ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 18/12/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

في تشريح أزمة الدولة الوطنية:ملاحظات على النقاش العالمي

الخميس, 16 ديسيمبر 2010

عمرو حمزاوي *

الحياة

لنا إن نحن أمعنّا النظر في شؤون السياسة والمجتمع في عالمنا العربي أن نتثبّت من عمق وخطورة الأزمات التي تواجهها الدولة الوطنية اليوم، ومن كونها ترتبط في الأغلب الأعم إن بضعف الدولة وعجز مؤسساتها عن الاضطلاع بواجباتها الأساسية، أو باحتمال انهيارها وتقطّع أوصالها. على رغم ذلك، لا يزال النقاش العربي حول أزمات الدولة بالغ المحدودية وضعيف الارتباط بالنقاش العالمي، سواء الأكاديمي أو السياسي. وفي ما يأتي بعض الملاحظات الأوّلية على النقاش العالمي، علّها تُساهم في فتح آفاق جديدة للنقاش العربي وتجسّر شيئاً من الهوة بينهما.

بدأت النقاشات السوسيولوجية والسياسية حول الدول الفاشلة والضعيفة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. وافتراض النظام الدولي الراهن هو أنّه يُتوقّع من الدول ذات السيادة أن تؤدي بعض الوظائف المحدودة وفق نموذج الدولة «الفيبري» (من ماكس فيبر) لضمان أمن مواطنيها ورفاهيتهم، وأيضاً لتسهيل الأداء السلس للنظام الدولي نفسه. الدول التي لا تلبّي هذه المعايير يُرمز إليها بمروحة واسعة من التعابير، بما في ذلك الضعيفة، الهشة، ذات الأداء الضعيف، الفاشلة، المنهارة. وثمة تعابير أقل رواجاً مثل أزمة الدول، البلدان المعرّضة لخطر عدم الاستقرار، البلدان المخترَقة بالتوترات والضغوط. لكن، تبلور أخيراً إجماع بين المهتمين قضى باستخدام تعبير الهشّة، والفاشلة، والسائرة نحو الفشل، وكلها مصطلحات تشي بتزايد الظروف الخطيرة.

بالطبع، المفهوم حول الوظائف التي تحتاج الدولة الى القيام بها كان يتطور على الدوام. فأولى الكتابات حوله استندت إلى المفهوم «الفيبري» للدولة (الذي يتطلّب سلطة سياسية على رقعة جغرافية معينة لها حدود واضحة وسكان دائمون، واحتكار الحكومة لأدوات العنف، واعتراف دولي). لكن المفهوم حول ما يُفترض أن تقوم به الدولة أخذ يتوسّع أخيراً، عاكساً بذلك صعود دولة الرفاه في أوروبا والولايات المتحدة. واليوم، فإن الكتابات المُتعلّقة بالدولة تتوقع منها أن توفّر وسائل مركزية/لا مركزية لإنتاج جملة واسعة من السلع السياسية/العامة للأشخاص الذين يعيشون ضمن حدودها. وقد حدّد بعض الباحثين تراتبية السلع السياسية/العامة التي وجدت الدولة لتوفيرها بالآتي: 1- الأمن والأمن الإنساني. 2- مدوّنات القوانين والإجراءات التي تُشكّل معاً حكم القانون القابل للفرض، وأمن الملكية وحصانة العقود، ونظام قضائي، ومجموعة القيم التي تُشَرعِن (من شرعية) الصيغة المحلية للعبة العادلة. 3- الحقوق المدنية والحريات. 4- العناية الصحية والطبية، ومؤسسات التعليم العامة، والبنى التحتية المادية كالطرقات، والسكك الحديد، والمرافئ، وتكنولوجيات الاتصالات، ونظام المصارف والمال الذي يُشرف عليه عادة مصرف مركزي وتسيّره عملة وطنية، وإطار مالي ومؤسّسي ناجع يستطيع المواطنون في إطاره أن يسعوا إلى تحقيق أهداف مشاريعهم وربما الوصول إلى البحبوحة. إن مفهوم التراتبية مهم عند الإشارة إلى السلع السياسية/العامة، إذ يجب الحفاظ على الأمن كي يصبح بالإمكان توفير أي نوع من السلع الأخرى.

الدول القوية تلبّي كل هذه المتطلبات التي لا تقتصر على الأساسيات المتعلقة بالدولة كما حددها ماكس فيبر فحسب، بل تشمل أيضاً إبرام هذه الدول عقداً اجتماعياً مع المواطنين تكسب بموجبه الشرعية في مقابل توفير السلع العامة. والحال أن الدول القوية فعّالة في توفير هذه السلع. فهي من ضمن الكثير من الخدمات الأخرى، تُقدّم مستويات عالية من الأمن ضد العنف السياسي والإجرامي، وتصون الحريات السياسية والمدنية للمواطنين، وتوفر بنى تحتية مادية مُدارة بكفاءة، وتفرض حكم القانون. ووفقاً للمؤشرات الدولية، تُبلى الدول القوية بلاءً حسناً في مجالات النمو الاقتصادي والتنمية البشرية وحريات الفرد والشفافية والمساءلة في أداء الحكومة، هذا علاوةً على أن السلام والنظام يسودان في مثل هذه الدول.

في المقابل، نظراً إلى كثرة المفاهيم حول الدولة والمعايير العالية التي توضع لتحديد ما يُشكّل دولة قوية ومعافاة، يواجه الباحثون والمهتمون على حدٍّ سواء متاعب في مجال الاتفاق على ما يُشكّل دولة فاشلة أو على طريق الفشل. فإذا ما طُبّقت التعريفات القصوى، فإن كل الدول، بما في ذلك الديموقراطيات الصناعية الغربية، تفشل إلى حدًّ ما. وإذا ما استُخدِمَت تعريفات أقدم وأضيق، كتلك التي استعملها فيبر، فما مِن دولة تفشل ما دامت تدافع عن حدودها وتحافظ على احتكار استخدام وسائل العنف. بالتالي، لم يكن مستغرَباً أن يمرّ مفهوم الدولة الفاشلة بمراحل من التطور المفاهيمي مشابه لذلك الذي مرّت به الدولة. فأوّل التعريفات، على سبيل المثال، استند إلى النموذج الفيبري. واستخدمت أوّل الأعمال التعريفية حول فشل الدولة تعبير الدولة الفاشلة للإشارة إلى «ظاهرة جديدة مقلِقة» تصبح بموجبها الدولة «غير قادرةٍ البتة على الحفاظ على ذاتها كعضو في الأسرة الدولية». وبالمثل، جادل باحثون آخرون بأن الفشل يظهر «حين تفقد الحكومة المركزية احتكار استخدام وسائل العنف». وهكذا، وفق هذه التعريفات، تتميّز الدولة الفاشلة بالصراعات وليس فقط بالحوكمة الضعيفة، فهي تُظهر علامات التوتر الداخلي والمخاطر والخصومات.

ولعلّ أكثر التعريفات شمولية لفشل الدولة هو أن الدولة الفاشلة تتميّز ب: 1- انهيار القانون والنظام، حيث تفقد مؤسسات الدولة احتكارها لشرعية استخدام العنف وتكون غير قادرة على حماية مواطنيها، أو أن هذه المؤسسات تُستخدم لقمع مواطنيها وإرهابهم. 2- قدرة ضعيفة أو متلاشية على تلبية حاجات المواطنين ورغباتهم، وتوفير الخدمات العامة الأساسية، وضمان رفاه المواطنين أو دعم النشاط الاقتصادي الطبيعي. 3- وعلى المستوى الدولي، فقدان الكيان ذات الصدقية الذي يمثِّل الدولة خارج حدودها. أما الدولة المنهارة، فهي صيغة متطرفة من صيغ الدول الفاشلة، وتتميّز بوجود فراغ في السلطة حيث تصبح الدولة مجرد تعبير جغرافي. وفي الدولة المنهارة، يتم الحصول على السلع السياسية من خلال وسائل خاصة، كما يصبح الأمن موازياً لحكم القوي.

كما تتضمّن الكتابات عن الدولة الفاشلة نقاشات مكثَّفة حول أسباب هشاشة الدولة ومن ثم فشلها. ووضع الباحثون والمحللون مروحة واسعة من التفسيرات: التوترات الإثنية، والصراع على الموارد الطبيعية، والفشل السياسي وفشل الحوكمة، وحتى الخلل والتصدعات في نموذج الدولة-الأمة نفسه. كذلك، تمّ تقديم تراتبية من العوامل (1) لتفسير كيف أن تقاطع الأسباب المتعددة يُسفِر عن احتمال هشاشة الدولة وبالتالي فشلها. تتمحور هذه التراتبية حول مستويات ثلاثة: الماكرو (الكبيرة)، والمتوسطة، والمايكرو (الصغيرة). هنا لا بدّ من إجراء نبذة سريعة عن هذه الكتابات بهدف التحقّق من المدى الذي يمكن أن تساعد فيه دراسة الأسباب على توفير الحلول لمشاكل الهشاشة والفشل.

الأسباب الكبرى (الماكرو)، بعيدة المدى ومنهجية، ذلك أن الظروف البنيوية والبيئية قد تعكس مسار القدرة السياسية، والشرعية، وسلطة الدولة، خصوصاً في الدول النامية، ما يفتح الأبواب على مصراعيها أمام احتمال فشل الدولة. وهذا يمكن أن يحدث إما من خلال خلق دول ضعيفة ومُعتمِدة على الغير إلى حدٍّ كبير( وتترنّح مع انسحاب الدول القوية الراعية لها)، وإما من خلال عمليات التنمية الاقتصادية وتعزيز القواعد الدولية لحقّ تقرير المصير. هذا إضافةً إلى أن طبيعة النظام السياسي مهمة أيضاً، حيث تستنتج معظم الدراسات أن الديموقراطيات الجزئية أو غير المُعزَّزة أكثر عرضةً للفشل من الديموقراطيات والأوتوقراطيات (حكم الفرد المطلق) الكاملة.

الأسباب المتوسطة هي الآليات المرتبطة بالقدرات المؤسسية للدولة وقابليتها للحياة، وبالتالي لقوة الدولة أو ضعفها، وللضغوط الداخلية على الدولة. وعلى المستوى الأساسي، يمكن المرء أن يُجادل بأن انهيار الدولة ينجم عن فشل القيم المجتمعية السائدة في شرعنة التراتبيات الاقتصادية والسياسية القائمة. وفي هذا الإطار بالتحديد، يُقال إن الدول تفشل إذا ما عجزت عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، أو لم تعد قادرة أو مستعدة لأداء المهمات الرئيسة للدولة-الأمة في العالم الحديث. فالدولة التي تتوقف عن توفير السلع السياسية/العامة مثل الأمن الإنساني أو الخدمات الأساسية، تنسف مبرّرات وجودها وتنقل هذه المهمات، التي تستقي منها المؤسسات والقوى السياسية سلطتها، إلى قوى لا دولية. وغالباً ما تُستخدَم العوامل الاقتصادية المتوسطة مثل الفقر، والندرة المالية، ووجود الموارد الطبيعية (لعنة الموارد)، لتفسير مستويات فشل الدولة. كما غالباً ما تُقدَّم الانقسامات الإثنية أو العرقية أو الطائفية على أنها أسباب أو على الأقل عوامل مُساهِمة في انهيار الدولة وفشلها وضعفها. بيد أن العلاقة بين الانقسامات الإثنية واحتمال فشل الدولة ليست مباشرة.

أما السبب الآخر المتوسط لفشل الدولة فهو القيادة المُدمِّرة. فعلى رغم أن الخلل البنيوي والتوترات الاجتماعية مهمة لتفسير انهيار الدولة وفشلها، إلا أن هذه الظاهرة هي من صنع الإنسان إلى حدٍّ كبير، ذلك أن أخطاء القيادة تدمّر الدول القابلة للحياة أو تمنعها حتى من الظهور، وغالباً لأسباب الكسب الشخصي. والحال أن سلسلة القرارات التي يتّخذها الحكام والكادرات الحاكمة هي التي تُفرغ بالتدريج قدرات الدولة من مضمونها، وتفصل الدولة عن المجتمع، وتولّد حركات المعارضة أو تشعل لهيب الحرب الأهلية.

في حين أن العوامل الكبيرة والمتوسطة مفيدة لفهم جذور الأسباب والظروف المرتبطة بفشل الدولة وانهيارها، إلا أنها لا تستطيع تفسير ظواهر تعبئة العنف المُنظَّم والعداوات بين الجماعات داخل الدولة التي هي سمة رئيسة من سمات انهيار الدولة وفشلها وضعفها. ويُعرَف أحد العوامل التي تشجّع العنف على حساب أشكال التفاعل السلمي باسم «المعضلة الأمنية». فهذه العملية، حيث تنغمس الجماعات التي تسعى إلى الأمان والحماية في حمأة عداوات، تظهر في الدول التي لم تعد تمتلك القدرة على توفير الأمن الإنساني لمواطنيها، بسبب فقدانها احتكار استخدام العنف الشرعي. ومع تدهور سلطة الدولة، يتعيّن على القوى غير الحكومية أن تضع الأولوية لأمنها الخاص، ما يؤدي إلى إدامة العنف ودفع الدولة إلى الفشل.

===================

تركيا المعاصرة بين حقائق التاريخ والجغرافيا

آخر تحديث:الخميس ,16/12/2010

يوسف مكي

الخليج

عانت تركيا طيلة تاريخها المعاصر، من حالة ارتباك بين العصرنة والأصالة . فتركيا في بنيتها التحتية دولة مسلمة، تربطها علاقة الثقافة والتاريخ والجوار بالأمة العربية . وظلت على تماس مباشر بمعظم الأقطار، أثناء توسع ممتلكات السلطنة العثمانية . العودة إلى المحيط العربي والإسلامي، تأتي في سياق تاريخي وموضوعي صحيح .

 

لكن المشكلات الداخلية والإقليمية التي تعرضنا لبعضها في الحديث السابق، تجعل الحكومات التركية على اختلاف توجهاتها السياسية، حريصة على استمرار علاقتها الاستراتيجية بحلف الأطلسي، ووجود قواعد عسكرية أمريكية فوق أراضيها . فقد كانت العلاقات مع الغرب، أثناء الحرب الباردة، صمام أمان لحمايتها من احتمالات التدخل السوفييتي .

