ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 10/04/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

حقائق يتجنب النظام السوري مواجهتها

فراس كيلاني

القدس العربي

9-4-2011

بقدر ما دفعت الاحتجاجات الدموية التي تمر بها سورية منذ نحو ثلاثة أسابيع الخطاب الرسمي السوري لاستحضار الماضي، القريب منه والبعيد، بقدر ما بقي سؤال المستقبل مؤجلاً من قبل القيادة السورية، في انتظار المجهول الذي قد تحمله هذه الاحتجاجات، والتي تمتد من مدينة لأخرى أسبوعاً بعد أسبوع، وما تستدعيه من جراحات استئصالية حيناً أو تخدير موضعي حيناً آخر بإدارة الرئيس بشار الأسد مباشرة.

وباستثناء التحذير الرسمي المضمر من مستقبل سترسم السواطير ملامحه، لم تقدم الخطوات التي اعلن الرئيس السوري اتخاذها أي ملامح لهذا المستقبل، خصوصاً في شقه السياسي، رغم أنها الأزمة الأشد التي تواجهه منذ تسلم السلطة قبل عقد ونيف.

منذ بدء الاحتجاجات حرص الخطاب الرسمي، كما تبدى في كلمة الرئيس الأسد وتصريحات مستشارته وأخبار وكالة الأنباء الرسمية 'سانا'، على تأكيد عنصر 'المؤامرة' و'الاستهداف الخارجي' المتساوق مع بعض الداخل 'المندس'، وذلك عبر 'استغلال تظاهرات مطلبية' لإثارة الفتنة التي ستقود إلى ما حرص هذا الخطاب على تجنب ذكره، وهو 'الحرب الأهلية' على أساس طائفي في تذكير بما كانت البلاد على شفير الانزلاق إليه مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.

ورغم سقوط عشرات الضحايا منذ اندلاع هذه الاحتجاجات في العديد من المدن رافعين شعارات سياسية يتصدرها مطلب 'الحرية'، بدءاً بدرعا ومرواً باللاذقية وحمص وحماة ودمشق وصولاً للمنطقة الشرقية، إلا أن الموقف الرسمي السوري لا يزال على حاله، أقله في الشق المعلن منه، لجهة التركيز على الخلفية المطلبية للاحتجاجات، وعلى عنصر 'المؤامرة' مدعماً باتهام 'عناصر مسلحة' باستهداف المتظاهرين ورجال الأمن على حد سواء، ومحاولة إحداث 'الفتنة'، خصوصاً في المدن المختلطة كاللاذقية التي عاشت بضعة أيام من رعب الحرب الطائفية.

وبغض النظر عن حقيقة ما جرى ويجري في مدن سورية في ظل تعتيم إعلامي غير مسبوق، مقارنة بما جرى في مصر وتونس واليمن وحتى ليبيا والبحرين، وبغض النظر أيضاً عن الانتقادات والمآخذ التي غصت بها الصحف والفضائيات، ومن الصديق قبل العدو، بشأن الطريقة التي تعاطت بها القيادة السورية مع الاحتجاجات، فإن ثمة مسألة لم يتضح أن هذه القيادة بتعدد مستوياتها وخصوصاً السياسية والأمنية، قد أعملت النظر فيها، وهي أن سورية التي استطاع الرئيس بشار الأسد قيادة دفتها طيلة العقد الماضي لن تبقى هي ذاتها حتى وإن نجح النظام في الخروج منها سالماً، لأنه سيكون مثخناً بالكثير من الجراح على الأرجح.

ورغم صعوبة التنبؤ بالمنحى الذي ستنحوه الأمور لجهة خصوصية سورية، إلا أن وضع الآثار القريبة والبعيدة التي ستخلفها الاحتجاجات نصب أعين القيادة السورية التي من الواضح أنها تستبعد إمكانية خروجها من السلطة، قد يدفعها لإعادة النظر في العديد من القرارت التي صدرت أو قيد الصدور قريباً. وفي ما يلي محاولة لاستشراف بعض هذه الآثار:

أولا: اهتزاز صورة الدولة الأمنية وانكسار حاجز الخوف بطريقة غير مسبوقة منذ نحو ثلاثين عاماً. فوقع مشاهد تهديم تماثيل وحرق صور الرئيس بشار الأسد ووالده الراحل حافظ الأسد كان هائلاً، وربما أسهم في دفع الكثير للنزول إلى الشارع والمشاركة في الاحتجاجات. وهي صور تم التقاطها من قبل ناشطين شاركوا في هذه التظاهرات بكاميرات هواتفهم الخليوية وأرسلوها لموقع 'يوتيوب'، الذي بات يشكل مصدراً مهماً للفضائيات التي منع مراسلوها من تغطية هذه الاحتجاجات، وعرضت بالتزامن مع هتافات ما كان الشارع السوري ليجرؤ على مجرد التفكير فيها، وتخللتها مشاهد دموية لا تثبت صحة الرواية الرسمية للطريقة التي قتل فيها الكثير ممن قضوا في هذه الأحداث، ولأخرى توضح الأسلوب الذي تعاطى به رجال الشرطة والاستخبارات والجيش مع المحتجين.

كلها صور هزت بقوة أسس وأركان النظام الذي جهد الرئيس الراحل حافظ الأسد على تثبيته، وسهل مهمة الرئيس بشار الأسد كثيراً في تأمين انتقال سلس للسلطة عام ألفين، واستمرار حكمه بعد ذلك لسورية أو 'جمهورية الخوف' بحسب عنوان مقالة تناولت الاحتجاجات التي تشهدها البلاد في عدد مجلة 'نيوزويك' الأخير.

ثانياً: اهتزاز صورة الرئيس بشار الأسد شخصياً عبر خطابه الذي عكس تأييداً مضمراً للإجراءات التي تم اتخاذها لقمع الاحتجاجات، عبر تشديده على أن 'لا مكان لمن يقف في الوسط'، وتأكيده أنه لن ينفذ أي إصلاحات تحت الضغوط بقوله، 'إن الناس الذين يعوّدون دولتهم على أن تكون خاضعة للضغوط في الداخل، فيعني أنها ستخضع للضغوط في الخارج'. ولا تبدو ذاكرة السوريين مثقوبة هنا، خصوصاً أنه لم يمض الكثير من الوقت على التنازلات المؤلمة التي اضطر النظام السوري لتقديمها تحت الضغط الأمريكي والغربي، بعد حرب العراق حين أقدم على تسليم العديد من المطلوبين، وبينهم الاخ غير الشقيق للرئيس الراحل صدام حسين للولايات المتحدة الامريكية، وبعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، حين اضطر لسحب جيشه من لبنان.

ثالثاً: وربما الأهم اختبار خطر الحرب الأهلية في مدينة اللاذقية التي استباحتها لعدة ساعات عصابات مسلحة سعت لتأجيج سكانها طائفيا ضد بعضهم البعض، حرصت بعدها مكونات المدينة الدينية على الاعتصام مجتمعة لرفض الانزلاق إلى حرب أهلية، وهو حرص وإن بدا من المبكر التعويل عليه، إلا أنه عكس موقفاً متقدماً في مدينة عانى سكانها الأمرين في العقود الماضية نتيجة ممارسات أبناء النظام. وأهمية هذا الاختبار أنه قد يدفع جزءاً من الطائفة العلوية التي يعاني الكثير من أبنائها شظف العيش، للانضمام إلى الاحتجاجات مستقبلا، من دون خوف من انتقام ظل فزاعة تخيفهم منذ أحداث الأخوان المسلمين، خصوصاً أن هذه الطائفة قدمت آلاف المعتقلين السياسيين من المعارضين لنظام الرئيس الراحل والحالي.

وليست هذه الآثار الأولية للاحتجاجات السورية هي ما يجب أن يدفع الرئيس السوري وفريقه الحاكم لإعادة النظر في طريقة التعاطي مع هذه الازمة فقط، وإنما التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والتي لم تغب عن خطاب الأسد أمام مجلس الشعب حين قال بأنها 'ستترك تداعياتها على كل المنطقة'. فبعد فترة وجيزة لن تتعدى العام في أسوأ التوقعات، سيجد النظام السوري نفسه محاطاً بديمقراطيات عربية في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية ومصر وتونس وليبيا واليمن وجنوب السودان، وربما ببعض الملكيات الدستورية أيضاً في الكويت والأردن والمغرب والبحرين، وسيكون من الصعوبة بمكان الاستمرار في آليات الحكم الحالية، أو بصيغ التفافية عبر إصدار قانون أحزاب قبل إلغاء المادة الثامنة من الدستور، التي تضع كافة السلطات بيد حزب البعث، أو بإلغاء هذه المادة بالتزامن مع إصدار قانون الأحزاب وإبقاء يد المؤسسة الأمنية فوق الجميع.

هذا عربياً، ولكن أيضاً على نطاق أوسع لا تبدو الصورة أقل سوداوية، فتركيا التي نافست مؤخراً إيران بعلاقتها مع سورية، لم تخف مطالبتها الرئيس الأسد بإجراء إصلاحات تحقق كل ما يطالب به الشعب من مطالب سياسية. وكذا الأمر بالنسبة لفرنسا التي كانت استأنفت علاقاتها مع دمشق مؤخرأً. أما بالنسبة للدول الغربية الفاعلة الأخرى فلا داعي لاستحضار موقفها بهذا الخصوص.

وفي خضم هذا كله يبدو من المهم التذكير بأنه وإن بدا بأن الصور الواردة من المدن السورية تحيل إلى زمن آخر يعود كثيراً للوراء، إلا أن العولمة أدخلت الجميع بمن فيهم الشعب السوري في قلب اللعبة عبر جهاز كمبيوتر وهاتف محمول.

وليس من المتوقع أن ينفع مع هذا الشعب خطاب 'المؤامرة' و'الاستهداف'، وإن صح في بعض جزئياته، وذلك بعد أن ثبت عدم نجاعته في ردع الاحتجاجات الحالية. وحتى قول الأسد بأن الهدف هو 'إضعاف سورية وتفتيتها' لتزال 'آخر عقبة من وجه المخطط الإسرائيلي' قد يرد عليه مواطن سوري من أقاصي الكرة الأرضية عبر الفيس بوك بالتساؤل 'ماذا لو تطلب إبقاء سورية قوية وعقبة أمام إسرائيل تغيير النظام برمته؟'.

خلاصة القول بأن كل المؤشرات تؤذن بعصر سوري جديد، عاجلاً أم آجلاً، ولا يزال بإمكان الرئيس بشار الأسد أن يكون المبادر في الولوج بشعبه هذا العصر، ولكن بقرارات جريئة تعترف بلحظة تحول داخلي كبرى وبتغييرات خارجية أكبر.

' كاتب فلسطيني  لندن

======================

حرية الصحافة المفقودة في سورية

السياسة

9-4-2011

من المستحيل تحقيق الحد الأقصى من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والديمقراطية من دون تدفق المعلومات بحرية.فالمعلومات تُشكل القوة. وإذا ما كان لدولة ما أن تتمتع بالتفوق السياسي والاقتصادي الذي تمكنها سيادة القانون من إحرازها, من الضروري أن تبقى مؤسساتها القوية مفتوحة أمام مراقبة الشعب الدقيقة لها. وإذا كان يُراد للتكنولوجيا والعلوم أن يتقدما, فلابد من تبادل الأفكار علناً.وإذا كان للحكومات أن تحظى بالتقدير لكونها خاضعة لمساءلة ومحاسبة الشعب, فإن وسائل الإعلام الحرة المستقلة ضرورية لتلك العملية. وينبئنا عدد من الباحثين ان قطاع وسائل الإعلام المستقل يؤدي أربعة أدوار حيوية في الدولة الديمقراطية. أولا, إنه الرقيب على أصحاب السلطة الأقوياء ويخضعهم لمساءلة ومحاسبة الشعب. ثانياً: إنه يسلط الأضواء على القضايا التي تحتاج إلى الاهتمام بها. ثالثاً: إنه يُثقف المواطنين لكي يتمكنوا من التوصل إلى الخيارات السياسية. رابعاً: إنه يقيم التواصل بين الناس, ما يساعد على خلق اللُحمة الاجتماعية التي تربط المجتمع المدني بعضه بعضا. في سورية, ابتليت هذه الدولة بصحافة لا تستطيع التنفس ثم منيت حرية الصحافة بنكسة اضافية عندما أصدر الرئيس الأسد في 22 سبتمبر العام 2001 قراراً مقيداً لإصدار الصحف وغيرها من المطبوعات الدورية, بالإضافة إلى أي مطبوعات أخرى في سورية, من الكتب حتى الملازم والملصقات. ويمنح هذا القرار الرئاسي رقم 50 لسنة 2001 السلطة التنفيذية, خصوصا رئيس الوزراء ووزير الإعلام, صلاحيات تنظيم شؤون دور النشر والطباعة والتوزيع والمكتبات, وينص على عقوبات جنائية قاسية لأي انتهاك للقرار, من بينها غرامات باهظة والسجن لمدة أقصاها ثلاث سنوات. وتسرد المادة 29 من القرار الموضوعات المحظورة, ومن بينها تفاصيل المحاكمات السرية, والمقالات والتقارير المتعلقة بالأمن القومي والوحدة الوطنية وتفاصيل امن الجيش وسلامته وتحركاته وأسلحته وإمداداته ومعداته ومعسكراته, والمواد التي تؤثر في الحق في الخصوصية. وتجرِّم المادة "51 وأ" نشر الأكاذيب والتقارير الملفقة, وتنص على توقيع عقوبة السجن من سنة إلى ثلاث سنوات أو غرامات باهظة على من ينتهك هذه المادة. وتضيف المادة بلغة فضفاضة وتعميمية أن الحد الأقصى من العقوبة سوف يُفرض إذا ارتكبت هذه الأفعال بدافع سوء النية, أو إذا سببت قلاقل عامة, أو أضرت بالعلاقات الدولية, أو أساءت إلى كرامة الدولة أو الوحدة الوطنية أو الروح المعنوية للجيش والقوات المسلحة, أو أحدثت شيئاً من الضرر بالاقتصاد القومي والعملة الوطنية. كما يُعاقب منتهك المادتين 29 و51(أ) بإيقاف مطبوعاته لمدد تتراوح بين أسبوع وستة أشهر.

كما يحظر القرار المطبوعات الدعائية الممولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الدول أو الشركات أو المؤسسات الأجنبية, مما يثير المخاوف من أنه قد يستخدم لاستهداف منظمات المجتمع المدني المستقلة التي تتلقى تمويلاً من الخارج. ويعاقب من يخالف هذا النص بالغرامة والسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعام كامل.

كما يشترط القرار حصول جميع الدوريات, بما فيها الدوريات الخاصة بالأحزاب السياسية المشكلة بصورة قانونية, على ترخيص مسبق بالنشر من رئيس الوزراء, الذى خُوِّل سلطة الامتناع عن إصدار التراخيص لما يراه من أسباب تتعلق بالصالح العام. لكن القرار استثنى المنظمات غير الحكومية والنقابات والاتحادات المهنية من هذا الشرط الخاص بالترخيص. وتحرم المادة 16 من القانون تملك المطبوعات الدورية على أي شخص أدين بجرم جنائي أو جرد من حقوقه المدنية أو السياسية أو فصل من وظيفته, وهي عقوبات سبق أن فرضت على الكثيرين من منتقدي الحكومة الذين سبق أن سجنوا بتهم جنائية بعد محاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة. كما يشترط القرار حصول جميع المطبوعات الدورية على موافقة وزارة الإعلام قبل تغيير المالك أو المدير أو رئيس التحرير, ويشترط على موزعي وبائعي الدوريات الأجنبية تقديم نسخ للوزارة قبل توزيعها.

======================

ثوار الشرق الأوسط... هل بحاجة إلى استراحة محارب؟

الجريدة

9-4-2011

ستهبّ رياح التغيير في الشرق الأوسط لا محالة، ولكن ستتطلب هذه العملية سنوات عدة، أو عقوداً من الزمن، لكن الأمر لن يكون أشبه بالتحول الخارق الذي روّجت له وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة، فقد تبدو روحية تفكير برنارد شو تشاؤمية، لكنها تثير بعض الشكوك.

قال جورج برنارد شو: 'الثورات لم تخفف يوماً من عبء الاستبداد، بل إنها تكتفي بنقل ذلك العبء إلى كتف آخر'. قد يكون هذا التصريح أمراً مبالغاً فيه بعض الشيء، لكن في الأيام الأخيرة، يبدو أن هذه الفكرة بدأت تسيطر على الأجواء تزامناً مع تبدل ردة الفعل الأولى الحماسية تجاه الاضطرابات الحاصلة في العالم العربي، فقد اختفت تقريباً جميع التوقعات التفاؤلية المتعلقة بنشوء نسخة أفضل عن شرق أوسط جديد وديمقراطي، واختفى أيضاً الحماس العارم من أجل تغيير الأنظمة سريعاً.

منذ أسبوعين تقريباً، اعتبر توماس فريدمان أن انتشار الثورات، لتشمل المجتمعات القبلية أو الطائفية، يؤدي إلى تصعيب مهمة تحديد النقطة التي ستنتهي عندها رحلة البحث عن الديمقراطية قبل أن تسود رغبة في أن تتفوق إحدى القبائل على قبيلة أخرى. لا شك أن الديمقراطية لاتزال مطلباً عالمياً، لكن ها قد انتشر الآن شعور بالحذر ونزعة إلى إعادة احتساب العواقب. باختصار، تسود أجواء من الارتباك.

لا تكتسب الثورة البحرينية معنى لافتاً خاصاً بسبب النهضة التونسية التي سبقتها، كونها مدعومة من إيران وتتعرض للضغط بمساعدة المملكة العربية السعودية، أما الاحتفالات العارمة التي عمّت ميدان التحرير في القاهرة، فقد اصطدمت بالوقائع السياسية الصعبة. في هذا السياق، كتب محرر إحدى أبرز المجلات العربية: 'يريد معظم الشعب المصري انتهاء الأزمة الراهنة وإعادة إرساء الأمن وتحقيق النمو لاقتصادي، لذا وافق الناس على تعديل الدستور القديم على الرغم من الشوائب التي تطبعه'. وصرح برنارد لويس لصحيفة 'وول ستريت جورنال' بأن الثورة الشعبية المصرية أصبحت 'على المحك'، وعاد 'المحتجون الليبراليون الشباب الذين قادوا الثورة في ميدان التحرير ليتعرضوا للتهميش من جانب جماعة الإخوان المسلمين'.

لقد اتخذت عملية تغيير الأنظمة منحى سيئاً في عهد بوش، ثم استعادت بعضاً من زخمها حين دخل الشرق الأوسط في زمن الاضطرابات الأخيرة، ولكنها عادت الآن لتطرح إشكالية كبرى. إذا أردنا تغيير النظام، فيجب أن نكون أكثر دقة في ما نعنيه: أين نريد هذا التغيير؟

هل التغيير مطلوب في ليبيا؟ عدا الاستراتيجية المتخبطة التي اعتمدها أوباما في ليبيا، عادت الولايات المتحدة الآن لتركز على 'التفويض' الذي حصلت عليه لمنع وقوع أزمة إنسانية في ليبيا، بعد أن أصر الأميركيون سابقاً على ضرورة رحيل معمر القذافي.

