ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 24/02/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


قضية الحجاب في تركيا وموقف العلمانيين العرب

عبدالله علي العليان

تابعت في الأسبوعين الماضيين القضية المثارة حول تصويت البرلمان التركي المتعلق بأحقية المحجبات في ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، باعتباره من الاختيارات الحرة في اللباس الذي تختاره الفتاة.

وتوقعت من خلال المتابعة أن اقرأ أو اسمع تعليقاً يشيد ويدعم هذا التوجه الديمقراطي الذي اتبع في البرلمان التركي، من الذين ينعتون أنفسهم بالعلمانيين الديمقراطيين والعقلانيين، وقد جاء عبر تصويت البرلمان وليس فرضاً ولا قسراً، بالمقارنة بالعلمانية التركية عند تأسيسها، وكان هؤلاء العلمانيون لا يكفّون عن التباكي عن الدور الديمقراطي الذي تلعبه العلمانية في تطبيق الحرية والانحياز إليها، وتأسيس الفكر الديمقراطي والمراهنة على نجاحه في النهوض والتقدم والشفافية.. إلخ.

لكنني للأسف لم أجد صوتاً علمانياً واحداً ينحاز إلى ما اتخذه حزب العدالة والتنمية، عندما أقدم على التصويت والاقتراع الحر النزيه في قضية الحجاب، وهذا في حد ذاته خطوة ديمقراطية رفيعة المستوى لو قارناها بما اتخذه أتاتورك عندما منع الحجاب والطربوش والأذان والكثير من الإجراءات التي لا تتوافق مع أبسط معاني الديمقراطية مثل الاقتراع والتصويت على قضايا تمس الحياة الشخصية. بل طبقت عن طريق الجبر والفرض والقمع، وهذا بلا شك قمة الديكتاتورية وليس العكس، لكن العلمانيين العرب للأسف كشفوا عما يحملونه من مفاهيم زائفة لا تتوافق مع ما يقولونه ليل نهار إن العلمانية والديمقراطية توأمان لا يفترقان وأسمى معانيهما نشدان الحرية والاختيار الذاتي بعيداً عن القمع والفرض.

أحد العلمانيين في صحيفة عربية مهاجرة تحدث عن قضية الحجاب في تركيا، وحاول أن يتهرب من الأسلوب الذي اتبعه حزب العدالة والتنمية عندما لجأ إلى الاقتراع والتصويت في البرلمان، وهو أسلوب ديمقراطي جدير بالإشادة بلا تحفظات، لكن هؤلاء كعادتهم لا يستسيغون إلا ما يتجاوب مع أفكارهم وميولهم واتجاهاتهم الفكرية التي تصادر الكثير من المفاهيم الديمقراطية الحقة ومنها قضية الحجاب في تركيا. فهذا الكاتب قال إن العلمانيين الأتراك عندما رفضوا وتظاهروا ضد هذا التصويت في البرلمان كان قصدهم أن هذا التصويت للحجاب والسماح للمحجبات ربما يفتح المجال للأصولية والتكفير والأحادية الفكرية، وهو قول يثير الضحك أكثر مما يدعو للبكاء.

فحزب العدالة والتنمية أفكاره وتوجهاته الفكرية المعتدلة واضحة، ولا توجد لديه نظرة أحادية، لكن أفول العلمانية وتراجع شعبيتها جعلا بعض أنصارها يحاولون أن يجدوا طريقاً للرفض حتى ولو كان زائفاً بما يقدم المبرر للنيل من هذا الحزب الذي كان أكثر ديمقراطية من الأحزاب العلمانية السابقة ونجح اقتصادياً وتنموياً نجاحاً باهراً بعد انتخابه.

والغرب نفسه الذي وجدت العلمانية بين أحضانه كان أكثر تسامحاً مع الحجاب من العلمانية التركية نفسها. لأن العلمانية في الأساس كما يقول أنصارها أو على الأصح بعضهم إنها محايدة فهي ليست ضد الدين أو معه، فالغرب تجده متسامحاً مع الأديان، والحجاب يوجد جنباً الى جنب مع السفور في الشوارع والأندية والجامعات والمعاهد.. إلخ. والمسألة هي الحرية الشخصية وهي المقياس لكل فهم وإدراك للموقف عن قناعة، ولم تقم القيامة في الغرب على الحجاب سوى في فرنسا التي قامت على النزعة الأيديولوجية بحكم الثورات المتعاقبة في القرون الماضية لأسباب فكرية وعقيدية، وهذا ليس مجال حديثنا.

