ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 04/04/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


المشروع الوطني الفلسطيني من الطوبائية إلى الواقعية

دكتور ناجى صادق شراب*

من النافل القول أن المراجعة الفكرية والنقدية تعتبر ضروره صحية لأى مشروع فكرى أو نهضوى أوتحررى حتى تكون لديه القدرة على مسايرة التطورات والمستجدات والقضايا التى من أجلها تصاغ هذه المشاريع . ومن شأن هذه المراجعة أن تتغلب على السلبيات وألأخطاء التى قد تبرز فى مسيرة هذه المشاريع .وهذه المراجعة تنطبق على الحالة الفلسطينية ، وعلى قصور المشروع الوطنى الفلسطينى وعجزه حتى ألأن فى تحقيق ألأهداف الفلسطينية العليا.

فقلد عجزت كل الرؤى والمشاريع  الحزبية فى ألأجابة على التساؤل لماذا أستمر ألأحتلال ألأسرائيلى ؟ ولماذا لم تقم الدولة الفلسطينية ؟ ولماذا فشل الفلسطينيون فى بناء الكينونة والمؤسساتية السياسية الحقيقة ؟ وأى أولوية للدولة وللسلطة أولا أم لأنهاء ألأحتلال ؟ وبأى خيار ومرجعية يمكن أن تتحقق اهداف المشروع الوطنى الفلسطينى ؟ وهذه الدراسة تستمد أهميتها من محاولة ألأجابة على هذه التساؤلات من خلال ألأعتماد على المنهاج الشمولى التكاملى فى التحليل  . فعلى الرغم من خيار المقاومة ، وخيار المفاوضات ما زال ألأحتلال ألسرائيلى قائما منذ عام 1967 ، وعلى الرغم من الخيار السياسى الديموقراطى ، فشلنا فى التأسيس لنظام ديموقراطى حقيقى ، وفشلنا فى بناء المؤسسات السياسية وألأقتصادية القادرة على تفعيل القدرات الفلسطينية ، وبدلا من أن تنسحب أسرائيل من ألأراضى الفلسطينية التى أحتلتها عام 67 تستمر فى عمليات أستيطان ومصادرة ألأراضى الفلسطينية ، وتستمر فى تهويد ألأرض الفلسطينية ، وتستبق المفاوضات النهائية وأى تسوية سياسية بفرض حالة تفاوض غير قابله للتفاوض ، وبما يعنى أن اسرائيل هلى التى تفرض خياراتها على ألأرض ، وبالمقابل هذا يعنى وبكل وضوح وصراحة فشل الخيارين الفلسطنيين الرئيسسن فى المقاومة والمفاوضات . ولم يتوقف ألأمر عند هذا الحد بل إن الحالة الفلسطينية تزداد تعقيدا وتناقضا وصراعا وتمثل ذلك فى حالة ألأنقسام السياسى ، وأستقطاب النظام السياسى الفلسطينى حول القوتين الرئيسيتين فتح وحماس ، ولعل من مظاهر التراجع عدم القدرة على التعامل مع المحددات، وألأبعاد ألأقليمية والدولية المتحكمة فى تفاعلات القضية الفلسطينية ، وبدلا من أن يكون المتغير الفلسطينيى متغيرا رئيسا فى ادارة الصراع ، نجد هذا المتغير متغيرا تابعا حتى فى علاقاته مع المتغير ألأسرائيلى الذى بات يتحكم فى مسارات وخيارات المتغير الفلسطينى . ويبقى التساؤل المطروح ما هو سبب هذا الفشل والتراجع ؟ هل سببه غياب الوضوح فى الرؤية والمشروع الوطنى الفلسطينى ؟ وهل سببه أحادية المشروع والرؤية الفلسطينية التى لا تأخذ كل مكونات المشروع الوطنى الفلسطينى ؟ وهل السبب هو غلبة اللغة العاطفية والشعاراتية والحزبية الضيقة ؟ وهل السبب هو غياب روح الحوار والنقد والأبداع والجرأة فى رؤية مستقبل الصراع العربى ألأسرائيلى ، وحصر التفكير فى أطر زمنية ضيقة ؟ وهل السبب هو تجاهل تأثير المتغيرات والمحددات الخارجية ؟ وهل السبب فى غياب المشاركة الشعبية الحقيقة ، وعدم التواصل بين الشعب وقياداته السياسية ، رغم التضحيات التى يقدمها هذا الشعب ؟ وهل السبب فى الروح الفصائلية ألألغائية لغيرها ؟ كل هذه التساؤلات فى حاجة ألى أجابات قبل الحديث عن مشروع وطنى عقلانى ، ناقد ، شمولى ، مبدع و يسبر أغوار المستقبل ، يعرف كيف يتعامل مع ألأطروحات والحلول المطروحة ، مشروع يعرف كيف يتعامل مع المتغير ألأسرائيلى ، ليس بالضرورة بالمواجهة العسكرية ، بل حتى بالأسلوب ألأحتوائى ، مشروع يقفز على التقليدية فى التفكير ، وبالحلول الدينية البعيدة ، وبالحلول الوطنية القاصرة على فهم كيفية أدارة الصراع بالطرق السلمية.

وفى يقينى أن المعضلة الفلسطينية تكمن فى غياب المشروع الوطنى الفلسطينى التوافقى الذى يأخذ فى مكوناته ورؤاه وأهدافه ووسائله خصوصية الحالة الفلسطينية ، وليس خصوصية التنظيم أو الفصيل ، او حتى خصوصية القضية الفلسطينية .وقبل أن استرسل فى ماهية وتعريف المشروع الوطنى الفلسطينى أشير فى عجالة الى المشروع الصهيونى الذى وضع فى بال بسويسرا عام 1897 وما زال يشكل اطارا للحركة السياسية لكل الحكومات ألأسرائيلية وملزما لها . هذا المشروع ودون الدخول فى تفاصيله يمكن تلخيصة فى نقاط محدده ، أولها وضوح الهدف فى قيام الوطن اليهودى والمقصود به الدولة اليهودية الكامله والتى مازالت أسرائيل تعمل عليه ، وفى ضمان التأييد الدولى ، والنجاح هنا واضح فى توظيف الدعم الدولى ، وثالثا فى قيام المؤسسات العسكرية والسياسية وألأقتصادية والأجتماعية والتعليمية ، ورابعا وهذا هو المهم فى ألأستيطان والربط بين اليهودى المهاجر الى فلسطين وهذه ألأرض . هذه العناصر ألأربعة أين نحن ومشروعنا الوطنى منها ؟

                                     أشكاليات مفاهيمية

لعل من أبرز مظاهر الضعف فى الرؤية والمشروع الوطنى الفلسطينى غياب ألطار المفاهيمى المشترك ن ويتمثل ذلك فى غياب ألتفاق حول مفهوم المشروع الوطنى وما هو المقصود به ن وما هى محدداته ومكوناته ، والمرجعيات التى يقوم عليها ، وتحديدد أهداف والثوابت التى تحكم مضمون هذا المشروع . والخطوة ألأولى فى أى مشروع أن يتمثل الخصوصية الذاتية ، والخصوصية الفلسطينية تختلف عن كل حالات التحرر الوطنى ألأخرى ، فنحن أمام حالة مركبة ، ومتغيراتها متشابكه ومتداخله ، ولا تقتصر الخصوصية الفلسطينية على العناصر والمكونات الفلسطينية الخاصة ، بل هناك المتغير ألأسرائيلى ، وألأقليمى والدولى ، وطبيعة وخصائص الصراع , وفى ضؤ ذلك المشروع الوطنى الفلسطينى هو أطار عام للحركة السياسة لكافة القوى والتنظيات الفلسطينية ، وهو مشروع تحرر وأنهاء للأحتلال ، وفى الوقت ذاته أيضا هو مشروع بناء سياسى وأقتصادى وأجتماعى ونهضوى . إذن المشروع الوطنى الفلسطينيى يقوم على ركيزتين ومحورين أساسيين هما : التحرر الوطنى وأنهاء ألأحتلال ، والمحور الثانى مؤسساتى للحفاظ على الهوية والكينونة الفلسطينية . هو مشروع ليس مقاوم ، بل أيضا مشروع بنائى حضارى تنموى ، وهذا يتلزم أن يكون مشروعا عالميا فى بعده التحررى والبنائى .

ومن ألأشكاليات المفاهيمية ألأخرى الجدل الذى يفتقد الرؤية والشمول ، يظهر ذلك فى الثنائية الفلسطينة التصادمية ومن هذه الثنائية : الجدل بين مفهوم الوطن والدولة ، والثنائية ألأخرى الوطنى وألأسلامى ، والثنائية الثالثة المقاومة والمفاوضات أو التسوية السياسية ، والرابعة الدولة الواحده أم الدولة ثنائية القومية ، والخامسة المرحلية والكلية ، وثنائية السلطة ومنظمة التحرير، وثنائية الداخل والخارج ، وثنائية الشرعية الدولية والشرعية الفلسطينية . وهذه النماذج من الثنائية المفاهيمية كانت فى حاجة الى مشروع وطنى يجد حلا لها ، او أقل تقدير يستوعبها ، ويقدم لها ألأطار الواسع الذى يسمح بالتكامل وليس التصادم .

ولقد أنعكست هذه الثنائية على المشروع الوطنى الفلسطينى ، فمن مشروع الثورة والمقاومة المسلحة الذى أستمر حتى عام 1993 وبداية ظهور مشروع التسوية ، ومشروع المفاوضات بل أصبحت هذه المرحلية ، والقبول بما هو مطروح ، وقد صاحب هذا التحول جدل وسجال سياسى قسم المشروع الوطنى الفلسطينى ألى مشروع رافض ، ومشروع مقبول ، وتخلل تبنى واضح لما عرف فيما بعد بالمرحلية والتكتيك والواقعية ، وهى مفاهيم استخدمت لأول فى قاموس الثورة الفلسطينية . ولم يقتصر ألأمر عند هذا الحد من الجدل،بل أصبحت هذه المرحلية بأهدافها الضيقة بمثابة أهدافا عليا ونهائية ، مما خلق حالة من عدم ألأتفاق حول ماهية مضمون المشروع الوطنى الفلسطينى ، وصار لدينا أكثر من مشروع مطروح ، المشروع المرحلى الذى يركز على التسوية السياسية ، والمشروع الكلى الذى تتبناه الحركات ألأسلامية ، والذى يقوم على الرفض لما هو قائم .

