ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 11/09/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

الخوف والتخويف

تاريخ النشر: السبت 10 سبتمبر 2011

د. حسن حنفي

الاتحاد

شاع تعبير "كسر حاجز الخوف" لوصف توالي الثورات العربية الأخيرة. فعلى رغم القمع عدة عقود من الزمن في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا إلا أن صبر الجماهير العربية نفد، والقمع وصل إلى حده الأقصى بالاعتقال والاغتيال وتزوير الانتخابات وقانون الطوارئ والفساد والتوريث. يكفي كسر حاجز الخوف في الوعي الفردي قبل أن ينتقل إلى الوعي الجماعي، من البوعزيزي في تونس الذي آثر الانتحار حرقاً على إهانته والنيل من كرامته بعد أن تحمل الجوع والبطالة والتهميش والضياع، إلى ثورة الجماهير في تونس. ثم انتقلت الشرارة إلى مصر ثم إلى اليمن ثم إلى ليبيا ثم إلى سوريا. فالجسد العربي واحد. وسقطت الحدود والخلافات بين الزعماء. فالثورة توحد الجماهير كما يوحد الاستبداد والفساد بعض الزعماء. وامتدت الشرارة إلى نظم أخرى كحركة إصلاحية منادية بحرية الصحافة، والتعددية الحزبية، وتكوين دولة مدنية ديمقراطية حديثة تقوم على المواطنة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

وخرج الآلاف من المنازل، ونزلوا إلى الشوارع على مدى عدة أشهر، خمسة أشهر في سوريا وستة أشهر في اليمن وسبعة أشهر في ليبيا. وعمت المظاهرات كافة المدن والمحافظات السورية واليمنية والليبية. وازدادت شدة يوماً وراء يوم. وعلّت سقف مطالبها من "الشعب يريد إصلاح النظام" إلى "الشعب يريد إسقاط النظام" إلى "الشعب يريد إعدام الرئيس". كل مرة لا يستجيب النظام ويتأخر في استجابته لمطالب الشعب. لا فرق بين رمضان وقبل رمضان أو بعده. لا فرق بين نهار وليل. بل إن تحركات الجماهير في رمضان أصبحت جزءاً من طقوسه بعد التراويح أو بعد الفجر. ولم تعد للزمن أهمية، شهراً أو اثنين، سنة أو سنتين. فلا عودة إلى الوراء. "الموت ولا المذلة". فانتفاضة الحرية أعمق جذوراً في الوجود الإنساني من انتفاضة الخبز. فالحرية قبل الخبز.

وقرر النظام تخويف الجماهير بقوة السلاح. فاعتمد على قوات الشرطة والأمن والجيش و"البلطجية" و"الشبيحة" لمواجهة الجماهير في المدن بعد حصارها وكأن النظام في حرب مع عدو يحتل الأوطان. لا فرق بين شاب وطفل وشيخ وامرأة ورجل. الكل مستهدف بالذخيرة الحية في الصدر مواجهة أو من القناصة في الرأس من أعلى. والمظاهرات سلمية. وقررت أن تظل كذلك مع أن السلاح متوفر من العراق ولبنان. فالمطالبة بالحرية لا تحتاج إلى سلاح. واستعملت كل أنواع الأسلحة بما في ذلك سلاح الجو وسلاح البحرية لضرب المدن من البحر، والنشطاء من الجو. دبابات ومصفحات وحاملات جنود تداهم المدن وتطلق النار عشوائيّاً للتخويف. ومن يرفض من قوات الأمن والجيش تُطلق النار عليه ويتهم "المسلحون" من المتظاهرين الذين أتى بهم الجيش لتخليص الأهالي منهم وبناء على طلبهم، بأنهم عملاء الخارج يريدون إرجاع سوريا إلى رقبة الاستعمار وإخضاعها للصلح مع إسرائيل. وتزداد إراقة الدماء كل يوم فلا حل آخر أمام النظام. فإما القمع وإما السقوط. وبما أنه ما زال متمسكاً بالسلطة والثروة فإنه لا خيار أمامه إلا القمع والتخويف لعل الجماهير تعود إلى منازلها وتخشى على حياتها من الموت الذي ينتظرها. وهو ما يستحيل أيضاً على الجماهير العربية بعد أن قررت كسر حاجز الخوف والانتفاضة من أجل الحرية والكرامة.

وتدور بين الحين والآخر حوارات مصطنعة بين ممثلي المعارضة وممثلي النظام على تحقيق مطالب الجماهير المعروفة منذ عدة عقود، منذ الأب حتى الابن. وهي حوارات كلامية لإرضاء المجتمع الدولي بنية الإصلاح. لا تجدي شيئاً. فهي حوارات في الصالات المغلقة والدبابات والمصفحات تقذف الجماهير في المدن. والحوارات في العواصم الخارجية في إسطنبول أو في بعض العواصم الأوروبية لممثلي المعارضة في الخارج لها ثقل معنوي ولكنها لم توقف القصف ولا إراقة الدماء. فالنظام يحاور نفسه مرتين، الأولى بالكلام في الإعلام وعلى الموائد في الحجرات المغلقة، والثانية بالسلاح في الشوارع وبالرصاص الحي الموجه نحو قلوب المتظاهرين ورؤوسهم. والصمت العربي مطبق مما اضطر المتظاهرين إلى رفع شعار "صمتكم يقتلنا". ومصر قلب الوطن العربي تخلت عن دورها في العقود الأربعة الأخيرة. وما زالت متعودة عليه. وتحولت مبادرات الوطن العربي إلى الخليج سواء في اليمن أو في سوريا بسحب السفراء للتشاور. والجامعة العربية مكبلة بمواثيقها التي تمنع التدخل في شؤون الدول الداخلية لأنها جامعة النظم العربية وليست جامعة الشعوب العربية. ومن الطبيعي أن تتباطأ ردود أفعال الدول الأجنبية لأنها مرتبطة بمصالحها وليس بالدفاع عن الشعوب الأخرى على رغم من إعلانات حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ومنظمات الأمم المتحدة.

وقد يطول الصراع بين الجماهير الشعبية السلمية والقوات المسلحة على كافة أنواعها انتظاراً لأن يتغلب أحدهما على الآخر. ولن يتغلب أحد الطرفين. فالقوات المسلحة ينشق منها الضباط والجنود، ويكونون حركة "الضباط الأحرار" كما حدث في الخمسينيات. وقد يحدث انشقاق في قيادات الجيش أو في أسلحة بأكملها كما حدث في الكلية الحربية. وقد يحدث انقلاب عسكري كما حدث في أواخر الأربعينيات مع حسني الزعيم. ينهي هذا الحكم الاستبدادي الذي ظل أكثر من أربعة عقود. وقد تحدث عملية اغتيالات للقيادات من أجل زحزحة الموقف. فالفرد في البلاد هو الزعيم والقائد ومحور النظام وأساسه وليس المؤسسات. وقدرة الجيش على مواجهة الشعب لها حدود. فالجيش في النهاية جيش الشعب، ومهمته الدفاع عن الأوطان وليس الدفاع عن النظام. والجولان محتل. ومهمته هناك على الحدود وليست في درعا وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور وبوكمال. مهمته تشبث المواطنين بالأرض وليس في نزوحهم خارج البلاد إلى تركيا ولبنان.

وقد يأتي الحل من الجماهير عندما تشتد حركة الشارع ويسقط الشهداء كل يوم وتسيل الدماء. إذ تتحول صاخبة إلى قصور الحكم، تحاصرها، وتداهمها، وتقبض على من فيها كما استولت الجماهير الفرنسية على سجن "الباستيل" وحررت المعتقلين السياسيين، وكان ذلك إيذاناً ببداية الثورة الفرنسية. وكما أرادت الجماهير الشعبية في تونس ومصر الإحاطة بقصري الحكم لولا تدخل الجيش وإنذار الرئيسين بأن الجيش لن يطلق النار على الجماهير. فأربعون عاماً من الاستبداد ولدت في الجماهير مناعة ضده. ولن تعود إليه أو ترضخ لنظامه. فقد أتى الحاكم بالتوريث وهو ضد النظام الجمهوري وتغير الدستور حتى يلائمه. ولديه مناعة من مذابح سابقة، مذبحة حماة.

وتعود إلى سوريا أسطورتها، إنها قلب العروبة النابض. وفيها نشأت حركة القوميين العرب. وهي التي رفضت كامب ديفيد بعد أن شاركت في الحرب في أكتوبر 1973. فهي قلعة الصمود وإحدى دول الممانعة، ونصيرة المقاومة الفلسطينية ومحتضنتها في دمشق. سوريا هي مفتاح الحل في المنطقة، فلا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا. تلقى احترام الشرق والغرب. تؤيدها روسيا والصين ولا ترفضها النظم الغربية أو الولايات المتحدة الأميركية. هي ميزان الثقل في المنطقة بعد أن آثرت مصر التخلي عن دورها لغيرها، للخليج أو الشام. والشام له رصيد في قلب كل عربي. ومذكور في الحديث بأنه أرض مقدسة، كما أن مصر مذكورة في القرآن الكريم بأنها أرض الوفرة والأمان.

==============

حال المعارضة السورية

حسين العودات

التاريخ: 10 سبتمبر 2011

البيان

تثار تساؤلات عديدة داخل سوريا وخارجها حول أسباب تشتت المعارضة السورية وتعدد أطرافها، حتى أن النظام السياسي السوري صار يجيب من يطالبه بإشراك المعارضة في السلطة سواءً كان المطالب من الداخل أم من الخارج، أين هي المعارضة؟ فأنا لا أرى أمامي معارضة واضحة الأهداف والبرامج والتنظيم وذات قيادة موحدة، وما المعارضة التي تزعمون سوى بضعة أفراد مشتتي الرأي والموقف والتنظيمات.

وفي الوقت نفسه أخذت الدول الأخرى وخاصة الأوروبية والإدارة الأميركية تعبر عن شكوكها بفعالية المعارضة السورية وقدرتها على أن تتولى السلطة فيما إذا تغير النظام، وقد بذلت هذه الدول جهوداً كبيرة مع شرائح المعارضة وأحزابها وتجمعاتها، لإقناعها بإقامة معارضة موحدة يسهل عليها تغيير النظام أو ترحيله دون أن ينجح مسعاها.

ويستغرب السوريون من الموالين للنظام ومن المحتجين عليه والمتظاهرين ضده والمعارضين له بدورهم عن الأسباب التي تحول دون توحيد المعارضة السورية، خاصة وأن وحدتها التنظيمية ووحدة موقفها وبرامجها كفيلة بتهيئتها لتولي السلطة، أو جعلها قاب قوسين أو أدنى من ذلك.

لقد مارس النظام السياسي السوري خلال أربعين عاماً أساليب شتى ضد المعارضة، ونجح في إضعافها وتقسيمها إلى شرائح وفئات، وإجبارها على العمل تحت الأرض طوال كل هذه السنين، وحرمها من التواصل مع بعضها ومع الشعب، سواء كان التواصل عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام أم غير ذلك، وأصدرت السلطة لتحقيق هذا الهدف، عديداً من القوانين والقرارات والتشريعات قضى بعضها بعقوبة الإعدام على المنتسبين إلى بعض فئات المعارضة، وأدى ذلك موضوعياً.

إضافة إلى تذرر المعارضة وتحولها إلى شراذم متعددة، وتراجع القسم الأكبر من ناشطيها عن النشاط والنضال، وبالمناسبة اتبع النظام أسلوب تقسيم الأحزاب والتيارات السياسية هذا حتى مع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المناصرة له والمتحالفة معه، فصار الحزب الشيوعي ثلاثة أحزاب.

ومثله الاشتراكيون العرب، وانقسم الوحدويون الاشتراكيون إلى حزبين، ومثلهم فعل القوميون السوريون، وهكذا كانت سياسة تقسيم الأحزاب الموالية والمعارضة نهجاً ثابتاً للنظام السياسي السوري، أدى إلى إضعاف جميع هذه الأحزاب والقوى، سواء كانت تشكل خطراً عليه أم لا.

لهذه الأسباب ولغيرها، لم يكن لأحزاب المعارضة في الواقع أي دور فعال ورئيس في الحراك الشعبي السوري، أو في الاحتجاج والمظاهرات التي بدأت منذ ستة أشهر، مع أنها هي التي هيأت المناخ طوال أربعين عاماً لانطلاق الانتفاضة، وقد أدى نضالها بالإضافة إلى أخطاء النظام إلى تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا، ولكن.

وفي الوقت نفسه، فإن الجميع سواء من الحراك الشعبي والمحتجين وتيارات المعارضة والسلطة أم من المراقبين والدول الخارجية، يقرون أن أي حل للأزمة السورية لابد أن يمر بطريق المعارضة وأن تكون هي أداته ووسيلته، فرغم أهمية الحراك والمظاهرات والانتفاضة وقدرتها على تعطيل أي حل، فإن الحل الحقيقي يبقى في النهاية بيد تيارات المعارضة التقليدية وخاصة إذا نسقت مع الحراك الشعبي. وعندما تُسأل أحزاب المعارضة عن أسباب استمرار تناقضها وتشتتها رغم الأضرار الكبيرة التي يسببها هذا التناقض، الذي يعيق مشاركتها الجدية في السلطة أو توليها، ويحرجها أمام الشعب السوري والجهات

الأجنبية، تجيب إن أربعين عاماً من العمل السري خلق تقاليد وأساليب خاصة بالنضال وأسلوب اتخاذ القرار، ولكنها من جهة أخرى تؤكد أن أهدافها وبرامجها موحدة بالفعل، وتتلخص بالعمل الجاد والمشترك لتحويل النظام السياسي الشمولي الحالي إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي أي ينبني على(تداول السلطة).

