ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 30/12/2009


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

كتب

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


مفاهيم ومصطلحات توراتية شائعة يجب تصحيحها

مصطفى إنشاصي

في الحقيقة يسوؤني كثيراً أن أقرأ بعد تلك العقود الطويلة من الكشف عن كثير من الآثار والحقائق التاريخية في وطننا معلومات باعتقادي أنها خاطئة، نقلها لنا علماء الآثار العرب والمسلمين عن علماء الآثار الغربيين كما هي دون تمحيص أو حتى مراجعة وتدقيق ليكتشفوا ليس أنها فقط تخالف الحقائق القرآنية؛ ولكنها في الوقت نفسه تتناقض مع بعضها في بعض الأحيان. والسبب في ذلك أن البعض منهم اعتبر التوراة المحرفة والمزورة كتاباً دينياً (سماوياً) وليس من كتابة البشر، والبعض اعتبره مصدراً تاريخياً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في التوثيق لتاريخ البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام، على الرغم من أنه لا يوجد دليل آثاري أو تاريخي يؤكد صحة ما جاء فيها، بل العكس الصحيح، فلقد أثبتت الدراسات النقدية اللغوية والتاريخية وعلم الأديان، أن التوراة كتاب غير موثوق لا دينياً ولا تاريخياً ولا أنثروبولوجياً، وذلك لأنه كُتب في عهد متأخر عن زمن سيدنا موسى على أيدي كتبة يهود، أودعوا فيه جميع خرافات وأساطير الأقوام التي عاشت في العالم القديم التي ثبت عدم صحتها، ونسبوها إلى إلههم الخاص "يهوه"، وهو إله خاص بهم من دون كل البشر، وهو إله غير آلهة البشر الأخرى، كما أضافوا إليها جميع عقدهم النفسية ضد البشرية، وحشوا فيه كل اتجاهاتهم وتوجهاتهم السياسية المستقبلية إلى نهاية الكون، حول فلسطين والسيطرة على العالم، وجعلوا منها كتاب ديني موحى به من الله إلى أنبياء بني إسرائيل؟!

والبعض لم يُعر أي اهتمام لمسألة إن كان التوراة ككتاب ديني دخل عليه من التحريف والتزوير ما أخرجه عن سماويته، وحوله إلى كتاب من وضع البشر. أو إن كان يمكن الوثوق به كمصدر تاريخي خالي من الأساطير والخرافات والأهواء البشرية، ونقل منه ما هب ودب وكأنها حقائق تاريخية صحيحة لا ترقى إلى الشك وبنى عليها كثير من استنتاجاته عن الأحداث التاريخية التي استشهد عليها منه. على الرغم من علم الكثير مِمَنْ ينقل عن التوراة أنها كتبت بعد القرن الخامس قبل الميلاد في أيام السبي البابلي. وقد زيد عليه بعد ذلك حسب كل مرحلة إلى أن أخذ شكله الحالي.

فالتوراة لم يكن وحياً كما يدعي اليهود وعلماء اللاهوت النصارى الذين يقدمونه إلى المؤمنين به وغيرهم على أنه وحي من الله تعالى. لذلك جاء محتوياً على كثير من المتناقضات في رواياته حول الأحداث التاريخية وتاريخ الشعوب القديمة التي عرض لها، لأنه لم يكن شاهداً عليها. وجاء مخالفاً لأغلب الحقائق العلمية والجغرافية والفلكية وغيرها مما أصبح مسلمات علمية في هذا العصر. ومع ذلك مازال يؤمن به النصارى. أضف إلى ذلك أننا مسلمون وأن المولى جل وعلا قد أخبرنا في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن التوراة زُورت وحُرفت وأنها كتبت بأيدي أحبارهم. فلن نؤمن بما جاء فيها إلا بما يتوافق والقرآن الكريم فقط.