هل التغيير مطلوب في سورية؟ لقد اتضح للجميع أن مخاطر وقوع أزمة إنسانية مماثلة لم تدفع واشنطن إلى اتخاذ تدابير عسكرية مشابهة، وتبدو فرص القيام بتدخل استباقي في سورية ضيئلة حتى الآن. فضلاً عن ذلك، قد يكون الحكام الجدد 'أكثر تطرفاً بكثير من نظام الأسد'، بحسب قول أحد أبرز المحللين العسكريين الإسرائيليين.

هل التغيير مطلوب في البحرين؟ كتب سلمان شيخ، مدير مركز الدوحة التابع لمؤسسة بروكينغز: 'يكشف الوضع في البحرين عن وجود توترات وخصومات كامنة بين المملكة العربية السعودية وإيران، مما يعزز احتمال اندلاع حرب قريبة في المنطقة'.

هل التغيير مطلوب في اليمن؟ صحيح أن الولايات المتحدة بدأت 'تبدل موقفها بشأن المطالبة برحيل' الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، إلا أنها تقوم بذلك على مضض، فقد قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في الآونة الأخيرة: 'نحن قلقون حتماً بسبب زعزعة الاستقرار في اليمن'. لا شيء مفاجئ في هذا الموقف، غير أن الخيار البديل ليس أفضل بكثير بحسب ما كتبه دانيال بيمان في مجلة 'سلايت': 'يمكن أن يحل الجنرال الأحمر أو أي شخص آخر مكان صالح ليتحول إلى دكتاتور جديد، لكن من المستبعد أن يبرز أي مرشح توافقي، وفي حال ظهور شخص مماثل، فإنه سيكون في البداية أضعف مما كان عليه صالح.

من أجل تفسير السبب الذي جعل الأسابيع الأولى من الانتفاضة المصرية أكثر حماسة (بالنسبة إلى البعض) مما كانت عليه الانتفاضات البطيئة في ليبيا أو اليمن، لابد من تحليل معطيات كل بلد، مثل الظروف السائدة، وطبيعة المجتمع، والوقائع السياسية، والثقافة، لكن بشكل عام، يمكن القول إن الخيارات البديلة في جميع البلدان الآنف ذكرها لا تبدو مريحة، ويبدو أن أياً من تلك البلدان لن تنجح في إعادة إشعال فتيل الثورة من أجل إحداث 'التغيير' الذي يطالب به الشعب منذ شهرين.

صحيح أن منطقة الشرق الأوسط شهدت بعض أشكال التغيير، لكن لم يتضح بعد نطاق ذلك التغيير ولا طبيعته ولا حجم قدرته على الاستمرار. تشير الخارطة التي عرضتها مجلة 'سلايت' عن الاحتجاجات في الشرق الأوسط إلى نصف الحقائق لا أكثر: ما يحصل هو أن الاضطرابات بدأت تتسلل إلى جميع أنحاء المنطقة، لكن لا توضح هذه الحقائق مدى احتمال التكيف مع الوضع الجديد أو مدى قدرة بعض الأنظمة على الصمود في وجه الاضطرابات: نحن أمام القذافي الذي يتصرف بلا رحمة، والعائلة المالكة البحرينية التي تبدي موقفاً متحدياً تجاه المحتجين، والأسد الصارم في سياساته، والقادة العسكريين الأذكياء في القاهرة. كما أنها لا تعكس بوضوح مدى تصميم بعض الأنظمة على مواجهة المحتجين. ستصمد بعض تلك الأنظمة لأنها وحشية بما يكفي كي تستمرّ رغم كل شيء، كما أن قوى المعارضة ليست قوية بما يكفي للتغلب على وحشية الأنظمة. وستصمد أنظمة أخرى لأن المعارضة متفككة وغير متماسكة. وفي بعض الحالات، قد تصمد بعض الأنظمة بإجماع ضمني من المجتمع الدولي. وفي حالات أخرى، قد يحصل ذلك لأن الخيارات البديلة تبدو أسوأ من الوضع الراهن.

لنحلل عناوين الأخبار والتطورات التي حصلت في الشرق الأوسط أخيراً. في مصر، استُبدل رئيس البلاد لكن لم ينشأ بعد أي نظام جديد بمعنى الكلمة. على صعيد آخر، نجح الإيرانيون في كبح الاضطرابات الأولية، كما أنهم أبدوا سعادتهم بسبب الانتفاضات الحاصلة في دول أخرى، وعمد البحرينيون، بمساعدة السعوديين، إلى ضبط المعارضة أيضاً. وتشهد سورية من جهتها غلياناً داخلياً، لكن يبدو أن الأسد ليس مستعداً بعد للرحيل، وحتى سقوط القذافي الوشيك ليس مؤكداً بعد. باستثناء تونس ومصر- وهما حالتان استثنائيتان بامتياز، ولا سيما مصر- قد يبدو وضع الشرق الأوسط الجديد، أقله ظاهرياً، مشابهاً للشرق الأوسط القديم. من المتوقع أن تقوم الأنظمة التي تعرضت لخضة كبيرة بسبب الأحداث الأخيرة بالنهوض مجدداً واستعادة قوتها وإصلاح نفسها والنجاح في الصمود.

لا شك أن خيبة الأمل ستعم الأجواء بعد هدوء الاضطرابات في المنطقة وعودة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية بالنسبة إلى الأنظمة، لكن يجب ألا نفقد الأمل، فقد تبين أن التغييرات المحدودة والتدريجية تكون أفضل من الثورات السريعة والقوية في معظم الحالات.

ستهبّ رياح التغيير في الشرق الأوسط لا محالة، ولكن ستتطلب هذه العملية سنوات عدة، أو حتى عقوداً من الزمن. لن يكون الأمر أشبه بالتحول الخارق الذي روّجت له وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة، فقد تبدو روحية تفكير برنارد شو تشاؤمية، ولكنها تثير بعض الشكوك، فبعد ثلاثة أشهر من الاحتفالات بثورات متلاحقة، ربما حان الوقت لبث جرعة صحية من الشكوك لتلويث المزاج العام السائد في هذه اللحظة، وربما نحتاج إلى فترة استراحة كي يحصل المدربون واللاعبون على الساحة السياسية على فرصة تقييم ما كسبوه وما خسروه وما يجب فعله قبل انطلاق المرحلة الحاسمة

======================

سوريا و«الدروس» التركية

محمد نور الدين

السفير

9-4-2011

تقدم تركيا نفسها بصورة غير رسمية نموذجا للأنظمة العربية وبعض الأنظمة الإسلامية.

ومع أن الكلام على النموذج التركي تكرر في السنوات الأخيرة، فإنه شهد «تضخما» غير مفهوم خلال الثورة المصرية، وتسلم الجيش المصري مقاليد السلطة لفترة انتقالية غالبا ما قد تمتد لسنوات. وهو ما دفع الرئيس التركي عبد الله غول إلى زيارة القاهرة كأول رئيس أجنبي ليقدم النصائح للعسكر المصري بضرورة تسليم السلطة إلى المدنيين في أسرع وقت.

والدرس الثاني جاء على لسان وزير الخارجية احمد داود اوغلو، أثناء زيارته أمس الأول إلى دمشق، التي قيل إنها تمحورت حول كيفية استفادة سوريا من التجربة التركية في الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعدد الأحزاب في العام 1946.

وقد أكد كل من الصحافيين المرافقين لداود اوغلو، جنكيز تشاندار وعبد الحميد بالجي، أن القسم الأكبر من المباحثات بين الرئيس السوري بشار الأسد وداود أوغلو (ساعتين من أصل ثلاث ساعات) تحول إلى «سيمينار» (حلقة نقاش) حول التجربة التركية.

وإذا كانت انطباعات داود اوغلو، على ما ينقل الكاتبان، من أن اللقاء مع الأسد كان «خارقا» لشدة ارتياح الوزير التركي، فإن علامات استفهام وتساؤلات تطرح نفسها على هذا الصعيد. يسجل أولا أن هذه الزيارة، وما سبقها إلى البحرين، كانت الأولى لداود اوغلو إلى المنطقة العربية منذ بدء موجة الثورات العربية في تونس.

ولم تحدث زيارتا داود اوغلو هاتان إلا بناء لعاملين:

الأول طلب المرجعية الدينية في النجف وساطة تركيا في البحرين، بعدما سدّت طرق التوصل إلى حل. وكان تصريح رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان حول «كربلاء» جديدة في البحرين هو الذي شجع المرجع الأعلى لشيعة العراق السيد علي السيستاني لطلب وساطة اردوغان.

أما السبب الثاني فلم يكن لتقديم داود اوغلو محاضرات ودروسا للقيادة السورية حول التجربة التركية، إذ ليس الأوان في الأساس لمثل هذا الترف الفكري، كما أن التجربة التركية تحتاج إلى الكثير من التطوير لتصبح نموذجا قابلا للاستفادة، وليس للمحاكاة، خصوصا في الحالة السورية المتشابهة في خصوصياتها مع المجتمع التركي.

وهنا نفتح قوسين استطرادا، ونقول إن نقطتين تثيران حساسيات في المجتمع السوري، وهما الحقوق الثقافية للأكراد والعلاقة بين السنّة والعلويين.

وهنا لا أدري أية دروس يمكن أن تقدمها التجربة التركية تجاه قضية كردية، لا تزال تواجه بسياسات إنكار واسعة، يتساوى في ذلك الإسلامي والعلماني، بحيث لا يمكن تسجيل فرق ملموس في نظرة حزب العدالة والتنمية عن نظرة سائر الأحزاب التي تعاقبت على تشكيل الحكومات قبل وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم في العام 2002. وإذا كان من نموذج تستفيد منه سوريا جدّيا وجذريا على صعيد الحقوق الثقافية فهو التجربة العراقية خارج بعدها التقسيمي الفدرالي، غير الوارد أساسا في سوريا لألف سبب.

وأيضا لا تقدم التجربة التركية نموذجا ناجحا في ما يتعلق بالعلاقة بين السنة والعلوية، على اعتبار أن العلويين الذين يقدرون في تركيا ب15 إلى 20 مليون نسمة لا يزالون مجموعة غير معترف بهويتهم المذهبية، رغم أن النظام علماني أو يفترض أن يكون كذلك.

كما أن هناك العديد من المشكلات التي يمكن سوريا أن تكون نموذجا لتركيا، وليس العكس، مثل قضية الحجاب التي لم ينجح بعد النموذج التركي في حلّها، حيث يمنع في الجامعات التركية وفي الدوائر الرسمية بينما هو مسموح به في سوريا، بل سمح الآن بارتداء النقاب أيضا.

تبقى بالفعل معضلة يمكن أن تستفيد منها سوريا من تركيا، وهي التعددية الحزبية، لكن أيضا بحدود معينة. إذ ان التجربة التركية التعددية، التي بدأت عام 1946، لم تكتمل كجزئية ضمن نظام ديموقراطي فعلي إلا بعد تقليص صلاحيات الجيش وإنهاء الوصاية العسكرية بعد استفتاء 12 أيلول العام 2010. أي انه لم يمض بعد سنة على اكتمالها. واستغراق استكمال التحول الديموقراطي في تركيا هذا القدر الطويل (أكثر من نصف قرن) في ظل انقلابات وتحكم العسكر بالمسار السياسي قد يدفع بالسوريين إلى البحث عن خيارات تنسجم أكثر مع المرحلة الانتقالية افتراضاً التي تمر بها سوريا اليوم.

لا أعتقد أن الكتاب الأتراك يواجهون حقيقة أن زيارة داود اوغلو دبّرت على عجل، في إثر امتعاض المسؤولين السوريين من مواقف معينة للدبلوماسية التركية التي تواجه صعوبات في كيفية التعاطي مع حركة الشارع العربي.

ومع أن حرية إبداء الرأي حق للجميع، فإن سماح السلطات التركية لمراقب الإخوان المسلمين في سوريا محمد الشقفة بعقد مؤتمر صحافي في اسطنبول هاجم فيه النظام السوري شكل برأي أوساط سورية متابعة «غلطة» للدبلوماسية التركية تجاه سوريا، البلد الذي قدم لتركيا كل شيء.

كذلك فإن إشارة اردوغان إلى «ايجابية» أن تكون زوجة الرئيس الأسد العلوي سنية كان لها وقع سيئ جدا لدى دمشق، التي تعتقد أن أنقرة قد تجاوزت الخطوط الحمر الحساسة في قضية لا يمكن التلاعب بها في سوريا، التي تعتنق مبدأ أقرب إلى العلمانية منه إلى أي شيء آخر. وأن أنقرة بهذا الموقف تثير هواجس لا تصب في مصلحة العلاقات التركية السورية.

جاء داود أوغلو إلى دمشق بعدما أدركت الدبلوماسية التركية أن «جس النبض» لا يمكن قبوله من جانب دمشق، وبالتالي لا بد من التراجع عن الخطأ الكبير الذي ارتكب في شأن الحليف الاستراتيجي. والأيام المقبلة كفيلة بصورة أكثر وضوحاً لكل الاحتمالات.

======================

نافذة للمحرر ..الاستقرار والإصلاح

دمشق

رأي

السبت 9 نيسان 2011

عماد الكركي

تشرين

ثمة مطالب عديدة يحتاجها كل منا في كل مرحلة جديدة من حياته وهذه الحاجات تكثر في مجتمعاتنا النامية من أساسية إلى كمالية.

وهكذا بنفس درجة تدرج اللون من الأبيض إلى الأسود وهذه الحاجات قد تبدو منطقية وحقيقية ومعقولة لكل مواطن حين ينادي بها من موقعه إلا أنها تصبح عبئاً علينا إذا أصبحت شغلنا الشاغل فتصوروا حالة رب الأسرة إذا عاد كل يوم إلى منزله واستمع إلى الاسطوانة نفسها من الطلبات من الزوجة والأولاد والتي هي في معظمها محقة ويتمنى تحقيقها ولكن هو يدرك أهمية ترتيب الأولويات للتوازن بين الدخل والإنفاق وتنظيم الوقت وتأمين تلك الطلبات بأوقاتها وبأشكالها الصحيحة، لذلك ما نسمعه هذه الأيام من طلبات الإخوة المواطنين من الحكومة الجديدة هي طلبات محقة ولابد من تحقيقها ولكن أخشى أن تتحول نظرتنا إلى النصف الفارغ من الكأس ونتحول إلى أناس متطلبين متناسين أن تلك الطلبات المحقة نحتاج لتحقيقها إلى استقرار بمعناه الحقيقي على جميع الصعد فالإصلاح عملية مركبة ومعقدة وتحديد الأولويات فيها مسؤولية ليست بالسهلة، وأن جملة المراسيم والإجراءات والتوجهات التي تشهدها البلاد هذه الأيام تحتاج إلى بنية متينة من الاستقرار على ساحة الوطن، وإن كانت هذه البنية بالتأكيد موجودة وتجلت في أروع صورها في هذه الوحدة الوطنية التي نعيشها يومياً وهذا الإدراك والوعي من الشعب السوري الذي يثبت للعالم في المحن والشدائد بأنه شعب على قلب واحد إلا أن قوة وبنية هذا الاستقرار يبدو أنها مستهدفة من الخارج لزعزعة الثقة ببلدنا ووجودنا وبالتالي لا معنى لأي إصلاح في ظل عدم الاستقرار لذلك فالإصلاح والاستقرار طرفا معادلة يجب المحافظة عليهما وعدم السماح لأي كان بزعزعة استقرار سورية الآمنة المستقرة الجميلة التي تصبو نحو التقدم والازدهار بخطوات واثقة وبإصلاح شجاع، فالشجاعة والبطولة والاعتزاز بالوطن تتطلب منا حماية استقرار سورية من الداخل والخارج والحفاظ على وحدتنا الوطنية. ‏

=====================

الأجندة الداخلية

تاريخ النشر: السبت 09 أبريل 2011

الاتحاد

من يدرس بعمق ظاهرة ثورة الشباب العربي اليوم في الدول العربية التي سقطت فيها زعامات تاريخية جثمت على صدور شعوبها لعقود من الزمن والثورات القائمة في دول عربية أخرى، يجد توافقاً في المشهد من قبل الحكومات التي سقطت وتلك الأخرى الصامدة، ويجد كذلك اشتراكاً في المطالب التي ينادي بها الشباب الثائر.

الحكومات التي سقطت والأخرى التي في طريقها للزوال، استخدمت عبارة الأجندة الخارجية التي حركت حسب زعمهم الشباب المغرر بهم كي يثوروا على حكوماتهم وبعضهم نسب هذه الحركات الى أعداء الأمة العربية التاريخيين الذين تحولوا إلى مبرر لكل حاكم فاشل، فكل فشل مرده مؤامرة خارجية تحاك بالدول العربية.

وبعض هذه الحكومات حذر من "القاعدة" ودورها الحالي في الأحداث ونفسها المستقبلي في الصراع، آخرون تكلموا عن حروب أهلية ستقع فور سقوط نظامهم لأنهم العاصم من القواصم، وأضعف حجة استخدمت في تصوري كانت الاختلافات الطائفية التي ستبرز على السطح. وتبين للمتابع الذكي أن كل ما سبق التصريح به والتلميح من وقوعه، لم يتحقق على الأقل في الدول العربية التي تحررت من الظلم والاستبداد، بل وجدنا لحُمة داخلية وقفت أمام الطائفية والحروب الأهلية، ورأينا عدلاً يمارس في حق المال العام على الأقل، والذي نهب لعقود من الزمن، وشاهدنا أهم من ذلك كله روحاً إيجابية تهب على تلك الدول، رياح لو أُحسن التعاطي معها، فإن دولة مثل مصر تستحق أن تحلق مرة أخرى في عالم الإنجازات والقيادات.

فكرة الأجندة الخارجية التي تحرك الشعوب ضد حكوماتها ينبغي أن نقف أمامها بكل حذر، لأنها لا تمثل إلا تهويلاً من مستقبل أفضل من الواقع.

الدرس الأهم في الأحداث، والذي ينبغي أن تتعلمه كل الدول العربية يتلخص في الأجندة الداخلية، فبعد عقود من الضياع والتخبط في التخطيط وتغليب المصلحة الخاصة على مصلحة الوطن، ينبغي على الدول العربية أن تنتبه إلى أهمية وجود أجندة واضحة ومعلنة للتنمية الوطنية. تلك الأجندة ينبغي أن تحقق مطالب جيل الشباب الأكثر وعياً بحقوقهم والأفضل علماً وتدريباً، وهو كذلك الأعلى شأناً في سقف المطالبات. فإن كان جيل الآباء ارتضى بالحد الأدنى من مستويات الحياة والخدمات المقدمة فيها من قبل الحكومات، فإن جيل الأبناء بالصفات التي ذكرت أصبح عندهم من الوعي ما يرفعون به سقف التوقعات والطموحات إلى المعايير العالمية التي تتناسب بلا شك مع البيئة الوطنية.