ويقوم على تبني مفاهيم الدولة الحديثة كالمواطنة والحرية والمساواة والديمقراطية وتكافؤ الفرص والاعتراف بحقوق الإنسان وفصل السلطات وغير ذلك. وأن جميع أحزاب المعارضة وشرائحها وفئاتها تنادي بهذه الأهداف ولا تتجاوزها وتعتبرها خريطة الطريق اللازمة لتحول النظام والوصول إلى نظام جديد.

وبالتالي فبرنامجها موحد. أما بعد ذلك، أي بعد أن يصبح النظام ديمقراطياً ، فسيكون لكل حزب أو تيار خططه ومجالات نضاله ووجهات نظره المتعددة، وربما المختلفة أو المتباينة شأن كل المعارضات في العالم، وترى أحزاب المعارضة السورية أن لا ضرورة لقيام وحدة تنظيمية بين هذه الأحزاب، وتستشهد بأن أحزاب العالم المعارضة لم تقم وحدة تنظيمية بين فئاتها، وأن مطالبتها بوحدة تنظيمية هو لزوم ما لا يلزم.

سواء اقتنعنا بوجهة نظر المعارضة هذه أم لا ، فإن إخفاقها في تشكيل قيادة موحدة، هو تقصير يصعب تجاهله أو العمل بدونه، فالقيادة الموحدة كفيلة بالوقوف بوجه النظام نداً لند، وبإلزام الجميع في الداخل والخارج على اعتبارها أنها الآخر بالنسبة إلى هذا النظام، وتقطع الطريق على السلطة وتلكؤها بالإصلاح.

وأخيراً، ومهما كانت مبررات المعارضة السورية لاستمرار التشرذم، فإنها في الواقع، تبقى مبررات غير كافية وغير مقنعة، لا لجماهيرها وناشطيها ولا للجماهير السورية، ولا للجهات الخارجية مهما كانت أهدافها ونواياها.

==============

النظام السوري.. استمرار المكابرة وعدم الاستيعاب

الوطن السعودية

التاريخ: 10 سبتمبر 2011

االمآل الدولي الذي آلت إليه الأزمة السورية كان متوقعاً، عند النظر إلى أن العقل الحزبي الحاكم في هذا البلد، مؤسس على المكابرة، وعدم الاستيعاب، وغير قادرٍ على تطوير طريقتِه في التعاطي مع المطالب الشعبيّة، بل وغير مستوعبٍ للدروس الواضحة في غير قطر عربي، ولذا لم يستطع إيجاد حلول تتجاوز العنف الأمني، ومواصلة الخطاب الإعلامي الذي لا يتواءم مع المرحلة، من خلال الإصرار على تكريس فكرة أن المحتجين السلميين مجموعاتٌ إرهابية خارجة على النظام والقانون، ويجب القضاء عليها دون هوادة، فضلا عن اختلاق الكثير من القصص، لتبرير العنف ضد المتظاهرين.

رهان النظام السوري على مواقف بعض أعضاء مجلس الأمن الدولي، مثل: الصين وروسيا، يتجه بالتدريج نحو الخسارة، مع استمرارالعنف، وعدم تطبيق أية إصلاحات ملموسة، بعد أن تجاوزت القضيّة المسألة السياسيّة، وحسابات المصالح، إلى المسألة الأخلاقيّة، وبات من المحتّم على هذه الدول إدانة العنف ضد المدنيين، واعتبار الحدث مهددا للأمن الدولي، لأنه يؤثر على استقرار المنطقة، ودول الجوار.

اللافت في الأزمة السورية، أنه لا يؤيد النظام سوى جماعات القلق، أو الدول التي ترى فيه امتداداً، يسهم في تحقيق أحلامها، وتصدير أيديولوجياتها، مما يجعل التناقض الكبير الذي تتصف به مواقف مؤيدي النظام الدموي، سببا في التساؤل عن المبادئ والهويات الحقيقية لهذه الأنظمة والجماعات، ويرمي بالكثير من أسباب الغموض الذي يصل إلى الإبهام حول أهداف هؤلاء وأولئك، وحول تناقض الخطاب السياسي، وتباينه من دولة إلى أخرى.

مشكلة النظام السوري لا تقف عند اعتماد الحلول الأمنية، والقمع الدموي، وإنما تتجاوزها إلى المكابرة السياسية، والتهوين من الآثار الاقتصادية للعقوبات، مما يعني عدم استشعار الخطر، وعدم إدراك التحولات، فقد قال وزير المالية السوري محمد الجليلاتي إن سورية تتطلع لبيع النفط الذي لم تعد تستطيع تصديره إلى أوروبا لروسيا والصين ودول أخرى غير عربية.

وقال الجليلاتي إن سورية ستقوم بتكرير النفط أو بيعه مباشرة إلى روسيا والصين أو أي دولة أخرى تقبل شراء كميات النفط الفائضة بسبب العقوبات، مضيفاً أن الاقتصاد السوري سينمو بنسبة 1% هذا العام، ثم 2 إلى 3 % في 2012، وكأن الاضطرابات الداخلية - التي وصلت أمس إلى حدود المطالبة بالحماية الدولية لم تؤثر سلباً على الاقتصاد السوري، وهو دون شك خطاب مخادع، لا يتفق مع المعطيات.

==============

الديبلوماسية الروسية والثورات العربية

عفيف رزق

المستقبل

10-9-2011

يتفق معظم المتابعين للثورات العربية، منذ مطلع هذا العام حتى الآن، على أن الموقف الرسمي الروسي كان مرتبكاً ومتردداً، وبالتالي ليس مبنياً على أسس محكومة بضوابط معينة ومحددة. فمنذ انطلاق شرارة الثورة المصرية تميز هذا الموقف بالحذر الشديد إزاء الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها وتشهدها ساحات العديد من العواصم العربية. وقد انعكس هذا الموقف على الديبلوماسية الروسية وتحركها، في "الربيع العربي"، ثم في "الصيف العربي"، حيث ان كثيراً من المراقبين كانوا ينتظرون منها مواقف مؤيدة وحازمة، كما كان حالها في مراحل سابقة، فاستعيض عن ذلك كله ببيانات تحمل في ثناياها حالات الحذر الشديد تجاه ما يجري. وإذا كانت الثورة المصرية أوفر حظاً من بقية الثورات العربية الأخرى في حصولها على تأييد روسي على رغم مجيئه متأخراً، وغير محدد المعالم، ولم يترجم اجراءات تتم عن الرغبة في دعم النظام الجديد الذي ولد من رحم هذه الثورة، فإن الثورات: الليبية اعترفت موسكو بممثليها الشرعيين لدى انعقاد مؤتمر دولي عقد في باريس منذ عدة أيام فقط، والسورية تصر موسكو على ضرورة عدم التدخل الخارجي في الشأن السوري، وتطرح، كحل للأزمة، الحوار بين النظام والمعارضة، واليمنية الغموض، الابهام، والارتباك من أهم ميزات الموقف الروسي.

اصطدمت هذه الثورات بدعوة موسكو انصياع شعوب هذه البلدان الى حكامها، والقبول ببعض الاصلاحات والمكاسب السياسية، التي تعتبر أدنى بكثير، في جوهرها، مما حصلت عليه شعوب شرق آسيا منذ نصف قرن، وكذلك شعوب أوروبا الوسطى والشرقية منذ عقدين من الزمن على أثر انهيار المعسكر الاشتراكي. وعلى رغم أن هذا التوجه، الذي سلكته الديبلوماسية الروسية، شهد انعطافاً في الآونة الأخيرة في محاولة لإجراء اتصالات مع بعض أطراف المعارضة، في هذه البلدان، بهدف الاطلاع على المطالب والرؤية السياسية والخطوط العامة لاستراتيجية هذه الأطراف، فإن كثيراً من الباحثين والمحللين السياسيين العرب أخذوا على هذه السياسة تجاهلها العناصر الأساسية لهذه الثورات من رفع الظلم والقمع الذي يمارسه النظام الرسمي الحاكم بحق المواطن، والطموح للتغيير وتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية... التي يطالب بها سلمياً هذا المواطن.

لقد تناقضت مسيرة الديبلوماسية الروسية في تعاطيها مع الثورات العربية مع مسيرة أجهزة الاعلام الروسية التي رأت بأن الأحداث الجارية على الساحة العربية كشفت عجزاً وفشلاً في تعامل الادارة الروسية مع ملفات هذه الأحداث، حيث اتسم التفاعل بحالة ميكانيكية تفتقر للمعطيات والمعلومات، وتجاهل تام للمنهج العلمي ودراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تحدث في المجتمعات. انطلاقاً من هذا الواقع يمكننا الاشارة الى بعض الظواهر التي رافقت هذه المسيرة.

أولاً: يتحدث المراقبون عن منافسة ما بين الرئيس ديمتري ميدفيديف وبين رئيس حكومته فلاديمير بوتين على أبواب انتخابات رئاسية في الربيع القادم، ويشير هؤلاء الى غياب التنسيق بين دوائر الكرملين، الخاضعة لسلطة ميدفيديف، وبين وزارة الخارجية المكلفة رسمياً ادارة ملفات الثورات العربية. وهناك من يشيع بأن الكرملين قد تجاوز الديبلوماسية الروسية بشأن الثورات العربية؟؟... كل هذه الأجواء عكست ارتباكاً في الموقف الروسي العام.

ثانياً: اتسمت الرؤية الروسية للأحداث بنزعة محافظة تميل الى دعم وتأييد القيادات التاريخية في المنطقة، وخلت هذه الرؤية من أي محاولة جادة لفهم حقيقة التطورات الجارية على ارض الواقع. انعدمت المبادرات والاتصالات واللقاءات بين المسؤولين الروس وبين قادة هذه التحركات. وعندما حدث العكس كانت أمور كثيرة قد سويت.

ثالثاً: اعتبار الديبلوماسية الروسية ان الأحداث الجارية هي شأن داخلي ولا داعي لأي تدخل خارجي فيها. لا بل أعربت هذه الديبلوماسية عن معارضتها للتظاهرات السلمية الحاشدة التي كانت تخرج يومياً في بلدان الشرق الأوسط داعية للتغيير وإحلال الأنظمة الديمقراطية محل الديكتاتوريات الغاشمة...

رابعاً: شكل هاجس استغلال الاسلاميين لهذه التظاهرات عامل الخوف الأول الذي سيطر على مسلكية الديبلوماسية الروسية، إلا أن تدخل وزير الخارجية سيرغي لافروف، ولو متأخراً، بدد هذا الهاجس. فقد اعتبر الوزير ان هذه الثورات شعبية اجتماعية، قوتها المحركة: فئة الشباب ومطالبها الأساسية: تغيير النظام وتجديد السلطة على أسس ديمقراطية وليس بفرض الشريعة الاسلامية، دون أن ينفي وجود القوى الاسلامية كشريك مهم في هذا الحراك... مستنتجاً بأن الاسلام والديمقراطية أمران منسجمان ولا تناقض بينهما كما يتوهم البعض. لقد تطابقت هذه الرؤية التي قدمها لافروف مع تلك التي أبداها يفغيني بريماكوف, رئيس الوزراء الأسبق الذي أكد على أن الثورات العربية هي نتاج سياسات ديكتاتورية فاشلة أدت الى تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العديد من البلدان العربية.

خامساً: لقد حاولت بعض مراكز الأبحاث والاستشراق الروسية إلصاق تهمة تفجير الثورات العربية في الشرق الأوسط بالخارج كمؤامرة من الغرب لزيادة ساحة نفوذه في هذه البلدان، وان المركز المحرك لما يجري في واشنطن، كما كان يجري في الثورات الملونة في بلدان أوروبا الشرقية والوسطى... في بداية الأحداث، وجد هذا التحليل من يؤيده من العاملين في الديبلوماسية الروسية، لكن مع تصاعد حدة المظاهرات وتزايد المشاركين فيها، من جهة، ومقارنة بين ما يجري على الساحة العربية بما كان يجري على الساحة الأوروبية. أثبتت بطلان التشابه وأسقطت بالتالي حجة هؤلاء، فالثورات العربية شهدت حالة صراع مع السلطة أدت الى سقوطها وسقوط كثير من الشهداء، وهذا لم يحصل في الثورات الملونة، ثانياً ان الثورات العربية أعلنت موقفاً رافضاً بوضوح بشأن سياسات ومخططات الغرب في المنطقة، في حين ان الغرب وايضاً المشاركين في هذه الثورات أعلنوا صراحة عن التعاون بين الطرفين، ثالثاً، وأخيراً، خصوصية الشعارات التي رفعها المشاركون في الثورات العربية، التي تشير الى الأهداف الواجب تحقيقها كبناء دولة مدنية وديمقراطية وحديثة...