 كما أنهم بالإضافة إلى اعتمادهم التوراة المحرفة مصدراً تاريخياً موثوقاً فإنهم اعتمدوا على آراء علماء الآثار الغربيين، علماً أن أكثرهم اعتمدوا التوراة كأساس لدراساتهم الأثرية، وحاولوا تفسير المكتشفات بما يتفق وما جاء في التوراة، لذلك زيفوا كثير من الحقائق التاريخية لتخدم ادعاء اليهود بحقهم الديني والتاريخي في فلسطين والأرض من الفرات إلى النيل. أو وقعوا في سوء فهم بعض الأحداث التي جاءت غير متوافقة مع ما جاء في التوراة، فأولها تأويلات أفقدتها العلمية والموضوعية، وأصبحت أحداث ومعلومات تاريخية مزيفة. أضف إلى ذلك أن أغلب علماء الآثار من النصارى أي المؤمنين بحرفية ما جاء في التوراة مثل البروتستانت أو المؤمنين به ككتاب تاريخي ومقدمة لبعث المسيح، ومنهم من سخره اليهود لخدمة أهدافهم والمشروع اليهودي ـ الصليبي لتمزيق جسد امتنا الإسلامية ووحدة وطننا، وتشويه حقيقة تاريخ المنطقة. كما أننا من مطالعتنا لبعض ما كتبه علماء الآثار من المسلمين وجدنا أنهم ساروا إلى حد كبير على نفس المنهج الغربي في تناول كثير من الأحداث التاريخية، وخاصة ما يتعلق منها بعقيدة التوحيد، وأصول وأنساب البشرية والقبائل العربية الأصل، ومثل قصة الخروج وهلاك فرعون موسى عليه السلام وغيرها من الأحداث التاريخية التي تتعارض وصريح القرآن الكريم. ولأننا نريد أن نقدم رؤية تاريخية صحيحة لتاريخ الصراع وأحداثه اعتمدنا القرآن الكريم مرجعاً فيما يتعلق بتاريخ سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل.

تلك كانت جزء من مقدمة كتاب لم يرى النور منذ ثمانينيات القرن الماضي، حاولت فيه تصحيح كثير من المعلومات المغلوطة عن الصراع مع الغرب اليهودي ـ الصليبي، وقد بدأته بالبعد التاريخي الذي هالني ما وجدت فيه من أخطاء ومعلومات تاريخية ليست دقيقة للأسباب السابق ذكرها. ولأني أعشق التاريخ تجدني كلما وقع بصري على عنوان مقالة أو بحث له علاقة بتاريخ فلسطين والقدس في الفترة الأخيرة في المواقع الالكترونية سارعت لقراءته، وفي كل مرة تصدمني تلك المعلومات والأحداث التاريخية غير الصحيحة التي مازال كتابنا ومفكرينا يرددونها، في الوقت الذي تستحق منا فيه التوقف معها، وإعادة النظر فيها في ظل المتغيرات ومستجدات الواقع، أرى أنه يجب أن الفت الانتباه لها لأنها في اعتقادي أنها خاطئة تاريخياً.

المقدمة المنهجية

بعد تلك التوطئة السريعة لا بد لنا أن نعرض للمقدمة المنهجية بشكل علمي أكاديمي على النحو التالي:

أولاً: دواعي ومبررات اختيار الموضوع:

1ـ لقد ثبت علمياً وتاريخياً أن التوراة المُحرفة التي بين أيدينا كتاب من صياغة البشر وليس الوحي الذي أوحي به إلى سيدنا موسى عليه السلام. كما أنه ثبت أن الديانة اليهودية الحالية التي يدين بها أتباعها من اليهود، هي ديانة وثنية، وليست الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا موسى. إضافة إلى ذلك؛ أن الإله الذي يعبده اليهود حالياً (يهوه)، هو خاص باليهود وحدهم وليس إلهاً لجميع البشر، كما ثبت أنه إله (كنعاني) سطا عليه اليهود وأكسبوه الصفات التي تتناسب وطباعهم الشريرة، وفي الوقت نفسه جعلوا له زوجة وأبناء مثل بقية الآلهة (الكنعانية). وقد ثبت أن العهد وجميع الوعود التي منحها الرب لأنبياء التوراة لا تخص اليهود وحدهم من ذرية سام بن نوح، ولكنها عالمية تخص جماعة المؤمنين عند بعض علماء اللاهوت النصارى، وأنها تخص أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندنا نحن المسلمون، ومن خلالنا تتحقق في جميع البشر.