من يتأمل في الدول العربية التي شهدت ثورات في الفترة الحالية يجد أن أول مطلب رفع كان الحرية، وهي كلمة تتناسب مع كل القيم السماوية والأرضية، فأمة لا يعرف شعبها الحرية تستحق أن تستعبد من قبل الآخرين، وإنْ كانت الحرية كلمة من ذهب فإن سوء استخدامها وعدم تنظيمها يقود إلى قمة الفوضى والشغب ومن ثم عدم الاستقرار والتخلف، وقد شهدنا أمماً طالبت بالحرية فانتهت إلى حروب أهلية، ومن هنا وجب على الحكومات العربية في الفترة القادمة أن تتحدث بكل شفافية مع شعوبها وبالذات الشباب منهم لوضع ضوابط للحرية كي نقطف ثمارها مزيداً من التنمية.

====================

قياس الموجة الثورية 

آخر تحديث:السبت ,09/04/2011

ايان بريمر

الخليج

لو توقع شخص قبل ثلاثة أشهر أن الاحتجاجات الشعبية سوف تطيح قريباً بالدكتاتورية الموجودة في تونس وحسني مبارك في مصر وتؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في ليبيا معمر القذافي وتزعج أنظمة من المغرب إلى اليمن، لكانت هناك شكوك كبيرة بتوقعاته . لقد كنا نعرف أن التربة كانت جاهزة ولكنا لم نكن نعرف كيف ومتى سوف تأتي الشرارة التي ستشعل الأمور . أما وقد حصل ذلك فما مدى انتشار تلك النيران؟

لقد أصبح بعض المعلقين يطلقون على تلك اللحظة “الربيع العربي”، وهي صحوة يمكن أن تشل بشكل دائم الاستبداد في الشرق الأوسط . لقد كان تأثير العدوى واضحاً، فهناك بلدان عديدة في المنطقة لديها أعداد كبيرة من الشباب وفرص عمل قليلة للغاية، كما أن الفساد يشعل الغضب .

أما في مصر فإن الشباب الذين ألهمتهم الفضائيات وأحسوا بقدراتهم بفضل الاتصالات الحديثة قاموا بإشعال تلك النيران وأبقوها مشتعلة . إن سهولة توفر تلك التقنيات قد جعلت من قدرتهم على تحفيز الاحتجاجات تتجاوز حدوداً كان يعتقد أنها منيعة .

لكن، الأنظمة الاستبدادية التي تشعر بأن بقاءها على المحك، تعرف كيف تكتشف التهديدات في الجوار وكيف تتأقلم من أجل التعامل معها . بالرغم من أن الفضائيات والهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعية على الإنترنت يمكن أن تجبر بعض المستبدين أن يكونوا أكثر استجابة للطلبات الشعبية، فإن الحكومات أيضاً بإمكانها استخدام تلك التقنيات من أجل اكتشاف التهديدات وتحييدها ومراقبة الاتصالات بين النشطاء وبث رسائل خاصة بها أو عند الضرورة فإن بإمكانها بكل بساطة إيقاف كل تلك التقنيات .

لو كنا أكثر تحديداً، فإنه لا يوجد الكثير من الشبه بين الاحتجاجات التي تجري حالياً في العالم العربي وبين “ربيع براغ” في سنة 1968 أو الثورات التي اجتاحت أوروبا الشرقية في سنة ،1989 فبخلاف الألمان والتشيك والبولنديين إبان الحرب الباردة فإن المحتجين في الشرق الأوسط اليوم لم يتوحدوا من أجل معارضة النفوذ الأجنبي . في واقع الأمر فإن العديد من الشباب العربي يلومون أمريكا على دعم الحكام المستبدين، ولكن لا توجد هناك مقارنة بين استيائهم وبين المشاعر المعادية للسوفييت في حلف وارسو . إن الشباب العربي لا يوجد عندهم بلد مثل الاتحاد السوفييتي يريدون التخلص منه أو أوروبا يريدون الانضمام إليها .

يجب مقارنة الشرق الأوسط اليوم بالجمهوريات السوفييتية السابقة المضطربة قبل بضع سنوات . لقد أدت “ثورة الزهور” في جورجيا سنة 2003 إلى الرفع من شأن جيل شاب يقوده رئيس ليست لديه علاقات بالاتحاد السوفييتي الشيوعي . ما يزال ميخائيل ساكاشفيلي في السلطة، ولكن حرب الأربعة أيام مع روسيا في سنة 2008 حدت كثيراً من قدرة جورجيا على التأثير في الأحداث خارج حدودها .

أما في أوكرانيا فإن “الثورة البرتقالية” في سنة 2004 نجحت في قلب نتائج انتخابات مزورة ما نتج عنه تهميش فيكتور يانكوفيتش لمصلحة فيكتور يوشتشينكو . لكن في سنة 2010 ومع انخفاض شعبية فيكتور يوشتشينكو لمستويات غير مسبوقة، تمكن يانكوفيتش من الفوز بانتخابات أعلن المراقبون الدوليون أنها انتخابات حرة ونزيهة .

أما في قيرغيزستان فإن “ثورة الخزامى” في سنة 2005 أطاحت بعسكر كاييف . لقد فاز كورمانبيك باكييف في الانتخابات التي تم عقدها بسرعة وأصبح رئيساً . لكن في سنة 2010 أطاحت جولة جديدة من الاحتجاجات بباكييف .

كما هو الحال في الشرق الأوسط، فإن كل واحدة من تلك الاضطرابات عكست رغبة العديد من الناس على المخاطرة بحياتهم ورزقهم من أجل الإطاحة بحكومة فاسدة، لم تتمكن أو لم ترغب بأن توفر لهم سبل العيش والرخاء . إن كلاً من تلك الثورات الثلاثة كانت ثورات غير متوقعة بالمرة وحتى الآن فإن التأثير الرئيسي لتلك الثورات الذي ما زال حاضراً هو إخافة المستبدين في الجوار وحملهم على التصرف .

إن الحكومات في أرمينيا وأذربيجان وروسيا البيضاء وأوزبكستان قد اخترقت منظمات المجتمع الدولي، كما قامت بتقويضها وعمدت إلى طرد المراقبين الغربيين والعاملين في مجال المساعدات . لقد قامت تلك الحكومات أيضاً بالاعتماد على المحاكم المحلية من أجل ضمان أحكام تفضيلية في ما يتعلق بالانتخابات . أن أوزبكستان على وجه الخصوص قد أثبتت رغبتها بالتعامل مع المحتجين بوحشية . أما الدول الأغنى في المرحلة التي تلت الحقبة السوفييتية أي روسيا وكازخستان فلقد اتخذوا خطوات استباقية مماثلة ضد عدم الاستقرار الذي لم يأت .

كما هو الحال في جورجيا وأوكرانيا، سوف تحصل تونس ومصر على حكومات جديدة مطالبة بالتعامل مع مشكلات قديمة . إن الأنظمة العربية الأخرى تقوم الآن بصرف الأموال من أجل استعادة الاستقرار ولكن معظم دول الاتحاد السوفييتي السابق لم تكن لديها مثل تلك الأموال . إن بعض تلك الدول لديها ما يكفي من المال من أجل تقديم دعم جديد للمواد الأساسية وتقديم معونات مباشرة، بالإضافة إلى صرف المزيد على القوات العسكرية والأمنية وتدعيم الأدوات والأساليب المستخدمة في السيطرة على الحشود .

إن الرئيس السوري بشار الأسد يتمتع بدعم داخلي أكبر مما توحيه التقارير الإعلامية الأخيرة عن الاضطرابات في جنوب البلاد . أما بالنسبة لإيران فلا يبدو أن الحكومة الإيرانية تواجه خطراً حقيقياً . إن القمع الوحشي للاحتجاجات التي حصلت بعد الانتخابات في سنة 2009 أظهر تصميم النظام الإيراني على المحافظة على النظام بأية وسيلة ضرورية . سوف تستمر المعارضة الإيرانية حالياً في محاولة تغيير البلاد ضمن حدود النظام الحالي . إن اليمن هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي من المرجح أن تؤدي الاضطرابات فيها إلى تغيير آخر للنظام الحاكم .

لقد وصلت الأمور في ليبيا إلى طريق مسدود مع وجود العنف، وهذا الوضع يمكن أن يستمر لبعض الوقت . أما أنظمة شمال إفريقيا التي تجد نفسها في ورطة، فسوف تتمكن من البقاء . إن الاحتجاجات في المغرب قد أثرت سلباً في الدعم الشعبي العريض للملك محمد السادس، كما أن من المحتمل أن ترضي الوعود بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية الاحزاب المعارضة في المرحلة الحالية . أما في الجزائر، فلقد فقدت المظاهرات زخمها، كما يمكن للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاعتماد على قواته العسكرية من أجل الحد من حركة النشطاء المتشددين .

إن الربيع العربي قلب الافتراضات المتعلقة بالصبر الشعبي في المنطقة رأساً على عقب . لقد بدأ فصل جديد . لكن يجب علينا ألا نبالغ في قدرة الحكومات الجديدة على حل المشكلات القديمة أو أن نقلل من براعة ووحشية الأنظمة القديمة .

====================

الحرية والطائفية في سوريا

محمد بن المختار الشنقيطي

المصدر:   الجزيرة 8/4/2011

تعاني كل المجتمعات البشرية من انقسامات أفقية كالفروق بين الأغنياء والفقراء، وأخرى عمودية كالانشقاقات الطائفية والدينية. فالتصدع الأفقي في المجتمع مُعين للثورة حافز عليها، بينما يعوق التصدع العمودي مساعي الثورات والتغيير.

وليست المشكلة في "التمايز" المذهبي أو الديني أو العرقي، بل في "التمييز" ضد قطاع من المجتمع على أساس هذا الانتماء، سواء كان هذا القطاع أغلبية أو أقلية.

والصراع السياسي الدائر في سوريا اليوم هو صراع بين الشعب والسلطة، بين الاستبداد والديمقراطية، وليس صراعا بين السنة والعلويين.

 

لكن الصراعات السياسية كثيرا ما لبست لبوس الدفاع عن الدين والطائفة والمذهب. وكثيرا ما وجدت السلطة القاهرة في الانقسامات الاجتماعية العمودية فرصة للاحتماء والتوظيف لصالح بقائها، من خلال تأليب بعض المجتمع على بعض، وضرب بعضه ببعض، وهذا ما تحاول السلطة السورية فعله اليوم.

فقد تردد في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد يوم 30/3/2011 الحديث عن "الفتنة" ثماني مرات، والوعد ب"مكافحة الفتنة" و"درء الفتنة" و"ضرب الفتنة" و"وأد الفتنة". كما تردد في الخطاب لفظ "المؤامرة" مفردا وجمعا سبع مرات، ولفظ "الدم" بالمفرد والجمع ست مرات. أما لفظ "الطائفة" ومشتقاتها فترددت سبع مرات في فقرة واحدة من الخطاب.

ولا يمكن فهم الخطاب دون تأملٍ في هذه الألغام اللغوية الثاوية في بنية الخطاب، وبحثٍ في خلفية البنية السلطوية والعلاقات الطائفية في سوريا. فما يستبطنه الخطاب حقيقة -وإن لم يصرح به تماما- هو العلاقة المعقدة بين الأقلية العلوية الحاكمة والأغلبية السنية المحكومة في سوريا، وهذا ما نحاول هنا وضعه في سياق الزمان، لنبين مصلحة الشعب السوري الثائر في اجتناب أي انزلاق طائفي يطيل عمر الاستبداد ويضاعف ثمن التغيير.

على خلاف الخريطة الطائفية في العراق التي امتازت بالثبات النسبي على مر القرون، امتازت الخريطة الطائفية في بلاد الشام بالكثير من المرونة والتقلب.

فقد عرفت تلك البلاد مولد أعظم الإمبراطوريات السنية في التاريخ، وهي الدولة الأموية، ثم شهدت في العصر العباسي دولا شيعية عدة، منها الدول الحمدانية والمرداسية والعقيلية في حلب، ودولة بني عمار في طرابلس.

وقد كانت غالبية أهل الشام سنية خلال العهد الأموي والعهد العباسي الأول، لكن الأغلبية تحولت شيعية في نهاية العصر العباسي، كما لا حظ العديد من المؤرخين المعاصرين لتك الفترة.

فحينما زار الرحالة المغربي ابن جبير دمشق في أيام صلاح الدين الأيوبي كتب عنها: "وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد عمروا البلاد بمذاهبهم" (رحلة ابن جبير، ص 252). ثم رجعت الغالبية سنية في نهاية الدولة الأيوبية وبداية عصر المماليك فالعثمانيين.

ورغم التفسير الطائفي للتاريخ الذي يصور السنة والشيعة اليوم معسكريْن متناقضين منذ الأزل، فإن السنة والشيعة الإمامية في الشام وقفوا في خندق واحد ضد الهجمة الصليبية التي دامت قرنين من الزمان.

وقد قاد قاضي حلب الشيعي أبو الفضل ابن الخشاب حركة الجهاد المبكر في شمال الشام ضد الصليبيين، واستنجد بقادة عسكريين سنيين أتراك، من ماردين والموصل وخلاط في سبيل ذلك.

وخطب ابن الخشاب في الجيش التركي السني خطبة بليغة في ساحة معركة "حقل الدم" الحاسمة، التي كانت أول انتصار للمسلمين على الصليبيين. وقد خصص الكاتب اللبناني المعاصر أمين معلوف الفصل الخامس من كتابه "الحروب الصليبية كما رآها العرب" لدور ابن الخشاب في محاربة الصليبيين، وعنون الفصل بعنوان "مقاوم بعمامة".

ثم جاء صلاح الدين الأيوبي جيلا بعد ذلك، فقاد أعظم حركة تحرر من الصليبيين، وكان في ركابه المؤرخ والشاعر الشيعي يحيى بن أبي طي، مؤلف أول سيرة لصلاح الدين بعنوان: "كنز المؤمنين من سيرة الملك صلاح الدين".

وكلتا الصورتين: صورة الفقيه الشيعي المعمَّم وهو يقود قوة عسكرية سنية، والقائد العسكري السني الذي يجمع حوله علماء السنة والشيعة وهو يقارع الصليبيين، صورة جميلة زاهية لا نجد مثيلا لها في هذا الزمن الطائفي.

ولم يغب عن هذا الإجماع السني الشيعي ضد الصليبيين يومذاك سوى طائفة الإسماعيلية النزارية المعروفة تاريخيا باسم الحشيشية.

والعلويون في سوريا اليوم فرع من الشيعة الإمامية انبتَّتْ صلته بمنبعه قرونا مديدة، وعاش أتباعه عزلة جغرافية وفكرية وشعورية عن جمهور المسلمين. وقد نشأ لديهم فراغ فكري وفقهي هائل، بحكم العزلة والانكفاء على الذات، والانبتات عن خضم الثقافة الإسلامية العريض، السني منه والشيعي على حد السواء.

وقد أدت هذه القطيعة إلى ظهور أصوات التكفير والتشهير من كل جانب، فوصم علماء السنة والإمامية العلويين بأنهم "غلاة" و"كفرة"، بينما وصم العلويون السنةَ والإمامية بأنهم "نواصب" و"مقصِّرة".

ثم بدأ العلويون في القرن التاسع عشر التواصل مع محيطهم، والبحث عن جذورهم الضائعة، فأسس بعض شيوخ الطائفة مساجد في مناطقهم لأول مرة في التاريخ، وشجعهم العثمانيون على ذلك، وعلى تبني الفقه الحنفي الذي يعد يومذاك قانون الإمبراطورية.

 

وفي مطلع القرن العشرين حاول الفرنسيون إقناع العلويين بجذور مسيحية لا أصل لها، وبالاستقلال عن سوريا في اللاذقية وطرسوس، وأسسوا لهم دويلة عاصمتها اللاذقية بين الأعوام 1922 و1937.

وكانت الغاية من ذلك فصل الطائفة العلوية عن الحركة الوطنية السورية الداعية إلى استقلال كامل سوريا عن الاستعمار الفرنسي. لكن العلويين لم يقتنعوا بالانفصال عن عمقهم العربي الإسلامي، وكتب قادتهم إلى الخارجية الفرنسية ينددون بنشاط اليسوعيين الفرنسيين في مناطقهم، في رسالة وقعها معهم قادة سنة ومسيحيون سوريون، في تلاحم رائع في وجه الغازي ومكائده.

وقد أدرك مفتي فلسطين المجاهد أمين الحسيني مطلع القرن العشرين وضع العلويين التاريخي ومفترق الطرق الذي يمرون به في رحلة العودة إلى الجذور بعد الخروج من تيه العزلة، فبادر ببصيرة دعوية وحكمة سياسية إلى إصدار فتوى عام 1936 تعلن: "إن هؤلاء العلويين مسلمون، وإنه يجب على عامة المسلمين أن يتعاونوا معهم على البر والتقوى، ويتناهوا عن الإثم والعدوان، وأن يتناصروا جميعا ويتضافروا... لأنهم إخوان في الملة، ولأن أصولهم في الدين واحدة...". لكن فتوى أمين الحسيني لم تتعضَّد بجهد سني منهجي لكسب العلويين، وإنما تلاها جهد شيعي إمامي مكثف في شكل تيار يدعو إلى إرجاع الفرع العلوي إلى أصله الإمامي.

وقد قاد هذا التوجه من قادة العلوية: سليمان الأحمد (والد الشاعر المعروف بدوي الجبل)، وعبد الرحمن الخيِّر، ومن قادة الإمامية: الشيخ محمد جواد مغنية، والشيخ حسن الشيرازي الذي زار سوريا عام 1972 لغاية "إجلاء الهوية الدينية للعلويين"، و"إزاحة الضباب التاريخي الذي يلفُّهم".

وقد اعترفت الدولة السورية للعلويين بأنهم شيعة إمامية قبل أن يحكموا سوريا بعقدين من الزمان، وذلك من خلال المرسوم الرئاسي التشريعي رقم 3 لعام 1952، وقرار مفتي الجمهورية رقم 8 من العام ذاته.

وحينما حكم العلويون سوريا عام 1970 كان حكمهم مستظلا بظل القومية العربية، لكن ذلك لم يكفكف من الحساسية التاريخية الكامنة بينهم وبين الثقافة السياسية السنية ذات الجذور الأموية في سوريا، فزادت الحاجة إلى إخراج الطائفة من عزلتها، من أجل بناء شرعية سياسية لحكمها، ودمجها في المجتمع السوري العريض.

وتلقف علماء الإمامية هذه اللهفة العلوية إلى الاندماج الاجتماعي والشرعية السياسية، فأصدر الإمام موسى الصدر –مثلا- فتوى عام 1973 تنص على أن العلويين "مسلمون شيعة"، وذلك -على ما يبدو- بطلب من حافظ الأسد الذي كان يواجه مأزق نص دستوري ينص على أن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلما.

