الاجتماعي حتى في الديموقراطيات المستقرة، والأزمة السياسية التي يمر بها العراق حالياً قد ساهمت في زعزعة الثقة بالنظام الديموقراطي وقلصت من فرص الاستقرار والتطور الذي كان يأمل به عراقيون كثيرون. كما أنها أضرت بسمعة السياسيين العراقيين، خصوصاً أولئك المتشبثين بالسلطة على رغم تفوق منافسيهم عليهم في الانتخابات، وأضعفت شعبيتهم بل وفضحت الازدواجية في خطابهم السياسي من أنهم لا يسعون إلى مصلحة شخصية وأن مصلحة العراق هي دائماً نصب أعينهم. كما فضحت إدعاءاتهم السابقة بأنهم غادروا الطائفية وتبنوا خطاباً وطنياً خصوصاً بعد إطلاقهم إدعاءات طائفية جديدة مثل «أحقية الشيعة» في تشكيل الحكومة على رغم أن كل المتصدين لرئاسة الوزراء حالياً هم من الشيعة.

لو أن الأضرار اقتصرت على ما تقدم لسهل الأمر، لكن المشكلة الأكبر تكمن في تأثيراتها السلبية البعيدة الأمد على التماسك الوطني والاقتصاد والثقافة ومضاعفات ذلك كله على مستقبل البلاد. كثيراً ما قادت الأزمات السياسية إلى إنقلابات وضياع للحريات في بلدان عديدة. مخطئ من يظن أن عصر الإنقلابات قد ولّى إلى غير رجعة. وإن تفحصنا التاريخ الحديث لوجدنا أن الإنقلابات العسكرية والثورات الشعبية هي نتيجة متوقعة للأزمات السياسية والاقتصادية وسوء الإدارة لأنها تقدم مسوغاً لطلاب السلطة من الأقوياء كي يستولوا على مقدرات البلاد، وهذا ما حصل على مر التاريخ. هناك دول مستقرة انتكست الديموقراطية فيها بسبب الأزمات والتناحرات السياسية، ولنا في تركيا خير مثال إذ اضطر الجيش إلى تولي السلطة عدة مرات كان آخرها عام 1980 بسبب فشل السياسيين في إدارة البلاد وتقديم قيادة تتمتع بتأييد الغالبية. وقد حصلت تطورات ممثالة في اليونان والارجنتين والفلبين ونيجيريا والبرتغال وأسبانيا والباكستان التي ظلت تتأرجح بين الانقلابات والانتخابات منذ تأسيسها وكان آخر انقلاب فيها قاده الجنرال برفيز مشرف عام 1999. بل وحتى الهند، الدولة الوحيدة في العالم الثالث التي تتمتع بنظام ديموقراطي متواصل منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1947، اضطرت الى تعطيل النظام الديموقراطي وإعلان الأحكام العرفية من أجل السيطرة على الأزمة السياسية والطائفية في أواسط السبعينيات. ولا ننسى العراق الذي كان يتمتع بنظام ديموقراطي استمر 37 سنة حتى استولى الجيش على مقاليد الأمور في 14 تموز (يوليو) 1958 بسبب الصراع على السلطة. فالأزمة السياسية الحالية قد تفتح أبواباً كثيرة للغموض وانعدام الاستقرار، منها الانقلابات المسلحة وتزايد نشاط المليشيات إضافة إلى الانقسامات الطائفية والعرقية وضياع فرصة الرخاء الاقتصادي، وكل هذا ممكن في ظل غياب ضامن قوي لاستمرار الديموقراطية.

الترشيحات الكثيرة لمنصب رئيس الوزراء لا تساهم هي الأخرى في حل الأزمة، خصوصاً مع وجود قائمة فائزة ونص دستوري يوضح من يجب أن يكلَّف بتشكيل الحكومة. ليس هناك جدوى من أن تقدم القوائم الأصغر مرشحين لرئاسة الوزراء لأنهم لن ينجحوا في تشكيل الحكومة بسبب تجاوزهم لحقوق الآخرين. إصرار الكتلتين الشيعيتين على أن يكون رئيس الوزراء منهما هو تجاوز للحق الديموقراطي للقائمة العراقية وضربة في الصميم للوحدة الوطنية التي تقتضي إقامة العدالة والمساواة بين أبناء البلد الواحد وعدم التمييز بين الناس على أسس طائفية. كل الأحزاب والقوائم السياسية كانت تتغنى بالعداء للطائفية قبل الانتخابات لكن بعضها لا يستحي الآن من المطالبة علنا بتخصيص هذا المنصب أو ذاك لهذه الطائفة أو تلك. ليس هناك نص دستوري في أي بلد ديموقراطي على أن يكون الشخص المتصدي لمنصب معين منتمياً لمذهب معين، إلا اللهم الدستور الإيراني الذي يشترط أن يكون الرئيس من أتباع المذهب الجعفري، وهذه سابقة خطيرة وسيئة يجب ألاّ يقتفي أثرها أحد. وحتى في لبنان، الذي دائماً ما يوصف نظامه بالطائفي، فإنه ليس هناك نص في الدستور يشترط أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الوزراء سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً. إنه تقليد اتبعه الساسة اللبنانيون وهم يفكرون الآن جدياً بتغييره بسبب الأضرار البالغة التي ألحقها بالتماسك الوطني والاقتصاد لأن النظام الطائفي لا يعتمد الكفاءة والخبرة كأساس لإشغال المناصب بل الولاء لزعماء الطوائف. وفي كل الأحوال، فإن ما يعنينا هو الدستور العراقي الذي يخلو من أي إشارات طائفية في ما يتعلق بالمناصب، والشعب العراقي الذي رفض الطائفية بكل أشكالها وبرهن على ذلك بقوة في الانتخابات الأخيرة التي أظهرت تراجع تأييد القوائم الطائفية وتنامي تأييد القوائم ذات الخطاب الوطني العلماني. ما كانت قائمة دولة القانون لتحقق ما حققته من مكاسب نيابية إلا لأنها تبنت خطابا وطنيا معاديا للطائفية، وقد انتمى إليها كثيرون على هذا الأساس، لكن تراجعها عن استحقاقات هذا الخطاب يعتبر انتكاسة للديموقراطية وحقوق الإنسان وهو بالتأكيد سوف يضرها سياسياً.

لن تُحَل الأزمة الحالية إلا عندما تعترف الكتل السياسية بحق الفائز الأكبر في الانتخابات في تشكيل الحكومة بحسب نص الدستور. الزمن وحده لن يحل الأزمة بل قد يزيدها تعقيداً، وتعنت بعض السياسيين وتمسكهم بمواقفهم سوف يفقدهم المزيد من المواقع. قائمة دولة القانون ستخسر كل مواقعها ومكاسبها إن لم تشترك في الحكومة المقبلة لكنها لن تستطيع أن تشكل الحكومة مع وجود معارضة قوية من الكتل السياسية الأخرى. قائمة الإئتلاف الوطني لن تتمكن من تشكيل الحكومة لأنها القائمة الثالثة من حيث الحجم لكن بإمكانها أن تحل الأزمة عبر التخلي عن «التحالف الوطني» والتحالف مع القائمة الفائزة. القائمة العراقية لن تعترف بأي حل يحرمها من حق تشكيل الحكومة الذي اكتسبته بأصوات الناخبين، والقوائم الأخرى لن تستطيع أن تشكل الحكومة من دونها وإن فعلت فإنها تخاطر فعلاً بمستقبل العراق ووحدته الوطنية ومصالح العراقيين الذين يتوقون إلى الاستقرار والعيش الكريم بعد طول معاناة. أما قائمة التحالف الكردستاني فإنها رسمياً تقف على الحياد وتبحث عمن يحقق لها أكبر المكاسب، لكن عليها مسؤولية أيضا في تخليص البلاد من الأزمة الحالية عبر إسناد الفائز الأكبر.

الأزمات السياسية المتكررة أوجدت بمرور الزمن مجاميع سياسية متعددة يتوق زعماؤها إلى الموقع الأول في الدولة ويصرون على بلوغ طموحاتهم مهما كان الثمن، وهذا أمر في غاية الخطورة. نجاح الديموقراطية يقتضي من السياسيين أن يتعلموا فن التنازل والتخلي عن الطموح الشخصي والسعي لكسب المواقع عبر نشاطات أخرى والانتظار حتى تسنح فرصة جديدة لتحقيق الطموح، وفي خلاف ذلك فإن مستقبل الديموقراطية في مهب الريح.

* كاتب عراقي.

===========================

حين يكون التفاوض غطاء للجريمة الكبرى

بقلم :جلال عارف

البيان

12-9-2010

إذا كان سلام فياض رئيس وزراء السلطة الفلسطينية (وهو من هو في صف الاعتدال) يعلن مقدماً أن الفشل هو المصير المرجح للمفاوضات مع حكومة نتنياهو.. فمن الذي يستطيع الرهان علي نجاح هذه المفاوضات؟!

 

وإذا كان محمد دحلان (بكل مواقفه السابقة) لا يرى في نتنياهو إلا «النصاب الذي لا يريد السلام والذي دمر العملية السلمية في السابق وسيدمر ما تبقى منها وسيجلب الخراب على كل المنطقة».. فمن الذي يملك أن يتوقع أي نتائج ايجابية من التفاوض مع هذا النصاب؟!

 

لقد ذهب أبو مازن للمفاوضات المباشرة ؟ كما قال ؟ لأن الضغوط الأميركية عليه كانت لا تحتمل، وكان المبرر الذي ذهب به لهذه الاحتفالية ولبدء التفاوض المباشر، إنه «ليس لديه ما يخسره» بذهابه، سواء فشل التفاوض (وهذا هو المرجح) أو نجح.. وهو منطق يعرف أبو مازن نفسه أنه غير صحيح، وإلا ما كان قد حاول مقاومة الانجرار إلى هذا التفاوض حتى اللحظة الأخيرة.