وبتتبع هذا التطور الذى صاحب الفكر السياسى ، نجد تحولا وتراجعا واضحا فى ألأهداف ألأسترايجية العليا ، فمن كل فلسطين الى دولة فلسطينية فى حدود الرابع من يونيو 1967 ، ومن سلطة حكم ذاتى ألى سلطة مؤسسات سياسية ، محدوده السلطات والصلاحيات ، وهكذا غدت المرحلية والقبول بما هو مطروح بمثابة رؤية أستراتيجية عليا فى حدود هذا الممكن الذى يمكن تحقيقه بدلا من فقدان كل شئ. وهكذا باتت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة هى جوهر هذه الرؤية ن وما زالت هذه الفكرة هلى المسيطرة  على جانب كبير من الفكر السياسى ، وتعبر عن هذا الفكر ما يتم فى الضفة الغربية من تأسيس لمكونات الدولة الفلسطينة خلال عامين . لكن معضلة هذه الرؤية انها لم تكن واقعية فى نهجها ، وأساليبها ، فهى أخذت بالقاعدة المقلوبة الدولة وسلطتها قبل تحرير ألأرض ، وهذا هو المأزق الحقيقى الذى فشل المشروع الوطنى العلمانى الفلسطينى فى إنجازه وتحقيقه . والحقيقة أن هذا المأزق يمتد الى كل مشاريع الفصائل الفلسطينية ن بما فيها ألأسلامية التى تتبنى برنامج ومشروع ألأستقلال الوطنى وقيام الدولة .

 

ثنائية الدولة الواحده مقابل خيار الدولتين

ومن المعضلات الرئيسة التى واجهت المشروع الوطنى الفلسطينى عدم ألأتفاق حول مفهوم الدولة الفلسطينية هل هو خيار الدولة الواحده لشعبين ام خيار الدولة ثنائية القوميتين واخيرا خيار الدولتين والعودة الى خيار المرحلية ، هذه  المعضلة تنطبق على جميع الفصائل والقوى الفلسطينيية حتى ألأسلامية التى عادت تحتمى بالقبول بخيار الدولتين فى خيار المرحلية .

وتنتمى رؤية الدولة الواحده لشعبين على أمكانية التعايش والتوافق ، والتغلب على التنافر بين الشعبين ، وهنا المحاكاة فى النموذج ألأمريكى والسويسرى ، والقدرة على قيام حكم ديموقراطى يقوم على فكرة المساواة فى الحقوق والواجبات ، والمشاركة المتساوية فى أدارة وتوزيع الموارد . هذه الرؤية يعتريهاقصور فى فهم وخصائص طبيعة الصراع وفى قصور فى فهم ألأيدولوجية الصهيونية والشخصية اليهودية الرافضة أصلا لفكرة ألأندماج.وعلى الرغم من التناقض فى المشروع ألأستيطانى الصهيونى والمشروع الفلسطينى التحررى وهما مشروعان من الصعب أن يلتقيا على أساس من الدولة الواحده ،مما دفع فى أتجاه تبنى حل الدولتين لشعبين ، ومع ذلك ما زال مشروع الدولة الواحده المتساية قائما لدى العديد من ألأطروحات والرؤى الفلسطينية  لعدد من القوى والتنظيمات الفلسطينية . وهذه الرؤية تتسم بالطوباوية وعدم الواقعية ، لكنها تبقى تشكل أساسا لشرعية القوى والتظيمات السياسية التى تتبناها ، وتشكل فى الوقت ذاته أحد مآزق المشروع الوطنى الفلسطينى .أما الطرح الثانى ويتمثل فى أشكالية مفهوم الدولة ثنائية القوميتين ، وهذه الرؤية تبدو أكثر واقعية مقارنة بالأولى ن فهى تعترف وتقر بتناقض والتباين القومى بين الشعبين الفلسطينيى وألأسرائيلى ، وتقر بالفروق ألأثنية ، ولذلك هى ترى الحل فى تقاسم السلطة بين الجماعتين ، وأن من حق كل جماعة فى أطار الدولة الواحده أن تمارس ما يخصها من سلطات ن مع وجود دوائر مشتركة بين الجماعتين . وهذا الطرح قد لا يتفق مع طبيعة الصراع لذى يلعب فيه السكان عنصرا محوريا ، ولا يبدو أن اسرائيل قد تقبل به على ألأطلاق من منظور الحفاظ على الهوية اليهودية ، والخوف من الأغلبية العربية . وهذه الرؤية تحمل قدرا كبيرا من الطوباوبة ، ولم يعد يتوافق والمعطيات الجديده للصراع العربى ألأسرائيلى .

ونظرا لصعوبة تطبيق الرؤيتين ، تم تبنى رؤية الدولتين ، ومفهوم الدولة الفلسطينية فى الضفة الغربية وقطاع غزه فى أطار حدود الرابع من يونيو 1967 ،وتستند هذه الرؤية الى جانب عدم قابلية تبنى الرؤيتين السابقتين و رفض أسرائيل لأى منهما ،أن هذه الرؤية تجد فى القرار الدولى رقم 181 اساسا قانونيا لقيام الدولة الفلسطينية , وقد تكون مقبولة فى أطار الحل المرحلى . وحتى هذه الرؤية واجهتها العديد من المعوقات من قبل أسرائيل فيما يتعلق بالمستوطنات ،وماهية هذه الدولة ، وشروط قيامها ، لكنها تبقى الرؤية ألأكثر قبولا وتأييدا دوليا ، وقد تكون مقبولة من قبل أسرائيل تفاديا للعامل السكانى الفلسطينى . لكن هذه الرؤية تواجه مشكلة تتعلق بالتواصل الجغرافى ، ونطاق السيادة الذى تقوم فيه ،وبقدرتها فى السيطرة على مواردها الطبيعية ، لذلك تبقى هذه الدولة من نمط الدول الناقصة والتابعة ، وهو ما من شانها أن يخلق حالة من عدم التوافق الفلسطينى حولها . ومما زاد هذه الرؤية تعقيدا بروز دور حركة حماس وفرض مشروعها ورؤيتها كما سياتى ذكره فى علاقة الوطنى بالأسلامى ، ان حماس ووفقا لرؤيتها الشمولية للصراع ، والمنطلق الدينى لهذه الرؤية أنها تتمسك بالحل الشامل والدولة الفلسطينيى على كامل التراب الفلسطينى ، وأن أرض فلسطين كلها أرض وقف أسلامى ، ولا يملك احد التنازل عن هذا الحق ، وهذه الرؤية ترفض الحديث عن طرح الدولتين أو صورة من الصور التى سبق ألأشارة أليها ،والملاحظ أن هذه الرؤية هى نفس الرؤية التى نادت بها منظمة التحرير الفلسطينية أصلا ، والداعية الى قيام فلسطين بحدودها التى كانت قائمة فى عهد ألأنتداب البريطانى ، ومع ذلك تراجعت عنها فى سياق الدولة الفلسطينية المستقلة وفى سياق المرحلية ، وعلى الرغم من هذه الرؤية الشمولية لحركة حماس والتى لا تتطابق واقع الصراع ومعطياته ، ولأرتباطها بالحل ألأسلامى النهائى ، فقد حاولت حركة حماس أبداء قدرا من المرونة والتكيف والقبول بفكرة الدولة الفلسطينية دون ألتزم باى أعتراف بإسرائيل ، وعلى اساس أن هذا يشكل مرحلة فى طريق الحل الشامل ، هذا الحل يصعب تحقيقه ، ولو أخذنا بالمرحلية وفقا لهذه الرؤية فلا أحد يستطيع تحديد عامل الزمن لكل مرحلة ، والحقيقة أن هذه الرؤية تواجهها معضلة التكيف والمرونة والتوفيق ما بين المرحلية التى أتسم بها الفكر السياسى كمبرر للقبول ، وبين التمسك بالمنطلقات ألأيدولوجى والعقيدى ، وخصوصية الحالة الفلسطينية ، وهذا من شانها أن يدفع فى اتجاه التوافق على مشروع وطنى فلسطينى يتجاوز كل هذه المعضلات التى تواجه المشروع الفلسطينى من منظور أحادية الرؤية من قبل كل تنظيم . وهو الدافع والمبرر لمشروع وطنى فلسطينى قادر على توفير الرؤية وألأطار الفكرى والمؤسساتى الذى يسمح بالجمع بين كل هذه المكونات فى أطار خصوصية الحالة الفلسطينية .