==============

منطق الحماية المزدوج والاستقلال بالحل الداخلي

سليمان تقي الدين

السفير

10-9-2011

تجتاز الأزمة السورية شهرها السادس هذا الأسبوع. بورصة القتل اليومي استقرت على وتيرة منتظمة. يحكى عن ممارسات للعنف لا علاقة لها بالمواجهات المسلحة. الخطف والتعذيب والتصفية والكمائن والقنص واستباحة كل الحصانات والضمانات والحرمات دليل على شكل من الصراعات الأهلية التي تخرج عن الضبط والسيطرة. لا يظهر في الأفق القريب أي حل سياسي. لا مكان للتعريب في ظل الخصومات الحالية التي ظهرت جليّة في اجتماع وزراء الخارجية العرب والموقف السوري من الأمين العام لجامعة الدول العربية. أما التدويل فقد قطع خطوات كبيرة برغم التحفظ الروسي والصيني. لم يطرح الغرب أصلاً فكرة التدخل العسكري مستبعداً النموذج الليبي. المردود النفطي والمصالح الاقتصادية وإعادة الإعمار وتعويض الكلفة الحربية مغرية في ليبيا، كذلك سهولة الموقع الجغرافي. في سوريا الرهان على إسقاط الدور السياسي واستنزاف الدولة والمجتمع.

حصل الغرب على معظم هذه النتيجة من دون تدخل عسكري مباشر. استدراج سوريا إلى هذا المأزق الوطني أخطر بكثير مما يعتقده النظام ومعارضوه. جزء أساسي من الدعم لطرفي الصراع خارجي. تماسك الجيوش في المواجهات الداخلية ليس مسألة حاسمة في إنقاذ أي نظام. لا يظهر ان الغرب يراهن على تفكيك الجيوش بل على تغيير أدوارها ووظائفها. خلافاً لكل تفسير للمشروع الغربي فالأولوية هي لإعادة بناء السلطة على الجغرافيا السياسية ذاتها مع استثمار كل عناصر التناقضات الوطنية. إذا كان التهويل بالتقسيم بهذا المعنى فهو حاصل عبر استحضار واستنفار كل العصبيات السابقة على هوية الشعب ومركزية الدولة. لكن التدخل الخارجي يفجّر هذه التعارضات ويغذيها ولا يصنعها. لا مكان لتأثير الخارج إلا في بيئات سياسية مأزومة عاجزة عن صياغة وإنتاج وحدتها الوطنية. الجيوش مهمة في البلدان النامية بوصفها المؤسسة الأكثر حداثة وتماسكاً ومن حولها تتشكل المؤسسات السياسية. لكن الجيوش لوحدها لم تعد تملك الشرعية الكافية بعد ان تحولت إلى مؤسسات أمنية لحماية النظام وليس لمهمات قتالية وطنية. تحتاج الأنظمة إلى تجديد نفسها عبر القوى السياسية الشعبية التي باتت في أكثريتها تستمد رصيدها من ثقافة المجتمع الإسلامية. الإسلام السياسي يشكل تعويضاً أديولوجياً عن مهمات كثيرة لم تنجزها الجولة الحديثة في العالمين العربي والإسلامي. تكبر قوة الإسلام السياسي كلما كانت الدولة ضعيفة الحضور والشرعية بالنظر إلى إنجازاتها في مجالات التنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان. لا أحد يجهل ان الإسلام السياسي هو تيارات عدة ومذاهب مختلفة، خاصة في المجتمعات التعددية والمتنوعة. حكم الإسلام السياسي مقلق ويستثير الخوف على الحريات العامة والفردية وعلى ثقافة الأقليات وحريتها. قيام الأنظمة على الهويات الدينية هو شكل آخر للاستبداد. لكن الاستبداد السياسي في ثوب مدني أو علماني لم يوفر في أي مكان ضمانات للحرية والكرامة.

أزمة الدولة في المشرق العربي في ان الامتيازات الاجتماعية اتخذت شكلاً طائفياً. من الطائفية السياسية المأزومة في قيادتها الوطنية نشأت ظاهرات التطرف الديني. يستحيل في عصرنا إقامة استقرار المجتمعات والدول على التوازنات الطائفية مهما كانت ثقافة الفئة المسيطرة أو ذات الأرجحية في السلطة. المشكلة في قواعد وركائز الاجتماع السياسي لا في الثقافات. عبثاً البحث عن حلول من خارج الصيغة المدنية للحكم. الصيغة المدنية تعني ان الحقوق متساوية بين الأفراد وأن الحريات متاحة للجماعات. تجربة الدول التي عززت سلطة الأقليات، بالمعنى الطائفي، هي التي سقطت من لبنان إلى العراق. انهارت سيادة هذه الدول أمام التدخل الخارجي لأن أنظمتها السياسية فشلت في بناء الوحدة الوطنية. لن يحل التدخل الخارجي هذه المشكلة بل هو يغذيها.

مناشدة الغرب المساعدة على حماية التوازنات السياسية تؤكد فشلنا في بناء الدولة الحديثة. لا يهم الغرب أبداً ان ينقذ الجماعات الأكثر ليبرالية ولا ان يحافظ على الأقليات كقضية إنسانية أو حضارية. في لبنان والعراق والآن في سوريا يسعى الغرب إلى إقامة منظومة سياسية محلية وإقليمية تحفظ مصالحه الكبرى من النفط إلى إسرائيل. الغرب ليس معنياً بطلبات التدخل أو «الحماية» أو بوقف دعمه لسياسات تسرّع الحرب الأهلية أو تهدد أمن الجماعات أو المجموعات. اللبنانيون بصورة خاصة ليس من حقهم بمرجعياتهم الدينية أو المدنية أن يخطئوا التقدير بعد ان أذاقهم الغرب هذه المرارات في محطات كثيرة منذ 1958 و1975 و1982 و2005. أميركا التي تقود المعسكر الغربي وتهيمن على السياسات الدولية الأخرى لا تسمع نداءات أو مناشدات أو اعتراضات دول كبرى. خاضت حرب احتلال العراق برغم معارضة «المجتمع الدولي» وأقرب حلفائها. لا تشعر أميركا بالحرج حين تتصدى لأي إجراء يساعد شعب فلسطين الذي يخضع لأبشع أنواع الاضطهاد في التاريخ المعاصر. مشكلتنا نحن العرب شعوباً ودولاً، جمهوراً وقادة رأي وحركات، اننا نعلق الكثير من قضايانا على توازنات الخارج وصراعات الخارج. لا زلنا نطرح مسألة الاستقلال والسيادة وكأنهما منفصلتان عن مشروعنا الداخلي. في أعماق شخصيتنا السياسية رهبة من قوة الخارج وفي أعماق تفكيرنا خلل في فهم ان المساواة في ما بيننا كأفراد وكشعوب هي المدخل الضروري للتقدم لا الاستقواء بهذه أو تلك من السياسات الدولية.

إذا كان من درس تاريخي لنا في تجارب العرب منذ أعطي لهم ان يديروا شؤونهم بأنفسهم هو أن يعوا وجودهم كشعوب لا كجماعات ما قبل الدولة. هذا هو المعنى الأصيل للثورة الديموقراطية التي علينا بلورة شروطها وأفكارها وبرنامجها والصيغة المثلى للحكم الذي يجسدها. ليس الغرب «الأب الصالح» ليقول لأي جماعة كيف تتصرف مع شركائها في الوطن في أي دولة من العالم العربي ولا كذلك أي معسكر سياسي آخر. النظام الرسمي العربي عاش في أحضان النظام الدولي وهو يدفع الآن ثمن تناقضاته. لا مخرج من هذه الآلام العربية المصاحبة لمشروع التغيير إلا في اجتراح الصيغ الملائمة لعيشنا معاً في الحاضر والمستقبل، أما الماضي فقد عصفت به حركات الشعوب ولن يقوى على تجديد نفسه لا بعنف الداخل ولا بالخارج.

==============

البطريرك وقَتَلة الأطفال !

علي حماده

النهار

10-9-2011

ما دام الشيء بالشيء يُذكر، فإننا نلفت عناية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الى ان يوم أمس الجمعة شهد تظاهرات في مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية تؤشر للمزاج العام في الوسط الدرزي في سوريا، المتعاطف، لا بل المنتمي روحاً وجوهراً الى ثورة الحرية والكرامة. فالثورة السورية ليست ثورة "إخوان مسلمين" ولا ثورة "سنّة" هدفهم ذبح الأقليات أو إقامة تحالفات عابرة للحدود. فالدروز الذين يعتبرون أقلية في الموزاييك الطائفي في سوريا ولبنان، لا يعتبرون ان الثورة في سوريا تمثل خطراً على وجودهم لأنهم يفكرون بعقلية الرواد، وحتى أنهم اعتبروا لقرون سيوف المسلمين! ومن هذا المنطلق فإن انتماء الدروز في سوريا الى ثورة الحرية ما كان ليتأخر أكثر من ذلك بالرغم من كل المحاولات التي قام بها النظام وأعوانه لزرع الخوف والهلع في نفوس بني معروف هناك، تماماً كما فعلوا ويفعلون مع المسيحيين أبناء سوريا الأصليين. في الوسط الدرزي ما نجحوا، أما في الوسط المسيحي فالكنائس توحي من خلال مواقف الاكليروس بأنه جرى زرع الخوف فيهم من "غول" اسمه التطرف الاسلامي، بحيث يصير ما تبقّى من حكم بشار الأسد عبارة عن ائتلاف أقليات يبيح له الخوف قتل الأطفال والنساء، وقصف المدن بالدبابات تماماً كما فعل الاسرائيليون في فلسطين.

كلامنا هذا هو برسم البطريرك الذي يرفع فزاعة العراق ليبرر اصطفافه بجانب النظام في سوريا، وهو العارف أكثر من غيره بما فعله النظام بلبنان واللبنانيين مداورة على مر العقود، كما انه العارف بالجرائم ضد الانسانية المرتكبة في سوريا ضد الآمنين. ومن هنا استغرابنا ان يكون حبر كبير من أحبار كنيسة أول الثوار والشهداء، السيد المسيح، حاملاً لواء شرح "إصلاحات" قتلة الأطفال في سوريا. صراحتنا المتناهية هذه يفرضها احترامنا لمقام البطريرك ولتاريخ البطريركية، ولا سيما دورها القائد في انتفاضة الاستقلال سنة 2005، والإرث الاستقلالي الذي تركه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لخلفه. فالدفاع عن نظام يقتل شعبه، وقد قتل من اللبنانيين ما لا يحصى، ليس من وظائف البطريرك الذي نأسف ان يكون كأب للكنيسة قد جانب الموقف الذي يفرضه موقع كنيسته بوقوفه مدافعاً في المحافل الدولية عن قتلة الأطفال والنساء في سوريا.

ولعل التفكير بعقلية الأقليات يدفع أصحابه الى العيش بغربة عن واقع المنطقة. فاليهود يفكرون بعقلية الأقليات في الشرق تماماً كما يريد النظام في سوريا ان يزرع في نفوس العلويين والدروز والمسيحيين لكي يحولهم مطايا لحكم العائلة الدموي. فالمسيحيون ليسوا أقلية في سوريا ولا في لبنان لأنهم أهل الدار، وأصحاب دور. ومتى خرجوا من منطق الفئة الحاملة الإرث و الدور التاريخيين ليتقوقعوا في مربع الكائنات البيولوجية التي لا همّ لها سوى ان تتنفس وتقتات، ساروا على طريق الاندحار والزوال.

إن الثورة السورية هي ثورة حرية وكرامة، وأملنا ان يعي البطريرك الجديد ان مناصرة قتلة الأطفال في سوريا لن تحمي المسيحيين في سوريا ولا في لبنان، بل العكس تماماً.

==============

إسلاميو النموذج التركي... لتفاهم مع أميركا!

سركيس نعوم

sarkis.naoum@annahar.com.lb

النهار

10-9-2011

لا يشك أحد في ان الاسلاميين على تنوعهم، من سلفيين و"اخوان مسلمين" ومعتدلين ومتشددين لا يؤمنون الا بالعنف والتكفير، موجودون في العالمين العربي والاسلامي. ولا يشك احد ايضاً في ان حجمهم غير صغير وفي انه يكبر، وخصوصاً في ضوء الحوادث والتطورات التي شهدتها دولهم والمنطقة كلها خلال عقدين مضيا ولا سيما بعد ارهاب 11 أيلول 2001 على اميركا، ثم بعد اندلاع الثورات الشعبية في دول عربية عدة. وقد يكون الحبل على الجرار. طبعاً لم تكن المشاركة او الممارسة السياسية لهؤلاء مساوية لاحجامهم المتنوعة بدورها، وذلك بسبب قمع الانظمة في العالمين المذكورين اعلاه لهم. وهو قمع لم يقتصر على دول سمّت نفسها تقدمية وقومية ومدنية واحياناً "علمانية"، وسماها الاسلاميون مرتدَّة او خائنة لدينها، بل شمل ايضاً دولاً تُحكَم انظمتها باسم الشريعة. إلا ان قمع هذه الاخيرة اقتصر على التكفيريين العنفيين ("القاعدة" مثلا)، وكان هدفه المحافظة على الانظمة وعلى التحالفات الدولية. لكن الانظمة بقيت على تشجيعها للاسلاميين... خارج بلدانها.