 

الخسارة وقعت بالفعل بفتح الباب لاستئناف الاستيطان ولو بحلول وسط تسعى إليها الإدارة الأميركية التي ورطت نفسها فيما لا تقدر عليه، حين طلبت بحسم الإيقاف الكامل والفوري للاستيطان، فكانت النتيجة أن تراجعت وقبلت- لحفظ ماء الوجه  التجميد المؤقت لعشرة شهور، وهي تريد الآن أن تخرج من ورطتها بحل يرضي نتنياهو ويحافظ على حكومته، وبموافقة فلسطينية تفقد الفلسطينية هذه الورقة التي كانت ستصلح خطأ عمره من عمر اتفاق أوسلو الذي سمح بالتفاوض في ظل الاستيطان.

 

والخسارة وقعت بالفعل بإهداء فرصة لنتنياهو وحكومته للخروج من حصار عالمي يندد بجرائم إسرائيل ويشدد من مقاطعتها على كل الأصعدة، فإذا بالقيادة الفلسطينية ؟ تحت الضغط الأميركي ؟ تعطي الفرصة لنتنياهو ليظهر كطرف باحث عن السلام مستعد لتقديم «التنازلات المؤلمة !!» وليس كممثل لأبشع احتلال عنصري على العالم كله أن يتصدى لاجتثاثه!!

 

والخسارة وقعت بالفعل، فقد كان موقف الرئيس الفلسطيني برفض التفاوض المباشر في ظل الاستيطان وبدون التزام واضح بإنهاء الاحتلال واستعادة حقوق اللاجئين، موقفاً يمكن أن يمثل أساساً لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية ويدفع بجهود المصالحة إلى الإمام، فإذا بالصف الفلسطيني يمضي إلى المزيد من الانقسام والشرذمة مع استئناف التفاوض المباشر الذي عارضته كل الفصائل الفلسطينية داخل وخارج المنظمة، والذي يهدد بانقسام «فتح» نفسها التي تعارض غالبيتها ما حدث، وتذهب الأقلية مع أبو مازن للتفاوض وهي تقول «اطمئنوا.. المفاوضات ستفشل والحمد الله»!!

 

والخسارة وقعت بالفعل، حين يتحول الحديث من اتفاق علي «حل نهائي» يقيم الدولة الفلسطينية وينهي الصراع ويحقق السلام الذي هو «مصلحة أميركية» بقدر ما هو مصلحة لشعوب المنطقة.. إلى حديث عن «اتفاق مرحلي» أو «إعلان مبادئ» يجري التفاوض علي بنوده وتفاصيله في سنوات، لينتهي إلى ما أعلنه وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان بأن الحل هو «تسوية مؤقتة طويلة الأمد لأن التوقيع على اتفاقية سلام شاملة هو هدف غير متاح لا في السنة القادمة ولا حتى في الجيل المقبل»!!

 

والخسارة وقعت بالفعل حين لم يكتف الرئيس الأميركي بكل تراجعاته عن وعوده السابقة بموقف عادل من القضية، ولا باستسلامه أمام نتنياهو واللوبي اليهودي، ولا بمكافأة إسرائيل بصفقة سلاح تزيد قيمتها على ثلاثين مليار دولار في السنوات العشر القادمة، وإنما يقف في «الاحتفال» ببدء التفاوض ليكرر للمرة الثانية خلال أسابيع حديثه المؤيد ل«يهودية» الدولة الإسرائيلية، وهو المطلب الذي جعله نتنياهو شرطاً لأي تسوية للصراع مع الفلسطينيين.

 

صحيح أن أبو مازن أشار في خطابه في نفس «الاحتفال» إلى أن الاعتراف المتبادل تم بين عرفات ورابين في بداية مسيرة أوسلو الفاشلة ولم يكن بالطبع يتضمن شيئاً عن «يهودية» الدولة الإسرائيلية التي يعرف أبو مازن كما يعرف نتنياهو وأوباما أنها تعني إسقاط حق العودة وتهدد وجود عرب 48 على أرضهم وفي وطنهم.. ولكن هذا لم يمنع نتنياهو أن يمضي في الشوط لآخره فيعلن فور عودته أن «فلسطينيي الداخل لابد أن يكونوا جزءاً من التسوية النهائية»..

 

ولا يعني ذلك فقط أن يتخلوا عن هويتهم القومية أو أي احتمال للانضمام إلى الدولة الفلسطينية (إذا قامت !!).. ولكنه يعني في الأساس بدء حرب الترانسفير لترحيلهم.

 

ورغم أن نتنياهو يعرف أن أبو مازن أو غيره في السلطة الفلسطينية ليسوا المؤهلين للحديث بالنيابة عن عرب 48، فإن ما يريده هو تحويل الاعتراف الأميركي ب«يهودية الدولة الإسرائيلية» إلى غطاء لتمرير مخطط الترحيل الجماعي لفلسطينيي الداخل والخلاص من الكابوس الديموغرافي الذي يمثلونه.

 

وهكذا يقحم فلسطينيي الداخل على مائدة التفاوض، ليس فقط لنسف المفاوضات أو وضع العراقيل أمام الحل، وإنما ليفتح الباب أمام الجريمة الأخطر حين يخرج القانون الجاهز والمؤجل الذي يفرض على عرب الداخل يمين الولاء للدولة «اليهودية» والخدمة في جيشها والتخلي عن أي رابط لهم بفلسطين أو العرب.. أو الطرد من وطنهم.

 

نتنياهو هنا لا ينسف المفاوضات، فقد نسفها قبل أن تبدأ، وكل الأطراف تعرف ذلك !! إنه هنا يفتح أبواب جهنم، ويبدأ الفصل الأخطر في تصفية القضية الفلسطينية، والكارثة الحقيقية أن يتمكن من السير في تنفيذ مخططاته وهو جالس على مقعد المفاوضات ينشر الأوهام الكاذبة حول التسوية السياسية، ويجد من يعطيه التغطية اللازمة ليخدع العالم بصورة الباحث عن السلام، المستعد ل«التنازلات المؤلمة»!!

كاتب صحافي مصري

===========================

المنطقة والحواجز الممنوعة

بقلم :د. محمد سلمان العبودي

البيان

12-9-2010

ترى إلى متى ستستمر لعبة الشد والجذب بين الشقيقتين الجارتين قطر والبحرين في المياه الإقليمية لكل منهما؟ فالدولتان أولا جارتان جغرافيا شاءتا أم أبتا وذلك منذ أن تشكلت قارات الأرض، وثانيا تربطهما علاقات تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية تعود إلى مئات السنين الماضية.

 

صحيح أن النزاع فيما بينهما هو أيضا قديم جدا ويعود إلى نهايات القرن الثامن عشر مع بدايات تشكلهما، إلا أن التفاهم الأخوي يظل الملجأ الوحيد لوضع حد لأي تدهور ممكن في العلاقات أو تطور غير مرغوب فيه في النزاع.

 

ومن الملاحظ أن معظم النزاعات التي نشأت أو قد تنشأ بين دول الخليج تعود أسبابها إلى خلاف على الحدود قد يصل أحيانا إلى استخدام المسطرة المدرسية الدقيقة في حساب طولها وعرضها.

 

وأن هذه الخلافات المفبركة تعتبر واحدة من بين العديد من مخلفات الإرث الاستعماري البريطاني للمنطقة في الستينيات حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي والذي قام على مبدأ (فرق تسد) على العكس تماما من تعاليم الإسلام السمح الذي كان يدعو إلى الوحدة والاتحاد والتعاون والتآزر (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) حتى في زمن الفتوحات الإسلامية الأولى، حين كانت التعاليم تصدر من الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) إلى قادة جيوشهم باحترام الشعوب التي يفتحها المسلمون، في الوقت الذي كان فيه الغرب يعيش حالة من الهستيريا والجهل والتخلف والهمجية والفوضى وعدم احترام الأجناس الأخرى خاصة في أوقات الحروب.

 

اليوم نحن ندفع ثمن تنفيذ المخططات الاستعمارية المتواصلة باعتبار أن كل ما يأتي من الغرب حري باتباعه، ونرفض العمل بتعاليم الإسلام باعتقاد أنها تعود إلى زمن غابر. ولهذا السبب نقع في مثل ما يحدث بيننا، بل حتى ما بين العديد من الدول العربية - فيما يتعلق بترسيم الحدود الجغرافية لكل منها.

 

في عام 1981 وفي شهر مايو منه، أنشئ مجلس التعاون الخليجي. واعتقدنا بأن مسائل الخلافات الحدودية بين دول المنطقة ستزول فورا، خاصة وأن المنطقة بدأت في ذلك الوقت تشهد أحداثا مقلقة تحولت إلى صدام دموي بين عملاقين كبيرين: إيران والعراق.

 

وشكل قيام مجلس التعاون في تلك اللحظة ترسانة نفسية لأهالي المنطقة الذين عاشوا على النية الطيبة والأمل بمستقبل يحلم بثرائه بعد أن تفجرت الأرض من تحت أقدامهم نفطا وأسقطت السماء عليهم ذهبا. وتنفسوا الصعداء بعد أن حطت الحرب أوزارها.

 

غير أن الآمال باستقرار المنطقة لم تستمر طويلا بعد نهاية حرب الخليج الأولى التي كان سبب اندلاعها ليس الخلاف على كيفية تحرير القدس، بل خلاف على الحدود حيث كان الذهب الأصفر يجري من تحت هذه الحدود.

 

وما انتهت الأولى حتى انفجرت حرب الخليج الثانية، فغزت العراق العربية المسلمة الكويت الجارة العربية المسلمة، وشرد أهلها في شتى بقاع الأرض، واحترقت آبار نفط دولة الكويت حتى امتدت أدخنتها السوداء من ميناء الأحمدي إلى المحيط الهندي وتحول بحر الخليج الذي عاش عليه الأجداد إلى بحيرة مغلقة ملوثة ملغمة غير صالحة للحياة تعيث فيها أساطيل الغرب فسادا. وكان الخلاف هنا أيضا خلافاً على شبر من الأرض بحجم فلينة تطفو على بحيرة من النفط. ودفع الكويت ثمنا باهظا من المال والأرواح، ودفع العراق أكثر من ثمن باهظ:

 

تاريخه ومستقبله ودوره القومي القيادي. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم للعراق قائمة. ولو حكم الطرفان وقتها عقليهما ومصلحة شعبيهما وتنازل أحدهما من جهته عن شيء يسير والآخر من جهته عن شيء بسيط وتقاسما الثروة واستفادا منها لبناء المشاريع وشق الطرق وإقامة المدارس والمستشفيات والمصانع لأصبحتا اليوم يضرب بهما المثل في حل الخلافات العربية العربية بشكل حضاري ونافع. غير أن ما حدث كان غير ذلك.