قال لي أحد الطلاب العرب من منطقة الخليج عندما كان يدرس في إحدى الجامعات الأمريكية إنه في السنوات الدراسية اصطحب والدته للسفر معه للعلاج وإجراء الفحوص الطبية في الثمانينات من القرن الماضي، وكانت والدته تلبس النقاب وليس الحجاب، وحاول الابن أن يثنيها عن لبس النقاب في السفر إلى أمريكا والاقتصار على الحجاب فقط، لكنها رفضت، وعندما نزلت من الطائرة في إحدى الولايات الأمريكية بصحبة ابنها، طلب الضابط الأمريكي أن يقارن صورتها في الجواز مع الصورة الحقيقية، فقال له الطالب: إن تقاليدنا وعاداتنا الاجتماعية ترفض نزع النقاب حتى داخل بلادنا، فما بالك ونحن خارج بلادنا، فأرجو أن تتفهم الأمر؟ فرد عليه الضابط بالمطار: ونحن أيضاً نحترم تقاليد وعادات الشعوب تفضلوا.. وختم الجواز ودخلوا بصورة عادية.

وتخيلت المشهد عندما سمعته وقلت في نفسي لو أن هذا الشخص مع والدته دخلا إلى تركيا في الثمانينات بالنقاب، هل سيتم السماح لهما بالدخول؟ العلمانية في الغرب نجحت بهذا الفهم المتسامح وحققت هذا النجاح الكبير فكرياً وتنموياً، لأن الفرض والقهر لا يؤسسان حياة حرة كريمة، ولا يحققان انسجاماً إيجابياً مع عدم القبول بالتعدد والتنوع، لأن سر تقدم العالم حضارياً هو الحرية التي تنسجم مع القناعات والاختيارات الشخصية بعيداً عن الجبرية في الأمور الشخصية والذاتية. بل إن الغرب نفسه الآن ينتقد العلمانية ويرى أنها نظرية خاطئة وزائلة، لأنها لم تقم على القناعة الذاتية، بل وجدت نتيجة صراع مع الكنيسة، ولم تولد بفكرة هادئة، بل جاءت لحسم صراع بين تيارين أو فكرتين متقابلتين. وهذا ما دفع بعض المؤرخين الغربيين لأن ينعت العلمانية بأنها خاطئة في أساسها وماهيتها، بل إن بعض هؤلاء قالوا إن الوقت قد حان لأن نحمل عقيدة العلمنة إلى مقبرة النظريات المخفقة.

على العلمانيين والعقلانيين العرب الذين يتباكون على الحريات الشخصية والتعدد والتنوع والتسامح أن يفكروا بعقل مفتوح وأن يتفاعلوا إيجابياً مع ما يقولون من آراء ولا يتحزبوا للفكرة الضيقة والانحياز للقمع والطرح الأحادي. وإذا كانت النخب السياسية في تركيا انحازت في البرلمان للحجاب، فإن على العلمانيين الأتراك أن يحاولوا عبر التصويت لإلغاء قرار البرلمان، وليس عبر تحريض الجيش التركي للانقلاب على الديمقراطية، وإذا كانت العلمانية لا تقوم إلا على الديمقراطية، فلماذا هذا الهذيان والغمز واللمز في تصويت البرلمان التركي؟

لا يمكن أن يتحقق الوئام المدني والالتفات الشعبي والتفاعل الداخلي والسلم الأهلي إلا بالرضوخ إلى الاختيار الحر والقبول باللعبة الديمقراطية إيجاباً أو سلباً.

وقد وفق الرئيس عبدالله غول رئيس الجمهورية التركية عندما تصايح العلمانيون بعد فوزه بالرئاسة من أن زوجته المحجبة ستجلس في القصر الأتاتوركي معقل العلمانية، فقال قولته الشهيرة: “إن الحرية هي المنتصرة في هذا الانتخاب وليس السفور أو الحجاب”.

الخليج 18/2/2008

-------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