ولا يشك احد ثالثاً، في ان الدول الكبرى وفي مقدمها اميركا تراقب هؤلاء واحجامهم وادوارهم وطموحاتهم، وتدرس مع القوى الاقليمية الحليفة لها ماذا يمكن ان يُفعَل معهم، وهل يُعتَمد التعاون معهم او الاصغاء أو الرفض والقمع. ولذلك يبدو مفيداً معرفة كيف يفكّر الاميركيون في هذا الموضوع، علماً انهم لا يستطيعون التهرّب من مواجهته.

هل من معلومات عن رؤية اميركا لهؤلاء؟

المتابعون الدقيقون من واشنطن لما يجري في المنطقة يقولون ان اميركا تعترف بأن الاسلاميين هم من دون ادنى شك عامل مهم في مصر، وانهم قد يفوزون في الانتخابات التشريعية المقبلة بما نسبته اربعون في المئة من مقاعد مجلس الشعب، طبعاً اذا كانت الاخيرة حرّة ونزيهة. لكنهم يقولون في الوقت نفسه ان اميركا تشعر بالقلق جراء ذلك. ولهذا فإنها تضغط على السلطات المصرية وإن "انتقالية" لتأخير موعد الانتخابات المشار اليها، وذلك للافساح في المجال امام الاحزاب الاخرى غير الدينية وأمام تجمعات وحركات الديموقراطيين والليبراليين كي تنظم نفسها وتعد حالها لمشاركة جدية وناجحة فيها. اما في سوريا فقد يصبح الاسلاميون عاملاً مهماً اذا سقط نظام آل الاسد، او اذا نُفِّذ إصلاح حقيقي أدى في النهاية الى انتخابات تشريعية حرة ونزيهة والى اشتراك هؤلاء والآخرون فيها.

لكن اميركا تعرف، استناداً الى المتابعين انفسهم، ان سوريا الاسد لن تنفِّذ إصلاحاً جدياً يوصل الى نتيجة كالمذكورة. ولذلك لا يمكن النظر الى مستقبل الاسلاميين في سوريا إلا في ضوء تغيير النظام الحالي فيها او سقوطه. وأعدادهم تستمر في التصاعد بسبب استمرار القمع "البربري" لهم وللناس الآخرين في الشارع السوري. إلا ان احداً لا يعرف بدقة حجم قوتهم الحالية، وما هي النتيجة التي قد يحققونها في اي انتخابات تشريعية مقبلة. طبعاً تبقى دول عربية اخرى فيها اسلاميون ناشطون، كليبيا مثلا، لكن هؤلاء على اهميتهم قد لا يكونون مؤثرين كثيراً بسبب التركيبة القبلية للشعب الليبي ولشعوب اخرى. والانتماء القبلي يبقى الاقوى".

هل من شيء لافت في موضوع "الاسلاميين" في العالمين العربي والاسلامي المشروح اعلاه؟

اللافت، يجيب المتابعون الاميركيون من واشنطن اياهم، هو مواظبة هؤلاء الاسلاميين، وطبعاً ليس كل الاسلاميين، واصرارهم على التوصل الى تفاهم مع اميركا عبر "تركيا الاسلامية" اي حكومة اردوغان وحزبه. وهم يصرّون في كل اتصالاتهم المباشرة وغير المباشرة على انهم ليسوا عنفيين، وانهم البديل من "القاعدة" وكل التنظيمات المشابهة له من حيث العنف والتكفير والارهاب. وتركيا المذكورة تتعاطف مع مطلب هؤلاء، وتلفت واشنطن الى ان النموذج التركي الاسلامي الحديث يمكن اعتماده في مصر او سوريا. طبعاً لاميركا شكوك في ذلك وهي "مشروعة". لكنها تستمع وتحاور وتسعى لوضع الاسلاميين امام الاختبار. اما تركيا فهي ترغب ومن دون ادنى شك في رؤية انظمة مشابهة لهم في اكثر من دولة عربية او اسلامية، ولا سيما مصر وسوريا لأن من شأن ذلك تقوية قدرتها على ممارسة دور مسيطر او مهيمن في المنطقة، وتالياً على الوقوف بنجاح وقوة في وجه الجمهورية الاسلامية الايرانية. طبعاً لا تستطيع اميركا، يتابع هؤلاء، القيام بأي شيء عملي حيال هذا الموضوع. ذلك انه يتعلق اساساً بالانتخابات التشريعية المصرية وبتطور الثورة السورية.

كيف تشعر ايران الاسلامية حيال كل ذلك؟

==============

الثورة السورية و«مسيحيو الشرق»

عريب الرنتاوي

الدستور

10-9-2011

القلق من تداعيات الأزمة السورية على المستقبل والمصير، لا يصيب مسيحي سوريا فحسب، بل ويمتد بشكل خاص إلى لبنان، وإلى مسيحيي المشرق بعامة...ولهذا القلق ما يبرره، ولا يجوز تحت أي مبرر أو ذريعة، تجاهله أو التقليل من شأنه، أو تحويله – أحيانا – إلى ذريعة للانقضاض عليهم...وفي هذا السياق، يجدر تأمل ما يقوله البطريريك الماروني بشارة الراعي حول هذه المسألة.

 

يخشى «البطرك» على مسيحي سوريا من مصير مماثل للمصائر التي آل إليها مسيحيو العراق: قتل وتشريد وإحراق كنائس وتفخيخ أديرة...القوى التي فعلت ذلك في بلاد ما بين النهرين، لها ما يماثلها ومن يمثلها، في بلاد الشام، وهي وإن كانت ذات حضور أقل في المشهد السوري حتى الآن، قياساً بحضورها العراقي السابق، إلا أن أدوارها في تنامٍ مستمر، يوماً بعد آخر، حتى أن الرئيس الروسي ميدفيدف تحدث شخصياً وعلناً، عن «اختراقات» أصولية إرهابية للثورة السورية.

 

ويمتد قلق «البطرك» إلى لبنان، فهو يحذر من «حلف سني» يحكم البلدين المرتبطين بوحدة المسار والمصير: سوريا ولبنان، يستقوي به سنة لبنان على شيعته، إن قُدر للنظام السوري أن ينهار وأن يأتي بدلا منه، نظام حكم إسلامي، بطبعة إخوانية أو غير إخوانية...إن حصل ذلك، وقع الاستقواء، وانزلق لبنان إلى أتون مواجهة (حرب) مذهبية، سوف تجرف المسيحيين إلى خنادقها في نهاية المطاف، مهما استمسكوا بأهداب «حيادهم الإيجابي».

 

«البطرك» كسَلَفِه، لم يكن يوماً «سوري الهوى»، إلا أنه بخلاف سلفه، يتبنى نظرة لمسيحيي الشرق، تتجه بهم للتكيف مع بيئتهم والاندماج بها والتعايش معها، بدل النظرة المتطرفة التي تبنّاها البطريريك صفير، والتي جعلت منه، رأس حربة ضد سوريا وحزب الله، وامتدادا «روحيا» لسمير جعجع وقوى 14 آذار...الصرح البطريركي يعيد قراءة المشهد اللبناني والإقليمي بعد انتخاب البطرك الجديد، وهو في قراءته الجديدة، يبدو أكثر توازناً وانفتاحاً واعتدالاً....أحدث العلامات اللافتة في موقف البطرك الجديد، ربطه مصير سلاح حزب الله بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا اللبنانية المحتلة، والأهم، تمكين الفلسطينيين في لبنان من ممارسة حقهم في العودة إلى وطنهم.

 

مواقف الكنيسة المارونية هذه، جاءت لتعزز مواقف تيار نافذ في أوساط مسيحيي لبنان، التيار الوطني الحر (العوني)، الذي يتبنى عموما نظرة شرقية (وليس استشراقية) للمسألة المسيحية، يرفض استعداء سوريا برغم التاريخ الدامي لعلاقته بها...يرتبط ب«حلف فضول» مع حزب الله، ويرى مستقبل مسيحيي المنطقة بالتعاون والتعايش مع أهلها وشعوبها وطوائفها ومذاهبها، من إيران إلى سوريا، مرورا بتركيا ومصر وما بينها من ألوان وأقطار وخصوصيات وحساسيات.

 

أما التيار النافذ الثاني في أوساط المسيحيين اللبنانيين (الكتائب والقوات)، ومن موقع تحالفه مع الحريري والمستقبل، ومن خندق العداء لسوريا واستعداء حزب الله، فقد حمل على مواقف الكنيسة، وربط مصير المسيحيين في سوريا والمنطقة، بمصير الثورة السورية، لا بمستقبل النظام السوري، متسائلاً عن «الحكمة» في ربط مصير المسيحيين بمصائر نظم توتاليتارية كنظام بشار الأسد...إلى غير ما هنالك من أطروحات يخالف باطنها ظاهرها، الأخير فيه الرحمة والأول فيه العذاب.

 

وإننا حقاً، لنجد صعوبة في «تصديق» أطروحات هذا الفريق عن «ثورة المسيحيين» أو «المسيحيين في الثورة السورية»...لسبب بسيط هو أن هذا الفريق سبق له وأن ربط مستقبل مسيحيي لبنان بإسرائيل، ودشّن أوقح صفحات التعاون والتنسيق الأمني والعسكري مع تل أبيب، وخاض حرب لبنان الأهلية، بدعم من إسرائيل، ماديا وسياسيا وتسليحيا...هذا الفريق من مسيحيي لبنان، لديه هدف واحد فقط، ومن أجل تحقيقه يبدو كل شيء مبرراً، حتى التعامل والعمالة، أما الهدف فهو ضرب المقاومة الفلسطينية ابتداء والحركة الوطنية اللبنانية ثانياً، والمقاومة اللبنانية في نهاية المطاف، فإن تم ذلك بالتحالف مع سوريا (كما حصل في حرب السنتين 1975- 1976) كان به، وإن استلزم تحقيق الهدف، استدعاء إسرائيل (كما في حرب الاجتياح والحصار 1982)، فلا بأس.

 

الجدل في أوساط مسيحيي لبنان وسوريا والمنطقة، ينبغي أن تُصغي إليه مختلف القوى والفاعليات الأساسية..وبالأخص الحركات الإسلامية التي تضطلع بدور قيادي في إدارة دفة الثورات العربية (السورية بخاصة)...لا يكفي ترديد بعض المواقف العمومية والأمثلة التاريخية، القديمة والحديثة، التي باتت ممجوجة لفرط تكرارها...المطلوب خطاب سياسي، مشفوع بممارسة عملية، تبعث الطمأنينة في نفوس هؤلاء...وتقطع الطريق على أي احتمال لإعادة انتاج «سيناريو العراق» الدامي في سوريا...جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، مطلوب منها دور مضاعف في هذا السياق، لأنها أكثر الحركات الإسلامية المشرقية عقلانية من جهة ولأنها صاحبة النفوذ الكبير في حراكات الشارع الشبابية والاجتماعية من جهة ثانية...لكننا من أسف، لا نرى الجماعة تبذل جهداً مناسباً لتبديد المخاوف والأوهام والصور النمطية، وبدلاً من ذلك نرى بعض كتابها والناطقين باسمها، يشنون هجوماً على مواقف الأقليات من الثورات، لكأن مخاوف هذه الاقليات لا قيمة لها ولا مبرر لوجودها، أو لكأنه لم تجر دماء كثيرة من عروق المسيحيين في العراق، بالأمس القريب، وحتى اليوم، وربما غداً كذلك، فالمسلسل لم تكتمل حلقاته بعد.

==============

سوريا..

السبت، 10 أيلول 2011 02:30

السبيل

المحامي هاني الدحلة

سوريا قلب العروبة النابض ومهد الثورات والانقلابات والنهضات لم تعد كذلك، فمرور أكثر من أربعين عاماً عليها في ظل حكم فردي جعلها كالبحيرة الراكدة مياهها غير صالحة للشرب.

وعندما قامت الانتفاضات العربية في تونس ومصر في أوائل هذا العام ظن الكثيرون أن سوريا بعيدة عن حدوث ذلك فيها، ولكن الشعب السوري أثبت أنه لا يقل شجاعة ووطنية وتطلعا إلى وضع عربي جديد يعطي سوريا دورها العربي الذي لا يجوز لها أن تتخلى عنه. وهكذا اندلعت التظاهرات فيها.

والملفت للنظر أن هذه التظاهرات بدأت من الجنوب ومن درعا، مع أن من الأفكار السائدة أن الثورات والانتفاضات تبدأ عادة من العاصمة أو من الشمال، ولكن ذلك لم يمنع الأحرار من أهالي درعا من بدء الانتفاضة السورية في بلدهم.

ثم انتقلت هذه المظاهرات حتى شملت كل مدن وقرى سوريا بما فيها دمشق التي تأخرت المظاهرات فيها بشكل يدعو للتساؤل، ولكن دمشق تنبهت لدورها فمارسته بجدارة وتصدرت الأحداث.

ولكن المؤسف أن السلطة هناك في سوريا ردت على المظاهرات بالعنف، وبدلاً من الاستجابة لمطالب الناس وتبنيها لأنها كانت في بدايتها تدعو للإصلاح، قمعتها بالرصاص وسقط مئات القتلى والجرحى لمجرد مطالبتهم بالإصلاح.