 

وبات أهالي المنطقة من بعد تلك التجربة المرة وأيديهم على قلوبهم أن لا يريهم الله مكروها ثالثا مماثلا، ونزاعا على الحدود مشابها. ومع ذلك، ورغم أن حلبة الصراع الدامية في الحربين الأولى والثانية كانتا قاب قوسين أو أدنى من أبواب بيوتهم وكادت أن تصيبهم بنيرانها، إلا أنهم لم يتعلموا من غدر التاريخ.

 

وما زلنا نقع في نفس المطب وبنفس السرعة الزائدة. وما زالت الحدود تشكل الهم الأكبر بالنسبة لنا بحيث أصبح بئر النفط العربي أغلى بكثير من بئر الدم العربي. (رحمك الله يا شيخ زايد).

 

نحن كلنا ثقة بأنفسنا وبحكامنا وولاة أمورنا، وشعوب المنطقة كلها تعي مدى خطورة الأوضاع الراهنة المحيطة بها من كل حدب وصوب حسدا على ما وهبها الله من نعمة راحة البال والثراء والاستقرار، ولم يفهموا بعد أن شرارة صغيرة تكفي لإشعال آلاف الآبار من النفط الخام في أقل من ثانية من الزمن، وإذا فرت تلك الشرارة من مكمنها فلن نلوم إلا أنفسنا.

 

بكل تأكيد، فإن أهالي المنطقة وخصوصا في دول مجلس التعاون، هم وولاة أمورهم مؤمنون بأن الحوار والنقاش وتنازل الأخ لأخيه هو السبيل الوحيد لتجنيب شعوبهم ما حل بغيرهم.

 

وأن الخلاف على خط وهمي رسمه لنا المستعمر قبل خمسة عقود مرة على اليابسة ومرة في البحر لن يفصل المواطن الإماراتي عن هموم المواطن الكويتي، ولن يمنع المواطن البحريني من دخول المياه الإقليمية لدولة قطر أو عمان أو السعودية أو الكويت، كيف لا ونحن نرى بأم أعيننا المواطن الأوروبي يجول ويصول ويدخل في حدود 27 دولة أوروبية ؟ لا يفهم لغتها ولا ينتمي إلى دينها ولا إلى عاداتها ولا إلى تاريخها - ويخرج منها حرا كما جاء إليها دون أن يسأله أحد من أين وكيف ولماذا جاء ولا إلى أين يذهب؟

ترى، كم من الوقت يلزمنا حتى نعود إلى ما كنا عليه، على الأقل قبيل مجيء الاستعمار؟

جامعة الإمارات

===========================

العلاقات التركية الأمريكية: لا عودة إلى الوراء

آخر تحديث:الأحد ,12/09/2010

محمد نور الدين

الخليج

شكلت زيارة رئيس الأركان الأمريكي مايكل مولين إلى أنقرة لمدة يومين، محطة لافتة في العلاقات التركية الأمريكية .

 

كثيرون توقعوا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي أن تنتفي أهمية تركيا للغرب وللولايات المتحدة تحديداً، بعدما اختفى العدو الاستراتيجي . وذهب البعض إلى توقع أن يتفكك حلف شمال الأطلسي خصوصاً بعدما حاولت دول الاتحاد الأوروبي إقامة قوة دفاعية عسكرية خاصة بها سارعت الولايات المتحدة إلى وأدها قبل تبلورها، لأنها كانت تريد الإبقاء على صيغة حلف شمال الطلسي للإمساك برقبة الأوروبيين .

 

وكان لتركيا دور مميز ومصيري في مواجهة الغرب للكتلة الشيوعية .

 

ومع أن واشنطن نجحت في اختراع العدو البديل وهو الإسلام، وجاءت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لتعطي زخماً لهذا الخطر الوهمي، فإن الواقع، أن حاجة أمريكا إلى تركيا المسلمة استمرت في اتجاهات أخرى، منها حاجة أمريكا إلى تركيا لملء الفراغ في آسيا الوسطى والقوقاز، حيث كتلة كبيرة من الشعوب ذات الثقافة المشتركة مع تركيا .

 

ومنها أن تركيا ممر إجباري لنقل الطاقة من نفط وغاز طبيعي من حوض قزوين وأذربيجان تحديداً، إلى الغرب في إطار عزل الممرات الروسية وإضعاف روسيا .

 

وبقيت تركيا حاجة أمريكية -”إسرائيلية” للضغط على سوريا، تركيا من الشمال و”إسرائيل” من الجنوب . وكانت تركيا أيضاً متجاوبة مع هذا التحالف بسبب مشكلة حزب العمال الكردستاني واتهام سوريا بدعمها له .

 

لم تبدأ الغيوم بالتلبد في سماء العلاقات التركية -الأمريكية إلا مع حدثين أساسيين:

 

الأول احتلال أمريكا للعراق، إذ لم تصغ الإدارة الأمريكية المتطرفة بقيادة جورج دبليو بوش إلى هواجس تركيا وهي الشريكة معها في حلف شمال الأطلسي، وهي الجارة المباشرة للعراق التي تدرك حساسيات الوضع في العراق وفي الشرق الأوسط أكثر من واشنطن .

 

رفضت تركيا المشاركة في غزو العراق علّ الإدارة الأمريكية تتراجع عن خططها للغزو، فلم يحصل ذلك وجاء الأمريكيون واحتلوا العراق وأشعلوا نيران الفتنة السنية الشيعية، وأخطر من ذلك بالنسبة إلى تركيا قسموا العراق إلى دويلتين عربية وكردية . وهذا كان يعدّ خطاً أحمر بالنسبة إلى الأتراك قبل أن يتموضع الأتراك ويعيدوا انتشار رؤيتهم في اتجاه القبول بالأمر الواقع والاعتراف الضمني بإقليم كردستان .

 

أما الحدث الثاني الذي أفضى إلى توتر العلاقات التركية الأمريكية فهو انتهاج تركيا سياسة جديدة في علاقاتها مع محيطاتها من البلقان وأوروبا إلى القوقاز وآسيا الوسطى ومن البحر الأسود إلى الشرق الأوسط .

 

كان التحول التركي الأساسي في الموقف من القضية الفلسطينية، حيث أظهرت تركيا مواقف مبدئية وإنسانية غير مسبوقة تجاه مظلومية الشعب الفلسطيني ولا سيما في غزة . ورفع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الصوت عالياً وذهب إلى ما لم يذهب إليه أحد عندما واجه وجهاً لوجه رئيس الكيان “الإسرائيلي” شمعون بيريز في دافوس ولقّنه درساً في العدالة والحق والإنسانية .

 

كان من الطبيعي أن ينظر الغرب إلى السياسة التركية الجديدة على أنها”انحراف” عن الخط التقليدي الذي التزمته تركيا وهو التحالف مع “إسرائيل” والغرب ومعاداة محيطاتها كلها .

 

تركيا في الواقع لم تقطع علاقاتها مع الغرب ولا مع الولايات المتحدة ولا مع “إسرائيل” .

 

كل ما أرادت تركيا أن تقوله هو إنها تريد علاقات جيدة مع الجميع، مع أمريكا وأوروبا و”إسرائيل”، ولكن أيضاً مع روسيا واليونان وسوريا وإيران والعراق وكل المحيط غير الغربي لتركيا .

 

وهذا بالضبط ما لم تقبله واشنطن التي لم تكن تريد يوماً شركاء أو حلفاء بل تابعين ومرتهنين وعبيداً .

 

أثبتت تركيا نجاعة سياستها، فنهض اقتصادها ونزعت فتائل التوتر مع معظم جيرانها، وتحولت من بلد محاط بالأعداء إلى بلد محاط بالأصدقاء .

 

وبقدر ما فككت تركيا خلافاتها مع جيرانها أسقطت من يد “إسرائيل” وأمريكا ورقة ابتزازها بحجة وجود هذه الخلافات .

 

وبقدر ما كانت صورة تركيا تكبر وتزداد الثقة بها، كان دور “إسرائيل” يتراجع . وعلى هذا كان العدوان على “أسطول الحرية” وقتل تسعة مدنيين أتراك على متن سفينة مرمرة، عدواناً لتأديب تركيا على سياستها الاستقلالية والمتوازنة، كانوا يريدون لها العودة إلى بيت الطاعة الأمريكي -”الإسرائيلي” .

 

لن تعود العلاقات التركية الأمريكية إلى سابق عهدها أبداً، والأتراك لن يخطئوا مرة ثانية ويرهنوا مستقبل بلادهم بيد حفنة من العنصريين الغربيين المتحالفين مع سفاحي “إسرائيل” .

===========================

قضية فلسطين بين ظلم القريب وخذلان البعيد

آخر تحديث:الأحد ,12/09/2010

محمد الظاهري

الخليج

بادئ ذي بدء يمكن القول إن ثمة محاولات صهيونية غربية جادة ومستمرة لوأد قضية فلسطين، سواء عبر الحيلولة دون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين، أو من خلال المضي في تهويد مدينة القدس، وبناء المستوطنات، وحصار الشعب الفلسطيني الأبي في الداخل، والعمل على مصادرة حق عودة اللاجئين لفلسطينيي الشتات .

 

ورغم متابعتنا هذه الأيام لما يُسمى بإحياء عملية السلام واستئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والصهاينة، عبر وسيط أمريكي يفتقر إلى النزاهة والعدالة، فإن القضية الفلسطينية، تُعد بمنزلة قضية كاشفة لضعف كل من الفلسطينيين والعرب بل والمسلمين . وعلى الرغم من أنها كانت تُطرح في الخطاب السياسي الرسمي العربي على أنها “قضية العرب الأولى” و”القضية المركزية الأولى” للأمتين العربية والإسلامية، فإنها غدت القضية المظلومة الأولى، ليس من قبل الأجانب والأمم المتحدة فحسب، بل من قبل أهلها أولاً، سواء كانوا فلسطينيين أو عرباً ومسلمين .