 

لقد شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ، أن تقع تركيا على الحدود الجنوبية لجمهوريات الاتحاد السوفييتي، وأن تتسم علاقتها به بالتوتر . كانت الأساطيل والغواصات النووية السوفييتية تقترب دائماً من المياه الإقليمية التركية، عابرة مضيق الدردنيل، متجهة إلى المياه الجنوبية في البحر الأبيض المتوسط . ولم تكن علاقاتها بجيرانها العرب، مستقرة دائماً . فإضافة إلى المطالبة السورية التاريخية، بلواء الاسكندرون الذي يشكل امتداداً جغرافياً وبشرياً للأراضي السورية، هناك مشكلة مياه نهر الفرات، التي تسببت في أزمات حادة بين تركيا وبين سوريا والعراق . ولم تكن علاقاتها بجارتها إيران، وبشكل خاص بعد قيام الجمهورية الإسلامية في وضع جيد .

 

فرضت التحديات المركبة والمعقدة والكثيرة، الداخلية والإقليمية على حكومات تركيا الاعتماد باستمرار على مظلة حلف الأطلسي . وكان على هذه الحكومات أن تدفع ثمن ذلك، بالحرص من جهة، على تبني القيم الليبرالية الغربية، ووضع أراضيها في خدمة استراتيجية الحلف . ليس ذلك فحسب، بل والمشاركة في أحلاف أخرى، كما هو الحال، مع مشروع أيزنهاور لملء الفراغ بالشرق الأوسط، وحلف بغداد، وحلف السنتو، المعروف بحلف المعاهدة المركزية، وجميعها مشاريع موجهة ضد السوفييت والكتلة الشيوعية .

 

مع بداية التسعينيات حدثت تغيرات كبيرة في المزاج السياسي التركي . لقد تزامنت نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، بحدثين رئيسين: الأول صعود التيار الإسلامي السياسي، والثاني فرض الحصار على العراق، الذي استمر لثلاثة عشر عاماً، بعد عاصفة الصحراء . ولكل من هذه الحوادث تبعاته وإسقاطاته على التطورات اللاحقة التي شهدها المسرح السياسي التركي . فنهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، تعنيان أن السيف المطبق على رقبة تركيا من الشمال، جرى التخلص منه . وأن الحاجة لمظلة حلف الأطلسي لحماية المصالح القومية قد تراجعت . ومن جهة أخرى، أدى استمرار الحصار الغربي على العراق، والقمع “الإسرائيلي” للفلسطينيين، واستمرار بناء المستوطنات بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وانطلاق انتفاضة الأقصى، لخلق وضع شعبي مناوئ لسياسة المعايير المزدوجة التي يتبناها الغرب .

 

وقد ساعد على ذلك، النمو المتسارع للإسلام السياسي، والرفض الأوروبي المتكرر، لانضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة، وللاتحاد الأوروبي . لقد وجد الكثير من الأتراك في الرفض الأوروبي لالتحاق تركيا بهم، موقفاً استعلائياً، وأرجعوه إلى هوية تركيا الإسلامية، باعتبارها السبب الرئيس لحرمانهم من الحوافز الاقتصادية، التي يتيحها الارتباط بالقارة الأوروبية .

 

واقع الحال، أن تركيا تعاني من تركيبة سياسية معقدة، فالحريصون على علمانية الدولة هم المؤسسة العسكرية المعادية بحكم موقعها في السلم الاجتماعي، للنهج الديمقراطي . وكانت هي الضامنة لعلمانية الدستور . وهي المستهدفة بالاتهام بارتكاب خروقات واسعة لحقوق الإنسان . ويبدو أن إصلاح هذه المعادلة من الصعوبة بمكان إن لم يكن مستحيلاً . ويبدو الأمر هنا في غاية التعقيد، فالاتحاد الأوروبي، يريد نظاماً تركياً يتماشى مع سياساته، ويلتزم بمعاييره للصواب والخطأ . وكان العسكر لحقب طويلة هم المؤتمنون على جانب واحد من المعادلة، المتمثل في رعاية علمانية الدولة، لكنهم يقودون الانقلابات ويطيحون بالحكومات المنتخبة وتلك هي المعضلة .

 

من المؤكد أن صعود “الإسلاميين” لسدة الحكم، ليس مبعث رضا من قبل الغرب . ووضع الأتراك في ذلك، يشبه إلى حد كبير، وصول حركة حماس بالأراضي المحتلة للسلطة عن طريق الانتخابات، التي جرت بضغط أمريكي، لكن الأمريكيين أنفسهم ومعهم “الإسرائيليون” لم يكونوا سعداء بنتائج تلك الانتخابات . إنهم مع الديمقراطية شرط اتساقها مع سياساتهم . ولذلك يجدون أنفسهم مجبرين على تأييد الانقلابات العسكرية، والأمثلة في هذا السياق كثيرة . مع الحكومة الحالية، شهدت العلاقات التركية - “الإسرائيلية” جملة من الانهيارات، ففي 29 من يناير/ كانون الثاني 2009 غادر أردوغان مؤتمر دافوس بعد مشاحنة كلامية مع الرئيس “الإسرائيلي”، شيمون بيريز بشأن الحرب على غزة . وأوقفت المناورات المشتركة، بين تركيا و”إسرائيل” . ودعمت تركيا محاولات فك الحصار عن قطاع غزة .

 

إن التيار الإسلامي التركي، يدرك طبيعة التحول في المزاج السياسي في بلاده . ويعي تماماً أن بقاءه طويلاً في السلطة، لن يكون مرتبطاً بحصده أغلبية المقاعد في البرلمان، أو من خلال الاحتكام إلى القانون، ولكن من خلال الاستناد إلى الشارع ذاته . إنه يدرك أن العسكر لن تكون معركتهم مع التيار الإسلامي سهلة، إذا ما تمكن هذا التيار من جعل الشارع يقف إلى جانبه . فليس هناك قضية سياسية أكثر قدسية وعدالة من قضية فلسطين . وجاذبيتها كفيلة بإضعاف العسكر .

 

إن أي خطوة، تقدم عليها حكومة أردوغان تجاه تقوية علاقاتها بالجنوب، ستكون رصيداً مضافاً لها داخلياً . فقد اكتشف الأتراك، أن الأوروبيين، ليسوا على استعداد لقبولهم عضواً في قارتهم، رغم محاولاتهم المتكررة، لتجاوز عقبة الدخول إلى السوق الأوروبية، والاتحاد الأوروبي . وطالما أفصح الأوروبيون عن عنصريتهم، ورفضوا أن يجعلوا لتركيا عمقاً أوروبياً، فليس لها إلا أن تعود لمجالها الحيوي الذي استمدت منه حضورها التاريخي، المتمثل في البلدان العربية والإسلامية .

 

هكذا يتشكل المشهد السياسي والثقافي التركي، فتشهد تركيا مؤتمرات التأييد لعروبة القدس، وتقدم الحكومة التركية على تبنى مسلسل تلفزيوني، “صرخة حجر” يفضح حملات الإبادة “الإسرائيلية”، وتنتقل بعلاقتها مع سوريا، من علاقة مشحونة بالتوترات إلى المستوى الاستراتيجي . إن من شأن ذلك أن يضعف المؤسسة العسكرية، الراعية للعلمانية . ويسهم في تغيير الدستور، ليتواءم مع المتغيرات الجديدة .

 

لكن السؤال الذي يظل قائماً، هل تمكن الإسلام السياسي، من حسم الصراع نهائياً مع المؤسسة العسكرية، لصالحه، أم أنها استراحة محارب؟ الإجابة عن هذا السؤال رهينة بتقدير التوازنات السياسية في تركيا، وهي أمر لا يمكن الجزم به الآن، وستتكفل الأيام المقبلة بالإجابة عنه .

===================

ربط أطراف أحجيات الإمبراطورية المرتبكة

بقلم :محمد فاضل

البيان

16-12-2010

في العام 2000، التقيت دبلوماسياً روسياً كان حاضراً في مؤتمر خليجي في عاصمة خليجية، كان الصحافيون يتحاشونه وهم يرددون همساً أنه رجل ال«كي جي بي» في السفارة الروسية في تلك العاصمة.

كان شاباً أشقر قصير القامة، لكن ذو جسم رياضي متناسق (بشكل يذكرنا بهوس الكمال السوفييتي الذي حول الجمباز لعبة وطنية روسية). لقد فهم هذا الانطباع الرائج عنه بذكاء، ووسط الحديث، قال دون مقدمات كمن يبرر أسئلته: «ثلاثة خبزهم واحد.. الدبلوماسيون، الجواسيس والصحافيون.. خبزهم هو المعلومات».

والسؤال الذي سيلي هذا هو: ما الغاية من المعلومات وأين ستصب في النهاية؟ فالمعلومات لا تجمع لإشباع الفضول فحسب، بل لا بد لها من وجهة نهائية، فعليها تبنى السياسات والمواقف والانطباعات والتقييم.

أما إبقاؤها سرية أو نشرها، فذاك أمر تقتضيه أسباب لا حصر لها، من أصول الدبلوماسية، إلى ممارسة الضغوط والتفاوض، إلى مجرد العلم فحسب، وصولا إلى التشهير. وكلما كانت المعلومات خطيرة، كلما زاد طوق السرية حولها، وليس من الضروري أن يكون ذلك لأغراض خبيثة، بل أحيانا خشية أن يؤدي نشرها إلى ردود فعل كارثية.

يقرأ الصحافيون الخلاصات من خلال التحليل والمعلومات المتوافرة، المنشورة منها والشفاهية، من المصادر المفتوحة أو المصادر المغلقة. ما يقال همساً وما يقال مواربة ومجازا وتلميحا. ما يقوله المحللون والساسة، وما يقوله سائقو الأجرة والناس في الشوارع في أي بلد.

من هذا النوع، برقيات أوردها موقع «ويكيليكس» تصف أوضاع نخبة حاكمة في بلد ما، أو ما هو غير معلن عن تعاون سياسي أو استخباراتي، أو كلمات تعكس موقفا لا يقال علنا، من باب أقدم تقاليد العمل السياسي والكياسة الدبلوماسية.

الصحافيون يحومون حول المعلومات دوما، لهذا فهم بالنسبة للآخرين، وخصوصا السياسيين، مخلوقات مزعجة. لكن ولأننا والدبلوماسيين نمارس عملنا في ميدان السياسة، فإن أكثر من يشبهنا هم الجواسيس، وعلى هذا فما من غطاء مفضل للجواسيس سوى أن ينتحلوا صفة الدبلوماسي أو الصحافي.

هل نسيتم أن واحدا من الجواسيس السوفييت العظام في القرن العشرين، الأسطوري كيم فيلبي، كان أثناء خدمته في جهاز «ام أي 6» البريطاني يعمل صحافيا؟ وهل نستيم أن روبرت ماكسويل، رئيس تحرير الديلي تليغراف كان عميلاً للموساد؟

في حدود هذا التماهي، فإن الساسة والدبلوماسيين والصحافيين والجواسيس، لاعبون رئيسيون في عالم من الأحاجي والألغاز، اصطلحنا على تسميته عالم السياسة. العالم الذي لا تقدم فيه المعلومات كاملة، بل أنصاف المعلومات والتلميحات والنوايا المبطنة، المصاغة في أكثر الصيغ مواربة وتهذيباً.

ألم يستوقفكم أن أكثر الكلمات التي تتردد حول ما يكتب في الصحف ووسائل الإعلام هي: «تكهنات»؟ على هذا، فإن التحليلات التي تطالعنا بها الصحف ووسائل الإعلام، والحوارات التلفزيونية ومراكز الأبحاث، ليست سوى محاولة لربط أطراف احجيات وألغاز لا تنتهي، صنعت في مطابخ السياسة التي تصب فيها المعلومات من مصادر لا حصر لها: تقارير الاستخبارات، تقارير الدبلوماسيين، تحليلات الإعلام ومراكز الأبحاث.

لكن مهلا، متى كانت الدبلوماسية والعمل الدبلوماسي غير ما كشفت عنه وثائق «ويكيليكس»؟ إذا يفعل الدبلوماسيون منذ أقدم العصور وحتى اليوم، وعدا تمثيل مصالح بلدانهم ورعايتها، غير إرسال التقارير إلى حكوماتهم، وليس بالضرورة أن تكون مبهجة أو متاحة للجمهور؟

لم يفعل موقع «ويكيليكس» سوى أن كشف الجانب الخفي في مطبخ الدبلوماسية الأميركية، وثائق تخص القوة العظمى التي ينشط دبلوماسيوها في كل القارات وفي كل نزاع، وهو ما حدا بصحيفة «ذي غارديان» البريطانية إلى ان تعنون موضوعها عن هذه الوثائق بعنوان بليغ: «نظرة الولايات المتحدة إلى العالم في ربع مليون وثيقة مسربة» (غارديان 29 /201011).

في المحصلة النهائية، فإن موقع «ويكيليكس»، ورغم كل ما قد يقال، لم يفعل سوى ان سد فراغات في لوحات الاحاجي لعشرات ومئات القضايا عبر العالم، أكمل حل احجية هنا وهناك، فما كان يستشعره الصحافيون والكتاب والناس بالتحليل أو حتى بالحدس، اكملته البرقيات المسربة.

 

لقد أثارت التسريبات حيرة حول دوافع نشرها ودوافع القائمين على موقع «ويكيليكس»، وحظينا مجددا بمواجهة ذلك الاحتمال الذي لا غنى عنه في أي جدال سياسي، وهو أن التسريبات قد تكون «متعمدة».

 

الاستدلال العقلي قد لا يستبعد هذا الاحتمال، وحتى الحرج ومقدار الضرر الذي لحق بالإدارة الأميركية، لا يقلل من قيمة هذا الاحتمال لأن ثمة تفسيرا منطقيا يقابله، هو أن تكون «نظرية التسريب المتعمد» جزءا من صراع داخلي. لست أقول بهذا، بل إنني مثل كثيرين أفكر بصوت مسموع، لكنني ما زلت مترددا في قبول فرضية الدوافع العمد (مفردة مخففة لوطأة كلمة مؤامرة).