وكان رد فعل الجماهير عنيفاً أيضاً، فقد استمرت المظاهرات رغم الاستبداد وسقط آلاف القتلى والجرحى من الجماهير العزلاء من أي سلاح سوى سلاح الإيمان والكرامة والدفاع عن الوطن والمبادئ، وبدلت الجماهير طلبها من الإصلاح إلى إسقاط السلطة وأصبحت المعركة بين طرفين كل منهما متمسك بمطالبه، ولا حل إلا بانتصار أحد الطرفين..

إننا من منطلق المحبة لسوريا وشعبها نتمنى أن تنتهي هذه الأحداث بما يحفظ لسوريا وحدتها وحريتها واستقلالها ويعيد الهدوء إلى ربوعها.

==============

صفحات غير مقروءة من 'كتاب الرمل' السوري

منصف الوهايبي

القدس العربي

 واقع سحري حقا هذا الذي تعيشه سورية منذ بداية الحراك الشعبي فيها. واقع أشبه بقصّة خورخي لويس بورخيس الشهيرة 'كتاب الرّمل'، وهو كتاب له بداية ككلّ الكتب ولكن ليس له نهاية.. يتصفحه بطل القصّة ويصفه وصفا واقعيا حتى ليذهبنّ في الظن أننا نقرأ قصّة واقعية، على أنها واقعية شديدة الغرابة، فلا يكاد البطل يُنهي قراءة صفحة ذات رقم محدّد، ويغلق الكتاب حتّى يجد نفسه عاجزا عن العثور على تلك الصفحة ثانية. وهكذا دواليك والنتيجة هي هي.. فهو يقرأ ولكن دون أيّ إمكان لاستعادة ما قرأ، وكأنّ الكتابة مثلها مثل الصّوت محكومة هي أيضا بسرعة العطب والزوال.

ربّما كان من مقاصد الكاتب في هذه القصة غسل بصيرتنا من شريط الألفة الذي يحجب عنّا غرابة العالم الذي نعيشه فيه، فما نتوهّمه حكمة ونظاما قد لا يكون سوى عَمَاء وفوضى. وربما كان من مقاصده الإيحاء بلا نهائية المعرفة حيث لا شيء سوى الوقوف على تخوم الرعب والعدم والتلاشي. ولذلك كان 'كتاب الرّمل' كتابا بلا نهاية أو نوعا ممّا كان يسمّيه القدامى 'علم الرّمل'، وهو بحث عن المجهولات أو فيها بخطوط تُخطّ على الرّمل وتمحى ثم تُعادُ.. على نحو ما كان يفعل شاعرنا الكبير المغمور ذو الرمة:

عشيّةَ ما لي حيلةٌ غير أنّني بلقط

الحصى والخطّ في الترْب مولعُ

أخطّ وأمحو الخط ثمّ اعيده بكفّيَ

والغربان في الدار وقّعُ

أما الذي قدح في ذاكرتي قصّة بورخيس، فهو هذا الواقع السوري'السحري' الذي يلابس في غرابته عوالم الحلم والكابوس وما يخرج عن الواقع المألوف من رموز وأساطير نجدها فجأة تثور في مكامنها وتهبّ من رقادها وتطالب بحقّها في الحياة ثانية، في زمن ليس بزمنها. فقد رسم النظام تفاصيل قراءته هذه 'الثورة' في مشهد تلفزيوني في غاية البساطة.. بل في منتهى السذاجة والسخافة والاستخفاف بالعقول؛ فهو لا يقتلُ ولا يقتّل، وكأنّه كليل النفس، ناضب المعين، أو هو لم يُرزق حظا من خيال.. أوكأنّ البلاد خلت من جنودها وحماتها؛ وإنّما هي 'الشبّيحة' التي تفعل ذلك كلّه في وضح من نهار. ولقد زاد ذلك من غرابة المشهد مقارنة بما كانت عليه سورية قبل هذا الحراك: بلد 'آمن'، تستطيع أن تتسكّع فيه أو تتجوّل دون خوف من شبّيحة أو من عصابة أو من قطاع طرق.

وقد كنت الصيفَ الماضي في طرطوس وجبال العلويّين ودمشق، ولم نر أيّ أثر لهذه 'الشبّيحة' ونحن نسهر إلى ساعة متأخرة من الليل. أمّا اليوم فيشتبه عليك الشيء ونقيضه.. أليفه وغريبه، فهما يتداخلان ويطلاّن برأسين في اتجاهين ، فلا تميّز هذا من ذاك. وربّما سلّمت بأنك واقع لا محالة تحت كابوس مرعب، ثمّ أعقب هذا المشهد مشهدُ قتل الناس والتنكيل بهم.

وهل ثمّة هدف من هذه 'الشبيحة' ومن إثارة نعرات'طائفيّة' لا أحد يلحظها في سورية حيث لا تفرّق بين سني وعلويّ ودرزي ومسيحي وفلسطيني وكردي..غير تهييج خلايا 'الملل والنّحل' الثاوية في بطون الكتب من مرجئة وخوارج ومعمّرية وخطابية وجناحية وظاهرية وقشرية.. وما إليها من طوائف الغلاة والنزعات العدمية؟ وربّما سلّمت أيضا بأن قاطع الطريق الذي يفصح عن هويته حالما يباغتك في مفترق مظلم، خير من السفاك الذي يأتيك في مسوح الرهبان ثم يرتكب جريمته وهو هادئ السّرب وادع النّفس!

رفع السوريّون شعارا يقتلنا نحن مثلما يقتلهم 'صمتكم يقتلنا'.. فلا تكبيت ضمير ولا وخز ندم.. ونحن نرى ما نرى..وكنّا نأمل أن تبادر تونس ما بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011 بإدانة هذا الصمت العربي المقرف.. لا صمت الأنظمة فهي والحق منسجمة مع سياساتها، وإنّما صمت شعوبنا ونخبها. وحسنا إذ استفاق العرب الذين يحضنون آبار النفط كما يحضن الطير بيضه، ويرخّمون عليها للتفريخ كما يرخّم، ويفقسونها كما يفقس؟! وعسى أن تدرك أنظمتهم أنّها لن تكون بمنأى عن هذا 'الربيع العربي' الزاحف بقوّة تسونامي.. وإنّ 'اليوم' لناظره قريب.

ودعك من أمريكا، فهذه الكلمات 'تكبيت الضمير ووخز الندم' كلمات وسخة في عرف السيد الامريكي في ما قرأت وأفكار شرّيرة فاسدة مخرّبة ترتبط بالمناورات والمعاملات المنحطة أو هي تتذرّع بها.

وليس ثمّة شيء يخشاه أهل أمريكا الشمالية مثل المناورات كما تقول الكاتبة والشاعرة الأمريكية أدريان ريتش 'لأنّنا نحن الأمريكان ندرك على مستوى ما أنّنا ننتمي إلى نظام فارق في المناورة'.

تتابع ولا تزال صفحات من 'كتاب الرّمل' السوري وقبله العراقي.. وكلّ صفحة تنسخ سابقتها وتمحوها.. في بلد أنهكه الفساد والبطش ولم تنهكه الحرب، فلا أحد يفكّر في الجولان المحتلّ، وما تزال جراحه تدمى.. ولعلّ هذا ما يجعل أمريكا رغم تصريحات السيّدة كلينتون الرنانة، تفضّل بقاء النظام الحالي،لكن مع مسحة رتوش

وماكياج لابدّ منها،على نحو ما يفعلون بوجوهنا قبل أن نُدفع إلى البلاتوهات في

البرامج التلفزيونيّة: تلميع صورنا بالبودرة، ومسح حبّات العرق عن جباهنا، حتى نظهر بمظهر لائق.

كم أتمنّى لو يقرأ الرئيس أوباما(وهو من الرؤساء القرّاء) كلمات جوليا دي بورجوس : 'كان جدّي عبدا. ذلك هو حزني. ولو كان سيّدا لكان ذلك عاري!'.. ولو قرأها حقا، واستوعبها حقا، لربما منح وجهه وعينيه وجلده رعشة الانسان الطبيعية، وأدرك كم هو قريب من هؤلاء السوريّين الذين احتجزهم نظامهم قبل أن يقفوا مدفوعين مصدودين على عتبة البيت الأبيض حيث يبدأ تقويم الزمن الأمريكي.. بله الزمن العالمي السوريين الذين تتلوّى أيديهم في درعا وحمص واللاذقية ومعرّة النعمان وحماة وحلب... أقواس دوائر أو في هيئة أجنحة تتلهّف للطيران.

فلربّما عقد مصالحة مع الشام وما يتبقّى من أشجارها ومنتزهاتها، بعد رحيل النظام، وهو راحل لا محالة. أليست الثقافة الأمريكية 'ثقافة حقوق الانسان؟' أليست هي التي تدعو الى احترام الكائنات الحيّة؟ والسوريّون ينتمون إلى هذه الكائنات على ما نظن.

قد لا يساورنا شكّ في أنّ أمريكا إله بقناع 'إنسان' يسيطر سيطرة تامة على كون صنعته الفيزياء والكيمياء والرياضيات (وقد يحظرها في مدارسنا وجامعاتنا فقد تفرّخ علماء صغارا يفرّخون بدورهم أسلحة دمار صغيرة لا يمكن العثور عليها أبدا) إله لا يستهان به أمريكا،، فهو خطة الكون ونظامه الذي يسوطُ الأجزاء ويسوسها حتى تنضوي للكلّ وتنصاع.. إله يقدّم لنا فرصة أن نتعلّم الديمقراطية ونتهجّاها حرفا.. حرفا.. جرْسا..جرْسا..بالانكليزية الأمريكية طبعا.. وربّما اضطررنا الى إجراء أكثر من عملية جراحية على حناجرنا المتعودة على الضّاد، وتفخيم الأصوات الرقيقة كأن تجعل الكاف قافا والتّاء طاء.. وذلك حتى ننطق بالديمقراطية كما ينطق بها إلهُنا الجديد.. والويل لنا إن نحن خرقنا إرادته، فأمريكا قادرة على أن تحيي العظام وهي رميم ..أمّا لماذا لا يأبه بها ولها النظام السوري،فذلك شأن أمريكيّ خاص.. وسرّ سوريّ خاصّ يطوي عليه 'الحاكم بأمره' صدره، وهو يتنزّه على ضفة النهر حيث لا يعكس الماء إلاّ صورة الحمار.. أغلق 'كتاب الرّمل' السوري. ثمّ أتذكّر أنّي نسيت جملا أخرى في صفحة بعينها.. أفتح الكتاب ثانية.. ولكن دون جدوى.. أتذكر فقط ما رواه لي شاعر عراقيّ من أن جدّته كانت أعزّ أصدقاء، طفولته، منذ أن حاولا معا إنقاذ السندباد من الجزيرة المهجورة.. وأنه استيقظ صارخا عندما حلم بموت أمّه.. كما صرخ عندما انسربت بالونته من بين أصابعه وطارت بعيدا.. ذات صباح جمعة.. قد لا نحتاج نحن الذين يقتلنا صمتنا، حتى ندرك حقيقة ما يقع في سورية، إلى أكثر من البراهين العمياء.. براهين حواسّنا.. وقد آن لنا نحن الذين يخزينا صمتنا أن يستيقظ شيء ما فينا وفي ركام تشابيهنا واستعاراتنا وأن يغسل ظلال الليل الذي يحفّنا.

في تونس، كان انتحار البوعزيزي، القشة التي قصمت ظهر النظام.. أما في سورية فلم يبق للشعب السوري من خيار سوى الانتحار الجماعي، حتى يتحرّر منه النظام الذي سيجد نفسه إذا واصل قتل الناس وتقتيلهم بلا شعب يحكمه.

==============

مشاهد من قيامة دمشق

الجمعة, 09 سبتمبر 2011

جلال عمران *

الحياة

من يزور دمشق اليوم عليه أن يراها بعينين مختلفتين، العيون القديمة لن تستطيع أن تجاري المدينة الثائرة على عقود من تاريخها. كلّ شي مختلف: الشوارع، اللافتات، الأحاديث، نظرات الناس... حتى الهواء تختلجه نسمات جديدة. العاصمة السورية، التي تختصر البلاد بتنوّعها وتناقضاتها، لم تستطع أن تحبس الوجع السوري، وبعد شهور من الحرقة والخجل من عجزها، غصّت أمّ السّوريين.

«من أين أنت؟»، سؤال لطالما اشتهر به لبنان، حيث «قل لي من أين أنت أقل لك من أنت». هذا السؤال لم يغب عن التفكير أو اللسان السوري سابقاً، لكنّه يتقدم بوضوح مؤخراً. كل حديث سياسي يبدأ بهذا السؤال، وكلّ حديث الآن يبدأ أو ينتهي بالسياسة، مكوّنات الشعب السّوري يتعرف بعضها اليوم إلى بعض، وتتعرف إلى نفسها أيضاً.