 

الوطنى وألأسلامى

من ألأشكاليات لتى تواجه وحدة المشروع الوطنى الفلسطينيى ، العلاقة بين ما هو وطنى ، وما هو اسلامى . وقد ظهر هذا التناقض بشكل واضح بعد مشاركة وفوز حماس فى ألأنتخابات الفلسطينية ، وصار من حقها الحكم ، وإدارة مؤسسات السلطة . ولا شك ان هذا الفوز قد شكل تحولا بنيويا مهما فى بنية النظام السياسى الفلسطينيى وفى البنية الفكرية للمشروع الفلسطينى ، فبعد أكثر من أربعة عقود من سيطرة حركة فتح ببرنامجها الوطنى والذى أوصلها الى مشروع التسوية السياسية ، نجحت حماس ومن خلال الشرعية السياسية التى منحتها لها ألأنتخابات الفلسطينية أن تفرض مشروعها وبرنامجها السياسيى على أنه البديل للمشروع الوطنى الذى حكم أطار الحركة السياسية الفلسطينية على مدار العقود ألأربعة ألأخيرة ، ففى المرحلة ألأولى وبصرف النظر عن قصور المشروع وتراجعه  لم يواجه بمشروع آخر بديل ألا مع فوز حركة حماس ، وبعدها أصبح الخلاف الفلسطينيى وأضحا بين المشروعين سواء فى المضامين أو ألأهداف ، أو الآليات والوسائل ، وقد تسبب هذا التناقض فى تعميق حالة ألأنقسام السياسى التى يعانى منها المشروع الوطنى الفلسطينيى ، وهذه ألأزدواجية التى تذهب ألى حد الألغاء لما هو قائم ، ولعل أحد أبرز مظاهر هذا التناقض والجدل حول جوهر العلاقة بين ما هو وطنى وبين ما هو أسلامى . وقد يكون أحد اسباب هذا التناقض أن المشروع ألأسلامى لم يكن أحد عناصر ومكونات المشروع الوطنى الفلسطينى ،وهذه الفترة الطويلة كانت كفيلة بتعميق الخلاف والتنافر بين المشروعين ، بدلا من الحوار والبحث عن النقاط المشتركة ، وهى كثيرة فى الحالة الفلسطينية .فاولا فلسطين بكل مكوناتها ومعطياتها التاريخية والجغرافية والحضارية والبشرية والدينية عامل موحد ، وجامع لكل القوى والرؤى السياسية ، فالوطنى أحد مكوناته الرئيسة العامل الدينى المقدس الذى يستمد قدسيته من قدسية العديد من ألأماكن التى لها مكانة دينية كبيرة : القدس و الخليل و بيت لحم ، نابلس وغزه وغيرها من المدن ، كلها تؤكد على دينية الوطنى ، وبالمقابل الدينى أحد مكوناته ألأساسية البعد الوطنى الذى يستمد قوته وأهميته من وحدانية ألأحتلال ألأسرائيلى ، ومن وحدانية الشعب الفلسطينى والذى يتميز عن غيره من كل الشعوب ألأخرى بوحدته العرقية ، وبالأندماج والتعاضد القوى بين مسيحيه ومسلميه ، لدرجة لا يمكن التمايز بينهما من المنظور الوطنى الذى لعب دورا هما فى التوحد ، وفى الوقت ذاته وفى كل مراحل الشعب الفلسطينيى لم تظهر التناقضات بين الحركات والقوى ألأسلامية ، والقوى الوطنية ، وقد يكون السبب الرئيس على مدار مراحله التاريخية السابقة على قيام السلطة ، وهنا تكمن المفارقة السياسية الفلسطينية بين ألأثنين . أن العامل الذى اوجد ألأنقسام الحقيقى هو الحكم والسلطة ، وليس ألأحتلال ، وهذه أحد المعضلات التى تواجه العمل الفلسطينى ومشروعه الوطنى ، وبدلا من البحث عن ألأهداف المشتركة ، والعلاقة التبادلية والتكاملية بين الوطنى وألأسلامى ، ركز كل منهما على عوامل ألأنقسام والصراع الذى وصل الى درجة ألأنقسام البنيوى الذى يحتمى كل منهما حول أحقية مشروعه ، وهنا دخل الصراع فى سياقات شعاراتيه وخطابية غير عقلانية وبعيده عن الواقع ، وبدلا من الحوار العقلانى والجاد فى منطلقاته الفلسطينية ، تداخلت عوامل أخرى خارجية كانت تلعب دائما عاملا مباشرا فى تعميق الخلافات الفلسطينية ، لأرتباطها بأطر ورؤى ومشاريع سياسية بعيده تماما عن الخصوصية الفلسطينية ، وهذا أحد العوامل المهمة التى ينبغى أن نشير ألى تأثيرها ، وهكذا بدلا من حل التناقض بين ما هو وطنى وأسلامى فى أطار الخصوصية الفلسطينية وهى هنا قليلة الى درجة ألأنعدام ، تم ربط المشروع الفلسطينى بمشاريع اقليمية تحكمها أهداف ورؤى مغايرة ، فالمشروع ألأسلامى وعلى الرغم من وحدانيته وشموليته ألأسلامية ،لكن هذا لاينفى أن المشروع ألأسلامى الفلسطينى يفترض أن ينطلق من تجسيد الحالة الفلسطينية بكل مكوانتها ومعطياتها وخصوصيتها ، ونفس الشئ قد ينطبق على المشروع الوطنى العلمانى الذى قد أرتبط بمشروع التسوية فى أطاره الواسع والشامل ، وهذا أوجد حالة من التناقض وعدم الألتقاء حول خصوصية الحالة الفلسطينية ، التى يحكمها ألأحتلال ، ووحدانية الشعب الفلسطينيى ، ووحدانية ثقافته  ومنظومة قيمه السلوكية ، وأنفتاحه ألدينى وألأنسانى والحضارى ، وهو ما يفرض نمطا من الثقافة المعتدلة ، ويفرض البحث عن ألأساليب والوسائل الحضارية وألأنسانية التى من شأنها أن تحقق أهداف المشروع الوطنى الفلسطينى ، وتفرض فى الوقت ذاته إرهاصاتها ومضامينها على مكنون المشروع الوطنى الفلسطينى .

وعليه المكون الوطنى له مكون أسلامى لا يمكن تجاهله وتجاوزه ، بل يشكل عنصر قوة له ، والمكون ألأسلامى له مكون وطنى لا يمكن تجاهله أو ألغائه ، أو محاولة أستبداله . وفى هذا السياق التحدى ألأكبر الذى يواجه أعادة صياغة المشروع الوطنى الفلسطينى، بما يضمن التأكيد على هذه العلاقة العضوية والتكاملية ، والتى من شأنها أن وتقوى كل من الرؤيتين ، بما يخدم فى التوافق على مشروع وطنى يتجاوز ألأحادية والثنائية الجامده، نحو مشروع يتسم بالمرونة والشمول والأنفتاح على كل رؤى ألأخرى دون ان يلغيها ، ولكن فى أطار مشروع واحد يشكل مرجعية عليا للعمل السياسى الفلسطينى ، سواء على مستوى انهاء ألحتلال ،او على مستوى عمل المؤسسات السياسية الفلسطينية . وكإطار منظم للحركة السياسية على أساس التوافق وليس التصادم والتنازع .

 

ثنائية المرجعية السياسية ما بين مرجعية التسوية ومرجعية المقاومة:

لقد أرتبطت مرجعيات العمل السياسى الفلسطينى بالتطورات التى صاحبت القضية الفلسطينية ، وبالتطورات ألأقليمية ، وبالتحولات على مستوى النظام الدولى ، والتحولات التى طرأت على موازين القوى على المستويين ألقليمى والدولى ، وما زالت هذه التحولات تلقى بآثارها وتداعياتها على المرجعيات الفلسطينية . ففى المرحلة ألأولى بعد نكبة فلسطين وتنامى التيار القومى العربى وسيادته على الفكر السياسيى العربى، تم تبنى المرجعية الثورية والتى أرتبطت بالفكر القومى العربى ومناهضته ورفضه للمشروع ألأستعمارى والصهيونى ، وهنا الخطاب أتسم بقدر كبير من الحماسية والعاطفية والشعاراتية واللارادوية ، وقد ارتبط هذا المشروع بالمشروع القومى العربى ، وفى أعقاب تراجع وضعف التيار القومى العربى فى أعقاب نكسة 1967 وأحتلال أسرائيل لكامل الأرض الفلسطينية ، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزه ، وهو ما يعنى أولا تخلى الدور العربى المصرى فى غزة ، وألأردن فى الضفة الغربية لقيام أسرائيل بإحتلالهما ، ومع هذا ألأحتلال دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديده من الصراع أنعكست على الفكر السياسى الفلسطينى ، فبدلا من التركيز على كل فلسطين أختزل الحديث عن تحرير ألأراضى الفلسطينية التى أحتلتها أسرائيل ، وقد انعكس هذا التحول فى مفاهيم ومشاريع الدولة الواحدة المتساوية بين رعاياها ، ومشروع الدولة ثنائية القوميتين ، ثم اخيرا مشروع الدولتين الفلسطينية وألأسرائيلية ، وقد أنعكس هذا التطور أيضا على الأساليب والآليات وألأهداف ، فأختلطت ألأهداف المرحلية والتكتيكية لتتحول ألأخيرة الى اهداف أستراتيجية ثابته ، فبدلا من الحديث عن فلسطين التاريخية ، وفلسطين ألأنتداب ، حل محلها قيام الدولة الفلسطينية على أى شبر يتم تحريره .وأخيرا تمركز الفكر المشروع الفلسطينى حول فكرة الدولة الفلسطينيى فى حدود الرابع من يونيو 1967 . وهو نمط من التفكير التنازلى والتراجعى الواضح ، وبعدها جاء التحول الرئيس فى أحلال مشاريع التسوية والمفاوضات وخيارات السلام التى بدات بين مصر واسرائيل فى اعقاب زيارة السادات لأسرائيل ، وقد فرض هذا التحول بقوة على الفكر السياسى ليتم تبنى مشروع التسوية وهنا يظهر تأثير ألأفكار الليبرالية التى أنتشرت لدى قطاع واسع من المثقفين والأكاديميين وبعض السياسيين الفلسطينيين . وقد كانت نقطة التحول مع غزو العراق للكويت عام 1991 , والذى وجه ضربة قوية لمفاهيم ألأمن القومى العربى ، والتحول فى مفاهيم الخطر والعدوالمشترك ، وكان أنعكاس ذلك سلبيا على أولوية القضية الفلسطينية ، التى لم تعد أولوية عربية اولى ، مما فرض دورا مباشرا للفلسطينييين ، وانتقلت التحولات من السرية فى تبنى خيار التسوية الى التبنى العلنى لتبنى خيار التسوية والسلام كخيار أستراتيجى ، ما زال قائما على الرغم من ألأنتكاسات التى صاحبته ،وفشله حتى ألأن فى أنهاء ألأحتلال ، لكنه فى الوقت ذاته فرض واقعا سياسيا فلسطينيا قد يصعب تغييره وأستبداله . ومن هنا بدا الأهتمام بأولوية بناء المؤسسات السياسية الفلسطينية ، وتشكيل مؤسسات الحكم والسلطة ، ونظرا لتراجع خيار التسوية وفشله فى أنهاء ألأحتلال ، وأستمرار أسرائيل فى سياسات ألأستيطان الذى قوض من أى أمكانية لقيام دولة فلسطينية حقيقية ، فقد أدى التراجع فى التيار الليبرالى والقومى من قبل ، الى تنامى وبروز التيار والمشروع ألأسلامى بقوة ، مستفيدا من ضعف المؤسسات السياسية الفلسطينية ، وأستمرا أسرائيل فى سياسة ألأحتلال  والتصعيد ، والتهويد للأراضى الفلسطينية ، مما أفسح المجال لخيار المقاومة الذى تبنته حركة حماس وغيرها من الحركات ألأسلامية ، ولتأكد الحركة ألسلامية مصداقية مشروها تبنت مشروع المقاومة المسلحة ، والقيام بالعديد من العمليات داخل أسرائيل نفسها مما وضع العمل السياسية أمام معضلة المرجعية السياسية والمفاضله بين خيار التسوية وخيار المقاومة . ولقد ساعت التطورات ألقليمية والتحولات فى موازين القوى ألأقليمية وبروز قوة أيران كقوة أقليمية مؤثرة ، وتزامن أيضا مع الحرب التى قد شنتها أسرائيل على لبنان ، وعلى السياق الدولى التحول فى الحرب ضد ما أسمته الولايات المتحد بالحرب على ألأرهاب ،لتزيد من قوة خيار المقاومة بإعتباره الخيار البديل لخيار التسوية ، والخيار الذى يعتقد انه الخيار الذى قد ينهى ألأحتلال ألأسرائيلى . وهكذا دخل المشروع الوطنى الفلسطينى فى مأزق أى من الخيارين هو ألأنسب وألأكثر نجاعة لمواجهة ألأحتلال ، وسياسة التهويد وألأستيطان ألأسرائيلى فى ألأراضى الفلسطينية . وأتجهت ألأمور نحو مزيد من التأزم والتصادم وصل الى حد التخوين والرفض لكل من الخيارين . وليدخل المشروع الفلسطينى فى مرحلة من مراحل عدم الوضوح ، وفقدان الرؤية السياسية الفلسطينية ، ولتنعكس حالة التأزم والرفض الفكرى بين المشروعين فى حالة ألأنقسام السياسى ، وليقف المشروع الوطنى الفلسطينى بين مشروعين لا يلتقيان رغم عوامل التوحد التى توحد بينهما.وهذه هى المعضلة الرئيسة التى تقف فى وجه ألأنقسام ، وعدم القدرة على تحقيق أهداف المشروع الوطنى الفلسطينى فى أنهاء ألأحتلال ، وقيام الدولة الفلسطينية . ولا شك ان هذا الفشل يعزى الى فشل الخيارين ، لعدم تكاملهماوترابطهما. والسؤال هنا هل يمكن لأى من الخيارين أن يعمل منفردا ؟ وهل أى منهما أن يكون بديلا عن ألأخر؟  