ثم تعمقت الصلة بين العلويين والإمامية، وزادت المصلحة السياسية بعد الثورة الإيرانية، وزادت الشقة بين العلويين والسنة بعد انتفاضة الإخوان المسلمين في سوريا مطلع الثمانينيات، والمذابح المروعة التي تلتها، ولم تستطع العقود الثلاثة الماضية أن تمحو ميراث الثمانينيات الدموي، بل دخل شيء من الفكر السلفي إلى النسيج الفكري الإخواني السوري، فانضاف إلى بقايا تراث تسنُّن أموي قديم في سوريا، كما توطدت المصلحة السياسية والقرابة العقلية بين العلويين والشيعة الإمامية في لبنان وإيران.

وكان الأخطر من كل ذلك بقاء المظالم التي نتجت عن تلك المذابح دون تصحيح حتى اليوم. فآلاف السجناء والمفقودين والمهجَّرين السوريين لا يزالون ينتظرون لفتة عدل وإنصاف منذ ثلاثة عقود.

 

على أن من الخطأ الاعتقاد بأن رحلة العودة إلى الجذور دفعت العلويين إلى التشيُّع الإمامي من غير رجعة، أو أن صراع حافظ الأسد مع الإخوان قد جعل القطيعة نهائية بين العلويين والسنة.

والحق أن البحث عن الخروج من العزلة دفع العلويين في اتجاهات ثلاثة، هي: اتجاه العودة إلى الجذور الإمامية، واتجاه العلمنة التي جسَّدها حزب البعث وقد كان مُنظِّره الأبرز في سوريا علويًّا هو زكي الأرسوزي، واتجاه الاندماج الاجتماعي في المجتمع السني العريض عبر التزاوج والتعليم.

ولا ينبغي أن ننسى أن زوجة الرئيس بشار الأسد تنحدر من أسرة سنية عريقة من حمص، وليست حالته استثناءً ضمن النخبة العلوية اليوم.

فرحلة العلويين من العزلة إلى الاندماج لا تزال في بداياتها. وإذا كانت وشائج المذهب القديم تدفع العلويين إلى إيران، فإن رابطة العروبة أقوى عندهم من ذلك. فالجذور الإمامية والمصلحة السياسية الآنية دفعت بالطائفة العلوية شطر التشيع الإمامي، والشعور القومي والسعي إلى الاندماج في شعبها يدفعان بها إلى التسنن.

ربما يحتاج العلويون في سوريا اليوم أن يدركوا -قبل فوات الأوان- أن ما سيؤمِّن مستقبلهم ليس التشبُّث بحكم سوريا، أو الاصطفاف الأعمى مع سلطة الأسد، بل بناء حكم ديمقراطي، والخروج من المنطق الطائفي برمَّته.

فمساهمة العلويين في الثورة الشعبية في سوريا ليست واجبا وطنيا فقط، بل هي ضرورة مصلحية لمستقبلهم. ونقض المنطق الطائفي حاجة وجودية للسنة وللعلويين على حد السواء، ليجد السنة المسالك مفتوحة أمامهم وهم غالبية الشعب، وليطمئن العلويون على مستقبلهم من الخوف الوجودي المتحكِّم في كل الأقليات الحاكمة.

أما قادة الثورة الشعبية في سوريا فهم بحاجة إلى طمأنة العلويين على مستقبلهم ومكانهم في سوريا المستقبل، وإقناعهم بالحقيقة الواضحة، وهي أن النظام قد يحاول اتخاذهم سُلَّما إلى أمجاده، والمغامرة بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم بوضعهم وجهًا لوجه مع غالبية شعبهم السوري، في معركة سيكون الشعب فيها هو المنتصر حتما.

كما تحتاج قيادة الثورة الشعبية ومعاضدوها من أهل الرأي والقلم ترجيح كفة المستقبل على الماضي، فليس مما يخدم الثورة البحث في جذور العلويين ومحاكمة ما كان ينسب إليهم في كتب التراث من عقائد تاريخية مضمحلَّة هم يتبرؤون منها اليوم، بل المهم هو إعادة دمجهم في جسد الأمة الواحدة، عبر خطاب سياسي وفكري وفقهي جامع، يتأسَّس على عموم العدل والحرية والاعتراف بحق الاختلاف، وعلى منهج الفطرة الإسلامية الذي يُصدِّق الناس في عقائدهم وفي أنسابهم دون تكلف أو امتحان.

وباستعارة بعض مصطلحات الدكتور علي شريعتي، نقول إن "التسنن الأموي" لا يصلح أرضية لبناء سوريا الديمقراطية وغير الطائفية التي يطمح إليها الشباب السوري الثائر اليوم، كما لا يصلح لهذه المهمة "التشيعُ الصفوي" المشحون بغريزة الانتقام من الأمويين وتراثهم، ومن أمثلته قول الشيخ حسن الشيرازي إن تأسيسه للحوزة الزينبية في سوريا عام 1976 جاء "جبرا للتاريخ الأموي... ولإحياء مذهب أهل البيت عليهم السلام في عاصمة الأمويّين أعداء أهل البيت".

 

فليس استمرار القهر أو الأخذ بالثأر خيارا صالحا للثورة السورية، وليس العنف خيارا لها أيضا، وهي تحمل وراءها تراث الثمانينيات البغيض الذي لم تجفَّ دماؤه بعد.

ومما يبشر بالخير أن الشباب الثوار في سوريا والمثقفين السوريين الأحرار الداعمين لهم على دراية تامة بمخاطر المنزلق الطائفي، كما أن بعض المؤشرات تشير إلى محاولات للتنسيق السني العلوي في اللاذقية ضد العصابات الموالية للنظام، وانضمام بلدة (نُبُّل) الشيعية الإمامية إلى الحراك الثوري، ونزول الأكراد بثقلهم وراء الثورة. وهذا ما سيضمن بقاء الثورة السورية ثورةَ شعب بحق، ويجعل ترويضها أو حرْفها عن مسارها أمرا عصيًّا.

إن الانتقال من ثقافة الإكراه السلطوي والنبذ الاجتماعي إلى ثقافة الإقناع والاحترام هو السبيل لفتح مسالك المستقبل أمام الشعب السوري الأبي. ويبدو من خلال الدراسة التاريخية للعلاقات السنية والشيعية في شتى تجلياتها أن مشكلة العلويين في سوريا أكثر تعقيدا من الناحية السياسية، بحكم تراكم المصالح والولاءات، والارتباط بأحلاف سياسية في لبنان وإيران وغيرهما.

لكنها أقل تعقيدا من الناحية الاعتقادية والفكرية، فليس لدى العلويين تراث فكري أو فقهي ثقيل يتعصبون له، وإنما ربطهم النظام السوري بنفسه فيما يشبه العصبية القبلية، واتخذهم مطية لسلطانه كما اتخذ آخرين مطية.

فعلى العلويين أن يتحرروا من هذا اللعب السلطوي بمصائرهم، ويدركوا أنْ لا مجال للحياد اليوم بين موكب الحسين الآتي من مروج درعا، وكتائب يزيد المتحصنة في قلعة دمشق.

===================

الأنظمة «العلمانية» العربية

حسين العودات

التاريخ: 09 أبريل 2011

البيان

للعلمانية مفاهيمها ونظمها ومكوناتها وأفكارها وفلسفتها وتطبيقاتها، فهي ليست شعاراً أو جملة تقال، ولا فكرة عارضة أو اكتشافاً طارئاً، إنما هي منظومة متكاملة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ولّدتها الحداثة بعد أن استكملت ظروفها وشروطها، وشهدت المجتمعات الأوروبية (وفيما بعد الإنسانية) خلال استكمال نضوجها توترات وصراعات وحروب، ولأنها بهذا التنوع والغنى والشمول فهي أعم من مسألة فصل الدين عن الدولة، فهذه المسألة هي جزء من مفاهيم العلمانية فقط، كالعقلانية والفردانية والحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة وتطبيق حقوق الإنسان ومرجعية المواطنة وفصل السلطات وإقامة الدولة المدنية، فإذا كانت العلمانية كل هذا فأين الأنظمة العربية (المسماة علمانية) من هذا الطيف الواسع من الأفكار والمكونات؟ وهل تبنى نظام عربي واحد هذه المفاهيم والأفكار والتزم بها في دستوره وقوانينه وشرائعه وممارساته، وطبقها في حيز الواقع ليستحق أن يوصف بأنه نظام علماني؟.

يؤكد الواقع أنه لم يعتمد أي نظام عربي مرجعية المواطنة مثلاً اعتماداً شاملاً، ورغم أن الدساتير والقوانين والأدبيات عامة في البلدان العربية (التي تسمى علمانية) تشير إلى مرجعية المواطنة وترجع الناس إليها، إلا أن هذه ليست هي المرجعية الرئيسية في حيز التطبيق، فما زال هناك مرجعيات أخرى إلى جانب هذه المرجعية وأحياناً لها الأولوية عليها، كالطائفية والإثنية والإقليمية، ولا تتعامل (الأنظمة العربية المسماة علمانية) مع مواطنيها كمواطنين أفراداً أحراراً متساوين، ولذلك فعندما توزع الوظائف أو الوزارات أو المناصب السياسية والاقتصادية والإدارية وغيرها لا تأخذ بحسبانها الالتزام بمرجعية المواطنة، وتطبق نظام المحاصصة بينها، وتغيب المساواة في هذه البلدان ويغيب معها تكافؤ الفرص، فلا المرأة تساوي الرجل، ولا يتساوى أتباع الديانات، ولا أبناء الإثنيات، ولا حتى أبناء الأقاليم، فقوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية (المسماة علمانية) مثلاً تحرم المرأة من حق الولاية والوصاية والمساواة بالإرث وحق السفر وغيرها، ويُحرم المواطن من بعض الديانات والطوائف والإثنيات أن يتبوأ منصباً حساساً، ومن البديهي أنه يتعذر وصف مجتمع أو نظام سياسي بأنه علماني إذا لم تتحقق المساواة فيه بين المواطنين من مختلف الإثنيات والأديان والطبقات الاجتماعية.

لا تعترف (الأنظمة العربية العلمانية) بالحق بحرية الاعتقاد والتعبير، ولا يستطيع أحد التعبير عن رأيه بحرية ببعض القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية أو غيرها، وخاصة إذا كان رأيه مخالفاً لرأي النظام، ولا يستطيع تأليف حزب أو جمعية أو إصدار صحف وتملك منابر إعلامية، أو نقد أعمال الحكومة، أو المشاركة في صنع القرار. والأمر نفسه فيما يتعلق بالديمقراطية، التي لا وجود لها جدياً في هذه (الأنظمة العلمانية) وما يوجد منها فهو ليس إلا مظاهر الديمقراطية وطقوسها (كالانتخابات، والمجالس التشريعية وغيرها) ولكنها بدون روح ولا مضمون ولا صلاحية ولا معنى، وكذا ما يتعلق بحقوق الإنسان، فهل تضمن هذه الأنظمة (العلمانية) مثلاً حرية التنقل والرأي، وتلتزم بحقوق المواطن كحق العمل والضمان الاجتماعي والصحي وغيرها؟. إن (العلمانية) لدى هذه الأنظمة هي مجرد أقاويل ومزاعم وادعاء. فكيف صارت علمانية وحسب أية مرجعية وأي معيار؟. إلا إذا كان المعيار هو سماحها ببيع وتعاطي المشروبات الروحية!.إن (علمانية) الأنظمة السياسية العربية في الواقع، هي علمانية انتقائية جزئية، كاريكاتورية، مشروطة، انتهت إلى الاستبداد والعسف والديكتاتورية ومزاعم العلمانية.

تفصل العلمانية رجال الدين ومؤسساتهم عن الدولة، وتجردهم من أية سلطة على الدولة، باعتبار أن الدولة شأناً مدنياً غير ديني حسب العلمانية، وهذا الفصل لا يعني البتة معاداة الدين بل تحييده وإنقاذه من هيمنة الدولة عليه واستغلالها له، وترك شؤونه للمؤمنين، وكف يد المؤسسة الدينية عن التدخل بشؤون الدولة ودستورها وقوانينها وتنظيماتها وتشريعاتها.

يرفض السلفيون أنصار الإسلام السياسي هذا المفهوم، ويعتبرون العلمانية ضد الدين بقولهم (الإسلام دين ودولة) ولأن العلمانية تفصل الدين عن الدولة إذن هي بنظرهم ضد الإسلام، وقد استطاع هؤلاء تصوير العلمانية برمتها، بمفاهيمها وتحولاتها ومنجزاتها على أنها حركة جاءت لتهدم الدين، وتجاهلوا مهماتها الأخرى ومكوناتها المتعددة والمتعلقة بالمجتمع والدولة والفكر والتطور وغيرها، وأخذوا هذه الجزئية من موقف العلمانية من الدين وشوهوها بأن قالوا (إن هدف العلمانية هو العمل لإلغاء الدين) وأخيراً اعتبروا أن من يؤمن بالعلمانية هو (كافر وملحد) وأن المؤمن الحق يرفضها رفضاً مطلقاً بدون تردد، وصار مصطلح العلمانية عندهم بعد تسطيح معناها يعني الكفر والزندقة، مع أن العلمانية كما أشرنا لاهي ضد الدين (بما هو دين) ولا علاقة لها بالكفر.

بل ويؤكد الواقع أن الدولة العلمانية تحافظ على حرية العقيدة ونشاط الأديان وتحميها. فالدولة العلمانية محايدة من جهة وحامية للرأي والعقيدة مهما كانت من جهة أخرى. وفي الوقت نفسه وبالدرجة نفسها تمنع تعدي السلطة السياسية على الدين أو على السلطة الدينية، وتضمن حرية الاعتقاد وترفض استغلال الأنظمة السياسية للدين، أما الأنظمة السياسية العربية (الموصوفة بالعلمانية) فقد كانت، وما زالت، مرتاحة دائماً لمعاداة رجال الدين للعلمانية، أو اختصارهم لها على أنها فصل الدين عن الدولة، وتناسي معاييرها الأخرى بغض النظر عن تديينهم السياسة وتسييسهم الدين، لأن ذلك يعفيها من مهمات عديدة. وهكذا فإن هذه الأنظمة هي في الواقع ليست علمانية وإنما تتشدق بها عندما تقتضي مصالحها ذلك.

======================

كيف نصدق أن أميركا مع حرية الشعب العربي ؟

شؤون سياسية

السبت 9-4-2011م

بقلم: نواف أبو الهيجاء

الثورة

لن نفتري على الولايات المتحدة حين نتهمها بأنها (ضدنا) - نحن العرب والمسلمين - على طول الخط . السبب البسيط هو أن الولايات المتحدة الأميركية تقف مع الكيان الصهيوني دائماً - إلى درجة استعدادها لشن الحروب نيابة عنه أو من أجل أمنه - الذي ما من إدارة أميركية جاءت منذ خمسة عقود إلا وأعلنت التزامها بأمن الكيان الصهيوني في فلسطين .

أميركا احتلت العراق ودمرته : فهل نصدق أنها مع (حريات) الشعب العربي ؟ أميركا استخدمت الفيتو عشرات المرات لمصلحة المحتلين الصهاينة وبالضد تماماً من حقوقنا - حتى تلك المعترف بها دولياً والتي صدرت بموجبها قرارات من الأمم المتحدة - من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة للأمم المتحدة .‏

آخر فيتو استخدمته الولايات المتحدة ناقض القانون الدولي - وهو فيتو ضد مشروع القرار العربي الذي يدعو إلى وقف الاستيطان في الضفة الغربية وفي كل أرض محتلة - وبالطبع من الجولان السوري.‏

وها هي الإدارة الأميركية تدس أنفها في الشؤون العربية الداخلية ، أعجبنا هذا التدخل أم لا . انظروا إليها كيف حاولت مصادرة الثورة المصرية وكيف أنها عادت خائبة حين رفض شباب الثورة استقبالها - بوجه الخارجية- كلنتون ؟ وانظروا إلى مساعيها تجيير الثورة التونسية لمصلحتها. وها هي تؤجج وتدس وتتآمر على أمن سورية وتمعن في التحريض عليها .‏

دعونا نقولها بصراحة : لو أن سورية لا تتعرض للتهديدات وللكيد من الولايات المتحدة الأميركية - بما يعني من إسرائيل - لقلنا إن سياستها - أي سياسة سورية - ليست على ما يرام . الطبيعي جداً هو هذا السيل من محاولات الانقضاض على الموقف السوري - المعبر عن تطلع عربي مشروع باحتضان المقاومة العربية في لبنان وفي فلسطين وفي كل قطر عربي.‏

وعليه ليس غريباً أن تحاول الإدارة الأميركية التصرف وكأنهاوصية على شعبنا في سورية - كما تحاول أن تكون كذلك على شعبنا في مصر وليبيا وتونس واليمن - وهي التي تمعن في تفتيت العراق وإنهاء دوره العربي - بل والعمل على تفتيت دولته وانتمائه القومي‏

إن الولايات المتحدة الأميركية هي المسؤولة اليوم عن إعلان الكيان العنصري عن مزيد من بناء المستوطنات في الضفة - وفي القدس- كما في غور الأردن . لماذا؟ لأنها استخدمت الفيتو كي يواصل العنصريون الصهاينة تهويد أرضنا الفلسطينية دون مساءلة وبالطبع اعتماداً على نجاة الصهاينة من العقاب لأن الإدارة الأميركية هي التي صادرت إدارة المجتمع الدولي - بالقوة وبالبلطجة بعد أن تهدم سور برلين ومعه تهدم بنيان التوازن الدولي وانهار لمصلحة قطبية أحادية تتزعمها الولايات المتحدة لتسرح وتمرح وتهدد وتتوعد وتعتدي وتغزو - وصوت المجتمع الدولي بيديها خنقه حين تشاء وترفع عنه الكمامة حين تشاء، وعادة حين يشاء حليفها الاستراتيجي العدواني في تل أبيب .‏

ولنا من الماضي الدروس ولكن لنا من المستقبل أيضاً ما نتوقعه من إدارة نذرت جهد أميركا وكرسته لحماية أمن الغزاة الصهاينة . انتظروا شهر أيلول المقبل ولسوف ترون كيف تستخدم إدارة ( الديمقراطي أوباما) الفيتو ضد محاولة إرسال تقرير لجنة التحقيق بشأن ارتكابات الصهاينة في قطاع غزة إلى المحكمة الدولية .‏

تتآمر الإدارة الأميركية ولا توفر يوماً إلا وتدس أنفها خلاله في شؤوننا العربية .‏

لاحظوا توقيت ما أعلنته من نصائح لرعاياها في سورية وكيف أنها وضعت لهم طائرات - مجانية - لتأمين عودتهم إلى الولايات المتحدة - ولاحظوا نصيحتها للأميركيين بعدم السفر لسورية إلا لأسباب اضطرارية .‏

أليس هذا تحريضاً مكشوفاً ؟ إن كان غير ذلك أرجو أن يخبرنا فلاسفة ودهاقنة (شهود العيان) والمتصارحون في كل يوم حتى تبح أصواتهم مطالبين المجتمع الدولي التدخل لحمايتنا من أنفسنا : من هو المجتمع الدولي في هذه المرحلة ؟ أليس هو ( الإدارة الأميركية - الحليف الإستراتيجي للكيان الصهيوني )؟‏

مع الاعتذار لروح الشاعر الفلسطيني محمود درويش‏

======================

ثورات الشعوب وتحولاتها الكبرى

المستقبل - السبت 9 نيسان 2011

العدد 3964 - رأي و فكر - صفحة 19

ماجد الشّيخ

وهي تمضي إلى خلق ارتداداتها بعد الإطاحة برأس النظام، تواصل الثورة الشعبية المصرية توفير أجواء ومعطيات تغيير تدرّجي غير متسارع، يستهدف الخلاص من النظام ومؤسساته البوليسية التي أدارت عجلة حياة طوارئ يغمرها الخوف والصمت والقمع، وإرهاب شعب بكامله، وإهدار ثروته، وسرقة جهود كدحه طوال العشرات من السنين. ما يُمكننا الآن من متابعة ورصد ردود فعل العدو الإسرائيلي واستخلاص نتائج من تلك الثورة، خصوصا لجهة السلوك السياسي والعسكري، حيث يقف قلق الكيان الصهيوني على مستقبل كامب ديفيد في مقدمة أسباب التوجس والقلق من تطورات واقع الثورة المصرية، واستعادة مصر دورها الطبيعي كدولة مركزية في إقليمها وفي الفضاء العربي والإفريقي، وبهدف إعادة الاتزان والتوازن، للعلاقة غير المتكافئة، بين مصر وكيان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأراض عربية أخرى. وبما يقود إلى ضرورة استخلاص العبر، والدروس الهامة من تلك التحولات الإستراتيجية التي فرضتها وتفرضها الثورات الشعبية العربية.