للسبب ذاته على الأرجح، هناك حرص من قِبَل كثيرين على إظهار لهجاتهم بوضوح، فبعضها - وخاصّة لدى المغالي في إظهارها- يوحي فوراً بانتماء سياسيّ معيّن، والبعض أيضاً يتصنّع، متمثلاً اللهجة التي تماهت - لسببٍ ما - مع اللسان السلطويّ - الأمنيّ تحديداً. الرموز الدينية امتدت إلى الأيدي والأعناق، وفي التاكسي أيقونات تشير إليك ماذا يجب أن تتكلّم أو تمسك، بعضها يقول لك فوراً «حذارِ والخطأ»، وبعضها الآخر يقول «خلّيها للرحمن».

صور في كلّ مكان... على زجاج السيّارات، اللافتات، لوحات الإعلان، واجهات المؤسسات وبعض المحلاّت التجاريّة... مئات الأعين ترقبك من كلّ الاتجاهات. تلمع في الذاكرة صورة «الأخ الأكبر» (القائد) التي كانت تطارد «ونستون سميث» في رواية «1984» البديعة لجورج أورويل «الديستوبيا التوتاليتارية الشهيرة تعمل أعمالها في الذاكرة». تحضر المشاهد «الأورويليّة» أنّى وقعت العين، وترتسم ابتسامة على الوجه حين تتذكّر شعارات الحزب القائد في الرواية (وللمصادفة هي ثلاثة أيضاً: «الحرب هي السلام»، «الحريّة هي العبودية»، و«الجهل هو القوة»)...

الممانعة والتأليه يشرحان الشّعارين الأوّلين. الجهل هو القوّة؟! نعم، التجهيل – القمعيّ قبل الإراديّ - هو سرّ السكوت عن سفاهة الشعارين السابقين. طوال العشر سنوات، والأربعين سنة الفائتة عموماً، كانت عبارات منمّقة سمجة – سجّلت ليزا ويدين جزءاً كبيراً منها في كتاب «السّيطرة الغامضة» - تغطي عجز العموم السوري وخوفه. هذان الأخيران لم يُجهَز عليهما حتى الآن. بعد أكثر من عشر أعوام، فات «ليزا» الكثير من إبداعات زماننا. انتقلنا من أسطورة «الرئيس والحاشية» التي وسمت العقد الأخير إلى عبارات جديدة اليوم. «ضِعنا» هي إجابة سائق تاكسي - يتضح لاحقاً إن أصحاب هذا المصطلح معارضون - إلى حين يتيقّن موقفك جيّداً. بين «الجزيرة» و «السورية» يضيع الواحد. لهذه العبارة جدليّتها الحاضرة فوراً على لسان أصحابها، فلكلّ شهيد نظير، ولكلّ فيديو نظير، ولكلّ كذبة إعلامية نظير...

الحرب التلفزيونية تجاري تلك القائمة على الأرض، توازيها في الإلغاء تحديداً. كل شي «مفبرك»، حتى يصل الأمر ببعض أنصار السلطة - وكلّهم مدافعون شرسون عن القذافي طبعاً - إلى حد تكذيب وصول مناهضي القذافي إلى الساحة الخضراء. «إيّاك أن تصدّقهم، كل هذا فبركة»! حالة من الإنكار المستطير، كل شيء مفبرك، وكل من ينقاد وراءه مفبرك بالنتيجة، ولا وجود إلا لحقيقة واحدة: «خلصت». في المجالس «الوطنية» هناك من يختلس النظر على رأس كل ساعة إلى إحدى القنوات «المتآمرة»، «لنر إلى أين يريدون أن يصلوا» بحسب بعضهم، ومنهم من يريد أن «يعرف عدوّه»... قليلاً ما يعير الآخرون – المعارضون - اهتماماً ل «قناتهم الوطنية». جميعهم مشغولون بمشاهدة «التجمعات الصغيرة التي انفضّت من تلقاء نفسها» - عبارة التلفزيون السوري -.

وعلى محطّات أخرى، تراجعت أغاني «فيروز» الصّباحية من الإذاعات، وتقدّمت تلك التي تتغنى بالأمجاد، بالجيش، والقائد... وبأن «سورية بخير»، وكأن شيئاً لم يكن. طبول وزمور تحاول أن تغطي آهات البلاد. غاب عن قارعي هذه الطبول أنّ آهات المخاض هذه لن يغطّيها حتى الخروج ب «أكبر طبل في العالم». كيف تكون سوريا بخير عندما، أقلّه، نسمع يوميّاً عويل أمهات وعائلات أفراد الجيش؟ الهستيريا تتجلى أيضاً بادعاءات عنترية بإخضاع تركيا، أميركا، أوروبا، الخليج... والعالم كلّه. لا غرابة في ذلك عندما نكون في أيّام ابتلاع القارّات. هاجس هؤلاء إعادة كلّ شيء إلى القمقم. الضِّيق واضح على الأوجه، وعلى اللسان يتفجر رغباتٍ فاشيّةً، ك «سحق المتظاهرين» و «هدم الأحياء».

«كلاب»، «سحق»، «خونة»، «شعب غبي» - وغالباً ما يستبدل الغباء بالتبهيم - وغيرها من الكلمات الفاشية، هي اليوم تتردد على ألسن من يمكنهم الحديث السياسي بصوت عال. الأهم: «حريّة ماذا؟ هل يريد أن ينام معها في الشارع يعني؟»، يقول سائق التاكسي. هذه واحدة من عبارات كثيرة تعيّب المتظاهرين جنسيّاً. شيء ما يؤكّد نظرية فيلهلم رايخ بأنّ أيديولوجيا الجمهور الفاشي وسلوكه لهما جذور في قمع الحريّة الجنسيّة. على هذا الأساس، ليس غريباً إذاً استهداف المعارضين والمعارضات السوريين بأعراضهم من قبل إعلام السلطة وجمهورها، وتحديداً النساء، فالخارجة على السلطة خارجة على الشرف. أيّها المعارض، كيف تنتهك حرمة النظام؟!

في الأحياء «المُنعَم عليها» تسمع من أصدقائك من يقول: «في شوية تظاهرات، بس بالميدان، مو جوّات الشام». للتظاهرات اليوم أن تقصّ علينا كيف أخرجت الميدان إلى خارج دمشق... في «باب توما» القريبة، لا يصل صوت «الميادنة» إلا لمسامع قلّة... لكنّ من يقصّ علينا هذه الحكاية؟ بعد خمسين عاماً، هل تحكي لنا القيادة العلمانية للدولة و «المجتمع» كيف سُوّرت الأحياء والمناطق - والنفوس أيضاً - بالخوف، بدل أن تهدم الأسوار الموجودة! أحصنة طروادة عاجزة عن الدخول، فحرّاس الخوف ساهرون... السلام والأوسمة لكلّ «الخونة» الذين يحاولون فتح باب توما- وكلّ أبواب البلاد- من الداخل.

النائمة المكبّلة بالسّلاسل، التي جعّدت وجهها بيوت البؤس العشوائية، تفتح عينيها، المدينة تشبّ بعد أن شاخت، ومن تجاعيدها يُنفَخ الصّوْر، و كما بدأت تتحرر من السّلاسل العسكرية، ها هي تنفض عنها وَسَنَ ال «نيو» ميركانتيلية وتستعيد الرّوح... ما قد يسوؤك منها جميل! هي دمشق، حتى بعلّة تجاريّتها، تطمئنك... تقول لك بأنّها ستبقى المدينة التي لن ترضى الفوضى، ولن تستسيغ الانغلاق!

من هؤلاء؟ من أين خرجوا؟ ورشات عمل سياسي، شباب بأسماء مستعارة –أم هذه هي أسماؤهم الحقيقية وتلك كانت المستعارة - ومعارضون لا يرون الشّمس، لا يعرفون ما اللّيل وما النهار... في إحدى غرفهم، تتأكّد أنّ «حاجّ» الانتفاضة هو أحد شبابها –وحكيمهم - ومن أمله الواثق تتيقّن أنّها فعلاً «خلصت». شباب بعيون حالمة، قلوب تختبر اليوم شجاعتها، وأرجل تصارع للخروج من الدماء المتحرّكة. يجمعك بهم احساس غريب بالتضامن مع هؤلاء، يكفي وجودهم في المكان عينه كي تتعرف إليهم. لا داعي لتعرف أسماءهم... من وجوههم، قبل كلماتهم، تتعرف إليهم.

دمشق قامت، حقّاً قامت! التي تراءت لناظريها طويلاً مدينة من العشب المسحوق تسفر اليوم عن أزهارها، وبالأخصّ عن زهراتها. كلّ حرّ في دمشق الآن هو عاشقٌ لمئات، هو دون جيوفاني، فموزارت جالس هناك، يعزف للحرية في «جنينة السّبكي».

اليوم بدأ ربيعكِ يا دمشق، ويا أزهار دمشق هذه الدماء ليست سوى ندى انعتاقك، قبّليها، ودّعيها، ثمّ انفضيها عنك... إنّي أشتمّ عبير الياسمين!

* كاتب سوري

==============

هل سوريا على طريق ليبيا؟

محمد الرميحي

الشرق الاوسط

10-9-2011

بازدراء وحشي للحياة، استل أحد الجنود مسدسه، ثم أفرغ عددا من الرصاصات في شبه جثة تلفظ أنفاسها، فأحالها إلى جثة هامدة، هكذا شاهد العالم مقتل واحد فقط من الآلاف من المواطنين العزل الذين قضوا في سوريا حتى الآن، القتل هو سيد الموقف.

الثورة الليبية انتهت إلى مشهد هروب القذافي، والثورة اليمنية في طريقها إلى النهاية، بعد قبول علي صالح التنحي وترك الشعب اليمني يقرر مصيره. ما نتابعه الآن في صنعاء وطرابلس الغرب هو التفاصيل التي يبدو أن سيناريو الرحيل الأخير للنظامين قد أزف.

تبقى سوريا من جملة ما بقي من «ربيع العرب» وهي للعجب مختلفة ومتشابهة مع صنعاء وطرابلس. التشابه واضح في كل عواصم ربيع العرب (العامل المشترك) هو التوريث للبلاد والعباد، والفشل في إقامة مجتمع عادل، قبله حالة من الإنكار المرضي بأن كل شيء على ما يرام!

التفاصيل مختلفة ولكنها تتقارب. في الموضوع الليبي هناك عوامل التوريث، وجنون العظمة عند الرجل الذي فقد عقله، وأيضا القمع. ما فك الشفرة الليبية هو ثورة الناس البسطاء على القمع، وموقف حازم نسبيا من الجامعة العربية، اتكأت عليه القوى الدولية في مجلس الأمن، فكان التدخل الأطلسي، الذي ساعد كثيرا في حسم الأمر وحقن بعض الدماء؟

في الحالة السورية المعادلة واضحة، شعب يطلب الحرية ويقدم قوافل الشهداء في كل طلعة مظاهرة وغروب شمس، وهي ثمرة لحركة داخلية في مجتمع تجاهلت مطالبه لنصف قرن، إلا أن مخرز القوة القمعية السورية أقوى بكثير من عين الجماهير السورية، وإن تُركت الأمور كما هي، لن تنتصر العين على المخرز، هذا واقع الأمر.

هنا تأتي جهود الجامعة العربية المترددة، التي تقدم قدما وتؤخر أخرى. قيل إن الأمين العام للجامعة العربية سوف يذهب إلى سوريا حاملا اقتراحات، ما ظهر منها لا يشفي غليل المطالب الشعبية السورية، وحتى تلك الاقتراحات لا يبدو أن دمشق تقبلها أو حتى تصغي إليها، فالمخرز - لدى البعض في دمشق - قد يعمل عمله في النهاية ويفقأ جميع العيون. أمامنا إذن مراهنة صفرية تقريبا، لا تنفع فيها الكلمات الدبلوماسية للجامعة العربية. من جهة أخرى، تطوعت بعض المؤسسات الدولية لتقول رأيها فيما يحدث، بصوت أعلى من صوت الجامعة، حتى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، قال رأيا أوضح وأجلى من رأي الجامعة، وكذلك فعل وزير الخارجية الفرنسي، الذي وصف المشهد بأنه جرائم ضد الإنسانية.

إن لم يكن هناك موقف واضح من الجامعة العربية، سيظل الموقف الدولي متفرجا مع بعض الشجب الإعلامي، لذا فالمطلوب من الجامعة العربية موقف تاريخي وعليها أن تتبع خطوات السيناريو الليبي؛ موقف عربي واضح، ثم طلب دولي لحماية المدنيين، حتى لو سارت الأمور مسارا آخر، غير المسار الليبي بحذافيره.

لقد أصبح الأمر في سوريا معقدا إلى درجة، إما التدخل النشط وإما سلسلة طويلة من القتلى كل صباح ومساء لا يعرف أحد كم من القتلى سوف يصل إليه العد، ويرفع السوريون شعارات بدأت تظهر علنا تقول: «ألسنا عربا أيضا»!

بلاد مثل الصين أو روسيا تقف مترددة وغير فاعلة، أمرها مفهوم، فهي ذات مصالح اقتصادية وسياسية. بلاد أخرى تنشط في المجال الدبلوماسي والإعلامي، إلا أن تردد الجامعة العربية وتقديمها بعض الاقتراحات الخجلة التي قد فات زمانها، هو المعضلة وبيت القصيد اللذان يواجهان المتابعين، ويبحثون لهما عن تفسير يشرح هذا التردد.