هاتان المرجعيتان لا يمكن أن تلغى أحداها ألأخرى ، بل يمكن أن تلتقيا فى الكثير من ألأهداف ، وحتى الوسائل . والتناقض فيما بينهما لا يتعلق بالمرجعية ذاتها وحتميتها ألتى تنبع من خصوصية وطبيعة الصراع العربى ألأسرائيلى وشموليته وكليته . فمن ناحية البعد السياسى الذى يحدد الصراع يفرض فى جانب منه التأكيد على أهمية التفاوض ن ولكن فى إطار أستراتيجية تفاوضية متفق عليها، وتنطلق من ألأهداف الفلسطينية العليا ، والخلل لا يكون فى وسيلة التفاوض فى حد ذاتها بقدر ما يكون فى ألأسلوب والرؤية ، والبيئة التفاوضية ، وفقدان عناصر القوة الفلسطينية الداعمة للتفاوض . وليكن معلوما أن التفاوض أو مرجعية التسوية السياسية لا تاتى من فراغ بل تحتاج أولا الى بيئة ورؤية سياسية فلسطينية داعمة لها ، فهى فى النهاية شكل من اشكال المقاومة السلمية ، ولذلك يقال دائما الحرب أمتداد للسياسة . وبالمقابل مرجعية المقاومة الفلسطينية تفرضها حالة ألأحتلال ألأسرائيلى ، والذى يعطى الشعب الفلسطينى الحق فى مقاومته ، وأنهائه، وهذا الحق تكفله كل القوانين والشرائع الدولية . وإذا كان هذا الحق مكفولا دوليا ، ويستمد شرعيته من حق الشعب الفلسطينى فى أنهاء ألأحتلال وممارسة حقه فى تقرير مصيره . فهذا يتطلب ألأتفاق حول ماهية هذه المقاومة ، وكيفية أدارتها ، وأساليبها ووسائلها التى تضمن التأييد الدولى لها ، والتى تكشف حقيقة ألأحتلال ، ولا تعطيه المبرر والذريعة لأستمرار أحتلاله . ومن هنا التنسيق والتكامل بين المرجعيتين أمرا حتميا ، بل أن أحد أسباب عدم فعالية اى منهما ، هو التوظيف المعاكس لكل منهما بما لا يخدم الأهداف الفلسطينية ، علما ان الهدف ألأساسى لكل من المرجعيتين هو أنهاء ألأحتلال ، وقيام الدولة الفلسطينية ، لكن المعضلة التى واجهت تطبيق المرجعيتين هو عدم القدرة على التوفيق بينها ، بل الذهاب ألى حد أقصاء كل منهما للأخرى ، وهو ما خلق حالة من التناقض فى غياب الرؤية السياسية الكلية والشامله لدور كل منهما فى أطار ألأستراتيجية الفلسطينية العليا . فأنصار مرجعية التسوية يعتقدون بسلامة منهجهم ، وقدرته على الوصول الى قيام الدولة الفلسطينية ن ويذهبون الى ألأستناج أنه لولا هذه المرجعية ما قامت المؤسسات والسلطة السياسية التى يعتبرونها أنجازا لا بد من الحفاظ عليه ، وأن هذا المنهاج هو الذى دعم الوجود الفلسطينى دوليا ، وبالمقابل أنصار مرجعية المقاومة يؤكدون على نفس الحجج ، ويؤكدون لولا المقاومة الفلسطينية ما انسحبت أسرائيل من غزة ، وما يمكن أن تنسحب من بقية ألأراضى الفلسطينية دون المقاومة . وعلى الرغم من منطقية كل منهما ، لكن لا شك هناك قصور واضح وبعيدا عن الفهم الحقيقى لطبيعة الصراع ، ومن منظور النتائج السياسية التى تم تحقيقها ، لا شك أن تراجع هناك واضح ، فى كل من المنهجين ، وكل منهما يجزأالقضية الفلسطينية ، ولا ينظر أليها من منظور تكاملى ترابطى . ولعل الخلل الذى وقع فيه كل منهما فى عدم التقدير السليم للنتائج والتوقعات التى يمكن إنجازه ،فأنصار منهاج التسوية أعتبروا ألأنجازات السياسة التى حققوها فى صورة مؤسسات هشة ، أو مساعدات ومنح مالية قد يعتبر مكسبا لا يمكن التخلى عنه ، لكنه أختزل عملية التسوية فى أهداف محدوده بعيده عن الهدف الفلسطينى الرئيس ، وفى نفس الوقت المقاومة وظفت فى أحيانا أخرى بعيده عن نفس الهدف ، بمعنى توظيفها لتثبيت أهداف سياسية محدوده على مستوى التنظيم نفسه ، كالحفاظ على الحكم والسلطة . وهكذا تبقى معضلة الحكم والمقاومة فى معضلة دائمه دون رؤية سياسية قادرة على أحتواء التناقضات بينهما . فالخلل فى الرؤية وليس فى المنهج أو المرجعية . فمنهاج التسوية فرض حالة سياسية وأقتصادية وأجتماعية لا يمكن ألغائها أو تجاوزها ، أو حتى ألأستجابة لها دون التاكيد على مرجعية التسوية السياسية ، ومنهاج المقاومة حتى يؤتى النتائج منه لا بد أن يوظف لأهداف سياسية عليا ، ولتأكيد الوجود الفلسطينى على ألأرض الذى يعتبر شكلا من أشكال المقاومة ، فالمقاومة تحتاج الى توافر عناصر قوة مادية وبشرية ، وتأييدا سياسيا دوليا داعما لحقها فى المقاومة ، وحقها فى إنهاء ألأحتلال . هذه الرؤية لكل من المرجعتين تجعل التقارب بينها أكثر بكثير من التنافر والتضاد ، هذا إذا ربط بالأهداف الفلسطينية العليا . بإختصار منهاج خلق مؤسساته واجهزته ألأمنية والبيروقراطية والأقتصادية، ومناصريه من أصحاب الفكر الليبرالى والعلمانى الوطنى ، وبالمقابل أنصار منهاج المقاومة متمسكون بالمقاومة وخصوصا المسلحة منها رفضا للأحتلال ومقاومتة ، وهو ما يمكن أن يتحقق بوسائل أخرى. وفى غياب الرؤية والمشروع الوطنى فسنرى ضغط أنصار المنهاج ألأول لأحتواء المقاومة وإخضاعها لسيطرتهم مما يخلق حالة من التناض والصراع الحتمى .وانصار المقاومة سيعملون فى إتجاه تقويض السلطة ومؤسساتها كما رأينا ذلك فى السنوات ألأولى لقيام السلطة . والنتيجة النهائية خسارة الهدف الفلسطينى ألأعلى فى أنهاء ألألحتلال ، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وهو ما يعنى تراجعا وتقويضا للمشروع الوطنى الفلسطينى . والسؤال كيف يمكن تلافى سلبيات كل مرجعية ومنهاج بما يحقق التقارب والتلاقى بينهما حول ألأهداف العليا للمشروع الوطنى الفلسطينى ؟ويمكن أن يتحقق هذا فى التوظيف المتبادل لكل منهما لحساب ألاخر ، لا أن يعمل كل منهما على تقويض ألأخر ، وهو ما حدث منذ قيام السلطة ومؤسساتها ، وهذا يحتاج الى اعادة تعريف للمقاومة ، والتسوية ، وخلق ألأدوات المشتركة التى تحمى كل منهما دون أرتباط بدوائر وقوى خارجية هدفها أجهاض المنهاجيين.