 

إن الصراع الفلسطيني - الفلسطيني يعد إعلانَ فشل “الديمقراطية الفلسطينية”، كما أن هذا الصراع يثير إشكالية تعثر إن لم يكن إخفاق عملية الإصلاح السياسي في إطار “نظام سياسي” مازال تحت نير الاحتلال، إذ عجزت الحركات أو الفصائل الفلسطينية عن التعايش في ما بينها، ولم تستطع تفعيل مبدأ التعايش مع الآخر السياسي ولو كان فلسطينياً، وما الصراع بين أكبر حركتين فلسطينيتين (فتح وحماس) إلا دليل على هذا الاستنتاج .

 

ومن المفارقات في الحياة السياسية الفلسطينية أنه بالرغم من قيام سلطة فلسطينية في ظل احتلال استيطاني عنصري مدعوم من أكبر قوة في العالم (الولايات المتحدة)، فإن هذه السلطة عانت تفشي الفساد، وانعدام سيادة القانون، وتدني الشعور بخطورة العدو الصهيوني .

 

إن من أهم محددات الصراع الفلسطيني- الفلسطيني: حضور الفساد في مقابل غياب الطُهر الثوري، وقيام صراع على سلطة في ظل مستعمر عنصري استيطاني، وإشكالية ضبابية مفهوم العدو لدى الفصائل الفلسطينية، حيث حضر مفهوم “العدو الوطني” أو الفلسطيني، في مقابل غياب مفهوم “العدو الأجنبي” الصهيوني والأمريكي . إنه يتعين على إخوتنا في فلسطين المحتلة إدراك أنهم في مرحلة الدفاع عن وجودهم وأرضهم المغتصبة، وأن الوقت ليس وقت صراع على السلطة والمغانم .

 

أما على المستوى الإسلامي، فباستثناء الدور التركي (الذي كسر الصمت العربي الإسلامي الرسمي المريب، تجاه العدوان الصهيوني على قطاع غزة) . فإن الحكام المسلمين أيضاً قد خذلوا الفلسطينيين وقضيتهم .

 

تعاني القضية الفلسطينية المظلومة في إطارها العربي - الإسلامي، إشكاليات عدة منها:

 

إشكالية تحول القمم العربية إلى قيعان، فماتزال الأنظمة العربية في حالة “موت سريري”، رغم الأخطار والتحديات المتعاظمة التي تواجه الفلسطينيين والعرب معاً . والمعضلة هنا، أن الجسد العربي فقد الشعور بالخطر، ولم يعد لكل فعل رد فعل في الحالة العربية، ويبدو أن من يهن يسهل الهوان عليه وما لجرح بميت إيلام .

 

صحيح أن ثمة “قمماً عربية” تصدر قرارات، ولكن هذه القرارات لا تتجاوز الحبر الذي كتبت به، والدليل أن هذا التكاثر الفطري للقرارات العربية لم تر النور حتى الآن، وما تعطيل معاهدة الدفاع العربي المشترك رغم صدورها في مطلع خمسينات القرن العشرين، إلا دليل على ذلك .

إشكالية عدم وضوح مفهوم العدو لدى كل من الفلسطينيين والعرب على حد سواء . إن استقراء الحياة السياسية الفلسطينية والعربية يدفع إلى الاستنتاج بعدم وضوح “مفهوم العدو” وضبابيته لدى كل من الفلسطينيين والعرب .

 

إننا نعيش عصر الضعف والانكسار العربي والإسلامي، ومن شواهده: الإصرار على أن السلام خيار استراتيجي رغم غطرسة العدو وجرائمه، والترحيب بالمحتل والتحالف معه .

 

أما الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية فقد كان موقفاً متخاذلاً، حيث نعيش في بيئة دولية، للأسف، غدت القوة فيه فوق الحق، وبات الحق يحتاج إلى قوة تحميه . فالقوي هو الذي ينحت المفاهيم ويصكها، فها هي الولايات المتحدة ترى في حركات المقاومة، سواء كانت مقاومة فلسطينية أو عراقية أو لبنانية على أنها “جماعات إرهابية”، بينما ترى في الكيان الصهيوني بكل جرائمه على أنه “واحة للديمقراطية”!

 

كما أن الأمم المتحدة عجزت عن تحقيق الأمن والسلم الدوليين كما جاء في ميثاقها، بل إن هذه المنظمة الدولية قد اختطفت من قبل الولايات المتحدة، حيث غدت بمثابة المشرعن للعدوان الصهيوني - الأمريكي على حد سواء، وما ازدواجية المعايير في تطبيق قرارات مجلس الأمن، والكيل بمكيالين، بل بثلاثة وأربعة، خاصة تجاه القضايا العربية (فلسطين تحديداً) إنها غطرسة القوة وغرورها .

 

ما العمل؟ رغم معرفة مثلبة الينبغيات، لكن لا ضير من التذكير بضرورة زرع ثقافة المقاومة ورفض الانكسار، والانتقال من ثقافة الشجب والتنديد والهجاء إلى ثقافة الفعل والشعور بالاقتدار السياسي . وتوافر إرادة سياسية تنتقل من القول إلى الفعل ومن الشعار إلى الممارسة، وتحمل المسؤولية بدلاً من إزاحتها عن الذات السياسية، وإعادة تعريف مفهوم العدو، بالنسبة للفلسطينيين، والعرب والمسلمين، والانتقال من الارتجال والتكتيك الآني إلى التخطيط الاستراتيجي والتشوف والاستشراف معاً .

===========================

أميركا والطريق إلى الهاوية

سمير التنير

السفير

12-9-2010

«لقد نشأت فقيراً، وكنت أقود سيارة قديمة، وأعيش على الوجبات المجانية. كان الانسان في أميركا يستطيع الخروج من حالة الفقر الى حالة أفضل. هكذا كانت طريق الملايين من الأميركيين. أما اليوم فنرى أشخاصاً يقودون سيارات يبلغ ثمنها 50 ألف دولار ويعيشون في شقق كبيرة. هذا كان من قبل». هذا ما يقوله وليم فينلي؛ واحد من الأميركيين العاديين.

طريق الأميركيين مختلف اليوم. انه الطريق الى اسفل. الطريق الى الهاوية. لقد خرجت أميركا من قبل، من كافة الأزمات الاقتصادية، خلال العقود الماضية، في كل مرة، أقوى من قبل. وسجل في الخريف الماضي صعود في النمو الاقتصادي. وعادت البنوك الكبرى تسجل أرقاماً قياسية من الارباح. وارتفعت اسعار الأسهم وعادت كما كانت اما أعداد الميلونيريه، فقد زاد بنسبة 17%. وأعلن 40% من أصحاب المليارات التخلي عن نصف ثرواتهم لأعمال الخير وذلك بعد موتهم.

على الرغم من استمرار الأزمة الاقتصادية لا يزال الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء فقرا. والفجوة بين الإثنين تزداد اتساعاً. والحقد على «الناس اللي فوق» ينمو يوماً بعد يوم.

في الولايات الأكثر فقراً في أميركا يسود الاعتقاد ان الحالة تتدهور ويخشى الخبراء ان يظل الاقتصاد الأميركي ضعيفاً لسنوات عديدة قادمة على الرغم من برامج الدعم الحكومية التي لم تمس الكثرة الساحقة من الأميركيين.

يعتقد 70% من السكان ان الانحدار الاقتصادي مستمر. وليس هذا رأي الفقراء فقط، بل شرائح كثيرة من الطبقة الوسطى. لقد ضرب التراجع الاقتصادي الكثير من أصحاب المداخيل الكبيرة، والذين كانوا يؤلفون الكتلة الكبرى من الطبقة الوسطى. ويعتقد أربعة من كل عشرة من الأميركيين انهم لا يستطيعون المحافظة على وضعهم الاجتماعي.

وقد نشرت جريدة «نيويورك بوست» احصاءات عن وضع الطبقة الوسطى الذي يزداد تأزماً. وكتبت الصحافية اريانا هوفنغتون قائلة إن أميركا تنحدر لتصبح بلداً من العالم الثالث.

وفي الحقيقة فإن أميركا تعاني من أزمة اجتماعية طاحنة بعد أزمة العقارات، والأزمة المالية والاقتصادية، وأخيراً أزمة الديون. وعلى سبيل المثال تضاعفت نسبة البطالة ثلاثة اضعاف عما كانت عليه في أية ازمة اقتصادية واجهتها أميركا من قبل. ونسبة البطالة الآن هي 9,5% أي 15 مليون عاطل عن العمل. هذه هي الأرقام الرسمية. أما نسبة الذين يعملون جزئياً فتبلغ 17%.

يعتقد كثير من الأميركيين الآن ان «الحلم الأميركي» صار وهماً. فالوضع الآن هو كما يلي: فرص عمل قليلة، أجور زهيدة، عدالة اجتماعية مفقودة. كان الاقتصاد ينمو منذ شهور، لكن الفقر كان ينمو بسرعة أكبر. ويبدو الأمر بمثابة أزمة بنيوية تضرب الاقتصاد الأميركي كله. أما الأزمة المالية «فكانت نقطة التحول الى الأسوأ»، لقد غطى ارتفاع قيمة الاسهم والعقارات، والنمو الاقتصادي لمدة 30 عاماً، حقيقة عدم ارتفاع الدخل الفردي، ففي عام 1978 بلغ الدخل الفردي للرجال 45,879 دولاراً وفي عام 2007 بلغ ذلك الدخل 45,113 دولاراً فقط.

أين ذهبت النقود وأرباح الأسهم وأسواق المال، وارتفاع الناتج الاجتماعي بنسبة 11%؟ خلال 30 عاماً لم يترفع دخل الفرد إلا قليلاً جداً. ولم يتغير دخل 90% من الأميركيين بينما ارتفعت مداخيل السوبر  أغنياء ثلاثة اضعاف عما كانت عليه في عام 1973. وفي عام 1950 كان يبلغ راتب مدير الشركة 30 ضعفاً راتب العامل. أما الآن فيبلغ دخل مدير الشركة 300 ضعف راتب العامل.