في القاع سلوك النظام الليبي قريب من سلوك النظام السوري، في الداخل والخارج؛ ففي الداخل، قمع مستمر أسكت الأغلبية الشعبية، وارتضت البقية الباقية الصمت أو الهجرة، عشرات الآلاف من المسجونين السياسيين كثير منهم لأسباب تافهة مثل التعامل مع وسائل الإعلام الحديثة أو قول رأي علني في موضوع لا يستسيغه النظام، وما الاعتداء على الفنانين والمثقفين إلا الإشارة الأبرز. وفي الخارج تحالفات غامضة وتشجيع على التصفيات الشخصية، كما حدث في لبنان سابقا ولاحقا، وفي فترات إيواء إرهابيين والتعامل معهم، إما بتسهيل مهماتهم شرقا أو غربا، وانتهاء طبعا بتسلط على الاقتصاد من فئة صغيرة جعلت الفساد المالي لها عنوانا، على حساب شعب يحرم من أبسط الحقوق السياسية والاقتصادية. هذا التشابه يجعل الجامعة العربية تأخذ نفس الموقف الذي أخذته من النظام الأول، ليبيا، لتكرره في سوريا، ولكنها حتى الآن لم تفعل. زيارة نبيل العربي، إن تمت اليوم أو لم تتم، هي في الوقت الضائع، ويعرف السيد نبيل كما يعرف غيره، أن تلك الاقتراحات التي يحملها غير مجدية. يبقى أمل واحد فقط هو إبراء الذمة، ومن ثم مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الإنساني حقنا للدماء السورية، وهو افتراض قد يحدث وقد لا يحدث ليستمر النزيف الدموي في مدن وقرى سوريا أشهرا أخرى.

آخر الكلام:

كتب أحد الصحافيين الغربيين، تعليقا ظريفا على أحداث ليبيا أنقله للفائدة. يقول الصحافي، سألت أحد أصدقائي الليبيين، ما هو أهم شيء أسعدك بعد انتصار الثورة الليبية، وكنت أتوقع - يقول الصحافي - أن يرد صديقي بأن الحريات الجديدة هي أكثر ما أسعدني، ولكن المفاجأة قال: أهم ما أسعدني أني لن أرى صور القذافي في الشوارع بعد اليوم، ولن أسمع خطبه. إنها لفتة على الآخرين أن يتذكروها، فكثرة الصور استفزازية، قللوها يرحمكم الله.

==============

«البديل» أولى مطبوعات الثورة السورية

 عكاظ جدة

10-9-2011

أصدر ناشطون سوريون في الخارج صحيفة «البديل»، وهي أول مطبوعة سياسية تعنى بشؤون الثورة السورية وتطورات الأحداث الميدانية في البلاد. إذ تصدر بأربع صفحات وبشكل أسبوعي تقترب فيه من نبض شباب الثورة السورية.

وأفاد الناشطون في تصريح ل «عكاظ» أن صدور صحيفة «البديل» في هذه الفترة الزمنية، جاء ليغطي جزءا مما يجري في سورية، خصوصا في ظل التعتيم الإعلامي الذي تمارسه السلطات السورية لطمس وقائع إجرام النظام بحق الشعب السوري.

ويضيف الناشطون أن هذه الصحيفة تعبير عن صوت المواطن السوري الذي غاب عن الساحة طوال حكم حزب البعث منذ العام 1963، مشيرين إلى أن الهيئة المسؤولة عن إصدار هذه الصحيفة مازالت غير معلنة إلى أن تسمح الظروف بالكشف عن المساهمين في إصدارها.

==============

ظاهرة الاستعمار الوطني: التهام ال «نحن»

السبت, 10 سبتمبر 2011

محسن خضر *

الحياة

كيف تتحول مجموعة من أبناء الوطن إلى خونة في الخطاب الرسمي؟ كيف استباحت النظم الوطنية في دولة الاستقلال حيوات مواطنيها المشاغبين وأجسادهم، فأشبعتهم تعذيباً واعتقالاً وقتلاً أحياناً تحت دعاوى مختلقة، وبحجة الحفاظ على المسيرة الثورية وحماية أمن الثورة؟

تحول المعارضون والمتمردون في دولة الاستقلال إلى كلاب ضالة وجرذان وطابور خامس وقوى الرجعية العربية. لا فارق بين ممارسات الاستعمار الأجنبي والأنظمة الوطنية والمعارضة، إذ انتهج الجميع الممارسات الوحشية نفسها ضد معارضيهم، وهو يختزن في دلالته ميراثاً هائلاً من العنف والوحشية، ومع تغييب نظرية للإنسان تحوله من مفهوم فلسفي ورمزي إلى واقع حي يتمتع فيه الفرد بحقوقه الأساسية في الحياة وفي مقدمها حق السلامة والأمن الشخصيان.

وليست أمثلة إعدام خميس والبقري في مصر، وقضاء شهدي عطية نحبه تحت التعذيب، وإسالة جسد المهدي بن بركة في المغرب، ونحر عبدالسلام عارف في العراق، واغتيال كمال جنبلاط في لبنان، وشق حنجرة هتيف الثورة السورية إبراهيم القاشوش، وحرق يد الصحافي اللبناني سليم اللوزي في حمض الكبريتيك المركّز قبل إعدامه، إلا أمثلة في قمة جبل الوحشية التي تعاملت الأنظمة الوطنية مع خصومها بها.

ألم يعدم النظام الليبي طلاب الجامعة في بنغازي أمام أعين أهاليهم بسبب تظاهرهم ضد بعض ممارسات النظام؟ أي عقلية شريرة وضعت مخطط «موقعة الجمل» إبان ثورة 25 يناير المصرية للقضاء على المحتجين، وشاركت فيها أركان الدولة نفسها؟

التعبير المبدع للمفكر المصري أنور عبدالملك حول ظاهرة «الاستعمار الوطني» يقترب من توصيف فرانزو فانون لها في كتابه «المعذبون في الأرض»، وهو العنوان نفسه الذي اختاره طه حسين لكتابه.

كان أنور عبدالملك يشير إلى استنساخ الدولة الوطنية، دولة ما بعد الاستقلال، لممارسات الاستعمار الأجنبي أثناء حقبة الاحتلال ضد أفراد الحركة الوطنية من تعذيب وتصفية، وليس بعيداً منا حادث دنشواي الذي أعدم فيه وجُلد وسجن فلاحون مصريون طاردوا جنوداً بريطانيين أشعلوا النار في المنازل والحقول وهم يصطادون الحمام، وقضى أحدهم بضربة شمس، وهو الحادث الذى اتخذه الزعيم الوطني مصطفى كامل دافعاً لشن حملة إعلامية كبيرة في أوروبا ضد ممارسات الاستعمار البريطاني في مصر.

أهملت الدولة الوطنية المستقلة احتضان أو إرساء تقاليد قوية في حقوق الإنسان، وبينما راكمت خطاباً وطنياً مهماً في التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية المخططة، فإنها لم تهتم بمراكمة خطاب مماثل تجاه حقوق الإنسان، وانطلقت حقبة مماثلة من تصفية خصومها في الداخل والخارج، ولم تقتصر على الدولة الوطنية بل امتدت إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، والتي تعد أشرف ظاهرة أفرزها الكفاح العربي المعاصر.

لم تختلف النظم الجمهورية والملكية في هذه الممارسات اللاإنسانية ضد خصومها.

وسوف يؤكد إدوار سعيد هذه الظاهرة، ظاهرة الاستعمار الوطني، عندما اعتبر أن لا فارق بين استبدال الشرطي الأجنبي بالشرطي الوطني، منبهاً إلى ضرورة تطوير الوعي القومي بمضمونه العصبوي إلى وعي اجتماعي يساهم في بناء مجتمع مدني متحضر ركيزته الثقافة.

عندما ترفع النظم الوطنية والمعارضة شعار «الإنسان أولاً»، يمكننا أن نتجاوز هذا العصاب الوطني.

نظرة سريعة إلى ممارسات النظم الوطنية في ليبيا وسورية والسودان والعراق واليمن تؤكد التحليل السابق.

وعندما يهدأ دوي المدافع في ليبيا سنكتشف فظائع ممارسات الكتائب والثوار ضد بعضها بعضاً، وكيف استهانت بالتقاليد الإسلامية والإنسانية في معاملة أسراها. أما سورية فهي الدرس النموذجي الأكبر مزاحمة للممارسات الوحشية للنظام العراقي الذي ورث نظام صدام الشرس في التمثيل على ممارسات النظم الوطنية ضد خصومها، ومستحقاً وصف «الاستعمار الوطني» بامتياز.

* أكاديمي مصري

==============

قصة أمّة تبحث عن زعامة لها تُخرجها من الجحيم القائم

السبت, 10 سبتمبر 2011

عادل مالك *

الحياة

يبدو أن الأوضاع في سورية بدأت تأخذ بعض المناحي الانعطافيّة بعد انقضاء حوالى ستة شهور على اندلاع الأحداث. ويمكن اختصار اتجاهات الأزمة بالتجاذب بين «الحل السوري» -أو (السورنة) إذا جاز التعبير-، ويقوم على أساس إصرار النظام على التعاطي مع المتظاهرين والثوّار بمعزل عن مؤثرات أخرى، سواء كانت إقليمية أو دولية. والاتجاه الآخر إصرار بعض الجهات الإقليمية على «تعريب» هذا الوضع، والخيار الآخر هو... «التدويل»!

ولعلّ الإرباك الذي أحاط بزيارة الأمين العام للجامعة العربيّة نبيل العربي الى دمشق وتأجيل هذه الزيارة أكثر من مرّة، يعكسان حالة التجاذب القائمة بين إصرار النظام على «التفرّد» بالحلّ ضمن حدود القُطْر، إذ أُعلن أكثر من مرّة عن تاريخ هذه الزيارة لكنّها لم تتم، وآخر المواعيد التي أُعطيت هو السبت من حيث المبدأ.

ولم تعد خافيةً أزمة الثقة القائمة بين الجامعة العربيّة والنظام في سورية، حيث عُلم أن تريّث دمشق في استقبال العربي يعود الى رفض الرئيس بشار الأسد وأعوان النظام الطروحات التي يحملها العربي، وهو ما لم توافق عليه دمشق حتى الآن كمخرج للأزمة. ومن الأدلة القاطعة على التخبط الذي يعتري مواقف الدول العربية من أحداث سورية، ما جرى خلال الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب، حيث تمّ «تهريب» البيان الصادر عن هذا الاجتماع. وحيال الانقسام الحاد في الآراء العربية، تمّ التفاهم –على ما يبدو– على عدم إصدار بيان عن نتائج هذا الاجتماع، لكن وبُعيد ساعات من عودة وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور الى بيروت من القاهرة، فوجئ بصدور البيان، الأمر الذي حدا بالوزير منصور للقول إنه لم يطّلع على هذا البيان.

ولا يخفى عجز النظام العربي، أو ما تبقى منه، والممثَّل بالجامعة العربية، عن تقديم اقتراحات فاعلة وعملية لوقف حمامات الدم في سورية، الأمر الذي صعّد أزمة العلاقات بين دمشق ومعظم الأنظمة العربية، إن لم يكن كلها.

ويتضح يوماً بعد يوم وأسبوعاً بعد اسبوع، وحتى شهراً بعد شهر، أن أي طرف في الوضع السوري لم يكن يتوقع أن تطول المواجهة المسلّحة بين الجانبين، ولكن ها هي عمليات الكر والفر التي تجري وسط إصرار النظام على فرض «الحل الأمني» يقابله إصرار المتظاهرين على مواصلة النضال «حتى إسقاط النظام».

في هذا الوقت ظهرت لافتات في صفوف المتظاهرين تطالب ب «دخول قوّات مراقبين دوليين»!

وإطلاق هذه الدعوة ليس اعتباطياً، بل كأنه يندرج تحت طرح «تدويل» الأزمة في سورية، الأمر الذي ينطوي على العديد من المخاطر، وهو الأمر الذي يسمح بطرح التساؤل التالي: هل يمكن لما يجري في سورية أن يخرج كليّاً عن السيطرة واتجاه الأمور الى «يد دولية» يمكن أن تتسلّل في سعي لحسم النزاع القائم؟

للوهلة الأولى يبدو أن هذا الأمر من رابع المستحيلات، لكن هل يعقل أن يبقى الوضع كما هو عليه وعدّاد الضحايا بين قتلى وجرحى يسجل تزايداً يومياً، وبشكل متواصل؟!