منذ خلع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، والساحة العسكرية الإسرائيلية؛ تعيش حالة من الاستنفار والقلق المتزايد، في ظل ما يحصل داخل مصر من تغيرّات دراماتيكية، لا سيما وأنه منذ ثلاثين عاما تقريبا، لم تسأل أي حكومة إسرائيلية جيشها عما لديه في مواجهة الجبهة المصرية، وماذا ينقصه، وكم من الوقت يحتاج كي يستعد، وكم سيكلف ذلك. كما لم يطلب المستوى السياسي أن تعرض عليه أية خطط عسكرية مع جداول زمنية وترتيب أفضليات، لوضع تحوّل إستراتيجي في الساحة المصرية. فيما يفسر كبير المحللين العسكريين في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أليكس فيشمان، تضاؤل القدرات العسكرية في هذه الجبهة إلى الحد الأدنى بأنها إجراء طبيعي، وجزء من ما يسمى "ثمار السلام" مع مصر، لكنه في ذات الوقت يستنكر ما أسماها ظاهرة "محو المعلومات" التي تجمّعت طوال السنين عن هذا الميدان، ويعتبرها جريمة لا تُغتفر، بحيث أعفت الجهات الإسرائيلية نفسها على حد زعمه من جمع المعلومات الاستخبارية لاحتياجات عملياتية وتكتيكية.

وحتى قبل سقوط النظام، اندفعت حكومة العدو للتحذير من مخاطر عودة الجبهة المصرية، لتشكل عنصر قلق وتحد متجدد للجيش الإسرائيلي، ما دفع نتانياهو لإصدار أوامره ببناء جدار فاصل على طول الحدود مع مصر، حيث شرعت الشركات الإسرائيلية مؤخرا في بناء المرحلة الأولى من الجدار بطول 60 كيلومترا بتكلفة تصل نحو 400 مليون دولار، علما أنه يتكوّن من أسلاك شائكة بارتفاع خمسة أمتار، ويضم أجهزة مراقبة وإنذار مبكر وكاميرات ألكترونية.

وعلى غرار الجدار مع مصر، كشفت مصادر إسرائيلية في منتصف آذار/مارس، عن عزم جيش الاحتلال التخطيط لإقامة جدار عازل على الحدود مع الأردن، بزعم منع عمليات التسلل وتهريب السلاح، ولفرض مزيد من السيطرة الأمنية على الحدود، وكان نتانياهو قد أكد في جولة له برفقة كبار ضباط الجيش الإسرائيلي في منطقة غور الأردن، أن الغور إضافة إلى امتداد الحدود مع الأردن، سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية في أي اتفاق يتم التوصل إليه. وهو هنا يحدد موقفا مسبقا من تسوية مرحلية يسعى إليها دون التخلي عن حدود العام 1967 على المسار الفلسطيني، في ظل استمرار الاستيطان، ما يعني إفشالا مسبقا لأي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، لا سيما وأن ما يعصف بالمنطقة من ثورات شعبية وحراكات مجتمعية ما يني يواصل تطور معطياته، من دون أن يكشف عن نتائجه النهائية بعد؛ ناهيك عن تعهد الحكومة الإسرائيلية عدم العودة إلى حدود العام 1967 التي يطالب بها الفلسطينيون كشرط لتسوية يقيمون بموجبها دولة لهم.

وكان رئيس المخابرات السابق "عاموس يدلين" قد اعترف بتورط إسرائيل في مصادمات المسلمين والأقباط في مصر، والتي كان آخرها ما حدث في أعقاب انتصار الثورة، في منطقة أطفيح والسيدة عائشة، حين ذكر في خطاب توديعه لمنصبه وتسليمه لخليفته "أفيف كوخافي"، أن إسرائيل أنفقت ملايين الدولارات لإثارة التوترات الطائفية في مصر، وقد نجحت في ذلك، كما في إثارة القلاقل في السودان لمساعدة الحركات الانفصالية بالجنوب.

ولم يخف الإعلام الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، مخاوف المؤسسة السياسية الحاكمة، من أن يمثل تواصل واتساع الثورات الشعبية العربية؛ كرة ثلج لا يستطيع النظام الإقليمي والدولي وقفها، ما حمل حكومة نتانياهو لالتزام الصمت إزاء معلومات أفادت بعلاقة شركاتها الأمنية والعسكرية في عملية تجنيد فرق مرتزقة، يعتمد عليها نظام القذافي في محاولة القضاء على ثورة الشعب الليبي، حيث تنشط تلك الشركات في مجال الاستخبارات وتجارة الأسلحة والمعدات الأمنية، وتقديم الإرشاد والمعونات للجماعات ورؤساء دول وقبائل، وقد تحوّلت مجموعات المرتزقة التي توظفها هذه الشركات إلى عصابات يُستعان بخدماتها في حالات الطوارئ، لخلق التوتر والاضطراب ومساندة قوى انشقاقية أو انفصالية، على ما جرى في السودان بالأمس القريب، وما يجري في ليبيا اليوم.

وهكذا.. فإن مواصلة تداعيات الثورات الشعبية العربية، يقدم لمصر كما وللمنطقة عامة، مؤشرات مشجعة، تدفع إلى المضي في بلورة سياسات وطنية، في مواجهة مخاطر الثورة المضادة، بينما تدفع بكيان الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة حسابات إستراتيجية، كان في غنى عنها طوال ثلاثة عقود، ما جعل مصادر أمنية إسرائيلية تؤكد أن خطرا إستراتيجيا كبيرا بات يهدد الجبهة الجنوبية، في ظل احتمالات سقوط نظام القذافي، الأمر الذي يدفع أجهزة العدو الأمنية لإعادة قراءة الواقع الجديد، في ظل التحولات الإستراتيجية الجارية، والتي بدأت بسقوط مبارك، وخلخلة وترنّح نظامي القذافي في ليبيا، وعلي عبدالله صالح في اليمن، وحراكات شعبية ومجتمعية في أكثر من بلد.

======================

سوريا: ليس أقلّ من إصلاح جذري

علي حماده

النهار

9-4-2011

عندما اندلعت الاحتجاجات في درعا السورية كان اعتقاد القيادة انها موضعية ومحدودة، ويمكن معالجتها بالطرق التقليدية (القتل والترويع). ومع تساقط الشهداء المدنيين العزل وارتفاع أعدادهم، بدا ان الشارع ذاهب الى مواجهة مفتوحة مع النظام، فاستمر الصدام في الشارع وارتفع سقف المطالب بسرعة هائلة ليلامس في شكل او آخر حدود الدعوة الى اسقاط النظام. ومن ينظر في المطالب المرفوعة في الساحات العامة وصحون المساجد، يكتشف بسرعة ان جوهر المطالب هو اسقاط الاسس التي قام عليها النظام منذ 1963، ثم تصلب مع حكم الرئيس الراحل حافظ الاسد، وصولا الى حكم ابنه بشار الاسد. فإلغاء قانون الطوارئ واطلاق كل سجناء الرأي البالغ عددهم نحو 5000، واطلاق الحريات الاعلامية كاملة كجزء من حرية التعبير والتظاهر، ومنع تدخل المخابرات في الحياة السياسية العامة والخاصة، كلها مطالب تؤدي في نهاية المطاف الى تقويض الاسس الصلبة التي قام عليها نظام اعتمد القوة والعنف والترهيب لضبط الداخل. وفي ناحية اخرى، فإن خلو المطالب من اي اشارة الى المعطى الخارجي ( الممانعة) يفيد أن حنق الداخل بعذر المواجهة مع اسرائيل ما عاد مجديا. ولعل حرق صور الامين العام ل"حزب الله" في ساحات درعا وريف دمشق وغيرها من المدن السورية يشي بأن السوريين يرفضون البقاء عبيدا لشعارات الممانعة التي دفعوا ثمنها في حرياتهم وكراماتهم. ومن هنا فإن تهمة العمالة التي كانت لازمة النظام في مواجهة اي حراك سقطت، وصارت من الماضي. وبات يتعين على الرئيس بشار الاسد الذي اخفق اخفاقا كبيرا في ملامسة نبض الشارع في خطابه الاخير قبل اسبوع ان يبحث عن خطاب آخر غير خطاب "المؤامرات" القديم.

مطلوب من الاسد الابن ان يدرك انه يواجه اخطر ازمة في 11 سنة من حكمه قد تنتهي بسقوطه، وهو مدعو الى حمل بلاده نحو مرحلة اصلاحية جذرية تطلق الحريات العامة، وتحرر الحريات الخاصة، تنهي اربعة عقود من السجن العربي الكبير الذي خنق السوريين بمقدار ما اضر بالمحيط الاقليمي من العراق الى لبنان مرورا بفلسطين.

 لقد انتهى زمن الانتفاخ الاقليمي، فالسوريون اولى بالحرية والكرامة.

======================

عاجلا أو آجلا .. سيجد أردوغان أنه كان ينفخ في قربة سورية مقطوعة

الطاهر ابراهيم

2011-04-08

القدس العربي

 شهدت العلاقات التي بدأها رئيس الحكومة التركية "رجب طيب أردوغان" مع دمشق، ومع الرئيس السوري "بشار أسد" على وجه الخصوص ازدهارا متناميا لافتا للنظر. ربما كان بعض أسباب ذلك هو الرغبة في بناء علاقات مع دول الجوار الإسلامي تعوض التعثر الذي واجهه "أردوغان" في محاولته إدخال تركية إلى السوق الأوربية المشتركة.

ربما وجد الرئيس السوري في أنقرة البديلَ المناسب عن واشنطن لمتابعة جهود السلام مع تل أبيب، التي أرادها الرئيس بشار قنطرة إلى تحسين العلاقة مع واشنطن وقد ساءت كثيرا بعد احتلال العراق وبعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق "رفيق الحريري".

الذين يفهمون جيدا "كيمياء" النظام السوري من عهد الرئيس الراحل، واستمرارا مع الرئيس "بشار"، يدركون أن العلاقة المتنامية بين دمشق وأنقرة تصب في خانة الرئيس السوري أكثر مما تصب في مصلحة تركيا، أو هكذا يجب أن تكون. ما يهمنا هنا أن نوضح أن الأسلوب الذي يفكر به النظام السوري، كما قرأناه مع الرئيس الراحل "حافظ أسد"، لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر في عهد الرئيس "بشار أسد".

فالدول والأحزاب الذين تربطهم علاقة بالنظام السوري على ثلاثة أصناف. فهو يتمسك بأي وعود قطعها على نفسه تجاه واشنطن، لأنها القوة الأعظم في العالم، ولأن الرئيس الراحل، عندما استلم السلطة بانقلاب 16 تشرين ثاني عام 1970 على صديقه ورفيق دربه "صلاح جديد"، لم يكن ذلك بعيدا عن موافقة واشنطن، بالتالي لا بد من الالتزام بما قطعه على نفسه من تعهدات تجاهها ، وإلا فإن عليه أن يخاف على استمرار سلطته.

أما الصنف الثاني فهي إيران وحزب الله. فالعلاقة مع هذه الصنف ليست قائمة على الخوف، بل على إستراتيجية بعيدة المدى، ليس يعتريها تفكير بالنكوص عنها أوتخفيف وتيرتها، فالكل يعرف الأسباب. ولا لزوم للشرح أكثر حتى لا نتهم بالطائفية. أما الصنف الثالث فأي علاقة تربط النظام به فهي علاقة مصلحة بامتياز، ومتى زالت هذه المصلحة أهمل النظام العلاقة. والعلاقة بين رئيس الحكومة التركية والرئيس السوري هي من الصنف الأخير، على الأقل بالنسبة للنظام السوري، وأخشى أن يكون الزعيم التركي يجهل ذلك. كما أخشى أن يأتي يوم يجد فيه الزعيم التركي أنه قد أضاع وقته عندما وضع أمله في غير محله.

استطرادا، أنا من المعجبين بمقاربة "أردوغان" للسياسة الوطنية التركية الملتزمة مع معظم دول العالم. لكن مقاربة موقفه من الثوار الليبيين ليس لها ما يبررها إطلاقا.

كما أن إصرار الزعيم التركي على مد يده في وقت لا يقابله الرئيس السوري بالاستجابة لا تدل على فهم لطبيعة النظام في دمشق، ابتداء من توسطه لإنهاء معاناة السوريين المهجّرين ظلما وعدوانا، وطلبه منه إلغاء قانون الذبح 49 لعام 1980 الذي أصدره الرئيس حافظ أسد بإعدام كل منمٍ للإخوان المسلمين في سورية ليفرّغ سورية من الإخوان المسلمين، وقد حدث ذلك، وها هو يطلب منه إجراء إصلاحات تجنب سورية العنف الدموي، كل ذلك لم نسمع أو نقرأ استجابة من الرئيس السوري لما تمناه عليه أردوغان.

لقد كان الشيخ "سلمان العودة" أصوب قراءة من الرئيس "أردوغان" كماجاء في صفحته على الفيس بوك: (أقول لأردوغان مع كامل الاحترام: فلا تكونن ظهيرا للمجرمين، من حق شعب سوريا وليبيا أن يحصلوا على الحرية التي حصلتم عليها). ثم عقب: (فلا تصافح يدا ملطخة بدماء شعبها وأقول لأردوغان أيضا: أنت مخير إما أن تتحالف مع الماضي أو مع المستقبل، وأرجو أن لا نخطئ نحن في القراءة ولا تخطئ أنت في الاختيار).

نحن والسيد "أردوغان" ننتظر. وقد يفاجأ الزعيم التركي أن الرئيس السوري سوف يستبدل بقانون الطوارئ قانونا للإرهاب، وأنه في أحسن الأحوال سوف يقوم بعمليات تجميلية لوجه النظام القمعي، لنرى عندها كيف سيكون رد فعل الزعيم التركي وقد خاب أمله الذي لم يكن في محله.

إذا كان الشعب السوري -واستطرادا الشعب الليبي- كان لديه كبير أمل في أن يضغط على الرئيس السوري ليجنب سورية مزيدا من الدماء التي تسيل بدواعي القمع، فإن هذا الشعب عرف الطريق. وغدا –بإذن الله- ستكون هناك مائة "درعا" ومائة "دوما"، وعندها "...سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"، وإن غدا لناظره قريب!.

كاتب سوري

=====================

كواليس الثورة السورية ..مسرح الأحزاب الكردية

ريبر يوسف

2011-04-08

القدس العربي

 في العام 1957 حيث تأسس أول حزب كردي في سوريا، بشعار يفضي إلى إيجاد حلول للقضية الكردية التي تحوّلت إلى ثمرة قطعت بنيتها ووحدتها على مائدة اتفاقية سايكس بيكو، سيما أن المنطقة برمتها كانت في مرمى النبال العثمانية المجتهدة آنذاك في تنسيب ما هو محكوم بزمنه إلى أزمنة أخرى.