 

السلطة مقابل منظمة التحرير

لا خلاف للتأكيد على المصلحة الوطنية الفلسطينية فى التاسيس والمحافظة على بناء الكينونة السياسية البنيونية الفلسطينية لتوفير الأطار التنظيمى للهوية الفلسطينية ، وتنظيم العمل الفلسطينيى السياسى ، والقادر على التواصل بين أبناء الشعب الفلسطينى فى الداخل والخارج مما يحفظ له وحدانيته وتماسكه السياسى وألجتماعى ، وينمى قدراته وأمكاناته ألقتصادية وتطويرها بما يدعم صموده المقاوم ، وبما يخدم أهدافه السياسية فى أنهاء الأحتلال وقيام الدولة الفلسطينية . وعليه فوظيفة هذه الكينونة السياسية هو تحقيق ألأهداف الفلسطينية العليا . ولذلك بقدر تحقيق هذه ألهداف بقدر فاعلية واستمرارية هذه المؤسسات كمصلحة وطنية . والسؤال على أهمية هذه المؤسسات ، هل حققت المؤسسات السياسية الفلسطينية أهدافها ؟

وبإستقراء تطور المؤسسات السياسية تاريخيا نجد تراجعا وفشلا واضحا فى تحقيق المؤسسات السياسية الفلسطينية ألأهداف الفلسطينية المذكورة ، بدءا من اللجنة العربية التى قامت عام 1936 ، ومرورا بحكومة عموم فلسطين بعد نكبة عام 1948 والتى كانت مجرد أسم وهيكل سياسى مفروغ من مضمونه وسلطاته وصلاحياته ، وصولا الى منظمة التحرير الفلسطينية التى أنتزعت حقها فى التمثيل الشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى ، وشكل قيامها مرحلة جديده ومهمة فى التمثيل الفلسطينى ، وفى قيام الفلسطينيين بدور مباشر فى أدارة قضيتهم ، وأنتهاءا بقيام مؤسسة السلطة الوطنية المحدوده ، لتدخل العلاقات الفلسطينية من منظور مؤسساتى فى معضلة كبيرة سواء من حيث التدرج فى الصلاحيات والسلطات ،أو من منظور التمثيل ، او من منظور التبعية ، او منظور اولوية المرجعية السياسية فى إطار المشروع أوالبرنامج السياسى الذى يحظى بالشرعية السياسية المقبولة . وبتتبع هذه العلاقات يمكن القول أن هذه العلاقات ، أتسمت بعدم التكامل ، وذهبت الى درجة القفز على منظمة التحرير التى تمثل المرجعية السياسية العليا، وهو يعكس الحالة المقلوبة العكسية ، فبدلا من خضوع الجزء للكل ، خضع الكل للجزء ، مما تسبب فى حالة من التنازع على الشرعية السياسية .

وبناءا علي نقطة الضعف المؤسساتى التركيز على الطبيعة السياسية الصرفة وهو الذى افقدها مضمونه السياسى الذى يستند على ممارسة الصلاحيات والسلطات الفعلية وهى غير متوفرة للمؤسسات السياسية الفلسطينية ألأشبه بسلطات حكم ذاتى محدوده ، وكان المفترض ان تكون المؤسسات السياسية مؤسسات كفاحية داعمه لصمود ومقاومة اللشعب الفلسطينى سياسيا وأقتصاديا واجتماعيا ، ومن ناحية أخرى أفتقدت هذه المؤسسات للبرنامج السياسى الذى يتفق مع مرجعيته السياسية العليا .ولذلك أرتكزت البرامج السياسية من منطلق وكأن هناك حكومة وسلطة كامله متناسية الطبيعة ألأحتلالية التى فرضت نفسها على السلطة السياسية بدلا من أن تفرض السلطة نفسها على ألأحتلال . وعليه ففقدان الطابع الكفاحى للسلطة السياسية أوقعها فى مأزق سياسى مع المنهاج المقاوم، فالسلطة بما تمثلها من منهج سياسى يقوم على التسوية السياسية ، وألأعتماد على المنح والمساعدات ألأقتصادية الخارجية ، وحتمية ربطها بالأقتصاد ألأسرائيلى ، كل هذه المحددات أفقدها جوهرها السياسى ، وحولها الى مجرد مؤسسات ورقية فاقدة الصلاحيات والسلطات بموجب اتفاق الحكم الذاتى الذى حدده أتفاق أوسلو، ولذا جاءت هذه السلطة مجافية لطبيعة عملية التحرر الوطنى ،وعامل أنقسام وعدم أتفاق فلسطينى . وعموما جاءت هذه السلطة غير كامله ، وناقصه ، بل وغير قادرة على أداء وظائفها،لأفتقارها أهم السلطة الحقيقة وهى السيادة ، والظاهرة السلبية ألأخرى للسلطة الفلسطينية فى وظيفتها. فقد حددتها أتفاقية أوسلو بإحتواء وكبح القوى المقاومة ، ولذلك بدت وكأنها معادية للمقاومة ،وقد أنعكس ذلك فى تضخم المؤسسة ألأمنية والبيروقراطية واللتان شكلتا عبئا كبيرا على أداء السلطة ، وأفقدتها دورها التنموى من ناحية ، وجعل منها سلطة تابعة بسبب حاجتها للمساعدات المالية لتغطية الرواتب ، وانعكس ذلك فى التدخل ألأمنى ، والتراجع فى الطابع المدنى للسلطة ، وتمثلت نقطة الضعف الثالثه فى أن هذه السلطة فقدت البعد ألأجتماعى والتاييد من قبل كافة القوى والفصائل الفلسطينية ، فتحولت كما أشرنا الى عامل أنقسام وأختلاف ، وحولها أيضا الى مؤسسات هشة سقطت مع أول محاولة قامت بها حماس فى غزة بالسيطرة السريعة عليها .وهنا التساؤل كيف معالجة هذه السلبيات وجعلها سلطة جامعه وموحده، وأعادة تركيبة السلطة على أساس من التعددية والشراكة الحقيقة ، وعلى اساس التداول الملزم للسلطة ، بعيدا عن حالة الحزب الواحد المسيطر ، أو البنية الشخصانية للحكومة ، وبعيدا عن مفاهيم المحاصصة والتوزيع التنظيمى الضيق ، واعادة النظر فى وظائف الحكومة الفلسطينية فى ظل ألأحتلال ، وهنا تقفز الوظيفة الكفاحية والوظيفة التنموية ، وبناء أقتصاد ذاتى متحرر الى حد كبير من المؤثرات الخارجية تحظى بالشرعية الكلية ، أى أن المطلوب هو مؤسسة سياسية وطنية بوظائف محدده ، وليس مؤسسة حكومة بلا سلطات وصلاحيات سيادية ، مؤسسة سياسية تتوافق مع تحديات ألأحتلال . وبالمقابل فقد أنعكست هذه التركيبة الحكومية الغير حكومية على منظمة التحرير الذى تشكل ألأطار السياسيى الواسع الذى يفترض أن تتقيد به الحكومة ، وتكون تحت رقابتها ، على عكس ذلك قوضت السلطة الفسطينية صلاحيات المنظمة ، وحولتها الى مؤسسة تابعه ماليا ، وقلصت من سلطاتها ، وحولتها الى مجرد مكاتب شكلية ،وهذه العلاقة المقلوبة أفقدت منظمة التحرير بعدهاالسياسى والتمثيلى ، وأنقصها من شرعيتها السياسية ، وأفقدتها مكانتها وشخصيتها الدولية التى حلت محلها السلطة الفلسطينية بوزاراتها المختلفة ، فالخارجية اخذت سلطة الدائرة السياسية ، والمالية جاءت على حساب الصندوق القومى . وهكذا فقدت منظمة التحرير قدراتها المالية والتمثيلية ، وتحول أعضائها الى موظفين تابعين للسلطة الفلسطينية . والمفارقة التى أوقعت السياسة الفلسطينية فى مأزق أن وظيفة المنظمة أنحصرت فى التوقيع على أتفاقات السلام وألأعتراف بإسرائيل مما شكل قيدا على تطويرها وتفعيلها وتوسيع دائرة تمثيلها بدخول القوى السياسية المعارضة لمنهاج التسوية كحركة حماس والجهاد وغيرها من القوى المعارضة . وفرضت هذه المعطيات السياسية الى ضرورة أصلاح المنظمة حتى تتحول الى أطار سياسى قادر على أحتضان جميع القوى السياسية الفلسطينية من خلال مشروع وطنى فلسطينى يحدد سمات وهيكلية وترتب المؤسسات السياسية الفلسطينية ، وفى مقدمتها منظمة التحرير التى تشكل الكيان الذى نشأ قبل ألأحتلال ، وهذا يتطلب أعادة المصداقية والتمثيلية والشرعية للمنظمة ، وهذا لا يتحقق ألا من خلال المشروع الوطنى الذىيأخذ فى أعتباره كل هذه المحددات وألأهداف والتحولات والتغيرات السياسية الفلسطينية وألأقليمية والدولية .وذلك من خلال الأتفاق على الثوابت الوطنية الفلسطينية ، والتمسك بمرجعية منظمة التحرير كمرجعية سياسية عليا ، وبالمشروع السياسى الذى يعتبر أطارا للحركة السياسية تلتزم به كل الحكومات الفلسطينية ، مع ألأقرار بخصوصية كل تنظيم فلسطينى بما لا يتعارض مع المحددات العامة للمشروع الوطنى الفلسطينى .ومراعاة ألأبتعاد بمنظمة التحرير الفلسطينية عن السيطرة الحزبية ، والأستقلال بينها وبين مؤسسات السلطة من الهيكلية والتداخل الشخصى .وهذه ألأشكالية المؤسساتية لا يمكن ان تجد حلا لها ألا من خلال المشروع الوطنى الفلسطينى الذى تشارك فى صياغته جميع القوى الفلسطينية بكل مستوياتها ـ والذى يحظى فى النهاية بالتبنى الشعبى من خلال أ لأستفتاء العام الذى يضفى عليه الشرعية الشعبية الى جانب الشرعية السياسية ، أو من خلال تصديق مؤسساته التمثيلية.