 

فمن هو هذا المجنون الذي سيدشن (حتى بأكثر الدوافع المرضية) موقعا على شبكة الانترنت، سيغدو بعد حين «النادي العالمي للموظفين الناقمين» الذين إن أرادوا الانتقام لأي دافع من مرؤوسيهم أو حكوماتهم، سينشرون وثائق كانت بحوزتهم على الانترنت؟ قد يكون هذا النادي هو مآل «ويكيليكس»، وهذا يبدو أمرا لا مناص منه، ومن هنا فحسب، حجم ونوع التغيير الذي أحدثه هذا الموقع في العالم بأسره.

 

إن جوليان اسانج مؤسس الموقع شاب في التاسعة والثلاثين من العمر، وفي ملمح غير ظاهر حتى الآن، فإن فعل التسريب يبدو رد فعل من جيل سئم كل ما يظهر على سطح العالم من سياسات قديمة تنتمي لأجيال سبقت.

 

فالكياسة الدبلوماسية، وقواعد السلوك بين الساسة ومقدار النفاق الهائل الذي تفصح عنه المجاملات الدبلوماسية في عالم موبوء بالكوارث والحروب ويعاني مظاهر التأزم، تبدو تناقضا لا تفهمه أجيال جديدة.

 

الانترنت تغير العالم، لكن ملامح هذا التغيير ودوافعه تختزل أكثر من ملمح، والوجهة ما زالت ملتبسة.

كاتب وصحافي بحريني

===================

ما بعد إلقاء السلاح

سمير كرم

السفير

16-12-2010

من قديم الازل في تاريخ الصراعات بين البشر الى تاريخ الصراعات بين الدول أو مع الدول وإلقاء السلاح يعني أحد امرين:

الاستسلام اذا كان إلقاء السلاح من جانب طرف واحد لا من جانب الطرفين، او السلام اذا كان إلقاء السلاح من جانب الطرفين معا في وقت واحد. والاستسلام بإلقاء السلاح من طرف واحد يعني التسليم للطرف الذي لم يسلم سلاحه، بما في ذلك التسليم بمطالبه.

ومن المؤكد ان الامور تطورت كثيرا واصبحت اكثر تعقيدا فصارت هناك مراقبة دولية وصارت هناك شروط بعضها على من ألقى السلاح وبعضها على من احتفظ بسلاحه.

ولكن الحقائق الاساسية بقيت كما هي. إلقاء السلاح استسلام والاستسلام تسليم.

ونحن في حالة السلطة (الوطنية) الفلسطينية بصدد حالة إلقاء سلاح. وكل ما نشهده منذ ذلك الوقت اي منذ اتفاقات اوسلو هو تأكيد أن اسرائيل تفهم الامر على انه استسلام والمستسلم لا يستطيع ان يفرض شروطا. واذا أردنا الحقيقة، لا بد ان نقول ان رفض اسرائيل الاستجابة لشروط سواء كانت من السلطة الفلسطينية او من الوسيط بينها وبين السلطة، اي من الولايات المتحدة - هو موقف «مبدئي» مبني على هذه القاعدة. ورفض الشروط المصحوبة بحوافز واغراءات ومكافآت حتى وان كانت مقابل اجراء بسيط لا تترتب عليه نتائج كتلك التي عرضتها ادارة الرئيس الاميركي اوباما مقابل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية وليس في القدس الشرقية، يقدم دليلا اكيدا على ان اسرائيل تفضل تفسيرها لالقاء السلاح من جانب السلطة الفلسطينية وتريد ان تفرضه على كل الاطراف، بمن فيهم الاحزاب الاسرائيلية المشاركة في ائتلافها الحاكم وغير المشاركين. وهذا موقف أكثر «مبدئية».

ليس هذا دفاعا عن اسرائيل او موقفها، بل هو توصيف له من منطلق اختلاف الوقائع بين استمرار التفاوض من نقطة استمرار المقاومة ومحاولة «التفاوض» من نقطة إلقاء السلاح، والتعهد بعدم العودة اليه، تحت اية ظروف ولأية ذرائع. ليس هذا دفاعا عن اسرائيل بل هو محاولة لرؤية الامور من وجهة النظر الاخرى... الاسرائيلية. ومن وجهة النظر هذه، فإن السلطة الفلسطينية اختارت بمحض ارادتها نظريا على الاقل ان تتحول من حركة مقاومة الى اسيرة لدى الطرف الاسرائيلي بمجرد إلقاء السلاح. وهذا امر يمكن ان يتضح اكثر اذا تصورنا ان السلطة الفلسطينية – هذه السلطة نفسها – قررت تحت ضغط السلوك الاسرائيلي و«الضعف» الاميركي المزعوم، ان تعود الى «خيار المقاومة». هنا تتضح صفة الاسيرة تماما. الكل يتحول في لحظة الى أسير في يد الجيش الاسرائيلي، بمن في ذلك رئيس السلطة واركانها ودبلوماسيوها... اي كل المستفيدين من وضع القاء السلاح.

لقد أعلنت السلطة الفلسطينية من خلال مصادرها ومن خلال مصادر عربية، اي بطريقة غير مباشرة انها «تدرس وقف التنسيق الامني مع تل ابيب وتدرس التخلي عن التزاماتها تجاه تل ابيب». وفي هذا الصدد قال حنا عميرة، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في تصريحات صحافية ان وجهة نظره (وهذه عبارة تعطي فرصة للسلطة وللمنظمة للتنصل من هذه التصريحات اذا لزم الامر) انه «يجب الاعلان عن وقف المفاوضات والاعتراف بفشلها فشلا ذريعا ونهائيا. وان الرهان على الدور الاميركي أصبح غير ممكن. ونقل الملف برمته الى الامم المتحدة». ونوه عميرة الى ان القيادة الفلسطينية بانتظار ما يحمله جورج ميتشل المبعوث الرئاسي الاميركي لعملية السلام لمحمود عباس رئيس السلطة، وكذلك بانتظار الاجتماع المرتقب للجنة المتابعة العربية للسلام.

وهذه تصريحات متناقضة. ان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير يريد أن يبقي قدما في بقعة فشل المفاوضات ويبقي قدما اخرى في استمرار المحاولات الاميركية والعربية. وحول إمكانية وقف التنسيق الامني مع اسرائيل قال عميرة «ان هذا خيار من الخيارات المطروحة لكن بشكل غير مباشر، وسيكون هذا بعد اللجوء الى الساحة الدولية»، أي الى الامم المتحدة. وهنا ايضا تعكس تصريحات مسؤول منظمة التحرير ترددا واضحا بين الفعل والاحجام عن الفعل. انه وغيره من المسؤولين في السلطة وفي المنظمة على السواء، يعرفون انهم أسرى اسرائيل. ان التلويح بوقف التنسيق الامني مع اسرائيل يعني حرمان اسرائيل من أهم نتائج إلقاء السلاح التي حصلت عليها في اوسلو. لقد أثبت التنسيق الامني انه اهم ادلة إخلاص المنظمة والسلطة لأمن اسرائيل بالدرجة الاولى على حساب المقاومة ومستقبل المقاومة. ان السلطة لا تتردد لحظة في الاستجابة لطلب اسرائيلي باعتقال اي عنصر فلسطيني تعتبره السلطات العسكرية الاسرائيلية خطرا على امن اسرائيل. في الوقت نفسه فإن إقدام القوات الاسرائيلية على اعتقال عناصر فلسطينية في الضفة الغربية لا يقابل بأي اعتراض من جانب السلطة الفلسطينية.

هذا هو المعنى المزدوج للتنسيق الامني بين السلطة واسرائيل. وقد ثبت أنه أنجح بنود الاتفاقات بين هذين الطرفين. ولا يمكن ان يتصور أحد ان تنظر اسرائيل والقوات الاسرائيلية الى احتمال وقف هذا التنسيق نظرة اقل من نظرتهما الى تجميد الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية.

وثمة معنى اقليمي أوسع للتنسيق الامني بين السلطة واسرائيل. انه يتمثل في اهتمام اسرائيل الى اقصى حد، بأن تكون السلطة الفلسطينية في الصف العربي الذي يتجمع في مواجهة عدائية تجاه ايران. وتدرك اسرائيل انها حققت نجاحا لا يستهان به، في دفع كتلة عربية بأكملها، نحو موقف عدائي اقليمي تجاه ايران، الامر الذي يلزم اسرائيل ويلزم اميركا اذا حان وقت مهاجمة ايران من جانب اسرائيل او الولايات المتحدة. وفي مجال التنسيق الامني بين السلطة الفلسطينية واسرائيل تجاه ايران فإن من المؤكد بل المفروغ منه ان اسرائيل تعطي اولوية لمواجهة ايران على تحقيق سلام مع السلطة الفلسطينية. فإن التحدي الايراني لإسرائيل يأتي اولا وقبل اي تحد يمكن ان تشكله السلطة الفلسطينية اذا استمرت في التنسيق الامني مع اسرائيل أو اذا أوقفت هذا التعاون. وقد عبر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي عن هذا المعنى مئات المرات مؤكدا اولوية المواجهة مع التحدي الايراني على تحقيق سلام اسرائيلي فلسطيني.

وليس مستبعدا ابدا ان تتمسك اسرائيل بأولوية التحدي الايراني بصورة صريحة في عرقلتها المستمرة للمفاوضات مع الفلسطينيين. ذلك ان اسرائيل تريد الحصول من الكتلة العربية التي ترى ايران بهذه العين ذاتها على تنازلات عديدة، تؤكد هذه الاولوية من ناحية وتحاول من ناحية اخرى إبعاد ايران عن دورها الاقليمي، خاصة ذلك الجانب المتعلق بدعم ايران للمقاومة العربية ضد اسرائيل، سواء في ذلك المقاومة الفلسطينية او المقاومة اللبنانية. أما كيف تبدو هذه الكتلة العربية من ناحية استعدادها لاعتبار التحدي الايراني اولوية تتقدم على السلام الفلسطيني الاسرائيلي، فإن العامل الحاسم هنا يتمثل في الولايات المتحدة. فهل ثمة شك في اتفاق الولايات المتحدة مع اسرائيل على هذه الاولوية؟ وهل ثمة شك في ان الكتلة العربية هذه تسير باتجاه اميركي في الشان الاقليمي بلا استثناء؟

لقد عبر تقرير اصدره «المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي» في واشنطن عن رؤية اسرائيل ولعلنا نقول بتحديد ادق رؤية حكومة نتنياهو - عن المرحلة القادمة بعد اعلان ادارة اوباما فشلها في «الضغط على اسرائيل من اجل تجميد مؤقت لا يتجاوز تسعين يوما للاستيطان في الضفة الغربية مع اخراج القدس الشرقية من الحساب كلية. فماذا قال المعهد المعني بالشؤون العسكرية الاسرائيلية في العلاقات الاميركية الاسرائيلية؟

قال المعهد المذكور من البداية الاولى، من عنوان تقريره، انه ما على اسرائيل والولايات المتحدة الا «ان تنهيا عملية السلام وان تتحركا قدما بعد ذلك». وهذا قول كاف بحد ذاته للتدليل على ما تصبو اليه اسرائيل في الموقف الراهن. هذا الكلام يقول لا لعملية السلام بصريح العبارة. والمعهد يدعي «ان السلطة الفلسطينية تتحرك بعيدا عن مبدأ التسوية بالتفاوض». ويقول «ان خطوط الهدنة في عام 1949 ليست حدودا. والحدود ينبغي ان تقام بالتفاوض وحدود اسرائيل الدائمة ينبغي ان تضم اراضي تقع الى الشرق من هذا الخط». ويقول ايضا «الآن يتعين على الادارة (الاميركية) ان تفهم ان ابو مازن والسلطة الفلسطينية لا يستطيعان البقاء اذا لم يتخليا عن مطالب ياسر عرفات الرئيسية: (أ) فلسطين مستقلة بدون حدود محددة وبدون اعتراف بشرعية السيادة اليهودية في اي جزء من الارض، وبدون نهاية لحالة الحرب. (ب) عاصمة في القدس دون اعتراف بحقوق يهودية، او تاريخ يهودي في المدينة. (ج) حق الفلسطينيين الذين يزعمون انهم اتوا من اسرائيل ما قبل 1967 وحق سلالاتهم في الاقامة داخل اسرائيل ما قبل 1967».

وينقل المعهد عن تسريبات وثائق ويكيليكس ان «الرئيس اوباما يقول ان إنهاء الصراع العربي الاسرائيلي هو الشرط الضروري لجمع العرب في تحالف لمعارضة ايران، ولكن العرب تقودهم العربية السعودية وبعبارات لا ينقصها اليقين يلتمسون من الادارة ان تتصدى لايران اولا ولايران وحدها. لقد شوهد الامبراطور الاميركي عاريا بدون ملابسه واجبرت الادارة على ان تعترف بأن سياسة تجميد المستوطنات قد ماتت».

يحمل هذا التقرير تاريخ 10 كانون الاول/ ديسمبر الحالي، وقد صدر قبل تصريحات وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون الاخيرة، غير ان هذه التصريحات تتطابق مع دعوة التقرير الى إنهاء عملية السلام والمضي في الطريق نفسه. فهذا هو معنى ما دعت اليه الوزيرة كلينتون. وهذا هو معنى الاستمرار في الحديث مع السلطة الفلسطينية وهي في الاسر.

سيقال في مجال التبرير ان ادارة اوباما تبدو هي الاخرى في الاسر، وهذا يقال على سبيل التخفيف من وقع خطيئة السلطة الفلسطينية ما دامت تسلك بصورة لا تختلف عن سلوك الدولة العظمى التي تحكمها ادارة اوباما. لكن الحقيقة هي ان ادارة اوباما، تملك الخيارات المختلفة، وتختار بنفسها اتجاهها. اما السلطة الفلسطينية فإنها على عكس ما تردد في الايام الاخيرة من انها تملك عدة خيارات بديلة لا تملك هذه الخيارات فعليا. انها خيارات تملكها البرازيل والارجنتين واوروغواي، لكن لا تملكها السلطة الفلسطينية. ولكن مطالبة الولايات المتحدة بأن تفصل سياستها عن اسرائيل اشبه بمطالبتها بأن تقطع يدها بسكينها.