وفي خضم ما تشهده سورية، السؤال المطروح منذ بداية الأزمة وحتى اليوم، هو حول الموقف الحقيقي للدول الغربية، الأميركية منها والأوروبية؟

هناك أصوات معلنة تكرر الأسطوانة نفسها، ب «ضرورة رحيل الرئيس بشار الأسد»، لكن هذه الطروحات لم تسفر حتى الآن عن إحداث أي اختراق في جدار الأزمة، فهل سيقتصر الدور الغربي على المطالبة اليومية برحيل الأسد، وأنه فقد الشرعية؟ وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن للتدخل الأجنبي الغربي أن يكون فاعلاً في إحداث تغيير ما في كل ما يجري على الساحات السورية؟

ولأن ما تشهده المنطقة العربيّة من أحداث جسيمة يطرح القول إن «سورية ليست كليبيا»، في إشارة الى استبعاد أي تدخل عسكريّ على الطريقة الليبية، وفي هذا السياق المتصل بدأ بعض الأوساط يفكر في حقبة ما بعد بشار الأسد، طُرحت بعض الهواجس من أن يتحوّل الصراع مع النظام في سورية الى سعي الى وجود أطلسي «يتسع وجوده ويتمدد من ليبيا الى مناطق أخرى، وسورية بالتحديد! يعني أن المعادلة المطروحة والمتداولة ولو في أوساط محددة، هي الاختيار بين النظام البعثي القائم أو أن تكون الهيمنة الأطلسية أو الغربية بشكل عام هي البديل؟

وفي مجال رصد تداعيات ما تشهده سورية، برزت مخاوف جديّة لدى بعض الأقليات المنتشرة بالمنطقة مما قد يتهددها، وكتعبير عن مخاطر هذه الهواجس تسجَّل تصريحات لبطريرك الموارنة مار بشاره بطرس الراعي خلال زيارته الأخيرة الى فرنسا وبعيد لقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حيث قال: «في الظروف الحالية، ليس بمقدور فئة لبنانية أن تُلزم لبنان بمستقبل ما، وإن الانقسامات الداخلية تجعل كل محاولة للتحدث باسم لبنان غير شرعية».

ويمضي البطريرك الراعي - وهذا هو الهام في طرحه - قائلاً: «ينبغي أن نفهم جيداً التغييرات التي تهز المجتمعات في بلدان الشرق الأوسط، وأن نقدّر مدى تأثيرها ونحدّد مخاطرها». ويضيف: «... نعم للتغيير وللديموقراطية وللحرية وللحداثة في احترام القيم، لكن لنكن حذرين من أي انحراف نحو التطرّف أو التفتيت على قواعد دينية أو عقائدية»، ويقول: «إن الانحراف المذهبي لمؤسسات الدولة والأنظمة السياسية الدينية تنخر في جسم مجتمعات الشرق الأوسط، وتقلّص قوانا الحيّة شيئاً فشيئاً، ولا يمكن تجاوزها إلاّ بإقامة دولة مدنية».

وفي هذه المواقف، يستشعر البطريرك الراعي المخاوف التي تنطوي عليها التطوّرات التي تشهدها الساحة العربيّة، وهي تشير الى ما تشير إليه، والتحذير من مخاطر «الدخول الأجنبي» على مسار الحلول للأزمات القائمة، ففي ليبيا على سبيل المثال، شهدت اجتماعات باريس للدول الداعمة لليبيا الجديدة توافقاً على الدعم النظام الليبي الجديد، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على مصالح هذه الدول في استثمار ثروات ليبيا النفطية، إذ إن حلف شمال الأطلسي ليس جمعية خيرية، ويريد الحصول على ثمن للدور الذي قام به في اقتلاع معمّر القذافي بسبب تسلّطه على الليبيين مدى أكثر من اثنين واربعين عاماً.

وبعد...

بات من نافل القول التأكيد على ما تشهده المنطقة من أحداث محوريّة وانعطافية ترسم الواقع الجديد للعالم العربي، لكن تبقى المخاوف من استبدال طاغية بارتكاب خطأ أكبر، وهذا ما يطرح خطورة عمليات تغيير الأنظمة وضخامة مسؤوليتها ودقتها، وعدم معالجة الأخطاء بارتكاب المزيد من الأخطاء القاتلة.

من ثوابت الأزمة القائمة، أن أي تغيير في سورية لن تقتصر حدوده على الجغرافيا السورية فحسب، نظراً ل «خصوصية الدور السوري».

ذات يوم، سألت رئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير: لماذا لم تأخذوا بعين الاعتبار التفاهم على بديل للرئيس العراقي السابق صدّام حسين، ليسقط العراق الآن في ما هو فيه وعليه؟

رد بلير عن سؤالي كما يلي:

خلال الاجتماعات التي كانت تعقد بيني وبين الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، طرحت عليه أسئلة حول ما يُسمّى ب «اليوم التالي» «THE DAY AFTER» أكثر من مرّة، وكان جوابه القول: «... دعنا نركّز الآن على إسقاط صدّام حسين، والبقيّة تأتي».

ومثل هذه المعلومات تطرح المخاوف من عمليات التغيير التي تقودها الهيئات الشبابيّة في الساحات العربيّة من «ميدان التحرير» في القاهرة الى «ساحة النصر» في ليبيا الى الوضع المعلّق في اليمن.

سورية الى أين؟ والعالم العربيّ الى أين؟ سؤال كبير يحتاج الى الكثير من التعمّق والتمتّع بالرؤى التي تمكّن صنّاع القرار أو المشاركين في صنعه من التحوّل من «شرعية الشارع» الى تلمس آفاق المراحل الآتية.

سورية بين «السَّوْرَنة» و «التعريب» و«التدويل»، قصّة أمّة تبحث عن زعامة قادرة على أخذ المنطقة الى بر الأمان، وإخراج المواطن العربيّ في تونس أو مصر أو ليبيا، الى اليمن وحضرموت، من وضع مأزوم يهيم على وجهه، وعندما انتفض وثار وجد - وسيجد ربما - من يعمل على سرقة ثورته والتنافس على وضع اليد على هذه الانتفاضات والثورات، ونضيف إليها الصحوات.

======================

ما بعد الثورات الراهنة

الإتحاد الاماراتية 8-9-2011

رياض نعسان أغا

تشكل الثورات العربية الراهنة فاصلاً تاريخيّاً في مسيرة الأمة العربية، إنها نهاية حقبة امتدت قروناً طويلة في حالة فصام بين الشعب والسلطة، وبرغم كونها غير مسبوقة في تاريخنا فإن توقع ما ستفضي إليه وما ستحقق من نتائج عملية يطرح الكثير من الأسئلة والمخاطر والتوقعات التي لابد من أن نجد مقاربات لها في التاريخ.

وفي استلهام المقارنات الممكنة نجد أن العرب خاضوا قبل نحو مئة عام حالة فريدة من الوعي الوطني والقومي والديني بما عرف بعصر النهضة بعد قرون من الإذعان للحكم العثماني، وحين انطلقت شرارة "الثورة العربية الكبرى" بقيادة الشريف حسين كانت آمال الأمة مسرفة في التفاؤل، فقد ظن العرب أن ثورتهم ستنقلهم من عصر الإذعان والتبعية إلى عصر الاستقلال والحرية، ولكن آمال العرب سرعان ما تبددت حين اكتشف الثائرون أن من كانوا يدعمونهم من الأوروبيين وبخاصة فرنسا وبريطانيا، تقاسموا ما سموه تركة الرجل المريض، وقسموا المنطقة بسكين "سايكس- بيكو"، ومنحوا أرض فلسطين للصهاينة. وسرعان ما زحفت جيوش الغرب لتحتل العراق وبلاد الشام، وكانت من قبل قد احتلت مصر وبلدان المغرب العربي. وكان على العرب أن يبدؤوا نضالهم لتحرير بلادهم وانتزاع استقلالها، فلما تم لهم ذلك اكتشفوا أن الاستعمار الذي أخرجوه من الباب سرعان ما تسلل من النوافذ.

 

وحين جاءت الثورات الانقلابية التي قادها العسكريون في أوائل الخمسينيات ثم تلاحقت في الستينيات هتفت الجماهير العربية لقادتها الذين أعلنوا شعارات براقة، ولكن الجماهير سرعان ما شعرت بالخيبة حين رأت هؤلاء القادة يبنون أمجاداً شخصية ويخفقون في تحقيق الأهداف التي أعلنوها، وقد تمسك بعضهم بالحكم عقوداً، والأمة تنزف وتشعر بأنها باتت في مؤخرة ركب الأمم، مما جعل جيل الشباب الذي كتم غضبه الموروث يتفجر في الثورة الراهنة.

والخطر الذي يهدد الثورة اليوم هو ذاته الذي هدد الثورة العربية الكبرى وما تلاها من ثورات انقلابية في منتصف القرن العشرين، إنه أطماع بعض الغرب المتربص بالعرب والمسلمين منذ حملات الفرنجة إلى اليوم، ولن ينسى العرب زلات لسان قادة غربيين استلهموا الحروب الصليبية، يوم وقعت جريمة 11 سبتمبر قبل عشر سنين.

ومن حق العرب أن ينتابهم شعور بالشك والريبة مما يخبئ الغرب لهم من مشاعر الكراهية حتى لو بدا مشجعاً لثوراتهم وداعماً لها، وهذا ما سيجعلهم حذرين من أية مبادرة غربية حتى ولو كان عنوانها وضاء يحمل بريق رسائل "مكماهون" إلى الشريف حسين، أو دعم السفير الأميركي في القاهرة جيفرسون كافري لثورة يوليو المصرية عام 1952، وسيكون من الغفلة أن ينسى العرب تجاربهم المريرة، فمن لا يتعلم من التاريخ لن يُجيد رؤية المستقبل. ولست أدعو إلى وقف التواصل مع الغرب ولا أضع الغرب في سلة واحدة، فهناك أصدقاء كثر لنا في أوروبا وأميركا يحملون مشاعر طيبة نحو العرب، ويريدون إنهاء الصراع التاريخي بين العرب والغرب، وقد رأينا تعاطفهم معنا في المحن التي مررنا بها وآخرها منذ بدأت الحرب على غزة واستمرت بحصارها، ولكن هؤلاء لا يملكون القرار الأوروبي أو الأميركي.

ولكون الشباب القادمين إلى الحكم في بلاد الثورات لا يغفلون عن هذا كله، فهم مطالبون بأن يتأملوا تجارب كل الشعوب وبخاصة ثورات شعوب الاتحاد السوفييتي التي سرعان ما التهمت الولايات المتحدة ثمارها، ولم ينجُ من كوارثها سوى ألمانيا الشرقية التي التحمت بألمانيا الأم، وأما الدول الأخرى فما تزال تعيش صراعات واضطرابات وقد وجدت نفسها غارقة في الحضن الأميركي.

لقد فوجئ الغرب كله بانفجار الثورات العربية وأصابته الدهشة والذهول، وقد تابعنا تردده في اتخاذ مواقفه، وهو بالطبع يبحث عن مصالحه، وقد عوض تأخره في دعم ثورة تونس بإسراع في دعم ثورة ليبيا، وحاول أن يكفر عن تردده بتدخل عسكري لن تنتهي تداعياته قريباً، والخطر الراهن أن يجد الغرب في البيئة التي ستوفرها حالات الفوضى المتوقعة بعد الثورات فرصاً ذهبية لضخ الحياة في مشروعه المخفق "الشرق الأوسط الكبير" مستفيداً من تغيرات ضخمة في الرؤية العربية الجديدة لكل موروثات الماضي، ومن الانفعالات التي أوجدتها ظروف الثورات، ومنها على سبيل المثال الموقف من المقاومة، والمشاعر المتأرجحة نحو المشروع الإيراني والمشروع التركي، وها نحن نرى تقلبات يومية في الأفكار تصنعها مجريات الأحداث، ومع أنها غير استراتيجية لكنها تفتح نوافذ للتسلل نحو الثوابت وقد بدت قادرة على هزها من الصفعة الأولى في ظرف استثنائي.

وهذا الخطر المحتمل يدعوني لتذكير الشباب في الوطن العربي بضرورة "إعلان ثوابت" تكون موضع إجماع في الأغلبية، تحدد ما لا يمكن لأحد أن يتنازل عنه، وأول هذه الثوابت هو الحفاظ على عروبة الأمة وإسلامها وعلى كون القضية الفلسطينية قضية عربية مركزية وكون المقاومة حقاً مشروعاً لا يتناقض مع جهود السلام الدولية بل إن حضور المقاومة هو الذي يجعل هذه الجهود جدية وعادلة.

وإذا كانت شعارات الثورات قد حددت مطالبها بالكرامة والحرية وبناء الدول المدنية وتداول السلطة عبر الانتخاب واتباع الوسائل الديمقراطية في الحكم فإن من الثوابت التي ينبغي الحفاظ عليها التأكيد على انتماء كل هذه الدول إلى الأمة العربية الواحدة، وإن كانت جامعة الدول العربية قد فقدت ثقة الشعب العربي لكونها تعبر عن نظام عربي آيل للسقوط، فإن على الثورات أن تبتكر نظاماً جديداً يمكن أن تتوافق عليه عبر الدعوة إلى "مؤتمر للثورات العربية" بحيث يرسم الجيل الثائر مستقبل الأمة ويصوغ رؤية لمستقبلها ويعلن فيه ثوابتها، ويجعل من رابطته جامعة للشعوب العربية وليس للأنظمة السياسية فحسب.

وقد يبدو هذا المقترح مستعجلاً على الثورات التي ما تزال قيد البناء في تونس ومصر وليبيا، ولكن هذه المرحلة هي الأخطر، لأنها مرحلة احتمال ظهور ثورات مضادة، أو تسلل يختطف ما تم إنجازه، ولقاء الشباب العرب في مؤتمر يعلن مبادئ جوهرية يتفق عليها شباب الأمة، ويرسم خريطة طريق للمستقبل يضمن للشعوب العربية ألا تختطف ثوراتها، ولنا في التاريخ عبرة.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