لا تزال الفجوة بين المداخيل تثير حقداً مبعثه انعدام العدالة الاجتماعية. وفي الاقتصاد الأميركي الذي يعتمد على السوق الحرة المفتوحة يلقى باللوم على الفقراء ذوي المداخيل القليلة لعدم اغتنامهم الفرص المتاحة أمامهم. أما السوبر  أغنياء فيلقون المديح والتصفيق.

لم يجد السياسيون جواباً عن الحالة الاجتماعية المتردية في أميركا. هم ينتظرون فرص العمل التي لم تأت بعد. وحكومة باراك أوباما تنتظر ان يخرج الأميركيون من الأزمة الطاحنة بأنفسهم.

«في أميركا تطفأ الأنوار الآن»، هذا ما كتبه عالم الاقتصاد الفائز بجائزة نوبل بول كروغمان. إن أميركا الآن، لا تستطيع تحمل تكاليف إضاءة الشوارع. لم يعد للأميركيين نقود يشترون بها ما يريدون، وانخفضت اسعار عقاراتهم الى النصف، ولم يعد باستطاعتهم أيضاً الحصول على قروض رخيصة، وانخفضت رواتبهم، او لا يعملون على الاطلاق، ولذلك فإنهم عاجزون عن دفع الضرائب. وفي ولاية هاواي تغلق المدارس يوم الجمعة. وفي ولاية جورجيا أوقف النقل العام، وفي كولورادو تطفأ ثلث الأنوار في الشوارع.

لقد بلغت الأزمة الاجتماعية حداً ارتفع معه المشردون الى نسبة لم تصل اليها من قبل. وتمتلئ الكاراجات والأقبية والمستودعات بالساكنين الذين لا يجدون مأوى لهم.

ولإظهار انعدام العدالة الاجتماعية الكارثي في أميركا تورد الاحصاءات ان 1% من السوبر  أغنياء يحصلون على 37,1% من الناتج المحلي الاجمالي أما 80% من الأميركيين فلا يحصلون إلا على 12,3% من ذلك الدخل.

===========================

هل بديل المفاوضات العبثية المقاومة المسلحة حقاً؟

المستقبل - الاحد 12 أيلول 2010

العدد 3768 - نوافذ - صفحة 11

راسم المدهون

ليس في الحالة الفلسطينية الراهنة ما هو أشد بؤسا وتأكيدا للمحنة من تلك الثنائية التي تتناوب على وعي الفلسطينيين وجدالاتهم العاصفة في محاولاتهم لتدبُر مستقبلهم. نعني هنا بالتحديد تصاعد الدعوات لممارسة المقاومة المسلّحة كلما لاحت في الأفق جولات تفاوض عبثي جديدة، والتلويح بإعادة تلك المقاومة المسلحة باعتبارها البديل المنقذ والإستراتيجي، والذي سيتكفل بتحقيق البرنامج الوطني وإيصال القضية المهددة بالتدمير إلى برّ الأمان والسلامة.

اللافت في دعوات المقاومة المسلحة الجديدة أنها تأتي بتأثيرات مباشرة من خيبات التفاوض، أي أنها لا تنبثق من وعي المرحلة وظروفها، ولا من اشتراطات تأسيس مقاومة مسلحة، لا يمكن أن تنجح أو تتواصل دون تلك الاشتراطات الموضوعية.لا يكفي في حالة الفلسطينيين الراهنة أن تتوفر النوايا والرغبات، وإن تكن طيبة وجادة، ذلك أن الحديث عن مقاومة مسلّحة تتجاوز الممارسات التكتيكية، وتأخذ طابع الديمومة والإستراتيجية لا بد لأصحابها من أن يلتفتوا حقا حولهم، وأن يتأمّلوا الواقع الفلسطيني أولا، و"الحاضنة" العربية ثانيا، ناهيك بالطبع عن عالم السياسة الدولية اليوم، وما يموج في بحره من تيارات تصادم تلك المقاومة المسلحة وتقف لها بالمرصاد.

نتحدث عن الحاضنة العربية، ولا نعني هنا الدولة أو الدول العربية التي يمكن أن تدعم المقاومة بمواقف سياسية ( على ندرة ذلك وصعوبته )، ولكن بالذات عن الفضاء الإستراتيجي الذي يمكن أن يكون امتدادا جغرافيا يوفر لتلك المقاومة الأمان والدعم اللوجستي، ويمنحها القدرة على الاستمرار والنمو ومواصلة العمل لمراكمة إنجازات حقيقية، تتجاوز فكرة المقاومة الموسمية ذات الطابع التكتيكي، والتي لن تحقق على الأرض إلا توفير الدعم لممارسيها في الأوساط السياسية الفلسطينية أولا، والدولية بعد ذلك.

لا أعتقد أن أحدا من الذين يطلقون هذه الأيام الدعوات بإلحاح لاستعادة المقاومة المسلّحة يملك فعلا إجابات جدّية عن أسئلة تلك المقاومة المسلحة واشتراطاتها، فالأمر كله يقع وفي أحسن الحالات في حيز رفض المفاوضات، والبحث عن نقيضها شعبيا وإعلاميا، خصوصا وأن الواقع من حولنا يؤكد ذلك ويثبته. فمن بين كل الحقائق التي يزخر بها هذا الواقع تلك الساطعة في وضوحها، والتي تشير إلى هزال الممارسات المسلحة فلسطينيا إلى الحد الذي يجعلها أعجز من أن تحقق شيئا يذكر في ساحة إفشال المفاوضات الراهنة، أو حتى تحقيق تلاق سياسي فلسطيني من حولها.

ويوضح أكثر نقول إن العجز الذي تعيشه الحالة السياسية الفلسطينية لا يتصل فقط بالمفاوضات والعملية السياسية، ولكنه يشمل بالدرجة ذاتها القدرة على استعادة أساليب الكفاح القديمة ومنها الكفاح المسلّح الذي كان ذات يوم وسيلة أساسية. المسألة هنا لا تتعلق بالرغبات، أو ب"العامل الذاتي" كما يحلو لكثر أن يعتقدوا وأن يشيعوا، بل بظروف توفرت خلال تلك المراحل، وعلى رأسها انقسام العالم بين معسكرين، دون أن ننسى الواقع العربي ذاته، والذي كان لأسباب عديدة يسمح بهذا الحجم أو ذاك من الممارسات المقاومة بالسلاح.

الحالة السياسية العربية اليوم ليست على هذا النحو المتخيل أبدا، بل هي على العكس من ذلك تماما. والغريب أن الكلّ في الساحة الفلسطينية يعرفون الحالة العربية ولا يتوقفون عن هجائها، ويطالبون بتحقيق ما يتناقض معها تماما، فالحالة السياسية العربية رسمياً وحتى شعبياً تشكل نقيضا حادّا ومستنفرا لملاحقة أية نشاطات مسلحة فلسطينية. فعنوان الحالة العربية تجاه قضية فلسطين هو مبادرة السلام العربية، وليس "الجبهة العربية المشاركة" أو حتى المساندة، والزمن ليس زمن "جبهة الصمود والتصدي" رغم خواء تلك الجبهة من فاعليتها واقتصارها على تشكيل حالة اعتراض سياسية ليس إلا، وهي حالة لا ظروف لاستعادتها اليوم عربيا. في سياق ظروف محلية وعربية ودولية كهذه نرى الدعوات المتكررة لاستعادة المقاومة المسلحة مجرّد دعوات لفظية، لا تسندها إسنادا حقيقيا أية عمليات يمكن أن تتحقق في فترات متباعدة زمنيا، ولا تشكل سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها كما قد يعتقد البعض، وكما يعمد لاستخدام شعار الكفاح المسلح كنوع من المناكفة السياسية مع القيادة الفلسطينية الرسمية.

تحتاج الساحة السياسية الفلسطينية لتطهير نفسها من أمراضها التي أورثتها الضعف وانعدام الفاعلية، ففي ظلّ هذه الحالة الغارقة في فسادها وفوضاها لا أظنُ عاقلا يقتنع أن من يفشل في المفاوضات يقدر على تحقيق انتصارات عسكرية على الدولة العبرية المدججة بالسلاح والمدعومة من أقوى قوة في العالم.

فليذهب الفلسطينيون نحو الجدّية أولاً: نعني هنا استعادة حالتهم الصحية، الطبيعية بكل ما تعني هذه الدعوة من توحيد صفوفهم، وإعادة العلاقة مع الجمهور الفلسطيني إلى ما يجب أن تكون عليه فعلا، كي يمكن لهم الثبات على موقف سياسي متين يستطيع مقاومة المحاولات الإسرائيلية والأميركية لتركيعهم وفرض حلول تصفوية عليهم تنهي قضيتهم الوطنية.

ليست هذه مهمة سهلة التحقيق كما قد يتبادر للذهن، فهي بمعنى ما جهاد مع النفس وضدّ أهوائها ونواقصها. وهو جهاد يستهدف رؤية سياسية واضحة يلتقي عليها الجميع. ويمكنها أن تشكل برنامجا سياسيا يصلح لمخاطبة العالم واستعادة حيوية الدور السياسي الفلسطيني.

في الحالة السياسية الفلسطينية ننتبه اليوم لمهام كبرى، نراها الأكثر حضورا وأهمية، وعلى رأسها مسألة إنهاء الانقسام السياسي بين الكتلتين السياسيتين الكبيرتين، وما ترتب عليه من انقسام جغرافي وديموغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وضرورة فتح حوار شامل بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من الجانبين تمهيدا لاستشراف المراحل القادمة ومواجهة صعوباتها.

أعتقد أن هناك شرطا هاما لتحقيق ذلك هو الخروج من حالات المزايدة السياسية، ذلك أن أحد أبرز أمراض الساحة الفلسطينية هو اعتقاد كل طرف من أطرافها أن برنامجه سيتحقق فور إجبار خصومه السياسيين على الموافقة عليه، وكأن مسألة الاستقلال الفلسطيني لا تقع في ساحة المواجهة مع إسرائيل بل مع طرف فلسطيني خصم.