 

ألأهداف والثوابت

لا تناقض بين ألأهداف والثوابت الوطنية لأى شعب ، وفى الحالة الفلسطينية يبدو عدم الوضوح وألأتفاق واضح حول ألأهداف وعلاقتها بالثوابت. فالثوابت تشكل ألأساس التاريخى والأيدولوجى والعقيدى وألأساس السياسى والقانونى الذى تستمد منه ألأهداف مرتكزاتها ومحدداتها . وقد يكون  هناك أتفاق عام حول الثوابت الفلسطينية الرئيسة ، لكن ألأهداف تتباين وقد تختلف حسب المرجعية والمنهاج الذى يتم ألأعتماد عليه فى تحديد هذه ألأهداف ، فوفقا لمرجعية التسوية قد يكون هدف قيام الدولة الفلسطينية فى أطار حدود الرابع من يونيو 1967 هدفا مقبولا ، بل قد يذهب هذا ألأتجاه الى القبول بدولة مقيده ومنزوعة السلاح ، ومن أهدافه أيضا أنهاء ألأحتلال ألأسرائيلى بكل صوره ، وبقيام حكومة فلسطينية بسيادة وظيفية ، وقد لا يمانع هذا المنهاج فى قيام روابط أقليمية بين هذه الدولة الفلسطينية والدول العربية المجاورة فى أطار من الحل الكونفدرالى أو الفيدرالى ، وبقيام علاقات أقتصادية مع أسرائيل ، وقد من أهدافه التمسك بقرارات الشرعية الدولية ، وألهداف البديلة لهذا المنهاج قد يكون بالعودة الى ألمم المتحده وأحياء قرارات الشرعية الدولية كأحياء استصدار قرار من ألأمم المتحده بقيام الدولة الفلسطينية ، أو بتبنى خيار الدولة الواحده لشعبين أو هدف الدولة ثنائية القوميتين ،وقد يتحدد الهدف بقيام الولة الفلسطينية عبر مرحلة زمنية بتوفير البنية التحتية لهذه الدولة خلال فترة زمنية محدده ، وأما عن ألأساليب التى ترى أنها ألأكثر نجاعة وقابلية للتحقيق فمن خلال التمسك بخيار المقاومة الشعبية السلمية التى تتناسب وهذه ألأهداف ، والتى تنبع من الطبيعة الجغرافية والطبوغرافية للأراضى الفسطينية فى الضفة الغربية ، وهذا المنهاج يتوافق مع أهدافه السياسية ، فلا يستقيم الحديث عن الوسائل العسكرية فى الوقت الذى يتمسك فيه بالخيارات السلمية والتفاوضية حتى بالنسبة للأهداف البديلة المذكورة ، ويأخذ على هذا المنهاج فيما يتعلق بألأهداف والاليات عدم الوضوح والتحديد الدقيق لهذه ألأهداف وقابليتها للتنفيذ، وبالمقابل المنهاج ألآخر الذى يعتمد مرجعية المقاومة فأهدافه تبتعد قليلا عن أهداف االمرجعية ألأولى ، فالحديث عن أهداف أكثر طوباوية ومثالية فى هذه المرحلة ، فالتركيز هنا على ألأهداف البعيده التى تتمثل فى فلسطين كلها ، وفى أنهاء أسرائيل كدولة ، وفى أحلال مؤسسات السلطة والحكومة وأستبدالها بهيئات عمل وطنية ، هنا التركيز على المقاومة المسلحة ، وعدم جدوى المقاومة السلمية والشعبية ، وفى أطار هذا الهدف الواسع والشامل الذى يرى فلسطين وكأنها وقف أسلامى ، لا يمكن لأى تنظيم ولأى دولة ، ولا لأىفلسطينى التصرف به والتنازل عنه ، قد لا يمانع بالقبول المرحلى لأى أنسحاب أسرائيلى من ألأراضى الفلسطينية ، لكن دون مقابل بالأعتراف مثلا بإسرائيل . ولا يختلف هذا المنهاج عن ألأول فى أنه قد يتسم بعدم الواقعية ، وبعدم الوضوح فى تحديد ألأهداف الفلسطينية التى تحكم أطار الحركة السياسية الفلسطينية فى مرحلة التحرر الوطنى . وبناءا علية هناعدم ألتقاء فى تحديد ألأهداف والوسائل اللازمة لتحقيقها فى مرحلة التحررالوطنى . وقد يعزى هذا الى عدم الوضوح فى الرؤية السياسية الفلسطينية التى تأخذ فى أعتبارها المحددات الفلسطينية التى صياغة هذه ألأهداف . ولا شك ان طبيعة المرحلة الفلسطينية هى التى تحدد ما هية ألأهداف الفلسطينية ، فأولا نحن نعيش مرحلة تحرر وطنى بالتالى لا يمكن تجاهل أهداف أنهاء ألأحتلال ألأسرائيلى ، وقيام الدولة الفلسطينية ، ووقف كل أشكال ألأستيطان والمحاظة على المقدسات ألأسلامية ، ودعم الصمود الفلسطينى بدعم التواجد السكانى وتمسكه بارضه والحفاظ على وحدانية ألأرض والسكان ، وهذا يستلزم هدف ضمان التاييد الدولى ، وتفعيل وأحياء قرارات الشرعية الدولية ، وحيث أن هذه المرحلة أيضا مرحلة بناء سياسى وتحرر أقتصادى ، فذا يتطلب تحديد أهداف فى بناء مؤسسات سياسية وطنية ديموقراطية ، وذات شفافية ونزاهة فى ألأداء ، والعمل على تنويع مصادر الدخل ألأقتصادى ، وتشجيع ألأستثمارات الفلسطينية الخاصة ، وأستيعاب قوة العمل الفلسطينية المتزايده ، وتطوير مؤسسات التعليم بما يخدم هذه ألأهداف .

وتحقيقا لهذه ألأهداف لا بد من الأعتماد على وسائل متعدده وتتراوح ما بين ألأساليب السياسية ، والمقاومة الشعبية المدعومة بإقتصاد ذاتى ألأعتماد ، مع تفعيل دور كافة المؤسسات المدنية فى الداخل وفى الخارج حتى فى داخل أسرائيل .

وهذه ألأهداف لا تتناقض مع الثوابت العليا ولا حتى مع ألأهداف البعيدة ، لأنها تفترض أستمرار الصراع ولكن بوسائل أخرى ، من خلال تغيير موازين القوى ، وتغيير المنظومة الثقافية والقيمية التى تحكم الصراع ، وخصوصا إذا مأ خذنا طبيعة الصراع وخصائصه وكليته وشموله  فى ألأعتبار.

 

ألآليات والوسائل

ترتبط الوسائل وألأدوات بالأهداف ، وألأمكانات وعتاصر القوة المتاحة ، وبطبيعة الصراع وخصائصه، وبالبعد ألأقليمى والدولى للقضية الفلسطينية ، وبموازين القوة وخارطة التحالفات التى تحكم العلاقات ألأقليمية والدولية .وتستند أولا على ألقرار بعدم قدرة الفلسطينيين ، وفشلهم فى أنهاء ألأحتلال ، على الرغم مما قدموه من تضحيات مادية وبشرية ، وثانيا من أصرار أسرائيل على ألأستمرار فى سياستها ألأستيطانية الإقتلاعية ، وثالثا من الدور الخارجى ، والضعف العربى وألأسلامى ، ومن التسليم بأهمية العامل السكانى ، وعلاقاته المتشابكة والمتداخلة فى داخل أسرائيل وفى الداخل الفلسطينى . وفى ضوؤ هذا ألأعتبارات لا يمكن ألأعتماد على خيار أو وسيلة واحده ، لأننا أمام نموذج من الصراع المركب والبنيوى الذى تتعدد عناصرة وتتداخل وتتشابك لدرجة لا يمكن التقليل من تأثير اى أسلوب من ألأساليب ، فالقضية الفلسطينية هى نتاج تفاعلات وموازين وحسابات سياسية دولية ، وهذا العامل لا يمكن أسقاطه فى معادلة الصراع ، ولا بد من ربطه بألأهداف الفلسطينية الساعية نحو أنهاء ألأحتلال ، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة . وبناءا عليه هناك رزمة متكامله من ألأساليب التى يعتمد كل منها على ألآخر ، بمعنى التعامل مع ألأسالب وألأدوات من منظور ورؤية كلية وشامله ، ومن منظور منهج ألأعتماد المتبادل . ومن هذه ألأساليب :

أولا: الحق فى المقاومة ، والربط بين هذا الحق وألأحتلال ، فطالما أستمر ألأحتلال بقيت المقاومة قائمه كدليل على رفض ألأحتلال ، لأن عدم المقاومة يعنى التسليم والقبول بألأحتلال ، بصرف النظر عن قدرة هذا الخيار على أنهاء ألأحتلال. وتتحدد هذه المقاومة بعوامل كثيرة بعضها يتعلق بألأحتلال ، وبالعوامل الجغرافية المتداخلة ـ وبالعوامل السكانية المتشابكة ، وبعوامل القوة المتاحة ، لذلك التركيز على المقاومة الشعبية السلمية بكل أشكالها ، مع حق الشعب الفلسطينى فى المقاومة المسلحة إذا أقتضت الضروة ذلك ، وألأبتعاد عن كل أساليب المقاومة التى قد تقع فى دائرة ألأرهاب والعنف .