كان حزباً قومياً كأمثاله في العالم الخارج، آنذاك، من صراع الحس الإنساني مع الفكر الأعزل حتى من الانتماء إلى ذلك الحس. وفي اللحظة التي بدأ العالم يخرج فيها على الخيط الرابط بين الدمار والانكفاء على قدح المستقبل، بقي الكردي منتظراً كغيره من الخارجين لتوهم من انخفاض الإنسانية في كتلة المؤامرات التي انبسطت على الأرض كالعشب، وبسبب انمحاء الفكر في بنية الكردي كمجتمع شامل لمفاهيم عديدة إثر غياب المؤسسات التي لم تكن أصلاً؛ حيث كانت المطالبة بحقوق الشعب الكردي، عموماً، ميالةً إلى الروح المجتهدة في توطين الإنسان بمفاهيم خارجة عن الحكمة اللئيمة، آنذاك، على أرض المطالبة بالكرامة، سيما أن الثورات الكردية التي سبقت العام 1957 كانت تميل في شكلها التنظيمي إلى العشائرية والدينية والتي أفضت في كل الأحوال إلى مفهوم القومية، التي سحقت تحت ظلال النبال المتشابكة فيما بين بعضها البعض آنذاك. إذاً، سرعان ما انقسم أول حزب كردي إلى قسمين (معروف في معجم الأحزاب الكردية ب الانشقاقات) بعد خلاف بشأن البرنامج السياسي، حيث دعا أحدهما إلى شعار تحرير وتوحيد كردستان. وانقسم الغليان العفوي معه إلى جانب الكتّاب القلائل جداً آنذاك والعشائر، بل وحتى الأُسَر، آنها. كان هذا الانشقاق منطقياً حسب ماهية الأحزاب ومطالبها، والتي رأت بعضها شعاراً لا يخدم القضية الكردية في جزئها المتعايش مع سوريا، التي كانت قد خرجت لتوها من صراعات لا متناهية، وانتهت برسم حدودها كما هي عليها الآن؛ وبدأت المعاناة الحقيقية للشعب الكردي في سوريا من تغيير لديموغرافيته إلى تجريد الآلاف آنذاك من الجنسية السورية، من تهجير الأكراد من قراهم وتوطين قبائل عربية فيها، هذه المجموعات العربية والمسماة ب (المغمورين) أي الذين غمرت مياه السدود قراهم؛ ما دعت الحكومة السورية إلى التكرم عليهم من محفظة قمع شعب يعيش كسنبلة في شساعة الرياح العمياء. ازدادت معاناة الكردي في سوريا مع ازدياد النقاط التي حققها حزب البعث على صفحة الشوفينية في طرح الفكر القومي، لتكون بذلك رؤية مفادها الرد الانعكاسي للأحزاب الكردية التي تمسّكت أكثر فأكثر بالمطالبة بحقوق الشعب الكردي في سوريا. لكن، بأي أدوات؟ وهل قابل هذا القمع الممطر من قبل حزب البعث للشعب الكردي بتغيير الأحزاب الكردية لمنهجها في التعامل مع مشروع قمعي يستهدف وجود الكرد؟ هذه الأحزاب التي استمرت هي أيضاً طيلة العقود المنصرمة في الانشغال بحروبها الداخلية، فيما بعضها البعض بمشروع انشقاقاتها الذي بدا السمة الرئيسية للأحزاب الكردية في سوريا. استمرت كذلك إلى أن تحولت إلى عدد قريب من فريق كرة القدم. لا، بل لم تجرد نفسها  وهي المطالِبة بحقوق شعب عانى كثيراً من ماكينة البعث الشديدة في سوريا  من بنية شبيهة في جوهرها ببنية الحزب القامع لهم؛ سيما أن هناك قيادات كردية واكبت زمن ما قبل وصول القذافي إلى سدرة الحكم في ليبيا وهي لم تزل على رؤوس أحزابها وتواكب سقوط القذافي، في هذه حقيقة ليس لأحدهم نكرانها. قد يرى العديد منهم هذه الانشقاقات حالة طبيعية تعبر عن التعددية الحزبية عند الكرد، إذاً هي تعددية حزبية طبيعة حسب كلام أغلبهم الذين يدافعون عن هذه الانشقاقات بحجج واهية، ولمراقبي سيرةَ الأحزاب الكردية في سوريا أن يفطنوا إلى أن جميعها تصب في أهداف واحدة. إذاً، هي حالة غير طبيعة البتة، في اللحظة التي ساهمت هذه الانشقاقات في انشقاق البنية الاجتماعية للمجتمع الكردي، وحالات الاصطفافات التي مست الكتّاب الذين تزايد عددهم كثيراً (وفي هذا خير) ولم تنته بعمال النجارة الكرد، وللمتمعّن في سيرة الأحزاب الكردية أن يلحظ التكتل العشائري في خلاصتها، فعشائر بأكملها تنتمي إلى حزب معين وأخرى إلى حزب آخر. لا، بل طالت الانشقاقات إلى أن مست بنية العشيرة الواحدة. إن كانت الأحزاب الكردية لم تستطع أن تنكفئ بالشعب الكردي عن إناء العشائرية التي هي قبل الانتماء القومي، حسب قوانين علم الاجتماع، ولم توفق في تحويل المجتمع إلى مجتمع مدني سليم - وهذا دورهم كما هو وارد في برامجها السياسية، إذاً هي أحزاب لا تنتمي في جوهرها إلى الفكر القومي حتى هذا الفكر الذي يجب أن يكون على رأس برنامجهم، سيما أنها أحزاب قومية. ساهمت هذه الأحزاب في توسيع الهوّة بين المجتمع الكردي عموماً، وحاولت جرَّه إلى ما قبل العشائرية أيضاً، إذ جيّشت هذه العشائر في صفوفها وشجعّت الحالة العشائرية كي تتمكن من ضم قرى بأكملها إلى صفوفها عبر رجل واحد. إذاً، هي ليست أحزاباً سياسة بل طالت سلطتهم حدودَ السيطرة على فكر الكاتب الكردي، الذي كان يُطالَب في كل مناسبة بالانتماء إلى قوميته الكردية في، محاولة منهم تجييشهم فيكون الأدب الكردي تحت سمائهم. لا أدبَ يهزّهم ليقلعهم، تلك الأحزاب، في تشجيعها لتداول الكتب المنادية بالقومية سراً وحسب، مستفيدة بذلك من قمع الحكومة السورية للغة الكردية، والذي (أي ذلك الكاتب) كان يفتقد إلى مؤسسة تداولُ كتبه كما جميع الكتب في العالم. دخلت القومية في مأكلنا ومشربنا، لا بل دخلت في طريقة ارتدائنا للثياب بألوانها وموضاتها، وأخذت عناصرها الحزبية في التبحر بمفاهيم تفصّل المجتمع الكردي على مقاسهم تحت شعار المطالبة بالحقوق الكردية، دخلت القومية في أعراسنا وفي قبورنا، وتحوّلت خيم العزاء للمتوفين إلى منابر لصراعاتهم فيما بين بعضهم البعض؛ تحوّل السياسي إلى ناقد شعري وتحوّل المنتمي إلى أحزابهم إلى وطني وتحوّل المختلف معهم فكرياً إلى خائن عميل!! وُزِّعَت شهادات الوطنية للشعب الكردي من جيوبهم، إلى أن وصلوا إلى فكرة مفادها: الكردي المخلص هو المنتمي إلى حزب كردي. استبدلت الأحزاب الكردية في سوريا انتماء الشخص كهوية إلى انتماء حزبي، تماماً كما استُبدلت سوريا من مفهومها كدولة إلى سوريا الأسد. بقي الشعر الكردي كلاسيكياً وصفياً لضرورة الحماسية التي تستوجبها المنابر السرية، وحورِبَت قصيدة النثر في كل المحافل حتى في محلات بيع اللبن والخضروات، فانشغال الشاعر بحالة نثرية هي مصدر قلق على كيانهم الموزون، تماماً كما نظروا إلى بناطيل الجينز على إنها تحوّلُ الشاب الكردي عن مسار القومية!.

لم تجد هذه الأحزاب أدوات جديدة للمطالبة بحقوق الشعب الكردي، بل لم تحقق أي مطلب منذ خمسين عاماً، إذاً هي غير موجودة على خارطة المطالبة بحقوق شعب لا يقل وطنية وثقافة عن شعوب المنطقة برمتها. بل حوّلت القضية الكردية في سوريا من قضية قومية إلى قضية أمنية، عبر تفاوضها مع مبعوثي حزب البعث الأمنيين لا المدنيين، في محاولة من النظام الحاكم في سوريا إلى تحويل القضية الكردية عن مسارها السياسي إثر رفضها التفاوض مع الأحزاب عبر مفاوضين سياسيين، وساهمت الأحزاب الكردية في تمرير مشروع النظام السوري الحاكم عبر تفاوضها مع قادة للفروع الأمنية. هذه الأحزاب، والتي قلّصت قضية الكرد في سوريا؛ من اعتراف دستوري بحقوقهم ضمن إطار سوريا الواحدة كثاني أكبر قومية في البلد إلى مشكلة في إحصاء جرد الآلاف من الأكراد إثرها من الجنسية السورية، لم تستطع حماية الشعب الكردي في سوريا من القتل إثر سيرها الساكن خلل التطور في العالم أجمع، قتل عشرات الأكراد في الشوارع، اغتيال قادة وشباب كرد مجندين في الجيش السوري، لم يقابل كل هذه الممارسات ثقافة ناضجة للأحزاب الكردية تلمّ الشمل الكردي وتصل بصوته إلى العالم أجمع.. في اللحظة التي فشلت في إيصال صوت الكردي إلى الداخل السوري، لم يقابل هذا القمع سوى خيم إضافية لعزاء ضحايا الكرد - خيم تتسع لحشود المعزّين الحزبيين. وتساهم الآن في توسيع الهوّة، التي ساهم النظام الحاكم في سوريا في إيجادها بين الكردي والشارع السوري عموماً، إثر صمت الأحزاب الكردية الغريب حول ما يحدث في سوريا الآن، والذي بدا مريباً من قبل فئات عديدة تراقب الوضع السوري، فمن المفترض أن تستغل الأحزاب الكردية الثورات التي تجتاح المنطقة - وهي المطالِبة باستغلالها - سيما هي الناطق الرسمي للشعب الكردي السوري ولسان حال هذا الشعب الأحوج إلى ثورة تعيد حقوقه المسلوبة منه، في اللحظة التي فشلت الأحزاب الكردية في تحقيق اللا شيء طيلة العقود المنصرمة، عبر بياناتهم وخطاباتهم وفلسفاتهم الارتجالية، قد يقول بعضهم بأن الثورة في سوريا هي ثورة شبابية غير حزبية، إذاً فلتقم الأحزاب الكردية بحل نفسها أو بوضع نفسها تحت تصرف الطبقة الشبابية في المجتمع الكردي، سيما أنها فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد الحلول للكردي سياسياً؛ خاصة كما حققت التجربة مفهوم التغيير للشباب. لكنّ هذه الأحزاب تلمّ الشباب الكردي من الشوارع وتأخذ مهمة قوات الأمن السورية في قمعها لتظاهرات سلمية للأكراد إلى جانب إخوتهم في المدن السورية برمتها، وبخاصة بعد امتداد المظاهرات لتطال جميع المدن السورية، وعبر بياناتهم التي تقسّم الشارع الكردي بين متردد وخائف ومنتم إلى حزب كردي، هذا الصمت لا يصب في إطار الخوف على الشباب الكرد سيما أنهم جيشّوا مراراً هذا الشباب في أمور عديدة جعلتهم عرضة للاعتقال والقتل في الكثير من الأحيان. انشقاقاتهم وممارساتهم تفضي إلى الأنانية والمرضية التي لا تخدم الشاب الكردي أبداً، هذه الأحزاب التي جعلت من نفسها بطاقات لمصالح تقسم الشعب الكردي بين أردوغان وكردستان العراق والسلطة السورية.

أنا لا أدعو إلى تظاهر الكردي، الآن، لسبب نفسيّ هو عدم وجودي هناك وعدم جرأتي في أن أدفع متظاهراً ما إلى احتمالات مفتوحة، ثم إنها ليست من مهامي أن أحرّك الشارع الكردي تجاه قرارات هي يجب أن تكون على رأس أعمال الأحزاب الناطقة باسمه. الحزب الذي يفتقد إلى الحلول فليجعل من نفسه دثاراً يقي المظلومُ به نفسَهُ من برد الزمن القارس، وذلك أشرف له من أن يقتات ويطبع الجرائد عبر تبرعات ذلك المظلوم.

كاتب كردي سوري مقيم في برلين

====================

رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد

السبت, 09 أبريل 2011

غادة الكرمي *

الحياة

فخامة الرئيس الأسد،

أتوجّه إليكم بصفتي امرأة فلسطينية تعيش في المنفى بعد أن تمّ إبعادي عن وطني عام 1948. عقب وقوع النكبة، وجدت عائلتي إلى جانب آلاف المواطنين المذعورين ملاذاً في بلدكم العظيم وقد استُقبلنا بحرارة وحظينا بحسن ضيافة. ولا يسع أيّ فلسطيني أن ينسى الدور البارز الذي أدّته سورية على صعيد مساعدة اللاجئين في ذلك الوقت العصيب. كانت سورية تمثّل بالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يلجأوا إليها والذين تمّ استبعادهم خارج وطنهم، بلدهم الأم، وذلك لسبب وجيه. فمنذ زمن ليس ببعيد، كانت فلسطين في عهد الإمبراطورية العثمانية جزءاً من سورية الكبرى. وقد تلقى جدّي ووالدي وأعمامي علمهم في دمشق. ولولا انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ودخول بريطانيا وفرنسا إلى المنطقة العربية في محاولة لتقسيمها خدمةً لمصالحهما الخاصة، لكانت فلسطين اليوم لا تزال موجودة في جنوب سورية.

لقد دفعتني مشاعر القلق على بلدكم وعلى مستقبله للتوجه إليكم بهذه الرسالة من دون أن أنسى وجه الشبه بين تاريخينا. يهمّني بقاء سورية حكيمة وقوية كما يهمّ ملايين الأشخاص الآخرين الذين أُعجبوا بتاريخها الطويل والبارز وبعروبتها الأبية وبدعمها حركات التحرير وبموقفها الشجاع إزاء إسرائيل وبرفضها الاستسلام للهيمنة الأميركية في منطقتنا. نحن ندرك أنّ هذه المزايا دفعت أطرافاً متعددة إلى معاداة سورية ومهاجمتها. فقد كاد الرئيس الأميركي جورج بوش يضمّ سورية في ما سميّ «محور الشر» وقد أدرجها على اللائحة الأميركية للدول الإرهابية. وقامت إسرائيل، البلد العدائي المجاور لكم الذي يترقّب فرص تقويض سورية، بشن هجوم على المنشآت النووية خارج دمشق عام 2008. وأعطت العلاقات السورية - الإيرانية سبباً إضافياً جديداً للغرب وبعض البلدان العربية أيضاً لمعاداة سورية. ولا شكّ في أنّ هؤلاء الأعداء مستعدون لاستغلال أي فرصة من أجل الإخلال باستقرار سورية.

وإن كانت هذه العوامل تفسّر ردّ فعل سورية على الاضطرابات الأخيرة التي أثّرت في قراها ومدنها منذ 18 آذار (مارس)، إلا أنها لا تبرّرها. شكّلت التظاهرات في مدينة درعا تحدّياً للنظام القائم في بلدكم، وينطبق الأمر نفسه على التظاهرات المتتالية التي شهدها كلّ من أنطاكية والقامشلي وحماة وحمص ودوما وبعض المدن الصغيرة الأخرى. واختلفت التقارير المتعلقة بأعداد المتظاهرين الذين قتلوا على يد قوات الأمن في هذه الأماكن وفق اختلاف المصدر. لكن، لا شك في حصول عمليات قتل غير مبرّر. لقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى وقوع 55 إصابة في الأسبوع الأول على اندلاع الاضطرابات، فيما لفتت المصادر الأخرى إلى أنّ عدد الجرحى وصل إلى مئة شخص. أما الحكومة فذكرت أنّ عدد الجرحى بلغ 30 شخصاً. لقد قُتل 12 شخصاً في أنطاكية وتمّ إطلاق النار على المزيد من المتظاهرين منذ ذلك الحين. وقدّرت المجموعات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان أنّ عدد الأشخاص الذين قُتلوا لغاية اليوم يصل إلى 130 شخصاً.

لم يكن المتظاهرون يدعون إلى ثورة أو إلى الإطاحة بكم، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، كما حصل في بعض الدول العربية الأخرى منذ بداية العام المنصرم. فكانت مطالبهم منطقية. إذ دعوا إلى رفع قوانين الطوارئ المعمول بها منذ 1963 والتي كان يجب تعليقها منذ سنوات طويلة، وإلى قيام نظام متعدد الأحزاب ليحلّ مكان نظام حكم الحزب الواحد القائم منذ 40 سنة وإلى إطلاق سراح السجناء السياسيين وإعطاء الحرية لوسائل الإعلام واتخاذ إجراءات ضد الفساد. أنا أعلم أنّ بعضاً من هذه المطالب بعيد المنال، إلا أنّ أياً منها يُعتبر مفاجئاً لا سيّما في العالم العربي الذي يشهد حالياً تغيّرات كبيرة، ولا سيّما بعد أن دلت تونس ومصر على الطريق الذي يجب سلوكه للتحرّر من النظام القديم.

كان طبيعياً ومتوقعاً أن يشكّل هذان البلدان مثالاً يُحتذى بالنسبة إلى الشعب السوري والشعوب العربية الأخرى في أنحاء المنطقة. إذ يجب إرساء خطط من أجل التجاوب مع هذه المطالب بطريقة مناسبة. وبغض النظر عن اندساس «مشاغبين أجانب» أم لا في صفوف المتظاهرين كما ادّعت السلطات السورية، فهذا لا يغيّر الواقع.

نحن نعلم أنكم توجهتم إلى الأمة في 30 آذار (مارس) الماضي ووعدتم بإجراء بعض الإصلاحات المهمّة. كما قلتم إنكم في صدد إنشاء لجنة لدراسة إلغاء قوانين الطوارئ وللتحقيق في مقتل المواطنين في درعا وأنطاكية إلى جانب مسائل أخرى بما فيها القوانين المناهضة للإرهاب وإصلاح النظام الانتخابي والبنية التحتية الاقتصادية. كلّ هذه الأقوال مرحب بها لكن يجب أن تترافق بأفعال. حين وصلتم إلى سدة الرئاسة عام 2000 دبّت الحماسة في أرجاء سورية وأمل الجميع في أن تجروا الإصلاحات التي هم بحاجة إليها على النظام القديم. وأنا شاركتهم حينها هذه الآمال. حتى أنني أذكر أنني صافحتكم بحماسة خلال حفل الاستقبال الذي أقيم على شرفكم في لندن بعد أن توليتم مهامكم الرئاسية.

نتمنى عليكم ألا تخيّبوا آمالنا الآن. في هذا الوقت الذي نشهد فيه اضطرابات وتقدماً في منطقتنا نحن بحاجة إلى إجابة عصرية على وضع عصري. يجب ألا تتكرّر في سورية حلقة قمع المعارضة المفرغة وأن يتمّ الإقرار بأنّ وسائل الحكم القديمة لم تعد مناسبة لتعتمدها الدول التي تواجه اضطرابات منذ انهيار النظام التونسي. لا يمكن إطفاء شرارة الثورة التي اندلعت في العالم العربي اليوم مهما بلغت حدّة القمع والإرهاب والتخويف. دعونا نجرّب طريقة مختلفة للرد على المطالب الشعبية الصادقة والمنطقية.

تخيّلوا لو تمّت ملاقاة المتظاهرين في درعا بالحوار والنقاش الصريح حول شكواهم ومطالبهم. تخيّلوا لو تمّ استخدام هذه الوسيلة في أنحاء مدن سورية التي ثارت بإحباط وغضب. لو حصل هذا لظهر فرق يميز عن النزاعات التي تجتاح اليوم ليبيا والبحرين واليمن وربما بلداناً أخرى في ما بعد نتيجة اللجوء إلى استخدام القمع والعنف كوسائل وحيدة لسحق المعارضة من دون التفكير بمطالبها. لم يجدِ ذلك نفعاً في أيّ من هذه الحالات وقد تتمّ الإطاحة برؤساء الدول الذين لا يزالون في مناصبهم.

أنا أدعوكم، فخامة الرئيس، إلى انتهاز هذه الفرصة التاريخية اليوم وإلى جعل سورية بلداً سبّاقاً في العالم العربي لجهة اعتماد طريق مختلف يحوّلها إلى دولة يكون فيها الحوار والاستجابة للمطالب معايير التعامل بين الحكومة والشعوب، إلى دولة يكون فيها الانتقاد مرحباً به كونه سليماً وبنّاء، إلى دولة لا يخشى فيها أيّ شخص من أن يتمّ زجه في السجن أو قتله لمجرد التعبير عن آرائه. فور تسلّمكم مهامكم الرئاسية في سورية في تموز (يوليو) 2000، قلتم إنه لا يمكن تطبيق الديموقراطية الغربية التي برزت منذ عقود في التاريخ الغربي والتقاليد والثقافة القائمة منذ زمن بعيد، على المنطقة العربية التي لا تملك هذا التاريخ المحدّد. وأضفتم أنه يجدر بالعرب تطوير نسختهم الأصلية من الديموقراطية التي تتوافق مع تاريخهم ووضعهم. تُعتبر هذه الكلمات حكيمة وقد حان الوقت لترجمتها عملياً ولإطلاق الديموقراطية العربية الجديدة في مسقط رأسها الصحيح، أي في سورية.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،

* مديرة مشاركة في مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة إكستر في المملكة المتحدة.