نقول ذلك وننتظر أن ترتفع القوى السياسية المختلفة إلى مستوى المسؤولية الكبرى، وأن تخرج من مواقف اللامبالاة السائدة هذه الأيام، فدون ذلك لا انتصارات ولا تقدم، ولا يمكن لنا الحديث عن آمال سياسية يمكن أن تتحول إلى حقائق في أرض الواقع، إن لم نقل أن العكس هو الصحيح. فالعجز عن استنهاض ما هو قائم، سوف يجرُ على الجميع خيبات كبرى جديدة ستكون هذه المرة أقسى وأشد تأثيرا .

===========================

حرية التعبير في الغرب والإساءة للآخرين

نزيه القسوس

 الدستور

12-9-2010

حرية التعبير في الغرب هي الوسيلة التي يتدثر بها هذا الغرب من أجل الإساءة للآخرين وهي تكشف أيضا مقدار التعصب الذي يعيشه بعض الأفراد والجماعات هناك وحتى بعض الحكومات الغربية التي تتشدق دائما بأن مجتمعاتها هي مجتمعات ديمقراطية ولذلك فهي تسمح لأي فرد أو جماعة في هذه المجتمعات أن يعبروا عن آرائهم حتى لو كان في هذه الآراء إساءة للآخرين بل إن بعض هذه الحكومات نفسها تقوم بالإساءة للآخرين وأفضل إثبات لما نقول هو تكريم المستشارة الألمانية ميركل لرسام الكاريكاتير الدانمركي الذي قام برسم ونشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم في الصحف الدانماركية بحجة إحترام حرية التعبير في الصحافة والمستشارة الألمانية تعرف كم أثارت هذه الرسوم من ردة فعل في العالم الإسلامي .

 

أما القس الإنجيلي الذي سيقوم غدا بحرق نسخ من القرآن الكريم في كنيسته بمناسبة ذكرى أحداث الحادي عشر من أيلول فهو لن يسيء للإسلام والمسلمين لأن حرق نسخة أو عشر نسخ من القرآن الكريم لن تؤثر على مليار مسلم يعتنقون الدين الحنيف. وإذا كانت هذه العملية تدخل في باب حرية التعبير فهذا كلام للإستهلاك فقط لأن حرية التعبير يجب أن تكون حرية مسؤولة وأن لا تسيء لمعتقدات الآخرين أو أديانهم والتصريحات التي نسمعها من بعض المسؤولين في الغرب والتي تستنكر هذا العمل هي أصوات غير صادقة لأن هناك عشرات الوسائل التي يمكن عن طريقها منع هذا العمل الإستفزازي الحقير .

 

إن الغرب الذي يتهم المسلمين بالإرهاب هو الذي يخلق أسباب الإرهاب فالمواطن الفلسطيني الذي ترزح بلاده تحت الإحتلال والعالم يشاهد ذلك بأم عينه ولا يتحرك من حقه أن يقاوم هذا الإحتلال وأن يلجأ إلى كل الوسائل المتاحة من أحل مقاومة المحتلين وهو يدافع عن حقه في الحياة وفي الوجود وهو ليس إرهابيا كما يسميه الغرب بل مقاوم بطل يدافع عن أرضه وعن شعبه . والعراقي الذي أحتلت بلاده ودمرت كل البنية التحتية التي بنيت خلال عشرات السنين ونهبت خيراته من حقه أن يقاوم الإحتلال الذي قتل أكثر من مليون عراقي وهذا العراقي هو بطل بكل المقاييس وليس إرهابيا .

 

أما الأفغان الذين أنتهكت حرمة بلادهم والذين تحصد أرواحهم الطائرات الأميركية والأطلسية بالعشرات كل يوم أليس من حقهم أن يقاوموا المحتلين وأن يقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل حرية بلادهم المحتلة ؟ .

 

إن الذي خلق الإرهاب هو الغرب نفسه والولايات المتحدة بشكل خاص التي جعلت نفسها شرطي العالم تكفّر من تشاء وتبرئ من تشاء وتطلق الألقاب كما يحلو لها فالفلسطيني إرهابي وإسرائيل من حقها أن تقتل الفلسطينيين الذين تحتل أرضهم لأنهم إرهابيون .

 

القس المتعصب الذي سيحرق نسخة من القرآن الكريم يبدو أنه لا يعرف أن مليار مسلم في العالم يحفظون كتابهم عن ظهر قلب وهم مستعدون للدفاع عن كتابهم وعن دينهم ومعتقداتهم بأرواحهم وبكل ما يملكون من إمكانات .

 

وأخيرا وليس آخرا فإن حرية التعبير التي يتشدق بها الغرب يجب أن تكون حرية مسؤولة وأن تحترم معتقدات الآخرين خصوصا المعتقدات الدينية .

nazeehgoussous@hotmail.com

===========================

إساءات جديدة للأديان

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الدستور

12-9-2010

بعد أن حرقوا الناس والأوطان ، وغرة عزة العرب في العراق وفي غيره ، وبعد أن تأكدوا من عدم قيام قائمة لقوة عربية اسلامية ، تقف في وجه ربيبتهم المدللة ، التي تحتل أشرف وأطهر البقاع..انخرطوا في جولة جديدة من الإساءة للإسلام ورموزه العظيمة.. لعلهم اعتقدوا أن شمس الإسلام أفلت الى غياب ، نقول لعلهم: فهم "لا يعقلون".

 

الجناح المسيحي المتصهين في أمريكا والغرب ، ومن خلال إعلان أحد قساوسته في أمريكا ، عن نيته القيام بمهرجان جديد من الإساءة للإسلام ، يتمثل في نيتهم القيام باحتفال طقوسي يتم فيه حرق "قرآننا الكريم العظيم" ، كلام رب العزة سبحانه ، الذي أنزله على أشرف الخلق أجمعين ، وأنار فيه كوكبنا الأرضي بعد أن كانوا قد أغرقوه بظلام وجهل وغياب روح وعقل..

 

عقدوا العزم على أن يحرقوا ورقه ، بهدف الإساءة الى ما يزيد عن مليار مسلم ، وتحديا واعتداء على حرية وحقوق أمريكيين تعدادهم عشرات الملايين من المسلمين ، والأرجح أنهم وبعد إعلانهم هذه النوايا سيعلمون أن عدد المسلمين في أمريكا وأوروبا تضاعف ، فهم لا يوقنون بأن هذه دعوة حق ، ستمضي الى يوم الدين ، وأن الذكر محفوظ بتعهد إلهي من رب عظيم..

 

العبث الصهيوني والإساءة الى الأديان ، عملية مبرمجة ، تخضع لحسابات سياسية ما ، لا تظهر عبثا ولا تطوعا ، بل هي عملية مضبوطة ، تهدف الى ابتزاز العالم من قبل الصهيونية المجرمة ، وبعد أن انتهوا من مرحلة تدمير العراق ، شرعوا بالحشد لمحاولة تدمير ايران وغيرها من مراكز القوى التي تقول لهم "لا" ، وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا الإعلان من قبل قس أمريكي مسيحي متصهين ، عن نيته القيام بطقوسية لحرق ورق كتاب الله الكريم ، مع قيام المستشارة الألمانية بتكريم رسام الكاريكاتير الذي أثار غضب المسلمين والعالم ، برسمه رسوما مسيئة لأشرف رجل خلقه الله على كوكب الأرض..

 

تكريم ميركل لهذا المجرم المسيء للعالم الحر وللمسلمين ، لا يمكن فهمه تشجيعا لحرية التعبير ، بل هو عمل يقع في صلب العبث في أحاسيس المسلمين ، من خلال الإساءة لهم ولرموزهم الدينية ، واعتقاداتهم ، والذي يقف وراء تنظيم هذه الحملة المبرمجة من الإساءة والعبث ، يعول على نهوض متطرفين للرد على هذا التطرف والشذوذ ، وهو أمر ربما سيحدث ، ليبدأوا حملة سياسية وربما عسكرية جديدة الى منطقتنا ، تمهيدا وتسهيلا لدوام التفوق الصهيوني وتجذيره في البلاد العربية والإسلامية ، كما حدث في العراق ، ولعل تزامن هذه الحملة المبرمجة مع بداية إنسحاب المحتل الأمريكي من العراق ، يؤكد أن هؤلاء يعملون على أساس برنامج مدروس ، ويعلنون ابتداء مرحلة جديدة من تدمير قوى الخير.

 

أتوقع أن تزداد بشدة نسبة التأييد لإيران ، وترتفع نسبة العداء لأمريكا ولأوروبا ، في حال انطلاق هذه الحملة الجديدة من الإساءة والتحرش بالمسلمين ، ولعلها الأرضية الأنسب لهؤلاء أن يتحشدوا ضد ما يعتبرونه خطرا إيرانيا على دولتهم الصهيونية.

 

هذا مخطط صهيوني آخر قذر ، سيغرق العالم بمزيد من الإضطراب والفوضى ، ويقدم بيئة مثالية لمزيد من التطرف والغوغاء ، سيخسر العالم الحر كثيرا لتجاوزه ومحو آثاره..

 

كانت نتائج الحملة الأخيرة ، تدمير العراق ، وإعدام بل تخليد البطل صدام حسين ، واعترافا بالدولة المجرمة ، وانشقاقا فلسطينيا ، وانبثاقا صهيونيا جديدا..فماذا سنحصد نتائج من الحملة الجديدة إن لم نتعامل معهم بمظلة وبمرجعية واحدة؟

هذه حالة تستدعي موقفا إسلاميا موحدا ، فهل يفهم ويسلم القوم؟

====================

حرق المصحف وبعث إسلامي جديد!!