لن تفصل الولايات المتحدة نفسها عن اسرائيل طائعة مختارة. متى ندرك هذه الحقيقة البسيطة؟

اما متى تستطيع السلطة الفلسطينية ان «تتخلى عن التزاماتها تجاه اسرائيل» فهذا سؤال اسهل منه السؤال عن متى يمكن تربيع الدائرة؟

ان من ألقى السلاح قبل سبعة عشر عاما لا يستطيع ان يجده اصلا فضلا عن ان يحمله، فضلا عن ان يقرراطلاقه، فضلا عن ان يطلقه وان يصوبه الى العدو (...)

===================

تحصين القدس والجولان بتعويذة الاستفتاء!

المستقبل - الخميس 16 كانون الأول 2010

العدد 3859 - رأي و فكر - صفحة 19

مأمون كيوان

قريباً، سيعود السويسريون إلى صناديق الاقتراع للتصويت في استفتاء حول تشديد قانون ترحيل مجرمين أجانب في مبادرة من اليمين المتطرف الشعبوي يتوقع أن تكون نتائجها غير محسومة بعد سنة من منع بناء المآذن على الأراضي السويسرية.

وبعد أن ثارت شكوك حول آليات ونتائج رزمة استحقاقات انتخابية في عدد من الدول الشرق أوسطية، جرى في السنوات القليلة الماضية اللجوء أو التلويح أو الدعوة إلى اعتماد الاستفتاء الشعبي وسيلة لحسم خيارات أو قضايا كبرى ذات صلة باستحقاقات داخلية أو خارجية. فكان الاستفتاء التركي حول التعديلات الدستورية التي اقترحها حزب العدالة والتنمية للحد من دور المؤسسة العسكرية في الحكم.

وتداول العراقيون فكرة الاستفتاء لحسم مواقفهم من الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية لتنظيم وجود قواتها العسكرية في العراق وإنهاء حالة الاحتلال من جهة، ولحل مشكلة رئاسة الحكومة العتيدة.

أما السودانيون في جنوب السودان، فسيجرون استفتاء أوائل العام2011 لحسم مصير علاقة الجنوب بالشمال لجهة استمرار الوحدة أو الانفصال.

وفي النموذج الفلسطيني، وبالرغم من أن القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية نص على أن "نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة انتخاباً.. الخ". ويبدو أن ثمة استحالة قيام استفتاء في ظل الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني. وبالرغم من تداول فكرة استفتاء الشعب الفلسطيني على وثيقة الأسرى أو جزء منها.

ولا بد من التذكير أن القيادة الفلسطينية لم تستفتي الشعب الفلسطيني على اتفاقيات أوسلو التي طرحت للتنفيذ، رغم أنها شكلت تغييرا كبيرا قياسا ببرنامج المنظمة. كما أنها لم تستفت الشعب الفلسطيني على تغيير الميثاق الوطني، وأيضاً على أفكار الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون في كامب ديفيد "الثانية".

ومؤخراً، صادق الكنيست في إسرائيل بغالبية 65 عضوا ضد 33 صوتاً، بالقراءة الأولى على مشروع قانون يستهدف فرض إجراء استفتاء على أي اتفاقيات سلام تقوم على مبدأ "الأرض مقابل السلام". في حال عدم موافقة الكنيست على الاتفاق بغالبية الثلثين.

ويشمل هذا الإجراء أي اتفاقيات تتضمن انسحابا من ارض محتلة ضمتها إسرائيل بالفعل، وتحديداً القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية. وفي الوقت الذي أشاد فيه نتنياهو بقرار الكنيست، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك من أن "أعداء إسرائيل قد يستغلون قانون الاستفتاء الجديد بوصفه دليلا على أن إسرائيل تعارض استمرار عملية السلام و من يرفض السلام. و هذا القانون ليس قانونا جيدا خاصة في الوقت الراهن، ولست واثقا من الحاجة إليه الآن".

وفي هذا السياق، كتب زئيف سيغال في صحيفة "هآرتس" أن هذا القانون ادخل للمرة الأولى الاستفتاء في نظام الحكم في إسرائيل، وأنّ الكنيست قضم بذلك من سلطاته الخاصة وتفوقه في قضية قرر عرضها على استفتاء".

وحذرت ارييلا رينغل هوفمان في صحيفة "يديعوت احرونوت" من أن الاستفتاء "ليس عملية تعزز عملية صنع القرار و العكس هو الصحيح. فهذه العملية تقلص أو تخفض مسؤولية الطبقة السياسية، بل توسعها وتنزع عنها صفة المركزية بشكل سيء".

وكان شلومو أفنيري قد كتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت" قبيل فك الارتباط الإسرائيلي بقطاع غزة، أن "أحد الاستنتاجات الناشئة عن نتائج الاستفتاء في "الليكود" بسيط تماما: مهما كانت خطى رئيس الوزراء القادمة، فمحظور أن يكون الاستفتاء الشعبي أحدها. واعتبر أن الاستفتاءات الشعبية نادرة في الديمقراطيات البرلمانية، ومعظمها يشوش قدرة الحسم العقلانية القائمة في أساس الديمقراطية، لسبب واضح: يطرح فيها سؤال بسيط لجواب ب "نعم" أو "لا"، دون ظلال ودون مسؤولية عن النتيجة، خلافا للانتخابات التي يأخذ المشاركون فيها على عاتقهم مسؤولية انتخاب الحكومة القادمة".

وراهناً، أشار يوسي بيلين في مقال في صحيفة "إسرائيل اليوم" إلى أنه "يمكن إيجاد جوانب ايجابية في القانون: فخلافا لمشروع القانون القديم لسلفان شالوم، لا يطلب القانون الجديد أغلبية خاصة (من أجل تعطيل تصويت المواطنين العرب) وخلافا لمشاريع قوانين مختلفة بالنسبة للجان التي ستقرر صيغة السؤال في الاستفتاء الشعبي فان الصيغة المطروحة فيه بهذا الشأن نزيهة وحيادية.

ومن ناحية جوهرية، لا يمكن الادعاء بأنه أي القانون - مناهض للديمقراطية وأنه يهدد الكنيست. فثمة عدد غير قليل من الأنظمة الديمقراطية تستخدم الاستفتاءات الشعبية ولا سيما عندما يدور الحديث عن مواضيع جوهرية بل وأحيانا عن حالات أقل جوهرية".

ورأت هيئة تحرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه " مهما يكن من أمر فان القانون في شكله الحالي ليس قانونا أساس وليس قانونا محصنا. 65 نائبا أيدوا إقراره، و 61 نائبا يمكنهم أن يلغوه في كل لحظة. في الكنيست الحالية أيضا، فما بالك في الكنيسات التالية، الذي لا يمكن لأحد إن يخمن كيفية تركيبتها. إمكانية إلغاء القانون تنبع من حجته. فلن يطرح أي رئيس وزراء بالحد الأدنى من الذكاء على الكنيست اتفاقا يتضمن انسحابا من المناطق، من دون أن يعرف بثقة بان لديه أغلبية كهذه. إذا كانت الأغلبية المطلوبة 61 نائبا فقط ستوجد، فمن المعقول جدا أن تؤيد هذه الأغلبية قانون الاستفتاء الشعبي أيضا. فما الذي أجدى به إذن حكماء الكنيست في تعديلهم؟".

ولدى المقارنة بين حالة الجدل في إسرائيل بشأن قانون الاستفتاء واستحقاقاته وتداعياته على الداخل الإسرائيلي، وحالات أخرى للجدل في العراق والسودان، نجد أنه في النموذج الإسرائيلي لا يعدو أن يكون ثرثرة أو لغواً وليس مقياساً للديمقراطية. وهو في النموذج العراقي تعبيراً عن واقع مأزوم أنتجته ديمقراطية الرمال المتحركة الأميركية الصنع.

أما في النموذج السوداني فيبدو الاستفتاء الشعبي حول مصير الجنوب تلبية لمتطلبات خارجية وليس استجابة لضرورات داخلية، ناهيك عن أن جل شرور الانفصال ستصيب الجنوبيين في المقام الأول.

===================

الميزانية الأميركية.. والأولويات الوطنية

* لندا جيه. بيلمز

الرأي الاردنية

16-12-2010

تمتلئ واشنطن بالعديد من الخطط الخاصة بالتحكم في إجمالي الدين القومي. ولكن أكثر تلك الخطط دقة وشمولًا بما في ذلك تلك الواردة في تقرير لجنة سيمبسون–باولز الوطنية المالية المؤلفة من أعضاء ينتمون إلى الحزبين، تناول المشكلة باعتبارها مشكلة يمكن حلها باتباع مزيج من الزيادات الضريبة وتخفيض النفقات.

في رأيي أن مشكلة الميزانية الأميركية ليست حسابية فقط، وأننا قبل أن نأتي بحل حقيقي لتلك المشكلة مطالبون بفحص قيمنا الجوهرية وأولوياتنا كأمة. وبدلاً من أن نسأل أنفسنا، كم من النفقات يجب تخفيضها؟ وما مقدار الزيادة الضريبية التي يجب فرضها؟ علينا أن نسأل أنفسنا ما هي الأشياء المهمة التي يجب الاستمرار في الإنفاق عليها؟ وما هي الأ شياء التي يمكن الاستغناء عنها؟

النقطة الجوهرية في النقاش حول الميزانية هي: العدل والإنصاف. بمعنى أن نسأل أنفسنا: هل لدينا الرغبة للاستمرار في الإنفاق الآن على حساب رفاهية أبنائنا وأحفادنا؟ هل نحن حقاً راغبون في رؤية أناس من دون وظائف؟ هل نريد أن يخسر الكثيرون منا منازلهم بسبب إصرارنا على الاحتفاظ بمعدلات ضرائب منخفضة لمصلحة الطبقات الغنية؟

خلال السنوات الماضية، وبفضل اقتصادنا القوي القائم على الاستهلاك، واستعدادنا لاقتراض مليارات الدولارات، حتى نتمكن من إرضاء نزعاتنا الاستهلاكية، اعتقدنا أنه بمقدورنا فعل أي شيء دون أن نتعرض لأي مشكلة من أي نوع، وهو ما تأكد لنا في نهاية المطاف أنه مجرد وهم.

ويمكننا التأكد من صحة هذا الاستنتاج بالاطلاع على تفاصيل المحنة التي عانت منها العديد من الدول الأوروبية التي أفرطت في الإنفاق والاستدانة حتى أوشكت اقتصاداتها على الانهيار.

مبادئ علم الاقتصاد تقول إن أي دولة تبتغي علاجاً لاقتصادها، يجب ألا تقدم أبداً على تخفيض الإنفاق الحكومي في أوقات الركود، فالعكس تماماً هو الصحيح، وأي دولة ذات إدارة اقتصادية رشيدة يجب أن تعمل على زيادة الإنفاق الفيدرالي في تلك الأوقات لتنشيط المشروعات وتحريك عجلة الاقتصاد مجدداً.

حالة الاقتصاد الأميركي لم تصل إلى حالة حرجة قصوى يمكن أن تعرضه لخطر الإفلاس والانهيار، لأن الولايات المتحدة ليست كاليونان وليست كأيرلندا؛ حيث يمكنها على الرغم من كافة الصعوبات التي تواجهها أن تواصل الاقتراض من المؤسسات المصرفية العالمية بأسعار فائدة مخفضة لفترة طويلة قادمة يمكن لها خلالها ضخ الأموال المقترضة في شرايين الاقتصاد لبث الحيوية والنشاط.

وعندما نقوم بذلك علينا تصميم نظام طويل المدى لشد الأحزمة على البطون، لتحقيق هدف نهائي هو تقليص الاعتماد على الديون.

لكن بعض خبراء الاقتصاد يرون هذا الحل وهمياً، وما يحدث في الواقع يختلف تماماً عما تقوله النظريات، ويوردون في سبيل التدليل على صحة وجهة نظرهم عدداً من الأسباب منها:

أولًا: أن الكونجرس مُبتلى بما يعرف ب»الدورة السياسية القصيرة» بمعنى أنه يركز جهوده عادة على المشروعات التي ستكون نتيجتها محسوسة خلال فترة قصيرة أما مشروعات القوانين التي تعالج مشكلات فستكون نتائجها محسوسة بعد سنتين مثلًا (فترة التجديد النصفي)، أو أكثر من ذلك، فغالباً ما لا يتحمس لها الكونجرس.

السبب الثاني أن النقاش المحتدم حول الميزانية غالباً ما يصدم بنظام محاسبة فيدرالي مشوه يركز فقط على النفقات المباشرة أو قصيرة الأمد، ويتجاهل النفقات طويلة الأمد. فعندما يتعرض هذا النظام لمعالجة نفقات بناء حاملة طائرات جديدة مثلًا، فإنه يهتم فقط بالنفقات المباشرة الخاصة ببناء تلك الحاملة ولا يتناول النفقات الخاصة بصيانتها بعد ذلك وتجهيزها للعمل في العقد القادم.

هناك مثال آخر يوضح هذا الجانب من جوانب الخلل في الميزانية: التقديرات الفيدرالية الرسمية تشير إلى أن التكلفة المباشرة للحرب الدائرة في العراق وأفغانستان في الوقت الراهن تصل إلى تريليون دولار، وتتناسى أن نفقات تقديم الرعاية الطبية للمحاربين القدماء والمصابين بحالات عجز من جراء المشاركة في العمليات الحربية وكذلك نفقات استبدال المعدات التالفة أو القديمة عبر العقد المقبل قد تُكلف عدة تريليونات إضافية.

في الوقت نفسه أظهر الكونجرس ترحيباً بارداً للغاية باقتراح الاستثمار في مشروعات ذات مردودات بعيدة أو غير محسوسة–ولكن لا غنى عنها للأمن القومي الأميركي- ومنها مشروعات السكك الحديدية فائقة السرعة ذات التأثير الهائل على الاقتصاد. هناك سبب آخر وهو أنه إذا كانت الحكومة الفيدرالية قادرة إلى حد ما على اتباع أسلوب الإنفاق بالعجز أي الاستمرار في الإنفاق من خلال الحصول على قروض لتعويض العجز في التمويل، إلا أن سلطات الولايات والمجالس المحلية لا تستطيع القيام بذلك، ولا تجد أمامها من وسيلة بالتالي سوى تخفيض الإنفاق على بعض المشروعات على الرغم من الحاجة الماسة إليها.