ثانيا : والأسلوب الثانى ولا يقل أهمية عن الخيار الأول ، وهو الخيار السلمى والتفاوضى ، فأسرائيل دولة قوة ، ولا يجدى مع دول القوة ألأ التمسك بهذا الخيار ، ومن شانه أن يضمن التأييد الدولى اللازم لقيام الدولة الفلسطينية ،وهذا الخيار يحتاج الى رؤية للسلام واضحة ، وإلى مبادرة فلسطينية محدده ، فلا يكفى الرفض لكل ما هو مطروح ، وتحتاج الى شجاعة وجرأة فى الطرح طالما أن هناك رؤية بعيده شامله للصراع وأدواته ، وهذاا لخيار لا يعتمد على الفلسطينييين فقط بل يعتمد على تفعيل المتغيرات ألأقليمية والدولية ألأخرى.

ثالثا : إقامة المؤسسات الوطنية والحفاظ على الكينونة الفلسطينية بإعتبارها أطارا تنظيميا وبنائيا مهما لحفاظ على الهوية والشخصية الفلسطينية .

رابعا : تنمية وتطوير ألأمكانات ألقتصادية الداعمه لخيار المقاومة والخيار السياسى ، بما يضمن أستقلالية القرار الفلسطينى ، أوعلى أقل تقدير تخفيف المؤثرات الخارجية عليه.

خامسا ، الحفاظ على وحدانية الشخصية وألأرض الفلسطينية ، وضمان التواصل بين الداخل والخارج من خلال منظومة من تفعيل وأصلاح منظمة التحرير للقيام بهذا الدور ، ومن خلال المؤتمرات ذات الصبغة العالمية .

سادسا : أحياء وتفعيل كل قرارات الشرعية الدولية ، وتفعيل دور ألأمم المتحده ، وهنا ياتى دور تحميل المسؤولية الدولية عن نشؤ القضية الفلسطينية ، ودورها فى أنهاء ألأحتلال ،وقيام الدولة .

سابعا : تفعيل دور المؤسسات المدنية الدولية ودور ناشطى حقوق ألأنسان والسلام ، لما لهذا الجماعات من دور مؤثر فى نظمها ، وعلى صانعى القرار السياسي فيها .

ثامنا ، التركيز على البعد الثقافى فى الصراع ، ومحاولة التركيز على أظهار الوجه ألأحتلالى واللاأخلاقى للأحتلال ، وابراز سياسة أرهاب الدولة الذى تقوم به أسرائيل . وهذا يقتضى تفعيل دور كل المؤسسات والمنظمات الدولية ، ودور الجامعات والمؤسسات التعليمية . فالصراع فى جانب مهم منه صراع ثقافى ، وهذا يتطلب تغييرا فى لغة ومفردات الخطاب الثقافى وألأبتعاد عن المفاهيم التى تخدم الأحتلال وأستمراره .

تاسعا : التركيز على تفعيل دور المواطن الفلسطينى العادى ، فهو ألأساس فى معادلة الصراع ، وهذا ألأسلوب يحتاج الى خطة كامله تقوى ألتصاقه بالأرض ، وتنمية وتقوية أرتباطه وولائه ، وتشجيع بقائه ، ودعم صموده ، وحتى يتحقق ذلك لابد من أحترام آدمية هذا ألأنسان ، وحماية حقوقه وحرياته ، ومشاركته فى صنع القرار، والتواصل بينه وبين القيادة السياسية.

عاشرا : إقامة النظام الديموقراطى ،والثقافة السياسية المشاركة والمسؤولة ، والثقافة السياسية المدنية ، وهى تشكل أحد أهم مكونات الثقافة الفلسطينية . فالصراع فى جانب منه صراع مابين التقدم والتخلف السياسى ، والربط بين ذلك والقدرة على ممارسة حق تقرير المصير ، وادارة النظام السياسى على أساس من الديموقراطية ، لقد كان من عوامل نجاح أسرائيل أنها قدمت نفسها على أنها أمتداد للديموقراطية والحضارة الغربية.

حادى عشر : التأكيد على البعد العربى وألأسلامى للقضية الفلسطينية ، والعمل على أعادتها على أولويات ألأجندة السياسية عربيا وأسلاميا ، فالجانب الدينى والقومى يشكلان أحد أهم مكونات القضية الفلسطينية . ولعل أحد اسباب التراجع فى القضية الفلسطينية هو تراجع القضية على هذين المستوين ، ولا شك فقد لعب الفلسطينيون دورا مباشرا فى ذلك .

ثانى عشر : العمل على جعل القضية الفلسطينية حية فى الضمير المجتمعى على مستوى المواطن العربى ولأسلامى ، من خلال التواص بين مؤسسات المجتمع .

ثالث عشر : أعادة النظر فى مفردات الخطاب السياسى وألأعلامى ، وألأبتعاد عن الخطاب الشعاراتى والعاطفى ، واللارادوى ، والتركيز على الخطاب العقلانى ،فنحن فى حاجة لمخاطبة الآخرين وليس لمخاطبة أنفسنا . وهذا يستلزم ألأبتعاد عن مفردات التدمير والقتل والفناء لأسرائيل مثلآ والذى يظهر فى مفردات الخطاب الدينى ، وحتى الوطنى . فأسرائيل مثلا تقوم بالحرب والتصعيد العسكرى وتتحدث فى الوقت نفسه عن السلام.

ثالث عشر : عدم المبالغة فى قدراتنا العسكرية ، وتصوير ما نملكه من سلاح وكأنه يرقى الى مستوى التسلح النووى القادر على فناء أسرائيل . وهو ما يتطلب أعادة ترشيد وتقييم لعناصر القوة المتاحة ، ومعرفة متى توظف ، والتعامل مع عناصر الضعف لدى أسرائيل وليس عناصر القوة.

 

محاولة للتفسير

يتضح من التحليل السابق أن المشروع الوطنى الفلسطينى قد اخفق فى كافة مراحله فى دحر المشروع الصهيونى ، وأنهاء الأحتلال وقيام الدولة الفلسطينية ، فى البدء ضاع اكثر من ثلثى فلسطين بغعلان دولة اسرائيل فى عام 1948 ،ولم يتبق من فلسطين سوى الضفة الغربية التى الحقت بالمملكة ألأردنية الهاشمية فى عام 1950 ,وقطاع الذى أدير من قبل مصر حتى ضاع كلاهما فى حرب 1967 ،وبقى ألأمر على ما هو عليه حتى ألأن على الرغم من إنسحاب أسرائيل من قطاع غزة ، وأستمرار سيطرتها على معظم أراضة الضفة الغربية ، وعلى الرغم من أتفاقات أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينة ، وألأعتراف بإسرائيل من قبل منظمة التحرير فما زال ألأحتلال ألأسرائيلى قائما على كل ألأراضى الفلسطينية ، بما فيها قطاع غزة ، وإذا كان لهذا من تفسير فهو أخفاق مشروع التسوية حتى ألأن فى تحقيق ألأهداف الفلسطينية القومية . فمع هزيمة 1967 ، حدث تحول أستراتيجى فى الفكر القومى العربى ، وفى المشروع الوطنى الفلسطينى ، فقد أدت نكسة 1967 وأحتلال كل ألأراضى الفلسضينية ، وأراض عربية فى مصر وسوريا الى القبول بمنهاج التسوية السياسة مع أسرائيل مقابل أنسحابها من ألأراضى العربية ، وقيام الدولة الفلسطينية . ومنذ ذلك الوقت ومسار التسوية قائما ، بالرغم من عدم ألتزام أسرائيل بالأنسحاب من كل ألأراضى السورية والفلسطينية .

ولا شك أن أتفاق أوسلو ورغم كل مساوئه ، وسلبياته فإنه يشكل نقطة تحول هامة فى مسار الصراع على المستوى الفلسطينى ألأسرائيلى .فكان اعتراف أسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطينى تطورا تاريخيا إذا ما اخذنا فى ألأعتبار أدعاءات اسرائيل بإسرائيل الكبرى وبأرض لشعب ، لشعب بلا أرض . ومن ناحية اخرى فإن خبرة بعض حركات التحرر قد اثبتت أن الكثير من ألأتفاقات حتى الناقصة منها قد قادت إلى ألأستقلاق السياسى ، وفى الوقت ذاته فإن هذه ألأتفاقات قد فرضت واقعا سياسيا فلسطينيا يصعب تغييره ، أو تجاوزه فى أى واقع سياسى جديد. ومن التطورات الجديرة بالأشارة أن هناك الكثير من التطورات السياسية التى صاحبت توقيع هذه ألأتفاقات ، أبرزها مباحثات قمة كامب ديفيد الثانية ، ومسيرة التفاوض الطويلة والتى كلها تؤكد على أن خيار السلام والتسوية مرتبط بما تقدمه أسرائيل وبالوقف ألأمريكى ، وأعقب ذلك أنتفاصة ألأقصى الثانية، وما تبعها من حصارسياسى وتقييد أقتصادى ، أنتهت بإغتيال للرئيس عرفات ،ووصول الرئيس عباس للرئاسة ، ثم فوز حماس فى ألأنتخابات الفلسطينية التشريعية ، والدخول فى مرحلة التنازع على المرجعية السياسية وأنقسام الموقف السياسى الفلسطينى ما بين متمسك بخيار التسوية رغم عدم جدواه ، وخيار المقاومة رغم معوقاته وتحدياته . وإذا كان لهذا من دلالة سياسية فإن الفلسطينيون لا يستطيعوا التحرر من هذين الخيارين ، وبالتالى يبقى السؤال كيف يمكن التوفيق بينها فى أطار من الرؤية السياسية الواحده؟