محمد السروجي

مدير المركز المصري للدراسات والتنمية

مجموعة نبيل القدس

قس مجهول وكنيسة صغيرة واحتفال كنسي لحرق المصحف الشريف ، أحداث متشابهة لدرجة التطابق في الفعل والمقصد رغم اختلاف الزمان والمكان والأشخاص لكن الهدف واحد هو " المصحف الشريف كتاب الله دستور المسلمين" تارة بإطلاق النار عليه وتارة بتمزيقه ورسم الصلبان وتارة بوطئه بالأقدام، الأماكن مختلفة في الموقع الجغرافي لكنها متفقة في النهج المتطرف ، هنا وهناك ، بداية من مجلس العموم البريطاني بريادة وليم جلادستون مروراً بالعراق والمغرب وليبيا وتونس ومصر وجوانتاموا وسوريا وانتهاءٍ بهذه الكنيسة الصغيرة وهذا القس المجهول في ولاية كاليفورنيا

الأمريكية ، تصرف شاذ وغير طبيعي لكنه يعبر عن النفسية المريضة لمن يدعون أنهم رجال دين ولا اعلم أي دين ومن أين جاءوا بهذه الممارسات غير الأخلاقية ولا القانونية ؟ تصرف لا يذكر ولا يستحق أن يذكر خاصة وقد رفضه القاصي والداني ، تصرف لن يضر الإسلام ولا المسلمين ولن يفيد غيرهم من مسيحيين ويهود لكنه بالتأكيد سوف يخدم الإسلام حين يقرأ أصحاب العقول في أمريكا وأوربا بل على مستوى العالم - من باب الفضول والمعرفة المعهودة عنهم – عن الإسلام والقرآن والسنة النبوية وتاريخ المسلمين ويتجاوزن هذه الهوة الكبيرة بين الإسلام كمنهج حياة وبين حياة

المسلمين ليدخلوا في دين الله أفواجا وتتكرر مرة أخرى تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر بإسلام مئات الآلاف في كل أنحاء العالم ، فالإنسان عدو ما يجهل خاصة إذا كان واقع المسلمين يعكس صورة باهتة وغير دقيقة ولا صادقة عن جوهر الإسلام الحنيف ، قد تكون إرادة الله وقدره الغالب يعوض عجز المسلمين بمؤسساتهم الدينية ذات الأرصدة المليارية في التسويق الجيد للإسلام بل قد يكون بعض السفراء والمبعوثين يقدمون صورة مشوهة ومنفرة عن الإسلام والمسلمين فتأتي الأحداث المزعجة حيناً والمؤلمة حيناً لتفتح الأبواب المغلقة وتكشف الجواهر المكنونة عن

الإسلام العظيم ، الحدث مزعج ومرفوض لكن على الطرف الآخر هناك العديد من المواقف الإيجابية والرائعة منها إصرار عضو الكونجرس الأمريكي كيث إيليسون "الأسود المسلم عن ولاية مينيسوتا ذات الأغلبية البيضاء المسيحية "القسم على المصحف الشريف فأتوا إليه بنسخة نادرة يمتلكها الرئيس الثالث لأمريكا توماس جيفرسون ، سيمر الحدث مثل غيره تاركاً لنا جرس التنبيه أو الإنذار هو قول الله تعالى

" وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " سورة محمد من الآية 38"

============================

قرآن من أجل السلام: ماذا يمكن لشخص واحد أن يفعل

القس واين لافندر

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية

8 أيلول/سبتمبر 2010

www.commongroundnews.org

كليفتون، فرجينيا – أنا رجل دين وقس مسيحي في الكنيسة المنهجية المتحدة منذ 25 عاماً. لهذا، ومن منطلق التزامي العميق بمبادئ ديانتي، أشعر أن عليّ أن أفعل شيئاً ما، أي شيء، للردّ على جريمة الكراهية التي من المحتمل أن ترتكبهها كنيسة مسيحية، هي "مركز دوف للتواصل العالمي" في مدينة غينزفيل بفلوريدا يوم 11 أيلول/سبتمبر 2010.

 

الرغم أن السلطات في مدينة غينزفيل قد رفضت السماح بإقامة هذا الحدث، قائلة بأن حرق الكتب بشكل علني ليس مسموحاً في المدينة، إلا أن القس تيري جونز تعهد بحرق نسخ من القرآن في باحة الكنيسة في الذكرى التاسعة لهجمات 11 أيلول/سبتمبر.

 

ماذا يمكنني أن أفعل لمجابهة مثل هذه الكراهية وهذا الجهل؟

أومن أن لكل فعل رد فعل مساو له في بالمقدار ومعاكس له بالاتجاه، وأن الأفعال التي تنمّ عن الكراهية وعدم التسامح والجهل توجِد نمطاً دورياً متصاعداً من الكراهية وعدم التسامح والجهل. ولهذا، فإنني أبحث عن مسار بديل وجواب يكون أقرب لمبادئ المحبة والرحمة التي يجسدها مؤسس ديني، يسوع المسيح، أمير السلام.

ما هو الفعل الرمزي الذي يمكن أن أقوم به والذي يمكن أن يساعد في إبطال تلك الكراهية التي تنطوي عليها عملية حرق هذه الكتب الدينية وفي رعاية السلام والتفاهم عبر التقاليد الدينية المختلفة؟

 

قرّرت أنه عندما يأتي يوم 11 من أيلول/سبتمبر هذا العام، وفي مقابل كل قرآن تقوم تلك الكنيسة بحرقه بإسم ربي، فإنني سأعطي قرآناً لكنيسة في الولايات المتحدة يتم وضعه في مكتبة الكنيسة، لأنه يبدو لي، في هذا الوقت الهام من التاريخ، أنني أستطيع مجابهة مثل هذه الكراهية فقط من خلال أعمال المحبة والسلام.

لقد أصبحت المعلومات المغلوطة عن الإسلام وانتقاء النصوص القرآنية في خارج سياقها يشكّلان توجّهاً مثيراً للقلق في الولايات المتحدة. تُستخدَم الإنترنت بشكل واسع لنشر الأكاذيب والحقائق المنقوصة والمعلومات المشوّهة في حملة دعائية مهينة ومليئة برسائل الكراهية ضد المسلمين والإسلام. يجب مواجهة هذه الأمور من خلال بث رسائل الحقيقة التي تؤدي إلى السلام والعدل. من الممكن معالجة الخوف من الإسلام من خلال تعزيز المعرفة والتفهّم للقرآن.

ماذا يمكن لشخص واحد أن يفعل؟ أنا أشجعك أيها القارئ على شراء قرآن وتقديمه هدية لكنيستك أو مكان عبادتك. فأنا أخشى، إنه إذا لم نتمكن من إشاعة التسامح في الولايات المتحدة وفي عالمنا، أننا متجهون نحو مستقبل عنيف جداً.

 

في 11 أيلول/سبتمبر 2010 وردّاً على حرق القرآن الكريم، سأختار أنا، كقس مسيحي، أن أنشر بذور المحبة والتسامح عن طريق توزيع كتب قرآن لكنائس محلية، حيث لن تشكّل هذه الكتب إيماءة رمزية من السلام والتسامح الديني فحسب، بل أيضاً فرصة لقراءتها للتوصّل إلى تفهّم أفضل بأن الإسلام، مثل المسيحية، هو دين معقّد ودقيق ودينامي له جذور راسية في مبادئ الرحمة والعدل والسلام.

فماذا ستفعل أنت؟

ــــــــــ

* القس الدكتور واين لافندر هو قس في الكنيسة المنهجية المتحدة ومدير إداري لمنظمة "تمرير السلام"، وهي منظمة تهدف لإيجاد عالم من السلام والعدل.

كُتِب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.

====================

داود أوغلو في «العمق الاستراتيجي»:الشرق الأوسط بكل ألوانه ومكوناته

بيروت – الحياة

7/9/2010

كتاب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو يشكل حدثا سياسيا بذاته. فالكتاب الصادر بطبعته التركية العام 2001 وبات متاحا للقارئ العربي، يقدم مقاربة غنية للعناصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل والثقافية والنفسية التي تشكل اللوحة الكبيرة للشرق الأوسط ودوله والمصالح التي تربطها ربطا وثيقا ببعضها.

 

ولعل الكتاب الذي تنشر «الحياة» ابتداء من اليوم ثلاثة فصول منه، يحمل معالجة غير معتادة في الكتب العربية المشابهة لناحية استخدام الكاتب وسائل متعددة لبلوغ هدفه في تحديد «العمق الاستراتيجي» لتركيا. من الوسائل تلك قراءة معمقة في تاريخ الشرق الاوسط ككيانات سياسية واجتماعية تجمعها العديد من الموروثات الثقافية والدينية، وعلاقات الكيانات هذه المعقدة مع الغرب، المتعدد والمتنوع بدوره. وكان على داود أوغلو للقيام بمهمته هذه دخول عالم المفاهيم والنظريات السياسية والفلسفية والتاريخية، والأخذ في الاعتبار المسارات المتباينة التي شكلت منظومة العلاقات في الشرق الأوسط ذات الماضي الذي تتداخل فيه الصراعات الدموية والمنافسات الحادة والتعاون العميق بين مكوناته.

 

ولا تغيب مؤثرات الماضيين السلجوقي والعثماني والروابط الملتبسة مع ايران باطوارها وحقباتها المختلفة والدول والممالك العربية، من المماليك إلى حكومات «البعث» في العراق وسورية، ومصر الناصرية، عن إضفاء لمسات ما زالت ظاهرة على ديناميات السياسة في المنطقة. ويذهب الكتاب إلى البحث عن السبل اللازمة لتدارك أثار الماضي وجروح والانطلاق منها لبناء مستقبل مشترك يعترف بالاحجام والأوزان التي تتمتع بها القوى الفاعلة في المنطقة انطلاقا من أهمية «المثلث الاستراتيجي» الذي تتشكل أضلاعه من تركيا وإيران ومصر.