الولايات المتحدة على الرغم من التحديات التي تواجهها، لا تستطيع حل مشكلة الدين دون إجراء مناقشة أكثر عمقاً وأوسع نطاقاً حول أولوياتنا الوطنية. بمعنى أننا يجب أن نتخلى عن الإغراق في التفاصيل التي قد لا تكون مهمة في حد ذاتها ونركز بدلاً من ذلك على الموضوعات الرئيسة التي تتعلق مباشرة بالقيم التي نتبناها كأمة وأن نسأل أنفسنا أسئلة جوهرية: ماهو مقدار الإنفاق الدفاعي اللازم لسلامتنا وأمننا القومي؟ ما هو مقدار الرعاية الصحية التي يجب تقديمها بموجب المشروعات الحكومية في المجال الصحي؟ إلى أي مدى يمكن أن نقدم تعهدات برعاية السكان الأكبر سناً من خلال مشروع الضمان الاجتماعي؟ والأهم من ذلك كله كيف يمكن ضمان أن أعباء تمويل البرامج اللازمة لتحقيق كل ذلك سيتم تحملها بشكل منصف وعادل من قبل مختلف الولايات الأميركية، ومن قبل الأغنياء والفقراء على حد سواء.

هذه الموضوعات أهم من أن يتم تفويضها إلى لجنة رئاسية، بصرف النظر عن مدى حسن نية تلك اللجنة وحسن نية من أوصوا بتشكيلها. وفي رأيي أن أوباما مطالب الآن بأن يقود الأمة الأميركية في سعيها من أجل استرداد قيمها الأصيلة كالتكافل ورجاحة الرأي على سبيل المثال لا الحصر.

(محاضر رئيسي بجامعة

هارفارد ومساعد سابق لوزير التجارة الأميركي)

«إم. سي. تي. إنترناشيونال» والاتحاد الإماراتية

===================

عملية السلام: حكاية موت غير معلن !

د. محمد ناجي عمايرة

الرأي الاردنية

16-12-2010

لا أحد يريد لجهود السلام في المنطقة العربية ان تتوقف.كما أن الاطراف المعنية بالصراع العربي الاسرائيلي لاترغب في الاعتراف بفشل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية.وفي الوقت ذاته يتبادل الجميع الاتهامات بالتسبب في تعثر المفاوضات وعدم الوصول الى أي تقدم يذكر.

 

يرى الجانب الفلسطيني والعربي أن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة غير جادة في البحث عن فرص السلام والوصول الى حل نهائي ،فهي متمسكة باستمرار الاحتلال والاستيطان وترفض التنازل عن مواقفها المتشددة بخصوص القدس والحدود واللاجئين والمياه وحق العودة والامن الاسرائيلي.والعرب وفي طليعتهم الفلسطينيون قدموا كل ما يمكنهم من مبادرات ومارسوا الكثير من تمارين الصبر والانتظار والنفس الطويل لعل الاسرائيليين يتعطفون بشيء من الفتات من الحقوق العربية الفلسطينية بلا جدوى.فهذه المبادرة العربية لن تبقى على الطاولة الى الأبد.

 

اما الاميركيون ومن يتبعهم من الاوروبيين فهم أسرى التوجهات الاسرائيلية لايحيدون قيد أنملة عن مايزعمون انه حماية أمن اسرائيل وحقها في العيش بسلام الى جانب جيرانها -العرب- ومن دون الفلسطينيين -إن أمكن - وليذهب هؤلاء الى المنافي البعيدة حتى لايزعجوا أمن الدولة اليهودية التي يريدها نتنياهو والاحزاب الاسرائيلية المتزمتة خالية تماما من غير اليهود !! وأما الدولة الفلسطينية فهي محدودة الصلاحيات على الارض والسكان ومشروطة بموافقة إسرائيل.

 

وهذه هي فحوى الموقف الاسرائيلي الذي لايختلف إلا في حدته حيث الترتيبات الامنية والاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية أولا ثم التخلي عن حق العودة ومبادلة بعض المستوطنات بأراض صحراوية في النقب وحكم اداري محلي لاسلطة له ولاسلاح ولاجيش تمهيدا لاحتوائه في إطار كونفدرالي لاحقا.

 

لايغيب عن البال أن هذا الذي أوضحته هنا هوكشف عن المواقف الصريحة خلف الابواب المغلقة. اما مايقال علنا ولأجهزة الاعلام فهو لمجرد الاستهلاك المحلي ولذر الرماد في العيون. ولعل بعض وثائق كويكليكس قد اكد ما هو معروف ومتداول من هذه المواقف.

 

آخر ما توصلت إليه الوساطات الاميركية ان ميتشيل مبعوث الرئيس اوباما لم يحمل للفلسطينيين أية ضمانات وان عليهم ان ينسوا مسألة وقف بناء المستوطنات إذا رغبوا في استمرار التفاوض. كما انه حمل «أفكارا» غير رسمية لحل لايشمل حدود 1967 ولكنه وعد بالعودة مجددا الى المنطقة للبحث عن «طرق مختلفة» لدفع العملية السلمية!!

لكن مبعوث الامم المتحدة ومنسقها لعملية السلام روبرت سري كان اوضح من غيره حين قال :إن حل الدولتين يكاد أن يتلاشى والمباحثات اصيبت بنكسة خطيرة وهناك حاجة شديدة الى «وساطة فعالة جدا» تقودها الادارة الاميركية.

بيد ان احدا لايريد أن يقول للفلسطينيين والعرب :لقد ماتت عملية السلام والبقية بحياتكم «!

===================

قتلتنا الجزئيات

د. عائض القرني

موقع جريدة الشرق الاوسط

نحن قوم شغلتنا الجزئيات عن الكليات والفروع عن الأصول والقالب عن المضمون والصوت والصورة عن السمت والسيرة، تطاحنّا في ما بيننا على مسائل خلافية وتركنا الدعوة إلى أصول الملة من تصحيح التوحيد وتقوية الإيمان وتهذيب الأخلاق وإقامة العدل ونشر السلام والدعوة بالحكمة وإشاعة الأخوة وعمارة الأرض بالزراعة والصناعة والاكتشاف والبناء.

العلماء مشغولون بمسألة الغناء وإرضاع الكبير وكشف وجه المرأة والاختلاط وقيادة المرأة للسيارة، وفي العالم الإسلامي ملايين يجهلون التوحيد وإخلاص العبودية لله فهم يطوفون بالأضرحة ويلوذون بالقبور ويعلقون التمائم وينوحون عند مقابر الأولياء، والشباب تعصف بهم موجة الغلو والمخدرات والتحلل من الدين، الناس مشغولون بالحياة اختراعا وبناء وتعميرا، ونحن مشغولون بالجدل والخلاف المذموم والقيل والقال، انهمكنا في مسائل طُبخت واحترقت من أكثر من ألف عام وما زلنا نعيد الكلام ونكرر العبارات ونجترّ الخلاف، تشاغلنا بالتقليد والمحاكاة على حساب التجديد، ورضينا بحفظ كلام الأئمة على حساب الاستنباط والفهم من الكتاب والسنة.

صنّع الغرب الراديو والتلفزيون والميكرفون وآلة التصوير فتقاتلنا نحن في حكم استعمالها، قدّم الغرب الثلاجة والبرادة والسخّانة والفرّامة والطيّارة والسيّارة والحفّارة والحرّاثة وكان المفروض أن نقدم لهم الإيمان والأخلاق والسكينة والرحمة والسلام والهداية، لكننا تشاغلنا بسبهم وتهديدهم والدعاء عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور وقاصمة الظهور..

أرسلوا لنا أطباء ومهندسين ومخترعين، وذهب بعض شبابنا إليهم مفجرين ومدمرين. كان أسلافنا يفتحون الشرق والغرب بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، محمد رسول الله مع العدل والمساواة والحرية والسلام، ونحن قعدنا في أماكننا نلوم أنفسنا ونندب حظنا ونتغنى بماضينا ونتناحر في ما بيننا على جزئيات المسائل ومفردات من السنن، كل سنة نخرج للعالم بحملة هائلة من الضجيج والصجيج، والصياح والنواح والصراخ في مسألة قيادة المرأة للسيارة وسفرها إلى مكة بالطائرة بلا محرم واستخدامها للعدسات اللاصقة وحكم الموسيقى ومشاركة الدعاة في بعض القنوات الفضائية، بالله هل انشغل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح ويوسف بن تاشفين وعلماء الأمة من المجددين والمصلحين بالخلافيات والردود على بعض والجدل السقيم العقيم أم سارت كتائبهم وأشرقت شموسهم بالفتح المبين والنصر المكين والدعوة إلى توحيد رب العالمين..

 

 آسف وأنا أطالع صحفنا ومواقع النت وأشاهد قنواتنا وإذا الردود الساخنة والأجوبة الطاحنة على المخالف في مسائل يسع فيها الخلاف، لماذا لا تُعطى كل مسألة حجمها؟ ولماذا لا نتشاغل بكبار المسائل وأصول الملة وعظائم الأمور؟ لماذا لا ترتفع هممنا إلى القضايا المصيرية ونكون على قدر المسؤولية ليصدق فينا قول الباري: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسامُ لقد صارت الفتوى عندنا فوضى، أصبح كل من حفظ شيئا من القرآن مع حديثين من السنة ولبس بشتا وأعفى لحيته يفتي الأمة تبرعا من عنده وحبا للتصدر، شباب في القنوات الفضائية يُسألون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، فيجيب هؤلاء بلا تأمل ولا روية، والكتّاب عندنا والمثقفون يصفقون لمن يحلل لهم ويسهّل ويفتح أبواب المباح من دون ضوابط شرعية، فكلما أفتيت بالجواز وقلت للناس: خذوا راحتكم، وما عليكم، وما له؟ والأمر سهل، وسّع صدرك، والمسألة بسيطة، وافعل ولا حرج، والموضوع هيّن، فأنت النجم اللامع، والقمر الساطع، والفقيه الذكي والملم بأحوال العصر ولو كانت الفتوى غلطا والجواب شططا. أيها الإخوة! اليهود زادوا مجرد نقطة، فوقعوا في ورطة، وسقطوا سقطة، وارتكبوا غلطة، قيل لهم: قولوا حطة، فقالوا: حنطة

===================

«تركيا: ملامح وأزمات..»

محمد رفيع

الرأي الاردنية

16-12-2010

«نظام ‏عالمي متعدّد الأطراف»، ولكن بهيمنة أميركية، هذا ما يعتقد القادة الأتراك أنّ الإدارة الأميركية الحالية تسعى إليه، بعد موجات الفشل الحادّة، في إدارة شؤون المنطقة والإقليم، في السنوات الأخيرة. وعليه، فإنّهم يرون أنّ هناك «فرصة أمام تركيا»، للمشاركة في إقامة مثل هذا النظام، الذي تشارك فيه دول متعدّدة في «مهمّات حلّ ‏الأزمات والنزاعات». مؤخّراً، لم يعد الأمر يبدو كفرصة وحسب، بل تعدّاه إلى «ضغوط تمارَس على تركيا»، من أجل إنتهاز «‏هذه الفرصة». فالجميع، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي، وكذلك عددٌ كبير من القوى والدول في الإقليم، أصبح بحاجة إلى «الدور التركي» في قضايا ومشكلات الإقليم.

 

تُدرك تركيا، قبل غيرها، أنّ ممارسة أدوار كهذه، وبشكلٍ فعّال، يُحتّم عليها أولاً وقبل كلّ شيء « تغيير صورتها السابقة» في الإقليم، إضافة إلى خروجها من «المحاور الدولية»، كي تستطيع المواءمة والتوفيق بين تحالفاتها القديمة والقائمة وبين «أدوارها المستجدّة».

 

في مناخ محاولات تغيير الصورة التقليدية للدولة التركية في الإقليم، ينبغي فهم المتغيرات الأخيرة في السياسة التركية، حول قضايا الإقليم ومشكلاته. هذا عربياً أو خارج تركيا، أما داخلياً، فإنّ «المناخ الشعبي»، المؤيّد ل»حزب ‏العدالة والتنمية»، يبدو الأكثر ملاءمة ومناسبة، من أجل تقديم تركيا لهذه «الإنعطافة» في سياستها ضمن «سياق ديموقراطي»، يُوائم ويجمع بين المزاج الشعبي وبين تحوّلات السياسة ‏الخارجية، ومن دون أن تُغادر تلك السياسة ضرورات التناغم الدائم، بين السياسة الخارجية التركية وأهداف الإتحاد الأوروبي، كما يقول وزير الخارجية المُجدّد «أحمد داود أُغلو».

 

فسياسة «صفر أزمات»، التي إرتبطت بإسم «أُوغلو»، تقوم على تصفية المشكلات مع الجوار، ومهما كان نوعها، وتبنّي سياسة مُركّبة و»متعدّدة الأبعاد»، ‏تكون قادرة على توسيع دائرة علاقات تركيا بالأطراف والقوى الآخرى في المنطقة، على أساس «التكامل لا التعارض» أو التناقض، ما يُفسّر زخم الترحيب الرسمي والشعبي الأخير بالأداء التركي، الذي كان حريصاً على عدم إحراج أحد، بإستثناء «الدولة العبرية»، التي كانت في صُلب التغييرات المطلوبة، لتحسين صورة تركيا، وفصل التلازم المعتاد بين الصورتين، عند أبناء الإقليم، إضافة إلى كون «إسرائيل» عنصراً أساسياً في صناعة مشكلات المنطقة.