====================

بعض المطالب على هامش الثورة في سورية

مطالب متظاهري الحرية.. وبيان ناشطين من مسؤولين سابقين وغيرهم

موقع مداد القلم 8/4/2011

مقدمة

إن التغيير الجذري المفروض والمطلوب في سورية، يعني أول ما يعنيه دستورا قويما، وقضاء مستقلا، ومؤسسات دستورية، والتعددية، وتداول السلطة، مما يوجب ترسيخ آليات كفيلة بتحقيق العدالة والحريات وحفظ الحقوق، ولئن كان هذا مستحيلا عبر النظام القائم، فلا بد من تغييره، وإن أراد –رغم انتشار اليأس والقنوط من إصلاح نفسه بنفسه- أن يثبت أنه يريد الإصلاح والتغيير حقا، فلا بد من بداية فورية بإلغاء حالة الطوارئ دون التفاف عليها، والإفراج عن جميع المعتقلين دون قيد ولا شرط والكف مطلقا، عن مزيد من الاعتقالات، وإطلاق حرية التظاهر السلمي دون أي قمع، ووقف الحملات التضليلية الإعلامية دون استثناء.. وتحديد جدول زمني يبدأ تنفيذه بلقاء جامع لكافة القوى السورية، والشخصيات المعتبرة وطنيا وشعبيا، في الداخل والخارج، المعترف بها حاليا وغير المعترف بها.

أما الفتات بتشكيل لجان، ومحاولة فصل المواطنين الأكراد عن بقية المواطنين الثائرين، وإطلاق الوعود والتهديدات معا.. فلا يبدل ولا يغير من الواقع بما فيه استمرار الثورة شيئا. فهذا التغيير الجذري الشامل هدف ثابت ومطلب مشروع، لا يمكن التخلّي عنه مقابل أي إجراءات ترقيعية، ولا يمكن اختزاله في بعض المطالب الجزئية، فوجود الاستبداد والفساد بحد ذاته يجعل الاستجابة لتلك المطالب "أفخاخا" للتهدئة وامتصاص الغضب.. إنّما تبدأ نهاية ممارسة الاستبداد والفساد عندما تُلغى النصوص والآليات والأجهزة التي تمكّن من تلك الممارسة، سواء من جانب النظام –وهذا مستبع- أو من خلال إسقاطه، وهذا ما أصبح محتما.

ثورة شعب سورية لن تهدأ بعد اليوم، حتى وإن أمكن قمع بعض مظاهرها قمعا همجيا دمويا، فقد ظهرت إرادة الشعب، وبدأ التعبير عنها، ومن السنن الاجتماعية والتاريخية ومن الحتميات التي أثبتتها شواهد سابقة ومعاصرة، أن تلك بداية مسيرة لا تتوقف إلا ببلوغ أهدافها النهائية.

ثورة شعب سورية ثورة التغيير الجذري الشامل، انطلقت شعبية سلمية عفوية.. وفتح النظام الحاكم في سورية نار العنف القمعي المسلّح بشدّة على الجموع الشعبية المسالمة، والمتظاهرين المطالبين بحقوقهم المشروعة، وباسترداد الدولة المسلوبة منذ أربعة عقود للاحتكار الحزبي، فكان لا بدّ تجاه دموية النظام من تداول هدف إسقاط النظام أولا، ورفض محاولات التغطية على القمع الدموي بتقديم بعض الإغراءات لبعض الفئات، وبعض الوعود غير المضمونة كالتي سبقتها مرارا وتكرارا قبل اندلاع الثورة.

وبقيت تتردد -رغم ذلك- مطالب أولية محدّدة تجاه النظام، لعلّ وعسى.. وقد انطلقت عن جهات عديدة، لا تكاد تختلف عن بعضها بعضا إلا من حيث الصياغة وبعض التفاصيل، رغم تعدّد التوجّهات، ذلك أن وضع الاستبداد والفساد واضح معروف، ومطالب التحرر والكرامة مطالب إنسانية مشتركة.

وفي الفقرتين التاليتين نموذجان من تلك المطالب على سبيل التوثيق أثناء مجرى الأحداث، تمّ اختيارهما لصدور الأول عن شباب ثورة سورية، وصدور الثاني عن عدد من الشخصيات التي كان معظمها جزءا من النظام الحاكم نفسه.

 

مطالب شعبية سورية لمتظاهري الحرية

ما يزال بعض السوريين يرون أن مطالب المحتجين غير واضحة، وربما يرونها أحيانا غير محقة نتيجة التشويه الذي تمارسه السلطة وأجهزتها الإعلامية. لذلك نرى من الضروري أن توضح هذه المطالب للسوريين كلهم وأن يتم توحيدها من قبل المحتجين. إن المعنيّ بهذه المطالب هو النظام السوري الحالي. ولا نعتقد أن أحداً من السوريين يريد من النظام السوري أن يرحل إن قام بتنفيذ هذه المطالب. وإن ما نسمعه من البعض من مطالب بتغيير النظام هو نتيجة اليأس الذي يعتري نفوس الكثيرين من أن يغير النظام السوري سلوكه، لكنه لو فعل فإن هذه المطالب بتغيير النظام ستختفي.

 

أولاً - الإجراءات الفورية

1- إطلاق سراح كافة سجناء الرأي والسياسيين والسماح الفوري بعودة المهجرين من أبنائنا وذوينا إلى وطنهم دون قيد أو شرط.

2- رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية بشكل واضح لا لبس فيه وعدم وضع أي قوانين مماثلة، وإلغاء محكمة أمن الدولة غير الشرعية والمحاكم الاستثنائية مباشرة وإلغاء كافة الأحكام الصادرة عنها

3- خروج كافة أشكال القوى الاستخباراتية المسلحة من المدن السورية، وفك الحصار عنها وعن غيرها، مع بقاء قوى الشرطة لحفظ الأمن، وتعويض الأهالي عن الأضرار التي لحقت بهم وتعويض ذوي الشهداء ومحاكمة المسؤولين عن قتلهم وذلك من خلال تحقيق سريع وشفاف يمكن مراقبته من خلال الجمعيات الحقوقية المحلية والعربية المختصة

4- إصدار مرسوم جمهوري صريح يضمن حق التظاهر السلمي ويجرم الاعتداء على المتظاهرين أو تهديدهم تحت طائلة المسائلة القضائية‪‪

5- التوقف مباشرة عن كل أشكال الإرهاب والتهديد الممارس على أبنائنا في المدارس من خلال الإدارة أو المدرسين أو من خلال تواجد عناصر المخابرات في المدارس وما حولها. والتوقف عن إجبارهم على الخروج في مسيرات تأييدية من خلال الترهيب

6- رفع سلطة الأجهزة الأمنية عن رقاب الناس وأن تتوقف مباشرة عن اعتقال الناس بسبب توجهاتهم السياسية أو الدينية. وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية المختلفة في جهاز أمن وطني يتبع وزارة الداخلية ويعتمد المعايير الحديثة في العمل التي تضمن حقوق الإنسان والحقوق الدستورية

ثانيا: إجراءات تحتاج إلى جدول زمني محدد

1- تعديل الدستور وخصوصا المادة الثامنة منه بما يتناسب مع الدولة التعددية الديموقراطية وضمان حقوق الإنسان الأساسية والتداول السلمي للسلطة

2- تحقيق الاستقلال الفعلي لسلطة القضاء وحصانته ونزاهته من خلال إجراءات جذرية تشارك في وضعها ونقاشها المؤسسات الحقوقية المحلية والنقابات المهنية المختصة

3- تحقيق حرية الإعلام بكافة أشكاله وضمان حرية التعبير

4- إصدار قانون عصري للأحزاب والجمعيات بما يتلاءم مع متطلبات العصر ويحقق طموحات الشباب ويمكّن من بناء مؤسسات المجتمع المدني

5- وضع قانون عصري للانتخابات يضمن التعددية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للمجالس المحلية ومجلس الشعب لضمان تمثيل جميع فئات الشعب تمثيلا عادلا، بما يتيح تشكيل حكومة قادرة على مكافحة الفساد والفقر، ومحاسبة المفسدين وتحقيق التنمية

6- العمل على حل قضية الاكراد من خلال إعادة الجنسية لمجردي الجنسية والمكتومين وإعادة توزيع الأراضي على أصحابها وتحسين الأوضاع المعيشية

7- اتخاذ إجراءات فورية لتصفية ملف الفساد في سورية بتفكيك الشبكات الراعية والقوى الحارسة له، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين في أجهزة الدولة ومصادرة الأموال المشبوهة وإعادة النظر في كافة العقود المجحفة بحق الدولة والمجتمع السوري وعلى رأسها الهاتف الجوال

8- وضع خطة محكمة وشفافة للقضاء على الفقر والبطالة في المجتمع وتقييمها بصورة نصف سنوية من قبل مجلس الشعب.

9- عقد مؤتمر وطني جامع تشارك فيه كافة الفعاليات الوطنية لمتابعة تنفيذ المطالب السابقة والقضايا الأخرى العالقة

إن هذه المطالب ملحّة للخروج من الوضع الحالي، وهي ليست كثيرة إطلاقا على شعبنا السوري الذي عانى عقوداً من تغييب الحريات والفساد ونهب خيرات الوطن واستباحة الحقوق

تحيا سورية حرة أبية ويحيا شعبها عزيزاً كريماً

 

بيان ناشطين سوريين

كما نشر في شبكة الجزيرة يوم 6/4/2011م

إن ما يجري في الوطن العربي ومنه القطر العربي السوري هو نتيجة تطور تاريخي ووعي جيل جديد لما تراكم خلال عدة عقود من ظواهر سلبية وممارسات خاطئة أفرزتها بنية الدولة التي شيّدها الدستور المعمول به وديمومة العمل بقانون الطوارئ وتأسيسه لما عُرِف بالدولة الأمنية.

أمام هذا الحراك لا يجوز التمسك بالماضي وصيغه التي لا تتوافق مع حقائق العصر، وأثبتت الوقائع قصورها وعقمها، لا بل مسؤولياتها عما يتعرض له بلدنا.

ومن المألوف أن قوة أي حكم ومدى ثقته بنفسه تكمن في قيامه بمراجعة نقدية جادة لمسيرته، مع الإصغاء إلى رأي قادة جيل الشباب والقوى والشخصيات التي تحمل الهمَّ الوطني والقومي، وانطلاقا من أن سلامة الوطن ووحدة الشعب أهم من السلطة ومنافعها.

إن الاستقواء بالشعب وإطلاق العنان لمبادرته هو دوما الخيار الأكثر سطوعا لتفويت الفرصة على كل من يريد بالشعب شرا وبالوطن ضررا، وهذا يتطلب تحويل بنية الدولة إلى دولة ديمقراطية تعددية تنطلق من أن صيانة الوطن ليست حكرا على فئة أو حزب معين بل هي ملك للشعب بكل قواه السياسية وأطيافه المجتمعية.

إن مبادرة من السيد رئيس الجمهورية، وبما خوَّله له الدستور من صلاحيات، وبقيادته لهذا التغيير ستجنب الشعب و الوطن ما يريده الأعداء المتربصون، وسيجد أن الشعب ملتفٌ حوله لتحقيق الآمال المنشودة كي تعود سوريا كما عهدتها أمتها العربية مُولِّدة للفكر القومي وسباقة في النضال وملتزمة بقضاياها.

إن هذا الوعي هو الذي كان مستهدفا في الماضي ومازال في ازدياد، وإن الردَّ على محاولات الاستهداف هذه يكون بإعادة الحياة إلى الشارع السوري وتفعيله بإطلاق الحريات وبناء دولة ديمقراطية تعود فيها السلطة للشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

وتمهيدا لهذا التغيير والنقلة التاريخية، لابد من اتخاذ عدة إجراءات عاجلة أهمها:

1- إنهاء العمل بقانون الطوارئ دون إصدار أي قانون يشابهه ويماثله

2- إطلاق جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، تحت أي صيغة حُكِموا أو اعتقلوا بها.

3- إعادة جميع المنفيين السياسيين من بلاد المنفى.

4- السعي لدعوة مؤتمر وطني من جيل الشباب والأطياف الوطنية لتحديد معالم المستقبل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبروح المسؤولية الوطنية، ويشارك في:

5- تعديل الدستور بما يتوافق مع التوجه لبناء دولة ديمقراطية تعددية

6- إصدار قانون جديد وعصري للأحزاب يكفل حرية تأسيسها ونشاطها.

7- إصدار قانون جديد وعصري للإعلام والصحافة يكفل حرية التعبير والرأي والمسؤولية الوطنية وحق مراقبة الدولة والمجتمع.

إننا نتوجه إلى السيد رئيس الجمهورية أن يكون مع هذا التغيير ويتبنى هذه الإصلاحات.

وإن غايتنا من هذا البيان رص الصفوف ومنعة الوطن ووحدة الشعب وسلامته وإغلاق كل المنافذ في وجه المتآمرين والأشرار إذا وُجدوا، ممن ينوون الشر والخراب لهذا الوطن.

المجد لوطننا الحبيب وشعبنا الغالي وشهداء الحرية الأبرار وأمتنا العربية

الموقعون:

محمود جيوش/ قيادي سابق في حزب البعث ووزير سوري أسبق - مروان حبش/ عضو قيادة قطرية ووزير سوري أسبق - مصطفى رستم/ عضو القيادتين القومية والقطرية الأسبق في حزب البعث - سليمان العلي/ عضو قيادة قطرية ووزير سوري أسبق - ميشيل كيلو/ كاتب وناشط سياسي - عز الدين دياب/ قيادي سابق في حزب البعث وأستاذ جامعي - محمود يونس/ قيادي سابق في حزب البعث ومحافظ أسبق - علي سليمان/ رئيس تحرير جريدة الثورة ومعاون وزير الثقافة الأسبق - حسين العودات/ كاتب وصحافي وناشط سياسي - وفيق عرنوس/ أمين فرع جامعة دمشق الأسبق لحزب البعث - أحمد الأحمر/ محام - سليمان عبد ربه/ طبيب - محمد حجازي/ مهندس - محي الدين جاموس/ طبيب - أشرف حجازي/ طبيب - جهاد منصور/ مهندس - رضا حجازي/ طبيب - عبد الكريم أبا زيد/ كاتب وصحفي - كمال الأسود/ دبلوماسي سابق - لمى قنوت/ عضو المكتب السياسي لحركة الاشتراكيين العرب

================

هل النظام السوري في خطر؟

الجمعة, 08 أبريل 2011

باتريك سيل *

الحياة

هل سيستطيع نظام الرئيس السوري بشار الأسد تحمّل موجة الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت هذا العام بالنظامين المصري والتونسي وها هي تهدد آخرين، لا سيّما في اليمن وليبيا والبحرين؟ حتى في سلطنة عُمان التي يسودها الهدوء والنظام عادةً، اضطر السلطان إلى التنازل عن بعض من صلاحياته.

هل أتى الدور على سورية؟ هل من سبب لتنجو؟ في لحظة صحوة العرب المتنقلة هذه، ألا يطالب السوريون بالمطالب نفسها التي عبّر عنها الآخرون؟

تندرج المطالب التي تُسفك في سبيلها دماء الشباب في الشرق الأوسط في ثلاث فئات واسعة: يمكن وصف فئتين منها بالسياسية والاقتصادية. المطالب السياسية تشمل حرية الصحافة وحرية التجمّع وحرية تشكيل أحزاب سياسية وحرية اختيار ممثلي الشعب من خلال انتخابات حرة والتحرر من وحشية الشرطة والتعذيب والاعتقال التعسفي. أمّا الإفراج عن المعتقلين السياسيين والقضاء المستقل فيعتبران أيضاً من المطالب السياسية المهمة.

وتتضمن المطالب الاقتصادية توفير فرص عمل وتأمين الغذاء والمسكن بأسعار معقولة والحصول على فرص متساوية للتقدّم وتأمين مستقبل أفضل للأولاد وللفرد نفسه. وفي معظم البلدان حيث اندلعت الاحتجاجات، كان ثمة رغبة في معاقبة بعض الرجال المقربين من مركز السلطة الذين أصبح جشعهم وفسادهم واضحين للعيان.

إلاّ أنه كان للمتظاهرين مطلب ثالث وبأهمية المطلبْين السابقين، ألا وهو الكرامة. يريد المواطنون العاديون أن تتعامل معهم السلطات بكل احترام، وألاّ يتعّرضوا للإهانة أو السخرية أو الضرب أو حتى مجرد الإهمال.

طالما شكلت التنبؤات خطراً خصوصاً في الأوضاع السريعة التغيّر. لكن باستطاعتنا أن نكون واثقين من أنه في حال بذل النظام السوري جهوداً جادة وصادقة بهدف تلبية مطالب الشعب فستكون أمامه فرصة بالنجاة. وإذا لم يبذل هذه الجهود، فعلى الأرجح أنه سيواجه تمرداً مستمراً. أما العامل الجديد فهو أن الشباب على استعداد للمخاطرة بحياتهم. إن قتل المتظاهرين بالرصاص الحي قد يكسب النظام البقاء لمدة أطول، ألاّ أنه في المقابل سيفقد شرعيته، كما قال الرئيس الأسد نفسه في خطابه في 30 آذار (مارس) الماضي: «من دون إصلاح، نحن نسير على طريق الدمار».

يجب أن تؤخذ ملاحظة الرئيس هذه في الاعتبار. فهي تلمح إلى أنه يعلم أن وقت التغيير قد حان. لماذا إذاً لم يعلن بعد عن إصلاحات جذرية وخطوات طارئة يجب تنفيذها فوراً؟ هذا هو اللغز الحقيقي في الوضع السوري.

ثمة تفسيرات عدة محتملة، ومنها أن الرئيس بشار الأسد– شأنه شأن والده الراحل حافظ الأسد الذي حكم ثلاثين عاماً- يكره أن يوضع تحت الضغط. فهو يفضل العمل على طريقته الخاصة وبحسب توقيته الخاص، ظناً منه أنه الشخص الأفضل لإعداد سورية للحصول على موقع في الاقتصاد العالمي. كان هذا الأساس الذي أطلق منه التغييرات المالية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية في العقد الماضي. ويبدو أن استراتيجيته الرئيسية تقوم على تحقيق التقدم التدريجي وتأمين الاستقرار الذي يعتبر من أولوياته الرئيسية. وكما كتب فولكر بيرتيس، وهو خبير ألماني رائد في القضايا السورية، في جريدة «انترناشونال هيرالد تريبيون» في 31 آذار الماضي: «الأسد... ليس إصلاحياً. فهو في أفضل الأحوال مجدّد».

قد تكون مقاربة الأسد التدريجية نجحت في الماضي، لكن يبدو أنها لم تعد ملائمة الآن. فالثورة على الأبواب. حان الوقت للرئيس أن يأخذ قرارات جريئة وبأقصى سرعة ممكنة. لكن هل يستطيع أن يقوم بذلك حتى لو أراد؟ من الواضح أن ثمة قوى متمكنة لا تريد التغيير في سورية. ففي كل مكان في العالم ثمة من يرفض التغيير، إذا كان يعرض مصالحه للخطر. ولا يختلف الأمر في سورية.