 

ويحضر الصراع العربي - الاسرائيلي بقوة في كتاب أوغلو الذي يستعرض أيضا عناصر الأزمة في بنية الدولة العربية الحديثة وما تركته الحقبة الاستعمارية ثم الانخراط في الصراع مع الدولة الاسرائيلية من تشوهات على آليات الحكم في العالم العربي الذي نظر الى العلاقات التركية الاسرائيلية بعين الريبة في الوقت الذي كانت انقرة تعتبر تمتين صلاتها بإسرائيل جزءاً من التزامها بالانتماء الى الغرب في فترة الحرب الباردة، وهو الانتماء الذي تضمن تكريساً للابتعاد عن التأثير العربي، في مجالات الدين والثقافة والهوية القومية تأسيساً على ما تركته الافكار القومية على تركيا منذ القرن التاسع عشر. كما يبحث أوغلو في دور تركيا في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في حين ان العلاقات الاوروبية - التركية، بفروعها العديدة الممتدة من روسيا إلى مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مرورا بالبلقان والحساسيات التركية حيال التعامل الاوروبي مع الإرث التركي هناك، تحتل مكانا مهما من العمل الذي يتميز عن التناول التقليدي الأصم لمسائل الجيوسياسة والاستراتيجية والعلاقات الدولية.

وتصدر الطبعة العربية للكتاب قريبا بعنوان «العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية» عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» وعن «مركز الجزيرة للدراسات» وبترجمة محمد ثلجي وطارق عبد الجليل ومراجعة بشير نافع وبرهان كوروغلو.

======================

"الإخوان" في العالم العربي... إلى أين؟

الإتحاد الاماراتية 8/9/2010

وحيد عبد المجيد

يثير مسلسل "الجماعة"، الذي يتابعه كثير من المشاهدين في بلاد عربية عدة، جدلا حول تاريخ "الإخوان المسلمين" وحاضرهم في مصر. لكن هذا التيار، الذي نشأ في مصر عام 1928، لم يلبث أن انتشر تدريجيا في العالم العربي والإسلامي. لذلك أصبح الكثير من العوامل المؤثرة في تطوره مرتبطاً بالتطورات التي تحدث في تنظيماته في مصر كما في بلاد عربية أخرى.

ومن أهم هذه التطورات حالياً التغير الذي حدث في قيادة تنظيم "الإخوان" في سوريا، عبر انتخاب المهندس محمد رياض شقفة مراقباً عاما له. فقد حمل هذا التغيير، الذي حدث في اجتماع مجلس شورى "الإخوان" السوريين في أسطنبول قبل أسابيع، التيار الذي يعتبر أكثر تشدداً إلى القيادة. فالمراقب العام الجديد ينتمي إلى التيار الذي خاض المواجهة المسلحة ضد نظام الرئيس حافظ الأسد في أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي؛ "المحاربون القدامى". كما تولى مواقع عدة في الجهاز العسكري لتنظيم "الإخوان" في سوريا إضافة إلى مواقع أخرى سياسية، وظل على موقفه المتشدد ضد نظام الحكم في الوقت الذي حاول المراقب العام السابق فتح جسور معه.

ومن الطبيعي أن يثير انتخاب شقفة أسئلة عن أثره في اتجاهات تيار "الإخوان" في العالم العربي عامة. فقد جاء هذا التغيير بعد أن كرَّس الاتجاه الذي يوصف بأنه محافظ سيطرته على تنظيم "الإخوان" المصري عبر انتخاب محمد بديع مرشداً عاماً في يناير الماضي.

لذلك فالاعتقاد السائد الآن هو أن المتشددين، أو من يسمون أحياناً "المحافظين" في تنظيمات "الإخوان"، أحكموا سيطرتهم على التنظيم الأم في مصر ثم صعدوا إلى قيادة التنظيم السوري. ورغم أنهم لم يتمكنوا من السيطرة على التنظيم الأردني -المشروع قانوناً بخلاف التنظيمين المصري والسوري- فقد حافظوا على نفوذ قوي فيه ضمن صيغة ترجئ صراعهم ضد الاتجاه الذي يعتبر معتدلا إلى مرحلة تالية.

غير أنه إذا كان لهذا الصراع خصوصيته المرتبطة بالتداخل التاريخي بين تنظيمي "الإخوان" الأردني والفلسطيني، فثمة قاسم مشترك يجمع الصراع في داخل التنظيم السوري والخلاف الذي لم يبلغ مبلغ الصراع في التنظيم المصري، وهو البرنامج السياسي وبصفة خاصة كيفية التعامل مع قضية العلاقة بين الدولة والدين، أو بين سيادة الأمة وسيادة الشريعة، في هذا البرنامج.

ويمكن توضيح ذلك عبر المقارنة بين مشروع البرنامج الذي طرحه "الإخوان المسلمون" في مصر في العام 2007، والبرنامج الذي كان نظراؤهم السوريون قد أقروه قبل ذلك ببضع سنوات في إطار ما عُرف باسم "ميثاق الشرف الوطني"، ثم أعادوا طرحه في صيغة أكثر تبلوراً عقب إعلان "الإخوان" في مصر مشروع برنامجهم.

فالفرق بين برنامج "الإخوان" السوريين الذي وضعه الاتجاه الموصوف بالاعتدال ومشروع برنامج "الإخوان" المصريين الذي وُضع في ظل سيطرة الاتجاه الذي يعتبر متشدداً، فرق كبير وواضح. ففي الوقت الذي أكد البرنامج السوري أن الدولة ينبغي أن تكون مدنية تقوم على المؤسسات والتداول السلمي للسلطة والمشاركة الشعبية، جاء مشروع البرنامج المصري بصيغة أثارت مخاوف كبيرة لأنها تنطوي على شبهة "دولة دينية". فقد نص هذا البرنامج على تشكيل هيئة من كبار العلماء لمراجعة التشريعات والقوانين والقرارات التنفيذية للتأكد من عدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية.

كما أنه في الوقت الذي أكد برنامج "الإخوان" السوريين إيمانهم بمبدأ المواطنة وإقامة الدولة على أساسه، بما يعنيه من عدم التمييز بين المواطنين حسب الجنس أو الدين أو العرق، نص مشروع برنامج "الإخوان" المصريين على أن النساء والأقباط، أي أكثر من نصف المواطنين، لا يحق لهم الترشيح لمنصب رئاسة الدولة.

ورغم أن النقد الشديد الذي تعرض له هذا المشروع أربك "الإخوان" في مصر، ودفع بعض قادتهم إلى إعلان أنه ليس نهائياً بل مطروح للنقاش، فإنهم لم يراجعوا نصوصه التي أثارت هذا النقد.

ولذلك لابد أن يثار التساؤل عن برنامج "الإخوان" السوريين بعد التغيير الذي حدث في قيادتهم، وهل يحدث فيه تعديل وفي أي حدود. وهذا سؤال تتجاوز أهميته مستقبل تنظيم "الإخوان" السوري لأنه جزء من سؤال أكثر شمولا يتعلق باتجاه تنظيمات "الإخوان" في العالم العربي عموماً في الفترة المقبلة بعد أن كرَّس التيار الذي يعتبر متشدداً سيطرته على التنظيم الأم في مصر حيث يوجد المرشد العام الذي يفترض أنه القائد الأعلى لهذه التنظيمات كلها.

ورغم أن هذا المرشد لم يعد كذلك فعلياً، بعد انحسار نفوذ التنظيم المصري في أوساط التنظيمات الأخرى، فهو ما زال يتمتع بمكانة معنوية لدى كثير من أعضاء هذه التنظيمات. وتلعب هذه المكانة دوراً في تشكيل الأجواء العامة في بعض تنظيمات "الإخوان" الأخرى. فإذا كانت القيادة صاحبة هذه المكانة محافظة في اتجاهاتها، يمكن أن يؤثر ذلك في المواقف التي يتخذها بعض أعضاء التنظيمات الأخرى واختياراتهم. ولما كان معظم هذه التنظيمات يعتمد على الانتخاب في اختيار قيادته، سواء مجلس الشورى أو مكتب الإرشاد والمراقب العام، يمكن لهؤلاء الأعضاء أن يساهموا في توجيه تنظيماتهم نحو التشدد في مواقفها تجاه المسألة الديمقراطية.

وربما تكون هذه هي المسألة الأكثر أهمية التي ينبغي العناية بها لدى قراءة مستقبل تنظيمات "الإخوان المسلمين" العربية، وخصوصاً في البلاد التي يحظى فيها هذا التيار بتعاطف شعبي ملموس، سواء أكان وجوده محظوراً أو مباحاً من الناحية القانونية. فالموقف تجاه المسألة الديموقراطية بوجه عام أكثر أهمية من موقف هذه التنظيمات إزاء نظم الحكم في بلادها. وهذه قاعدة عامة لا يُستثنى منها تنظيم "الإخوان" السوري الذي انشغل مراقبون بالتساؤل عن أثر التغير في قيادته على موقفه إزاء نظام الرئيس بشار الأسد، أكثر مما اهتموا بتداعيات هذا التغيير على برنامجه السياسي وموقفه تجاه المسألة الديمقراطية.

وهم معذورون في ذلك، لأن المراقب الجديد كان متحفظاً على اتجاه سلفيه، عبد الفتاح أبو عزة وصدر الدين البيانوني، إلى مد جسور مع دمشق ورهانهما على إمكان تحقيق مصالحة، إلى حد أن أولهما عاد إلى دمشق عام 1986. كما أن الثاني، الذي خاض مفاوضات صعبة مع ممثلي النظام السوري أكثر من مرة منذ 1987، عاد إلى مهادنته خلال الحرب على قطاع غزة في مطلع 2009 بعد أن كان قد اتجه إلى التصعيد في بداية 2004 وشارك مع قوى معارضة أخرى في إطلاق "نداء الإنقاذ" ثم في تحالف "إعلان دمشق".

غير أن أي تغيير محتمل في موقف "إخوان" سوريا باتجاه التصعيد لن يكون له أكثر من أثر إعلامي لا يلبث أن ينحسر، في الوقت الذي أصبحت دمشق في وضع أقوى منها في أي وقت مضى منذ غزو العراق. أما التغيير في موقفهم تجاه المسألة الديمقراطية، عبر مراجعة برنامجهم الأكثر تقدماً حتى الآن بين تنظيمات "الإخوان" العربية، فقد يكون له أثر كبير ليس في اتجاهات هذه التنظيمات فقط، بل في مستقبل بعض بلادنا العربية أيضاً.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