 

فحين خاطب وزير الخارجية التركي، «‏داوود أوغلو»، نظيرته الأميركية «هيلاري كلينتون»، بقوله: «يجب ألّا يكون هناك إختيار بين تركيا وإسرائيل. يجب أن يكون الخيار بين الخطأ والصواب»، فكأنّه كان يُخاطب نفسه، بإعتبار أن ما يحدث هو «تعبير عن المأزق الذي وصلت إليه القيادة الإسرائيلية الحالية»، أكثر منه «كتغيير في السياسة التركية ‏تجاه إسرائيل»، بحسب رأي أحد المحلّلين السياسيين. وهو ما يؤكّده أيضاً النصّ، الذي نشره «أوغلو» في أيار/مايو الماضي، في مجلّة «فورين بوليسي»، عشية توقيع الإتفاق الثلاثي لتبادل الوقود النووي الإيراني، بين كلٍّ من ‏إيران، وتركيا، والبرازيل، وقبيل جريمة أسطول مرمرة الإسرائيلية في المتوسط بأيام قليلة.‏

 

فبعد ثلاثة عشر عاماً، ستدخل تركيا الحديثة عمرها المئوي الأوّل، وفي ظهرها إرثُ أربعة قرونٍ عثمانية. أما سياستها الخارجية، فتؤكّد أنها لن تكون بالملامح «الأتاتوركية» المعتادة، أو «الأطلسية التقليدية»، اللتين عرفها بهما العالم خلال القرن العشرين، وخصوصاً، بعد أن عبرت العام الحالي ثقافياً مُعلنةً مدينة «إسطنبول»، عاصمة العثمانيين، المُخيفين أُوروبياً، أنها «عاصمة للثقافة الأوروبية». فهل تُفلح..؟!

===================

دولة يحكمها الحاخامات

رشيد حسن

الدستور

16-12-2010

لا نجد دولة في العالم من أقصاه الى أقصاه ، محكومة برجال دين وفتاواهم ، كما هو الكيان الصهيوني ، ولا نجد تدخلا سافرا في كل مناحي الحياة ، بدءا من الشأن الديني والعبادات والزواج والطلاق وتنظيم الأسرة ، مرورا بالاقتصاد والسياسة والجيش والاحتلال ، كما هو الحال في هذا الكيان الغاصب.

 

المفارقة هنا ، أن الكيان الاسرائيلي ، يدعي أنه دولة علمانية ، قائمة على فصل الدين عن السياسة ، ولكن واقع الحال يكذب هذه المقولة ، فنجد أن هذا الفصل غير متحقق عمليا ، وأن فتاوى الحاخامات تجد طريقها الى التنفيذ في الحياة السياسية ، ويحرص السياسيون على الأخذ بها ، لأنها في الأساس متطابقة تماما مع قناعاتهم السياسية ، رغم أنهم في الغالب غير متدينين.

 

نتنياهو يرفض مخالفة طروحات حزب "شاس" الديني لأنه يجد أن كثيرا من مبادئ وأهداف هذا الحزب ، خاصة في موضوعي الاستيطان والقدس ، تتطابق تماما مع قناعاته ، وبالتالي يتخذ منه ستارا يخفي أهدافه ، وسلما لتنفيذ مخططاته وخططه ، والتهرب من الضغوط الدولية ، بدليل أنه "نتنياهو" صرح أكثر من مرة ، بأنه لا يستطيع وقف الأستيطان ، حفاظا على الائتلاف الحاكم ، والذي سينفرط حتما في حالة الموافقة على تجميد الاستيطان ، واستطاع اقناع الادارة الاميركية بهذه المقولة غير الدقيقة.

 

وعودة لما بدأنا به.

 

فالمكانة التي يحتلها الحاخامون في كيان العدو ، ترجع لسبب واحد هو ، تطابق قناعات السياسيين مع أغلبية طروحات هؤلاء العنصريين المأفونين ، فعندما يدعو أكثر من "80" حاخاما ، الاسرائيليين الى عدم التعامل مع أهلنا في الجليل والمثلث والنقب وبئر السبع.. الخ ، وخاصة في موضوع بيع أو شراء أو تأجير شقق سكنية ، فان خطورة هذه الفتوى ، أنها جاءت بعد اقرار الكنيست قسم الولاء للدولة اليهودية ، ما يعني أن الفنوى المشار اليها ، لم تأت عفويا ، بل جاءت لتطبيق قرار الكنيست ، وتوجهات حكومة نتنياهو - ليبرمان العنصرية ، القائمة عل تفريغ الأرض العربية القلسطينية من أصحابها الحقيقين.

 

ونذكر ونتذكر.. فتوى حاخامات العدو بقتل أطفال غزة ، وهذا في تقديرنا يعني أن هؤلاء المشعوذين مسخرون أيضا ، لخدمة الفاشية الصهيونية ، ودفع جنود العدو الى ارتكاب جرائم حرب وابادة ، متسلحين بهذه الفتاوى ، ما يؤكد أننا أمام ظاهرة خطيرة ليس لها مثيلا في العالم ، وهي تسخير رجال الدين ، لخدمة السياسات العنصرية ، ولتبرير جرائم التطهير العرقي ، والمجازر والمحارق فالعرب في عرف الحاخام الأكبر يوسف عوباديا "ليس اكثر من صراصير يجب سحقهم".

 

باختصار.. ظاهرة الحاخامات في الكيان الصهيوني الغاصب ، تؤكد طبيعة هذا الكيان الغاصب المارق ، واستغلاله للدين لتبرير جرائمه العنصرية ، والمجازر التي قارفها ويقارفها بحق الشعب الفلسطيني ، على مدى ستين عاما ويزيد. وتبريره للاحتلال والاستيطان.

Rasheed_hasan@yahoo.com

===================

السياسة الامريكية في العالم العربي

د. يوسف نور عوض

2010-12-15

القدس العربي

يقف الكثيرون مستغربين الأسلوب الذي تمارس به الولايات المتحدة سياستها في العالم العربي، ويرى هؤلاء أن هذه السياسة لا تخضع لمنطق العقل أو المصالح السياسية المشروعة، ولعل من أهم ما كتب في هذا الموضوع مقالة تشاس فريمان بعنوان 'الولايات المتحدة والعالم العربي' وهي المقالة التي طالب فيها 'تشاس' الولايات المتحدة أن تبدأ في إعادة تقويم سياستها في المنطقة والتعلم من أخطائها ، ولكن ما هي هذه الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة؟

يقول تشاس إن الجهل المطبق وخاصة عند الفئات المتعلمة من الأمريكيين في القضايا المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي هو المسئول عن الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الولايات المتحدة تجاه هذين العالمين خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وقال تشاس إن عدم فهم هذين العالمين جعل الولايات المتحدة تضفي على من تعتقد أنهم أعداؤها المفاهيم نفسها التي كانت تطلق على النازيين خلال الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا، وعلى السوفييت خلال مرحلة الحرب الباردة، ويبدو ذلك واضحا من وجهة نظره في إطلاق مصطلح الفاشية الإسلامية في وصف توجهات القاعدة، وربط هذه الفاشية بمفهومات الهولوكوست على الرغم من أنه لا توجد فاشية في المفاهيم الإسلامية الحقيقية.

وبدلا من أن يبدأ الأمريكيون التفكير لماذا ظهرت منظمات مثل القاعدة مناهضة لسياساتهم في العالم الإسلامي بدأ الاتجاه الأمريكي على الفور في الربط بين توجهات القاعدة وما كان سائدا في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

ويصف تشاس هذا السلوك الأمريكي بأنه ضرب من الجهل والارتباك بل والأنانية وهو الذي حول الأصدقاء العرب إلى شرذمة من الأعداء بما جلب كثيرا من العداء للولايات المتحدة في هذه المنطقة.

وأشار تشاس في ذلك إلى ما كان يقوله الإستراتيجي الصيني 'سوزي' من ضرورة أن يعرف الإنسان عدوه، وكذلك نفسه من أجل أن يكسب كل الحروب، وأما إذا كان البديل هو شيطنة الأعداء وغزو بلادهم من أجل الاستجابة لدواعي الهلوسة، فإن ذلك سيكون مدعاة للخسارة في جميع الجبهات.

ويذهب تشاس إلى أن ما يقوله لا يقلل من أخطار القاعدة من وجهة نظره، فقد تكون للقاعدة أخطارها ولكن يجب مواجهة هذه الأخطار بأسلوب غير الذي تواجهها به الولايات المتحدة في الوقت الحاضر عن طريق غزو البلدان وشن حرب على الإسلام بصفة عامة. خاصة أن الموقف من القاعدة لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها إذ كثير من الدول العربية والإسلامية تستشعر خطورة القاعدة ولا تقر أعمالها التي تراها مخالفة لتعاليم الإسلام الداعية إلى السلام والمحبة.

ويرى تشاس أن القاعدة قد تكتسب قوة مستقبلية، وقد تساعد حالة العداء للولايات المتحدة في داخل العالم العربي في تجنيد الكثيرين للعمل في صفوف القاعدة من أجل مواجهة سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وقد يهدد ذلك أوضاع كثير من أنظمة الحكم التي تتعاون في الوقت الحاضر مع الولايات المتحدة.

ولا يقتصر الموقف من الولايات المتحدة في نظره على موقفها من القاعدة بل يتجاوز ذلك إلى الموقف من إسرائيل إذ أن الولايات المتحدة بدعمها لإسرائيل قد تخلت عن دور الوسيط العادل القادر على تحقيق السلام لتصبح هي نفسها جزءا من المشكلة التي استدعت ظهور تيارات جديدة مناهضة لسياساتها من منظورات عقدية وغير عقدية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان من أجل ملاحقة العناصر المتطرفة في طالبان قد أدى إلى احتلال ذلك البلد وأوجد حركة عداء جديدة ضد الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، ويقول تشاس إن خطأ مماثلا وقع عندما توجهت الولايات المتحدة لغزو العراق فدمرت ذلك البلد الذي أصبح من الناحية العسكرية محتلا بالولايات المتحدة ومن الناحية السياسية محتلا بإيران، ويرى أن مثل هذه التوجهات تتسم بدرجة عالية من الخطورة لأنها تقدم الحلول العسكرية في ميادين يمكن أن تحل فيها الأمور بأساليب سياسية.

ولا يرى تشاس أن أخطاء الولايات المتحدة تقتصر على ذلك، إذ هي تتكرر بأساليب مختلفة كما هو الشأن في لبنان حيث تشجع التناحر الحزبي والطائفي كما تقف حجر عثرة في حل المسائل العالقة بين سورية وإسرائيل ما يعني من وجهة نظره مزيدا من المشاكل في داخل لبنان.

وعلى الرغم من هذا النقد الذي يوجه إلى سياسة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي والذي يستهدف في الأساس مصلحة الولايات المتحدة أكثر مما يستهدف مصلحة هذين العالمين، فإننا نرى أن الموقف من إسرائيل يختلف تماما إذ يذهب كثير من الأمريكيين إلى التخلي عن منطق العقل عندما يبدون تعاطفا مع إسرائيل لأسباب لا علاقة لها بمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يرى الكثيرون أن اعتراف الولايات المتحدة بإسرائيل بعد دقائق من إعلانها في عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين لا علاقة له بمناورات الحزبين بل لأن البلدين يتشابهان في المبادئ التي يقفان خلفها وهي بالطبع ليست مبادىء الغزو والاحتلال بل مبادئ الحرية والديمقراطية والبحث عن السلام.

ومن أجل تحقيق ذلك فإن الولايات المتحدة لم تستخدم حق النقض الفيتو في مجلس الأمن حتى عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين ضد مشروع قرار سوري لبناني يدين إسرائيل، على الرغم من أنها وقفت محايدة في أربعة عشرين مشروع قرار ضد إسرائيل من قبل. وقد تبع ذلك القرار أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض الفيتو في ما بعد ثلاثا وثلاثين مرة في مسائل كلها تتعلق بإسرائيل.

والغريب أن الولايات المتحدة كانت تفرض على إسرائيل حظرا في بيع الأسلحة عند إنشائها ولم يرفع هذا الحظر إلا في عام ألف وتسعمئة واثنين وستين عندما عقدت الولايات المتحدة صفقة لبيع صواريخ 'هوك' لإسرائيل، وتغير الأمر تماما بعد حرب الأيام الستة عندما أصبحت الولايات المتحدة مزودا أساسيا لإسرائيل بالسلاح.

ولعل الاسترسال في تحديد أوجه التعاون مع إسرائيل قد لا يضيف جديدا لأن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة بلغت درجة من القوة تجعل تحديد مظاهرها غير مفيد من الناحية النظرية.

ولا نشك في أن مرحلة الحرب الباردة ساعد كثيرا على الانحياز الأمريكي لإسرائيل، ذلك أن ظهور أنظمة عسكرية في أماكن متعددة من العالم العربي خلال تلك الحرب جعل الولايات المتحدة تنحاز بصورة كاملة لإسرائيل، ولا ننكر أنه حتى ذلك الانحياز كان يتميز بغير قليل من الأخطاء الإستراتيجية، ذلك أن الولايات المتحدة تجاهلت حقيقة أن هناك شعبا فلسطينيا له قضية ويجب أن تحل وبدون هذا الحل لن يتوافر أمن لإسرائيل، كما أن إسرائيل نفسها بدأت تعيش مرحلة خداع للذات بتصورها أنها بامتلاك القوة والأسلحة النووية يمكنها أن تستمر في هضم حقوق الشعب الفلسطيني والاستمرار قوية في هذه المنطقة، ولكن الحقيقة تكمن في ما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل وهو أن إسرائيل لا مستقبل لها في هذه المنطقة، وخاصة من خلال النهج الذي تتبعه، لأن القوة في عالم متغير لن تكون هي الأداة الوحيدة لبقاء الدول، وإذا كان العالم العربي يعيش في الوقت الحاضر حالة ضعف فلا يعني ذلك أنه سيستمر في هذه الحالة إلى الأبد، وذلك ما يستوجب أن تعيد الولايات المتحدة التفكير من جديد في دعمها لإسرائيل وتبحث عن حل يحقق العدالة للشعب الفلسطيني ودول المنطقة، ولا يكون ذلك إلا بالخروج من حالة الجهل التي أشار إليها تشاس من قبل والتي قال إنها المسؤولة عن كل الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية.

' كاتب من السودان

===================

جورج ميتشل… سبعمائة يوم من الفشل

ماجد عزام

2010-12-15

القدس العربي

أسبوعان من الان يكون قد مضى سبعمائة يوم على تعيين جورج ميتشل مبعوث سلام امريكياً الى المنطقة وخلال هذه الفترة الطويلة لا يمكن الحديث عن اى انجاز بل عن فشل ذريع ومدوّ ليس فقط فى تحقيق الهدف المرجو وهو اتفاق سلام نهائى للصراع فى فلسطين وانما حتى فى جمع الطرفين وابقائهما على طاولة التفاوض .