من هم المدافعون إذاً عن النظام؟ أولاً وقبل أي شيء، هناك قادة الجيش النافذون والأجهزة الأمنية. هؤلاء سيكافحون بالتأكيد من أجل الحفاظ على بقاء النظام في الحكم. وثمة مدافعون أيضاً في صفوف التجار السُنّة الدمشقيين الذين طالما كانوا حلفاء للنظام.

وتتكون المجموعة الأوسع من آلاف عدة من أفراد الطبقة البورجوازية الثرية، التي استغلت في السنوات الأخيرة الفرص التي أوجدها تدفق الاستثمار الأجنبي من خلال افتتاح المصارف الخاصة وشركات التأمين، كما استفادت من التحول العام من الاقتصاد الموجّه من الدولة إلى اقتصاد السوق.

يُضاف إلى تلك المجموعات المختلفة السوريون من جميع الطبقات الذين شاهدوا المذابح والتدمير عبر الحدود في العراق ولبنان وفضلوا اختيار الأمن والاستقرار، حتى لو كان على حساب القمع وغياب الحريات السياسية.

إذاً هؤلاء هم المدافعون عن النظام. فمن هم الخصوم؟ في هذه الفئة يمكن أن ندرج شباب الطبقة العاملة الفقيرة الذين يحتجون في الشارع لأنهم لا يرون أي إمكانية لحياة أفضل. يضاف إليهم المتمردون من الطبقة الجديدة الفقيرة والوسطى التي تضم شباباً متعلمين أو شبه متعلمين، الذين وجدوا عند تخرجهم أن لا وظائف لهم. مما لا شك فيه، أن بطالة الشباب هي من الأسباب الرئيسية للثورة في سورية، كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى.

والمثقفون على اختلافهم يشكلون مجموعة معادية أخرى. إنهم يتوقون للحرية من خلال الكتابة والنشر والاجتماع بحرية لمناقشة كل جانب من جوانب مجتمعهم. إنهم الطبقة الأكثر إحباطاً بين السوريين. ولقد اختار العديد منهم المنفى حيث يشكلون معارضة صوتية. بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المعارضين الساخطين تم رصدها، وتتألف من رجال أعمال صغار منعهم الرجال النافذون من كسب المال بسبب جشعهم وفسادهم.

ومن ثم نجد الإسلاميين. فبعد أن قضى الرئيس الراحل حافظ الأسد على انتفاضة «الإخوان المسلمين» في عام 1980، سعى إلى نزع الكراهية الحادة التي سببتها الإجراءات العقابية من خلال الانفتاح على الإسلاميين المعتدلين. فشجع على بناء المساجد على نطاق واسع كما أولى اهتماماً بالقادة المسلمين «الرسميين». وشهدت هذه الجهود نجاحاً أولياً إلاّ أنها انقلبت الآن ضد النظام. ويبدو أن هناك ما يشبه حركة مضادة من قبل المعارضة الإسلامية في المجتمع السوري.

هذا هو إذاً الخط المتبع في سورية. من مسافة بعيدة، يصعب القول أي من الجانبين يطغى على الآخر. لكن من خلال العمل من خلال تصور واضح وتصميم، يمكن القول إن الرئيس بشار الأسد يحظى بفرصة جيدة للبقاء على رأس السلطة. لكنه إذا تأخر في العمل، فإنه قد يضع نفسه أمام خطر انفجار لا يمكن السيطرة عليه. فأعداء سورية من الداخل أم من الخارج، يتوقون إلى المواجهة.

للرئيس نافذة ضيقة من الفرص، وهي تتقلص يوماً بعد يوم.

* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط

======================

في ما خصّ الإعلام

السبت, 09 أبريل 2011

حازم صاغيّة

الحياة

يتبدّى أحياناً كأنّ النظام السوريّ وممثّليه والناطقين بلسانه، السوريّين منهم واللبنانيّين، هم أكثر من يكسر التعتيم الإعلاميّ على التحرّك الشعبيّ في سوريّة. وهذا لا يتمّ، طبعاً، من خلال تقديم المعلومات والحقائق، بل عبر عصبيّة غير مقنعة بتاتاً، تريد أن تقول إنّ كلّ شيء هادئ هدوء بردى في الصيف.

وهذه العصبيّة، بالريبة التي تثيرها، كاشفةٌ ومعلّمة، سبق أن شاهدناها، ولا نزال نشاهدها، في بلدان عربيّة عدّة. بيد أنّ خصوصيّة سوريّة والبحرين أنّهما، ما خلا هذا «الإعلام» الرسميّ، لا تحظيان بالإعلام.

هنا نقع من جديد على عادات رديئة عدّة باتت، لشدّة تأصّلها، تقاليد. من ذلك الغباء الناجم عن خوف الاقتراب من المسائل المُشكَلَة والتمييز فيها، كما لو أنّها كرة نار، واللعب بالنار غير مأمون العواقب. فحكمة «ابتعدْ عن الشرّ وغنّ له» هي الحكمة الوظيفيّة السائدة التي لم تُضعفها الثورات الأخيرة، إن لم نقل إنّها استنفرتها وزادتها.

والتمييز الذي نهرب منه خوفاً، ذو أوجه متعدّدة: فمثلاً، وإلى جانب التحذير الضروريّ من مخطّط إيرانيّ يستهدف البحرين، ينبغي التركيز على أنّ سياسات فئويّة كثيرة تقوّي هذا المخطّط وتعزّزه، تماماً كما يقوّيه عدم استجابة المطالب المحقّة لبعض مواطني البحرين بسبب انتمائهم المذهبي. وليس كريماً ولا حصيفاً أن نعلم من «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركيّة أنّ 16 شركة في البحرين طردت مئات الموظّفين والمستخدمين لديها بسبب هذا الانتماء.

وبالقياس نفسه يجدر خوض التمييز بين نقل ما يحصل في سوريّة والرغبة في حدوث إصلاح جدّيّ فيها، وبين عدم الرغبة في خراب سوريّة الذي لا يُحدثه إلاّ التعتيم على الحقيقة وعلى الإصلاح. وهذا فضلاً عن دحض الكلام السقيم عن المؤامرات والمندسّين وسوى ذلك.

بطبيعة الحال يسوقنا هذان العجز والجبن إلى ملاحظة الملحوظ، بل البديهيّ، وهو مدى تأثّر الإعلام العربيّ في عمومه بأجندات حكوميّة، ومدى جلافة هذا التأثّر تبعاً لشروط المُلكيّة. بيد أنّ اكتشاف المُكتَشف يبقى مذهلاً في ظلّ هذا الكلام الراهن، وغير المسبوق، عن الإعلام وعن دوره الهائل في الحياة العربيّة.

والواقع أنّ خلفيّةً أكثر صحّيّة في السياسة كما في الثقافة والاجتماع، كانت لتوفّر تعاملاً مختلفاً جدّاً، في ظلّ ظروف ثوريّة كالتي يعيشها العالم العربيّ اليوم. كان يمكن، مثلاً، مساءلة علاقات المُلكيّة وأشكال التعبير عنها، ومراجعة التخشّب الذي يصيب أداء بعض المؤسّسات الإعلاميّة، والبحث في دور الأجيال الشابّة التي ينبغي أن تصعد إلى صناعة القرار في مؤسّساتها، وتسليط الضوء على أدبيّات المدائح و «تمسيح الجوخ» وكتابات «المكرمات» السلطانيّة، فضلاً عمّا شهدته مصر جزئيّاً من إعادة النظر بمواقع المدّاحين والمبرّرين.

وهذا كلّه سيبقى من أضغاث الأحلام ما لم تتوافر شروط في عدادها نزول أثرياء القطاع الخاصّ إلى ساحات تغيير الوعي، بالاستقلال عن أجهزة الدول إنْ لم يكن بالضدّ منها. ذاك أنّ هذا الدور البورجوازيّ – التنويريّ الغائب يبقي الحركات السياسيّة ما بين عرجاء ويتيمة، لا سيّما في اللحظات التي يتبيّن معها حجم تأثير الإعلام في التغيير الذي يتطلّب شجاعة ومسؤوليّة، لا في هجاء أميركا وإسرائيل الذي يعود على صاحبه بالمجد والسؤدد.

أمّا في هذه الغضون فليس لنا إلاّ ال «بي بي سي» وال «سي إن إن» و «كريستيان ساينس مونيتور»، وطبعاً «فايسبوك» و «يوتيوب»، وهي كلّها ذات أسماء «أعجميّة».

======================

الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي: إذا انتصر القذافي فإن بشار الأسد سيذهب إلى آخر مدى ..قال إن الحملة في ليبيا ستخدم المنطقة

لندن: «الشرق الأوسط»

9-4-2011

قال برنار هنري ليفي، الفيلسوف الشهير الذي حث فرنسا على تزعم القيام بعمل، إن تدخل الغرب في ليبيا يجب أن يجعل الزعماء المستبدين في المنطقة يعيدون التفكير في القمع الذي يمارسونه ضد احتجاجات الشوارع، حسب ما ذكرت «رويترز».

وذكر ليفي، وهو مثقف لامع كان العامل المحفز لقرار الرئيس نيكولا ساركوزي بدعم معارضي ليبيا «قنابل التحالف التي تسقط على مواقع الجيش الليبي هي أيضا سيوف ديموقليس على رؤوس الديكتاتوريين الآخرين».

وقال ليفي، وهو داعية سلام معروف، في تصريحات لوسائل الإعلام الأجنبية، إنه يعتقد أن حملة التحالف يجب أن تنتهي في غضون أسابيع رغم التقدم البطيء من جانب القوات التي تسعى للإطاحة بمعمر القذافي.

وقال إنه يأمل في أن تؤدي نتيجة ناجحة في ليبيا إلى تجنب عمل عسكري غربي آخر في المنطقة حيث انتشرت اضطرابات «ربيع العرب» بسرعة منذ الانتفاضتين الشعبيتين في تونس ومصر.

وقال «إذا نجحت العملية في ليبيا سيكون لها آثار تدخل في سورية». وأضاف ليفي «إذا انتصر القذافي فإن بشار الأسد سيذهب إلى آخر مدى. وإذا هزم القذافي فإنني أعتقد أن الأسد سيفهم أنه يتعين عليه أن يتفاوض».

واتصل ليفي هاتفيا بساركوزي الشهر الماضي من بنغازي بعد اجتماع مع المعارضين.

وأبلغ ساركوزي بأنه يعتقد أن فرنسا يجب أن تنصت إلى الحركة ثم أطلعه على مزيد من المعلومات بشأن الوضع بمجرد عودته إلى باريس فيما أكسبه وضع مستشار غير رسمي للرئاسة وقدرا كبيرا من الاهتمام الإعلامي.

وينبذ ليفي، الذي يقول إنه لن يصوت لصالح ساركوزي أبدا في أي انتخابات، فكرة أنه أصبح الآن مستشارا في شؤون ليبيا لرجل يقول منتقدون إنه يفتقر إلى الثقل الفكري لرؤساء فرنسا السابقين.

وقال ليفي «إنني لم أقدم إليه المشورة وإنما قلت إنني أعتقد أنه سيكون شرفا لفرنسا الاعتراف بالمعارضين».

وبعد اعتراف فرنسا الأولي بالمعارضة علق مؤيدو المعارضين الأعلام الفرنسية في أنحاء بنغازي مما جعل من الصعب على فرنسا عدم القيام بدور رائد.

وقال «أبلغت ساركوزي بأنه إذا بدأت الدماء تتدفق في بنغازي فإنها ستلطخ العلم الفرنسي».

وقال ليفي الذي يداوم الاتصال هاتفيا بالمجلس الوطني الانتقالي للمعارضين إن تسليح المعارضين يجب أن يكون آخر ملاذ إذا فشلت كل الوسائل الأخرى. لكنه أقر بأن بعض الأسلحة يجري تهريبها بالفعل إليهم عن طريق البر.

وقال «لدي ثقة مع بعض التحفظات في أشخاص المجلس الانتقالي. وأنا واثق وإن كنت أشعر بالقلق أيضا».

وأضاف «سأبذل كل جهدي في الأيام القادمة لتوضيح أنني أعتقد أنه أمر مشين التلميح إلى أنهم من (القاعدة). إنه ليس أمرا صحيحا القول إنهم استوحوا ذلك من الإسلام المتشدد».

======================

لماذا تتجسس إيران على الدول العربية؟

احمد عثمان

الشرق الاوسط

9-4-2011

منذ بدايته، شهد عام 2011 توترا واضحا في العلاقات بين قادة الجمهورية الإسلامية في إيران والدول العربية المجاورة، خاصة دول الخليج. فبعد تدخلها الصريح في الشؤون الداخلية للبحرين وتشجيعها للفتنة الطائفية، تعرضت البعثة الدبلوماسية السعودية في طهران إلى اعتداءات من قبل بعض المناصرين للنظام، ووجهت إيران تهديدا لبعض دول الخليج طالبة سحب قوات درع الجزيرة من البحرين. ثم أعلنت الكويت عن كشفها عن تسع شبكات تجسس إيرانية تجمع معلومات متعلقة بالأمن القومي وتخطط للقيام بأعمال تخريبية في البلاد، وتبين أن شبكات التجسس منتشرة في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويلاحظ أن هذه التوترات جاءت في الوقت ذاته الذي قامت فيه بعض الشعوب العربية بحركات احتجاجية، تنادي بسقوط الأنظمة القمعية الفاسدة وتطالب بالحرية والديمقراطية. ولما كان الشعب الإيراني يواجه قمعا وحشيا من قبل النظام منذ إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في صيف 2009، فقد خشيت السلطات الإيرانية أن تمتد هذه الحركات إلى أراضيها، وتهدد بسقوط الجمهورية الإسلامية وإقامة حكم ديمقراطي بديل. ومنذ بداية فبراير (شباط) الماضي ساد الشعور بالقلق لدى السلطات الإيرانية بسبب حركات الاحتجاج الشعبي في تونس ومصر، فقررت إحكام سيطرتها على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الإلكترونية، حتى تمنع التواصل بين شبابها. وعندما أعلنت المعارضة نيتها الخروج في مظاهرة تضامنا مع الثوار في مصر، وجه حسين حمداني قائد الحرس الثوري تحذيرا لها قائلا: إن على الغوغائيين أن يعلموا أننا نعتبرهم أعداء للثورة (الإسلامية) وسنتصدى لدسائسهم بقوة.

رغم هذا خرج الشباب الإيراني في 14 فبراير بمظاهرات حاشدة في طهران وبعض المدن الأخرى تأييدا لثورات الشعبين المصري والتونسي، وردد المتظاهرون هتافات مباشرة ضد آية الله علي خامنئي - المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية - قائلين «بن علي، مبارك. إنه (جاء) دورك يا سيد علي». وبينما حاول خامنئي اعتبار الثورة المصرية امتدادا للثورة الإيرانية، فقد اعتبرها الشباب المعارض بداية لسقوط نظام آيات الله في إيران. عندئذ أدرك النظام الإيراني ضرورة القيام بهجوم مضاد، في محاولة منه للسيطرة على حركات الاحتجاج العربية وفتح جبهة للصراع الخارجي، حتى يخف الضغط عليه في الداخل.

وفي 29 مارس (آذار) الماضي أصدرت محكمة كويتية أحكاما بالإعدام على اثنين من الإيرانيين وكويتي واحد كما حكمت على اثنين آخرين بالسجن المؤبد، بتهمة الانتماء إلى شبكة إيرانية للتجسس على البلاد. وتبين أثناء المحاكمة أن الجواسيس جندهم علي ظهراني الملحق السياحي لإيران بالكويت، منذ تسعة أعوام. وكشفت التحقيقات أن الجواسيس الذين تقاضوا أموالا كثيرة من إيران، كانوا يلتقون برجال المخابرات في طهران أو في السفارات الإيرانية بالكويت والبحرين وإندونيسيا، ويقومون بتصوير مواقع عسكرية حساسة كويتية وأرتال أميركية، وكانوا يخططون لتفجير بعض المنشآت النفطية مستخدمين مواد متفجرة زودتهم بها المخابرات الإيرانية.

طلبت الكويت من سفيرها في طهران العودة للتشاور وأعلن الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية أن بلاده قررت طرد مجموعة من الدبلوماسيين الإيرانيين المتورطين في القضية، قائلا: هذه الشبكة التآمرية مرتبطة بعناصر رسمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كانت هناك نقاط خلاف بين إيران ودول الخليج منذ قيام الثورة الإسلامية في 1979، لكن الخلاف لم يصل إلى درجة الصراع المكشوف في السابق. بل إن العلاقات بين إيران ودول الخليج تحسنت عقب حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت من سيطرة صدام حسين. لكن الوضع منذ أن صار أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية في 2005، أصبح مختلفا. وتنحصر نقاط الخلاف بين دول الخليج والجمهورية الإسلامية في محاولات إيران المتكررة فرض سيطرتها على مملكة البحرين، ورفضها المستمر لحل قضية الجزر الإماراتية الثلاث - أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى - بالطرق الدبلوماسية. أما الخلافات بين الدول العربية بشكل عام وإيران فتتعلق بالقضية الفلسطينية والمسألة اللبنانية ومحاولات إيران التدخل في شؤونها الداخلية.

فقد تمكنت إيران بفضل تحالفها مع سورية من مد نفوذها في لبنان عن طريق حزب الله وإلى فلسطين عن طريق حركة حماس. وبينما تحول لبنان إلى رهينة في يد حزب الله، انقسمت الأراضي الفلسطينية إلى قسمين بسبب تمرد حماس. وفي الوقت الذي قررت فيه الدول العربية محاولة التوصل إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية عن طريق المفاوضات، حاولت إيران إفشال هذه المحاولة عن طريق حلفائها. كما اتهمت صنعاء إيران بالتدخل في المعارك التي دارت في شمال اليمن، بين الحوثيين المتمردين والقوات اليمنية. وفي مصر كشف رجال الأمن عن خلية أقامها حزب الله اللبناني، كانت تخطط للقيام بأعمال إرهابية في البلاد، وتبين أن العديد من أعضائها تلقوا تدريباتهم على يد الحرس الثوري الإيراني.

وبينما يوافق العرب على حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، تصر إيران على الاستمرار في تطوير برنامجها النووي بعيدا عن مراقبة الهيئة الدولية للطاقة النووية. وفي الاجتماع الذي عقد في 22 يناير (كانون الثاني) الماضي باسطنبول بين وفد إيران وممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، رفضت طهران وقف تخصيب اليورانيوم أو وضع برنامجها النووي على أجندة المفاوضات. ورغم المعاناة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الإيراني بسبب العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على البلاد، ظلت طهران مصممة على موقفها المتشدد ورفضت حتى الحديث عن برنامجها النووي.

من حق العرب أن يتساءلوا: إذا كانت إيران لا تتعرض لأي هجوم خارجي، فلماذا تصر على المضي قدما في إنتاج السلاح النووي؟! ومن حقهم كذلك أن يتساءلوا: إذا كانت إيران الآن لا تكف عن محاولة مد سيطرتها إلى داخل البلدان العربية، فما الذي يمكن لها أن تفعله لو أنها امتلكت بالفعل سلاحا نوويا؟!

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