وعموما لعل أهم المعضلات التى تواجه المشروع الوطنى الفلسطينى : معضلة الثنائية المرجعية ، واصرار كل طرف على أن موقفه ورؤيته هى الرؤية الصحيحة والقادرة على الوصول الى ألأهداف الفلسطينية وقد أثبتت الخبرة السابقة قصور الرؤيتين : والمعضلة الثانية هى المعضلة المؤسسية ، واقصد بذلك ، فعلى الرغم من أهمية بناء المؤسسات السياسية كمصلحة فلسطينية حتمية ألا أن الفلسطينيين قد فشلوا فى بناء المنظومة السياسية الكفاحية والتنموية ، فقد أستشرى الفساد والخلل ألأدارى فى ألأداء ، وفى فقدان ممارسة السلطات والصلاحيات وهو ما حولها الى مؤسسات ورقية عاجزة عن تحقيق أهدافها ، وغير قادرة على تحقيق هدف الدولة وأنهاء ألأحتلال . وهناك ثالثا معضلة الخلافات وضعف البنية الفصائلية ، وهذه أحد اهم المعضلات التى قد واجهت المشروع الوطنى الفلسطينى ، فالخلافات الفصائلية واكبت العمل الفلسطينى عى مختلف مراحل نضاله ، ولم يكن فى أى وقت أتفاق فلسطينى بينها وكانت سمهة ألنقسام ، وسياسة المحاور التى أرتبطت بها هذه الفصائل ، وفى الوقت ذاته تعانى هذه الفصائل من ضعف فى الممارسة الديموقراطية ، والسيطرة النخبوية والشخصانية ، وغلبة الخطاب السياسى الشعاراتى على برامجها السياسية ، وما زالت هذه الخلافات حاده ومركبة . والمعضلة الرابعة معضلة عدم التوازن فى التعامل السياسى الفلسطينى ، والمقصود بذلك هيمنة فكرة الحزب والتظيم ألأكبر ، وكان القوى والتظيمات الأخرى الصغيرة لا وزن لها . واخيرا المعضلة التى قد شكلت فشلا فى التعامل السياسى الفلسطينى ، هو عدم قدرة الفلسطينيين فى تحييد التأثيرات الخارجية على المتغير الفلسطينى وبدلا من أن يكون المتغير الخارجى فى صالح المصلحة الفلسطينية وظف المتغير الفلسطينى فى مصلحة مصالح لدول اخرى ، وهو ما أوقع الفلسطينيون فى دائرة سياسات المحاور ألأقليمية والدولية و وهناك جانب آخر للمؤثرات الخارجية ، وهو عدم القدرة على تفعيل قرارات الشرعية الدولية ،وفى نجاح اسرائيل فى توظيف الدعم الدولى ، والذى تمثل فى التاييد ألأمريكى للقرار والسياسة ألأسرائيلية . هذه المعضلات الخمس هى التى تفسر لنا الفشل الذى لحق بالمشروع الوطنى الفلسطينى ، وأفقده هويته الفلسطينية .

 

المشروع الفلسطينى المطلوب

فى ضوء كل ألأعتبارات السابقى تبدو المصلحة الوطنية لمشروع وطنى فلسطينى يأخذ فى كل مكوناته كل المحددات التاريخية والسياسية والأيدولوجية والعقيدية والحضارية ، والمحددات ألقليمية والدولية . والخطوة ألأولى فى ذلك لا بد من واجهة كل السلبيات ، وألأعتراف بكل ألأخفاقات السابقة ، والتحرر من الخطاب السياسى الشعاراتى اللاواقعى ، فلم يعد هذا الخطاب يصلح مع صراع وقضية تحكمها معطيات السياسة الواقعية أكثر من المعطيات المثالية والطوباوية . والتأكيد على الحاجة الى المؤسساتية الحوارية الدائمه التى من خلالها تتم أدارة كل الخلافات بطريقة سلمية . والأبتعاد عن ألأفكار التقليدية ، فالمشروع الوطنى الفلسطينى فى حاجة الى فكر ناقد وتجدد ومبدع ، ويحتاج الى جرأة وشجاعة فى الطرح دون خوف طالما أنه ياتى فى أطار الثوابت العليا والرؤية المستقبلية البعيده ، والأبتعاد عن الشخصانية فى صناعة القرار والسياسة الفلسطينية ، فقرارات التحرر الوطنى تحتاج الى مشاركة وتواصل بين كل قوى الشعب الفسطينى . وبناءا عليه المشروع الوطنى الفلسطينى هو مشروع شعب بأسره وليس مشروعا نخبويا ، ومشروعا متجددا مع التطورات والمعطيات المتجددة والمتغيرة والمصاحبة للصراع العربى ألأسرائيلى ، وهو شمولى فى رؤيته ومعالجته لكل القضايا ، وتكاملى وترابطى فى مرجعياته وخياراته ، وأنسانى فى بعده الحضارى ، وتحررى بنائى ، وسياسى ومقاوم فى نفس الوقت ويأخذ فى أعتباره أنه ابعد من ألأطار الزمانى والمكانى للصراع . وهنا حتمية ألأنفتاح على ألأبعاد الأقليمة والدولية ، وهو مشروع أفكار وليس مجرد بنود وارقام ، ومشروع توجهات وليس مجرد قرارات . كل هذه ألأعتبارات تفرض توافر المحاور التالية :

أولا توافر أرادة التحرر والبناء:فتوافر هذه ألأراده شرط ضرورى للالتقاء حول رؤية أستراتيجية للمشروع الوطنى ، بدون هذه ألأراده لا يمكن النهوض بالمشروع الوطنى ، فالصراع القائم ليس مجرد صراع على الحكم أوالسلطة أو صراع حول أرادات قوة ، بل هو صراع بقاء وتحرر وتنمية ، ولا يجوز أحلال صراع محل ألأخر ، بمعنى لا يجوز أحلال الصراع ألأصغر محل ألصراع ألأكبر. وللفلسطينيين عبر تاريخهم السياسى النضالى ورغم كل مراحل التراجع والفشل أحيانا ، هناك مراحل ومواقف تاريخية وسياسية حققوا فيها أنجازات حفظت استمرار هويتهم من ألأندماج وألأنصهار فى بوتقات أكبر. فهذه ألأراده هى الكفيلة بالقدرة فى التعامل مع الواقع المتغير ، والقدرة على التكيف معه بما يحقق أهداف المشروع الوطنى فى ألأستقلال والبناء.وأهمية هذه ألرض أنها تبحث عن عوامل القوة وألأستنهاض ، وليس الغرق فى عوامل ألأنقسام والفرقة . وهذه ألأراده ليست مجرد رؤية نظرية ، بل تحتاج ثانيا الى توافر الآليات وألأدوات والوسائل وألأمكانات المادية والبشرية ، والدعم السياسى والأقتصادى الخارجى لإنجاح هذه ألأراده،واساس هذه ألاليات هو ألأنسان الفلسطينى وتنمية قدراته ألأبداعية بتوفير البيئة السياسية وألأقتصادية المهيأة لتفعيل قدراته وقوه العقلية والعلمية .وينبغى أن تتوافر فى هذه الآليات سمة التواصل فى التفاعل السياسى وبين ألأجيال المتعدده ، وفى الحوار الدائم ، وفى تراكم عناصر النجاح وهى سمة افتقدها العمل الوطنى الفلسطينى ، فلو تم البناء على عناصر النجاح ولو كانت صغيرة لأنجز المشورع الوطنى الكثير من أهدافه ، والسمة الثالثة فى هذه الآليات التكامل والترابط بين عناصرها فليس معنى تراجع خيار أو منهاج معين أنه لم يعد صالحا ن وليس معناه توقف أسلوب أو منهاج على ساب الآخر. وثالثا الشمول فى الرؤية ، فلا يجوز فصل أو عزل الضايا بعضها عن بعض ، فالمشروع الوطنى يتسم بالشمول ، وهذه الشمولية تستوجب الشمول فى النعالجة والتناول ، فمثلا محور المقاومة لا يستقيم بدون الخيار السياسى أو بدون خيار التنمية والبناء . وهذه الشمولية تعنى المشاركة الكلية والجماهيرية ، وعدم ألأقتصار على الرؤية ألأحادية القاصرة على أن تلم بكل القضايا والموضوعات والمسائل ألتى يتكون منها الصراع.فالنهوض الفلسطينى فى شق منه تحرر ، وفى الشق الآخر بناء وتنمية . والمشروع سيبقى مجرد رؤية على ورق دون أن تتوفر البنية المؤسساتية الديموقراطية والمنظومة القيمية والثقافية التى تقوم على تنفيذ وأدارة هذا المشروع عبر خطط وسياسات قد تعتمد المرحلية فى ألأنجاز والتدرج فى تحقيق ألأهداف ، والواقعية فى التطبيق، وفى تراكم النجاح والبناء عليه . والمؤسساتية لا تقتصر على القوى والتنظيمات السياسية فقط ن ولا على المؤسسات السلطوية ، بل على تضافر كل المؤسسات المجتمعية ، وأن تعمل هذه المنظومة السياسية فى أطار من الثقافة والقيم الديموقراطية ، وبعيدا عن الفردانية والشخصانية فى صناعة القار ، فالحرر والبناء عملية مجتمعية كلية شامله فى سياق عملية واعية باهدافها وقدراتها وأمكناتها.وأخيرا تحتاج هذه الرؤية الى ضمانات قانونية [حترام سيادة القانون ، وبضمانات مؤسساتية مبنية على أساس من الوطنية والززاهة والشفافية ، وضمانات ثقافية أخلاقية عبر عملية تنشئة سياسية وأجتماعية تضمن بناء المواطنة والولاء لهذا المشروع وألألتزام به .

واخيرا السؤال هل من حاجة لهذا المشروع فى ظل ألأوضاع السياسية الفلسطينية ، والتحولات ألقليمية والدولية المتسارعة ، وفى ظل سياسة ألأحتلال المستمرة فى تهويد ألرض ومصادرتها بما لا يبقى مجالا لقيام الدولة الفلسطينية .؟

إن الحالة الفلسطينية المتراجعة ، وحالة التنازع حول الشرعية السياسية الفلسطينية , وغياب الرؤية الوطنية المقبوله ، وحالات التراجع الكثيرة التى عانى منها العمل الفلسطينى ، والدوران حول نفس الدائرة دون التقدم الملومس نحو ألأهداف الفلسطينية ، فالدولة ما زالت بعيده ، والمفاوضات غير مجدية فى المنظور القريب ، وألحتلال يترسخ على ألأرض ، كل هذا يفرض الحاجة للمراجعة الفكرية الناقده فى ظل منهاج من الفكر الغير تقليدى والذى يملك الرؤية الشمولية للصراع .

ــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية |جامعة الأزهر |غزه

--------------------

هذه الدراسة تعبر عن رأي كاتبها

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