اعتقد ان السبب يكمن فى التكتيك الخاطىء الذى اتبعه ميتشل ومن خلفه ادارة اوباما ويتمثل فى التساوق مع المواقف الاسرائيلية والسعى الدائم للتاقلم معها وشق طريق تفاوضى التفافى من اجل تحاشى الصدام و عدم الضغط على حكومة نتن ياهو لتغيير مواقفها المتطرفة التى اوصلت عملية التسوية الى طريق مسدود .

حدث هذا باكرا جدا وبدلا من الاصرار على مطلب التجميد التام للاستيطان الشرعى والقانونى والاخلاقى وبعد عشرة اشهر من الاخذ والرد انحنى ميتشل فى تشرين ثاني نوفمبر 2009 امام خديعة الكبح المؤقت والجزئى للاستيطان لا بل وصل الامر الى وصفها بالخطوة التاريخية وغير المسبوقة وامام موقف السلطة المحق-ولكن المتاخر-بعدم التفاوض فى ظل الاستيطان وعدم ابتلاع الخدعة الاسرائيلية ابتدع ميتشل مصطلح مفاوضات التقريب ولم يمتلك الشجاعة حتى لوصف الاشياء باسمها ووعد الفلسطينيين بان يتم تحقيق تقدم جدى فى قضيتى الامن والحدود يسمح بالانتقال الى المفاوضات المباشرة لمناقشة الملفات العالقة الاخرى وبينما قدمت السلطة رؤاها وخططها وتصوراتها الحدودية والامنية رفض نتن ياهو القيام بشىء مماثل واصر على ان القضايا الصعبة تقتضى حواراً مباشراً وجها لوجه وهنا ايضا تفهمت الادارة الامريكية ومعها ميتشل طبعا الموقف الاسرائيلى بل وتساوقت معه وضغطت على السلطة الفلسطينية للذهاب الى المفاوضات المباشرة دون مرجعيات ودون تجميد تام للاستيطان ودون سقف زمنى محدد ووفق خطاب شهير لهيلارى كلينتون ابقى الرئيس ابو مازن ساهرا وغاضبا وحتى فى تلك المفاوضات وجولاتها الثلاث فى واشنطن وشرم الشيخ والقدس المحتلة لم يطرح نتن ياهو اى موقف من القضايا الجدية والحساسة والصعبة الثلاث الحدود والقدس واللاجئين-ومتفرعاتها المياه والاستيطان والامن- بل حتى رفض مبعوثه اسحق مولخو تسلم وثيقة من صائب عريقات تتضمن الموقف الفلسطينى من تلك القضايا واكثر من ذلك فان ميتشل زعم ان ثمة تقدماً كبيراً قد تحقق وان ثمة نقاشاً جدياً جرى فى تلك الجولات الثلاث وهو الامر غير الصحيح كما اتضح لاحقا ولم يكن سوى محاولة فاشلة وبائسة لاعطاء انطباع مزيف عن حقيقة ما حصل كما عن جوهر الوساطة والمساعى الامريكية غير العادلة او الشفافة بين الطرفين الفلسطينى والاسرائيلي .

انهارت المفاوضات المباشرة مع استئناف اسرائيل للاستيطان وبشكل مكثف ومهووس اواخر ايلول سبتمبر القادم اثر انتهاء الكبح المؤقت والوهمى وهنا ايضا لم يغير ميتشل نهجه وتكتيكه واستمر المنحى الدائم للتساوق مع الموقف الاسرائيلى وشق طريق التفافى اخرحتى لو كان وعرا ومسدود الافق وخرجت الادارة عن طورها لاقناع اسرائيل بكبح مؤقت ووهمى اخر مقابل سلة ضمانات امنية وسياسية ذات طابع استراتيجى وامام الصلف و العنجهية التى قابل بها نتن ياهو اغراءات الادارة اضطرت هذه مرة اخرى الى الهرب الى الامام وعدم مواجهة الحقيقة والقت هيلارى كلينتون خطاباً اخر –يمكن توقع انه ابقى ابو مازن ساهرا وغاضبا ايضا- لم يسمِّ الاشياء باسمائها ولم يحمل اسرائيل المسؤولية عن انهيار المفاوضات ووصول التسوية الى طريق مسدود وبلغت الوقاحة حد ارسال ميتشل مرة اخرى ليتحدث ليس عن مفاوضات غير مباشرة وانما عن مفاوضات موازية هذه المرة وعن اجراءات لبناء الثقة واستقبال مواقف الطرفين من القضايا النهائية تمهيدا للعودة الى المفاوضات المباشرة وكنا طبعا قد شاهدنا هذا الفيلم الامريكى الطويل والممل من قبل والذى لا يصب سوى فى مصلحة نتن ياهو وسياسة كسب الوقت التي يتبعها من اجل فرض الوقائع على الارض خاصة فى القدس لافراغ اى مفاوضات محتملة من جداوها ومحتواها .

السيد حنا عميرة قال الاربعاء ان لا موقف واضحاً للامريكيين من الاستيطان ومرجعية التفاوض وذهب السيد نبيل ابو ردينة ابعد من ذلك حين قال ان جورج ميتشل لم يات بجديد والدور الذى تلعبه واشنطن هو فى الحقيقة دور العاجز .

هذا يطرح طبعا علامات استفهام عن اسباب التساوق الفلسطينى والعربى مع الدور الامريكى العاجز والمفتقد للرؤية الواضحة غير انه يطرح ايضا علامات مماثلة تجاه جهود السيد جورج ميتشل الذى قال ذات مرة ان وساطته فى ايرلندا شهدت سبعمائة يوم من الفشل ويوم نجاح واحداً وهو امر مستبعد فى فلسطين اذا ما اصر السيناتور الامريكى على التمسك بتكتيكه التفاوضى وبدون التغيير الكامل و الاقتناع ان المسار التفاوضى السابق لن يؤدى الى اى نتيجة والاتجاه الى تنسيق الجهود مع الامم المتحدة والاتحاد الاوروبى والضغط الفعلى على اسرائيل للانصياع للشرعية والقوانين والمواثيق الدولية لا امل فى يوم ولا حتى ساعة نجاح واحدة وهى امور لن يستطيع ميتشل القيام بها وعليه بالتالى احترام تاريخه والاقلاع عن لعب دور ورقة التوت لتطرف نتن ياهو وعجز وجبن ادارة اوباما فى مواجهته .

مدير مركز شرق المتوسط للاعلام

===================

ما هي الخطوة التالية داخل العراق؟

ديفيد إغناتيوس

الشرق الاوسط

16-12-2010

بغداد - كانت ثمة مشاعر واضحة يوم الاثنين بين جنود فرقة المشاة الأولى التي تعود إلى أرض الوطن الأسبوع المقبل بعد قضاء عام داخل العراق مفادها: سنخرج من هنا، لقد انقضى الأمر. وخلال 12 شهرا أخرى، سيكون ذلك واقع الدولة التي أرسلتهم، حيث من المقرر أن تغادر آخر القوات الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2011.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي سيحدث عقب الحقبة الأميركية في العراق؟ خلال احتلال موحش لم يكن متصورا في بعض الأحيان طرح هذا السؤال بالنسبة إلى العراقيين والأميركيين على حد سواء. ولكن يجري حاليا نقاش محتدم حول هذا بين صفوف حكومة عراقية جديدة تمكنت، رغم ما بها من عيوب، من حشد كافة اللاعبين المهمين داخل خيمة واحدة.

اجتمع الأدميرال مايك مولن، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في بغداد يوم الاثنين مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لبدء التخطيط ل«شراكة استراتيجية على المدى الطويل» ستستمر الولايات المتحدة بموجبها في تدريب الجيش والشرطة العراقية وتقديم مساعدات أمنية أخرى لم تحدد بالضبط. وقال مولن في وقت لاحق إن المالكي يبدو في حاجة إلى شراكة «ولكن لم يتم تحديد الاتجاه بعد».

وحقيقة الأمر ربما تتعلق القصة الكبرى بخصوص العراق بما لم يحدث. انتشرت مخاوف كبيرة من أن تنزلق الدولة مرة أخرى إلى حرب أهلية عند سحب القوات الأميركية من المدن العراقية في منتصف عام. ولكن لم يحدث ذلك. وسادت نفس المخاوف عندما رحلت آخر القوات المقاتلة في فصل الصيف. ولكن لم يحدث ذلك أيضا.

وتجددت المخاوف بشأن احتمالية نشوب أعمال عنف طائفية مرة أخرى مع تأخر تشكيل حكومة جديدة لثمانية أشهر بعد انتخابات مارس (آذار) الماضي. ولكن اتفقت الفصائل الشهر الماضي على صيغة توافقية يبقى بموجبها المالكي رئيسا للوزراء، ولكن هذه المرة على رأس ائتلاف موسع يشمل كافة الفصائل الكبرى.

ومن الصعب القول إن المالكي زعيم مثالي، وفي بعض الأحيان نجده يصف نفسه بأنه نموذج عراقي لريتشارد نيكسون: له عقل تآمري ووجه غير حليق على الدوام. وربما لا يعد المالكي الشخص المفضل لأي طرف، ولكنه برهن على أنه مقبول لدى الجميع - أميركا وإيران والسنة والشيعة والعرب والأكراد.

ويبدو في النهاية أنه حتى القضية الشائكة المرتبطة باجتثاث «البعث» تم حلها من خلال تسوية تسمح للساسة السنة البارزين بالانضمام إلى البرلمان. وفي الواقع يميل النمط السياسي العراقي إلى أن يكون على شفير الهاوية بصورة دائمة، من دون حل أي قضية حتى اللحظة الأخيرة. وقد أثار ذلك أعصاب أميركيين يميلون بدرجة كبيرة إلى التسوية، ولكن في النهاية، يتمكن العراقيون عادة من العثور على حل سياسي.

أظهرت عملية المفاوضات الطويلة أن معظم العراقيين سئموا أعمال العنف. ولا يريد عودة الحرب الأهلية سوى الجماعات الإرهابية المتطرفة. وكما قال أحد المسؤولين فإنه عند الاختيار بين حكومة ذات كفاءة وأخرى تشمل الجميع، فضل العراقيون حكومة شاملة.

وقال مولن: «بصورة عامة يقوي من عزمي ما أراه من حولي». وأشار إلى أن القوات الأمنية العراقية «أفضل مما توقع الكثيرون. كما أنهم قادرون على معالجة الأمن الداخلي».

ويمكن أن تظهر الأرقام اتجاها يدحض التوقعات التي ترى أن القوات الأمنية العراقية لا يمكنها أداء مهامها. ويحصي قادة أميركيون نحو 15 حادثا أمنيا يوميا في العراق، ولكن يشيرون إلى أن ذلك يقل بنسبة 20 في المائة عن معدلات العام الماضي عندما كانت القوات الأميركية تلعب دورا أكبر وإلى أنها تصل إلى نفس مستوى أعمال العنف قبل الغزو الأميركي عام 2003.

ويعد ذلك مثالا يوضح مدى نجاح القوات الأمنية العراقية، بالإضافة إلى التهديد الإرهابي المستمر داخل العراق. وفي 4 ديسمبر نقل قادة أميركيون للعراقيين معلومات استخباراتية عن نحو 15 سيارة مفخخة على وشك الانفجار. وتمكن العراقيون من تعطيل كافة السيارات ما عدا ثلاثا – ويعد ذلك نجاحا كبيرا ولكن لا تزال الخسائر كبيرة.

ويخشى مسؤولون أميركيون من عودة عراق ما بعد أميركا إلى حالة الفوضى إذا لم تستمر علاقات أمنية قوية. ويخشون من حدوث ما جاء في المشهد الأخير من فيلم «حرب تشارلي ويلسون»، بأن يغادر الأميركيون (في تلك الحالة من حرب بالوكالة تديرها وكالة الاستخبارات المركزية ضد السوفيات داخل أفغانستان خلال الثمانينات من القرن الماضي) لإراحة مواطنين سئموا الحرب، فيما يعمل الإرهاب لملء الفراغ (في تلك الحالة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة).

وعندما سئل نائب القائد الأميركي في بغداد ليفتنانت جنرال روبرت كون عما إذا كان العراق قد أصبح «الحرب المنسية»، اتخذ موقفا عدوانيا في حديثه مع صحافيين يوم الاثنين. وقال: «ما نراه اليوم دفع ثمنه بالدماء والثروات» وقدمه جنود ودافعو ضرائب أميركيون. ولا يريد أن يرى هذا الاستثمار يضيع ليكون في النهاية هروبا من الحرب.

يجب ألا يكون القادم هو فراغ أمني آخر. ومن المؤكد أن هناك وضع وسط بين القيام بالكثير وعدم القيام بشيء البتة.

* خدمة «واشنطن بوست»

===================

يوم القبض على إيران في.. نيجيريا

هدى الحسيني

الشرق الاوسط

16-12-2010

أقال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وزير خارجيته منوشهر متقي فيما كان الأخير في داكار ينقل رسالة إلى الرئيس السنغالي عبد الله واد. تلك كانت الرحلة الأفريقية الثانية لمتقي خلال شهر واحد، فهو سافر في 11 من الشهر الماضي وبسرعة إلى نيجيريا في محاولة منه لإنقاذ عضوين من «الحرس الثوري» الإيراني علي أكبر طباطبائي الذي دخل نيجيريا بجواز سفر دبلوماسي وباسم مزور «سيد أكبر طهماسابي»، وعظيم آغاجاني.

وكانت نيجيريا صادرت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي 13 حاوية فيها مواد للبناء تخفي أسلحة ومدافع وقذائف، أرسلها «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري إلى ميناء أبابا في لاغوس عبر مجموعة شحن «سي.إم.اي - سي.جي.إم» الفرنسية المقر. ويبدو أن تلك لم تكن الشحنة الإيرانية الأولى إلى أفريقيا إنما الأولى التي تُكتشف. وحسب قائمة الشحن فالصفقة (مواد بناء) كانت موجهة إلى غامبيا.

في العاشر من الشهر الماضي، وكانت مصر تتابع قصة المصادرة، طلبت من نيجيريا أن توجه أسئلة محددة لعضوي «فيلق القدس» المعتقلين لديها، وطالبت بالاطلاع على مجريات التحقيق خصوصا في ما يتعلق بمصر. وأرسلت مصر مبعوثا شخصيا إلى نيجيريا من قبل مسؤول المخابرات العامة عمر سليمان، وأعلنت نيجيريا أنها استقبلت المبعوث بحرارة كإشارة منها على استعدادها لتلبية الطلب المصري.

السبب الذي دفع مصر إلى الاهتمام بهذه الحادثة، يعود إلى معلومات تلقتها بأن بعض هذه الأسلحة المصادرة التي تضم قذائف 107 ملم وأنواعا أخرى من المتفجرات كانت في الأصل لصالح بعض العناصر الراديكالية في سيناء، وقدم المبعوث المصري ما يثبت ذلك، كما أضاف أن أغلب بقية الأسلحة كان موجها إلى منظمات أخرى في نيجيريا، كما قدم عدة أسئلة طالبا من السلطات النيجيرية أن تطرحها على المعتقلين الإيرانيين. بين هذه الأسئلة معرفة طرقات التهريب التي تسلكها الأسلحة، وأماكن انتشار قوات تابعة لفيلق القدس في أفريقيا، خصوصا في الدول المجاورة لمصر كالسودان.

وحسب مصادر نيجيرية، كشف المبعوث المصري أن القاهرة قلقة من النشاط السلبي الإيراني في أفريقيا، مثل شحن الأسلحة إلى المنظمات الثورية أو الانفصالية الموجودة في القارة و التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار. ثم إن مصر قلقة أيضا من الاختراق الإيراني لساحتها الخلفية في أفريقيا، وخصوصا مع احتمال تدهور الاستقرار في السودان، وتوقع نشوب حرب أهلية تلي الاستفتاء المتوقع إجراؤه في التاسع من يناير (كانون الثاني) المقبل والذي قد يفصل الجنوب عن الشمال.

من جهتهم أوضح النيجيريون أن شحنة الأسلحة الإيرانية كانت موجهة إلى ميليشيات محلية تعمل في نيجيريا والخارج، مثل منظمة «حسبة» التي تفرض الشريعة الإسلامية في مقاطعة كانو شمال نيجيريا، ومنظمة «باكو حرام» التي تتحرك هي الأخرى في شمال نيجيريا، و«حركة تحرير دلتا النيجر» التي تقاتل من أجل أن تستثمر عائدات النفط في الشمال.

وأضاف النيجيريون أن بعض أسلحة الشحنة كانت وجهته السنغال وبالذات إلى «حركة القوات الديمقراطية في كازامانس» التي تنشط في مناطق التمرد في السنغال جنوب غامبيا.

ثم في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أجرى عمر سليمان اتصالا هاتفيا مع نظيره النيجيري مشددا على ضرورة استجواب المعتقلين الإيرانيين سيد طهماسابي (علي أكبر طباطبائي) وعظيم آغاجاني، فأكد له الوزير النيجيري أن هذا ما سيحدث، وطمأنه بأن نيجيريا اتصلت بمجلس الأمن وأبلغته عن محتوى الحاويات التي هي خرق لقرارات مجلس الأمن التي تمنع إيران من تصدير أي أسلحة أو السماح بمرور الأسلحة عبر أراضيها.

يبدو أن ما دفع بعمر سليمان للاتصال الهاتفي، هو تصريح وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في ذلك اليوم، بأن سوء التفاهم حول شحنة الأسلحة تمت إزالته مع نيجيريا، وقال إن الشحنة تعود إلى شركة خاصة وكانت ستباع بشكل شرعي في دول غرب أفريقيا.

يكشف ما حصل في نيجيريا جزءا من التعقيدات التي تواجهها إيران في أفريقيا. ومن التحركات الأخيرة إقدام الأمم المتحدة على اتخاذ إجراءات ضد إيران منها إرسال فريق دولي إلى نيجيريا للكشف عن الأسلحة التي تمت مصادرتها بعد إبلاغ نيجيريا أن هذا العمل يكشف خرق إيران للقرار الدولي رقم 1747.

الشحنة كانت جزءا من الاستراتيجية الإيرانية لتقوية وجودها في القارة الأفريقية، كجزء من المهمة الكبرى المعطاة ل«الفريق الأفريقي» في «فيلق القدس».

ضابطان من «الحرس الثوري» الإيراني ينتميان إلى «فيلق القدس»، آغاجاني وطباطبائي/ طهماسابي، اللذان كانا مسؤولين عن العملية اللوجستية في نيجيريا، سارعا إلى اللجوء إلى السفارة الإيرانية في لاغوس مباشرة بعد مصادرة حاويات الأسلحة.

الإيرانيون تعرضوا إلى ضغوط لا مثيل لها، وحاولوا كل ما في استطاعتهم للضغط على نيجيريا لإعادة الحاويات إلى إيران والسماح لضابطي الحرس الثوري/ فيلق القدس بمغادرة البلاد من دون أي استجواب، لأن استجوابهما قد يكشف كل الأنشطة الإيرانية في أفريقيا.

هذا ما دفع متقي للسفر بسرعة إلى لاغوس لإنقاذ ضابطي الحرس الثوري، خصوصا أن احدهما قائد «الفريق الأفريقي» في «فيلق القدس» علي أكبر طباطبائي دخل نيجيريا بجواز سفر دبلوماسي.

نجح متقي في تهريب طباطبائي من السفارة الإيرانية في عملية إنقاذ، أو ربما ضمن صفقة تمت بين نيجيريا وإيران: إطلاق سراح «الدبلوماسي» طباطبائي مقابل تسليم إيران لآغاجاني الأقل رتبة.

وزير الخارجية النيجيري هنري اجوموغوبيا قال في 18 نوفمبر إن المشتبه فيه غادر نيجيريا ضمن وفد الوزير متقي، وأضاف أن الأخير رفض طلبه التحقيق مع المشتبه به قبل فراره من البلاد بحجة أن لديه حصانة دبلوماسية.

السلطات النيجيرية قررت تقديم آغاجاني للمحاكمة التي ستجري في نهاية الشهر المقبل، وحسب مصادر نيجيرية موثوقة، فإن التحقيقات الأولية مع آغاجاني كشفت تفاصيل عدة عن أنشطته وعن دور طباطبائي، منها مثلا تفاصيل الوسائل المستخدمة من قبل الإيرانيين في العمليات الحساسة: أسماء مستعارة، جوازات سفر مزورة... كما أن آغاجاني أعطى معلومات أمنية قيمة وتفاصيل عن قضايا محددة وعن البنية التحتية لعمليات «الحرس الثوري» الإيراني في نيجيريا بشكل خاص وفي أفريقيا بشكل عام، وعن نشاط «الحرس الثوري» في مناطق أخرى من العالم. كما كشف آغاجاني معلومات قيمة عن أهداف الخطة الاستراتيجية الإيرانية التي قررها مجلس الأمن القومي الإيراني في ما سماه «سنة أفريقيا».

في النقاشات الداخلية في إيران، أثيرت المخاوف من أن يكشف آغاجاني أنشطة «فيلق القدس» في أفريقيا وأميركا اللاتينية، وأيضا أنشطته بين المجموعات والميليشيات الإسلامية، وتدريب الميليشيات والتلقين الإسلامي وخطط زعزعة الاستقرار الإقليمي عبر تهريب الأسلحة والمخدرات في الدول المستهدفة وبالذات السنغال والسودان واليمن ودول أخرى مثل تنزانيا وموريتانيا والصومال والجزائر والكونغو وكينيا.

في نظر إيران، فإن محاكمة آغاجاني الشهر المقبل في نيجيريا قد تسيء إلى العلاقات الدبلوماسية الإيرانية - النيجيرية وتدفع بلاغوس إلى قطع علاقاتها مع طهران، كما فعلت غامبيا الشهر الماضي، عندما طلبت من الدبلوماسيين الإيرانيين مغادرة أراضيها. وتتخوف إيران من أن تُقدم السنغال هي الأخرى على قطع علاقاتها الدبلوماسية، لأنها انزعجت كثيرا لدى معرفتها بأن جزءا من الأسلحة المصادرة في نيجيريا كانت وجهته السنغال. ولهذا السبب كان متقي في داكار عندما بلغه خبر إقالته من منصبه.

التحرك الإيراني في أفريقيا مثير للقلق، وفي الأسبوع المقبل تفاصيل أخرى عن تهريب السلاح وكذلك المخدرات، وإلى ماذا تهدف إيران من التمدد في تلك القارة التي تدخل العمق المصري ومن توطيد وجودها في اليمن!

=====================

غباء أم مؤامرة؟

فهمي هويدي

صحيفة الشرق القطريه

16/12/2010

لا أستبعد أن يكون من سموا أنفسهم مجاهدي أوروبا وراء التفجير الإرهابي الذي وقع في العاصمة السويدية أستوكهولم يوم الأحد الماضي (12/12)،

 لكنني لا أخفي شكوكا في العملية تدفعني إلى عدم التسليم بأن ذلك هو الاحتمال الوحيد.

 

 أدري أن لدى أمثال تلك المنظمات المجهولة التي لا نعرف من أين أتت ولا من وراءها، قدر من الغباء والسذاجة يجعلها تقدم على عملية من ذلك القبيل، لكن الشكوك راودتني حين وجدت أن التفجير الذي تم في أستوكهولم يضر بالمسلمين بأكثر من إضراره بالمستهدفين في السويد. وخطر لي أن يكون الأمر أكثر تعقيدا وخبثا مما بدا لنا لأول وهلة.

 

لقد تحدثت الصحف عن انفجارين وقعا في أحد الأحياء المزدحمة بالعاصمة السويدية، وأن أحدهما انطلق من سيارة كانت محملة بأسطوانات الغاز. وأن الانتحاري الذي قتل في انفجار السيارة كان يرتدي كوفية فلسطينية مرقطة، وأنه كان يردد عبارات رجح الذين سمعوها أنها باللغة العربية.

 

كما ذكرت وكالات الأنباء أن الانفجارين وقعا بعد عشر دقائق من تلقي وكالة الأنباء السويدية (تي.تي) رسالة تهديد عبر البريد الإلكتروني بشأن الوجود العسكري السويدي في أفغانستان، وتفجر أزمة الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام.

 

وفي وقت لاحق ظهر في الأفق موقع يسمع به لأول مرة يحمل اسم «شموخ الإسلام»، أعتبر أنه حقق نصرا إعلاميا كبيرا حين نشر اسم الانتحاري الذي قام بالعملية (تيمور عبدالوهاب، قيل إنه من العراق). وظهر الشاب وسط واد أخضر وقد ارتدى بدلة سوداء، ونظارة من ذات اللون وقد وضع يديه في جيبي سرواله.

 

أثار انتباهي في العملية اختيار المكان وتوقيت العملية وبعض التفاصيل المتعلقة بالانتحاري الذي قام بالتنفيذ. فقد ذكرت التقارير أن التفجير كان تصفية للحساب مع السويد التي أرسلت بعض قواتها للاشتراك في القتال بأفغانستان، والتي نشرت فيها الرسومات المسيئة للرسول.

واستغربت أن يتذكر هؤلاء تلك الخلفية الآن، بعدما مر عليها أكثر من ثلاث سنوات.

 

ولاحظت أن التفجير تم في الوقت الذي عبرت فيه دول شمال أوروبا عن تضامنها مع الفلسطينيين بصور شتى. فقد راج في المنطقة بصورة منقطعة النظير كتاب «عيون على غزة» الذي ألفه الطبيبان النرويجيان مارس جيلبرت وإيريك فرس، اللذان سجلا تجربتهما حينما ذهبا لإغاثة الجرحى والضحايا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008، وفضحا فظاعة الحدث وبشاعة الممارسات الإسرائيلية.

 

طبع الكتاب ست مرات في النرويج، وترجم أخيرا إلى اللغة الإنجليزية. وقد امتدح وزير خارجية النرويج يوناس جار ستور الكتاب، ونظمت حملة نرويجية ضمت مائة شخصية بارزة دعت إلى مقاطعة إسرائيل أكاديميا وثقافيا. قادها إيجيل أولسن، مدرب الفريق الوطني لكرة القدم، الذي قال إن الحملة تمثل رأي 90٪ من النرويجيين.

 

كما أن وزيرة خارجية الدنمرك ليني إسبرسن أعلنت موقفا جريئا ضد المستوطنات، أزعج الخارجية الإسرائيلية التي طلبت إيضاحات من سفارة الدنمرك. إذ هاجمت المستوطنات وقالت إنها غير شرعية وتمثل عقبة أمام السلام، وطالبت رجال الأعمال الدنمركيين بعدم القيام بأي عمل يساعدها.

 

الخلاصة أن دول إسكندنافيا شهدت في الآونة الأخيرة أجواء إيجابية متضامنة مع العرب والفلسطينيين، بدت نشازا وسط حملة العداء لهم والتي هبت رياحها في هولندا وألمانيا وسويسرا، وإذا بعملية التفجير الأخيرة تنطلق في أستوكهولم لتقلب الصورة رأسا على عقب.

من ناحية أخرى، استوقفتني حكاية الكوفية الفلسطينية التي تلفع بها الانتحاري وهو ذاهب لكي يفجر نفسه. في حين يفترض أن يتخفى حتى لا ينكشف أمره. وكأن هناك من قصد وضع الكوفية لكي يشير بسهم الاتهام إلى الفلسطينيين واستغربت أن يذهب صاحبنا لكي يفجر نفسه بالكوفية الفلسطينية،

وحين نشر موقع «شموخ الإسلام» صورة له، بدا واقفا وسط الخضرة وقد ارتدى بدلة غربية ونظارة سوداء، كأي ممثل سينمائي.

 

أمام هذه الملاحظات فإننا نصبح أمام أحد احتمالين،

إما أن هذه المجموعة اتسمت بغباء لا حدود له وأساءت تقدير كل شيء، حتى تصرفت على ذلك النحو.

وإما أن نكون بصدد ملعوب تم تدبيره من جانب أطراف ذات مصلحة لترويع الأوروبيين، وتنفير الجميع من المسلمين، وصرف الانتباه عن فضائح وثائق ويكيليكس التي شغلت الدنيا وحيرت الناس والله أعلم.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