2ـ إن القرآن الكريم كذب صحة تلك الأنساب التي وردت في التوراة عن أصل البشرية، من لدن آدم عليه السلام، واختزلها كتبة التوراة المحرفة في ذرية سيدنا نوح عليه السلام، وأبنائه الثلاثة (سام وحام ويافث). ولأن العلماء والمؤرخين المسلمين قديماً وحديثاً لم يأخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كذب النسابون) ـ كما سيأتي معنا ـ عندما أخذوا بأنساب التوراة وقسموا العرب إلى عرب بائدة وعاربة ومستعربة، وأبادوا معظم ذرية أبناء سام بن نوح الذي وعده (يهوه) بالبركة والسيادة العالمية هو وذريته بحسب رواية التوراة، فقد وقعوا في الشرك الذي أعده كتبة التوراة المحرفة، واعتبروا معظم العرب من ذرية إخوة أرفخشذ بن سام بن نوح عرب بائدة، ولم يبقَ من ذرية سام إلا ذرية أرفخشذ فقط، ورفضوا في الوقت نفسه الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في رفع نسب قحطان، أبو القبائل اليمينية إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وأخذوا برواية التوراة ورفعوا نسبه إلى عابر حفيد أرفخشذ، تأولاً لسم يقطن الوارد في التوراة، علماً أن التوراة أبادت يقطن وذريته.

3ـ تبين من خلال كثير من المتناقضات التاريخية التي كشف عنها علماء الآثار الغربيين في وطننا، لتوافق وما ورد من روايات تاريخية خرافية وأسطورية في التوراة، ونقلها عنهم المؤرخين وعلماء الآثار المسلمين والعرب، تبين عدم صحتها، وعدم صحة كثير مما وضعه علماء الآثار الغربيين ومَنْ يزعمون أنهم علماء (الشعوب واللغات السامية)، وما انبثق عنها كثير من المصطلحات والمفاهيم التي أصبحت مسلمات وبدهيات علمية وتاريخية عندنا، تبين أنها كلها وضعت لخدمة أهداف الصهيونية واليهودية العالمية في وطننا، ولضرب كل تطلعات الأمة للوحدة والنهضة واستعادة دورها الرسالي والحضاري العالمي. لذلك فنحن نتداول مصطلحات ومفاهيم وأحداث تاريخية على أنها حقائق دون أن نلتفت إلى خطورتها.

ثانياً: الهدف من الدراسة:

لذلك تهدف الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الغايات والأغراض والأهداف التي نرى أنها تهم مستقبل الأمة ومصلحتها العامة، منها:

1ـ تصحيح مفاهيم شائعة بين المثقفين والعامة تخدم في النهاية الأهداف والغايات الغربية والصهيونية في وطننا وضد أمتنا وديننا.

2ـ إبراز الأدلة والبراهين التي تؤكد خطأ تلك المصطلحات والمفاهيم، وعدم صحة تلك التي تسمى حقائق تاريخية وهي ليست كذلك.

3ـ التوصل إلى رؤية منهجية إسلامية لمعالجة ذلك الموضوع، بما يسهم في تأسيس منظور معرفي جديد لقراءة ما هو متاح من دراسات في هذا الصدد.

ثالثاُ منهجية الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي للوصول على نتائج علمية دقيقة، من خلال تناول النقاط التالية:

القسم الأول

المبحث الأول: اليهودية بين ما هو سماوي وما هو بشري ووثني. وسنتناول فيه:

1ـ هل التوراة هي حقاً كتاب سماوي أم كتاب من وضع البشر؟.

2ـ اليهودية ديانة وثنية.

3ـ إله اليهود (كنعاني).

4ـ إله اليهود له زوجة وأبناء.

5ـ عالمية العهد لنوح وأصل الأجناس في التوراة.

6ـ عالمية الوعد لسيدنا إبراهيم في التوراة والمسلمون هم المقصودين به.

المبحث الثاني: أصل البشرية بين رؤية التوراة ورؤية القرآن. وسنتناول فيه:

1ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كذب النسابون).

2ـ القرآن الكريم يثبت عكس ما ترويه التوراة حول سيدنا نوح و أبنائه وذريته، وأن أصل البشرية لا يقتصر على ذريته، وإنما يمتد إلى ذرية الناجين معه في السفينة من الغرق بالطوفان.

3ـ حديث سام بن نوح أبا العرب.

4ـ أصل العرب وحقيقة مفاهيم العرب البائدة والعاربة والمستعربة. هل هناك فعلاً عرب بائدة حقاً كما يزعم القائلين بذلك؟.

5ـ ذرية بعضها من بعض.

6ـ عروبة سيدنا إبراهيم.

القسم الثاني

المبحث الثالث: حقيقة الشعوب واللغات السامية. وسنتناول فيه:

1ـ علماء الآثار وحقيقة الشعوب واللغات السامية.

2ـ العبرية الحالية ليست العبرية القديمة، لغة (الكنعانيين).

3ـ واجب تصحيح الأسماء وتسليط الضوء على مدى صحة بعض المصطلحات والأسماء، مثل (السامية ، الكنعانية، الفينيقية، العبرو والعبيرو).

4ـ فرعون موسى؛ هل هو فرعون واحد أم أكثر من فرعون كما يزعم علماء الآثار ليوافقوا روايات التوراة وخروج بني إسرائيل من مصر؟.

 

القسم الأول

المبحث الأول

اليهودية بين ما هو سماوي

وما هو بشري ووثني

1ـ هل التوراة هي حقاً كتاب سماوي أم كتاب من وضع البشر؟

قال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) سورة البقرة الآية 79.

بين أيدينا كتاب ما يسمى العهد القديم ـ التوراة ـ الذي رغم علم حاخامات اليهود، وعلماء التاريخ واللغويات وغيرهم من أهل الاختصاص أنه لا يوجد فيه حرف واحد مما أنزل على سيدنا موسى عليه السلام،  وأنه لم يكتبه، ولم يمليه على أي واحد من كتبته، إلا أن الجميع من المختصين والعوام يتعاملون معه وكأنه كلام الوحي، أو ما تلقاه موسى من الله تعالى في طور سيناء!! لأن التوراة كتاب مزور، قد كتب بعد القرن الخامس قبل الميلاد أيام السبي البابلي. وقد زيد عليه بعد ذلك حسب كل مرحلة إلى أن أخذ شكله الحالي، وهذا ما أثبته علماء التاريخ والآثار واللغات وغيرهم. وأن اليهود حشوا فيه كل اتجاهاتهم السياسية حول فلسطين ورغبتهم في السيطرة على العالم. فالتوراة لم يكن وحياً كما يدعي اليهود وعلماء اللاهوت النصارى الذين يقدمونه إلى المؤمنين به وغيرهم على أنه وحي من الله تعالى، والدليل على ذلك أنه جاء محتوياً على كثير من المتناقضات في أحداثه لأن كتبتها لم يتلقوه وحياً كما يزعمون، ولا كانوا شهوداً عليها. كما أن ما جاء فيه من معلومات عن بداية خلق الكون والإنسان وغيرها مما يدخل في مجال الحقائق العلمية، جاء مخالفاً لأغلب الحقائق العلمية والجغرافية والفلكية وغيرها مما أصبح مسلمات علمية في هذا العصر. وعلى الرغم من ذلك لازال يؤمن به النصارى، ويعملون من أجل تحقيق ما جاء فيه من خرافات. أضف إلى ذلك أننا مسلمون وأن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن التوراة قد زُورت وحُرفت وأنها كتبت بأيدي أحبار اليهود، وبما يوافق هواهم. لذلك لن نؤمن بما جاء فيها إلا بقدر ما يتوافق وما جاء في القرآن الكريم، وما يتوافق والحقائق العلمية والتاريخية والأثارية المؤكدة فقط.

وقبل أن نذكر بما قاله العلماء والمختصين حول زيف ذلك الادعاء، سنذكر بما أثبته القرآن الكريم عن توراة موسى، وما تبقى منها قبل أن تضيع وتختفي بعد الحرائق المتعددة التي تمت لهيكل سيدنا سليمان المزعوم، حيث كان يحتفظ اليهود بالتابوت الذي فيه بقية من آثار الألواح التي كان مكتوبا عليها التوراة، وسبق أن حطمها سيدنا موسى أثناء التيه، عندما عاد إلى بني إسرائيل ووجدهم يعبدون العجل من دون الله. فقد أخبرنا الله تعالى أن اليهود في عهد نبيهم صموئيل قد طلبوا منه أن يسأل الله تعالى أن يعين عليهم ملك، يقاتلون معه أعدائهم الفلسطينيين الذين هزموهم وسبوا أبنائهم ونسائهم، والأهم من ذلك كله أنهم سلبوهم تابوت العهد ونقلوه إلى قرية بيت دجن أحد أهم مدن الفلسطينيين آنذاك، وبعد جدل معه قَبِل، وأخبرهم أن الله تعالى قد اختار لهم طالوت ملكاً عليهم، فرفض اليهود ذلك لأسباب خاصة بنفوسهم المريضة كما أخبر الله تعالى. فقال لهم نبيهم: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (البقرة: 248).

{أنْ يَأتِـيَكُمُ التَّابُوتُ فِـيِه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِـيَّةٌ مِـمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هارُونَ}*. ذكر الطبري مجموعة أقوال في ذلك لم تخرج عن التالي: كان فـيه عصا موسى، وعصا هارون، وثـياب موسى، وثـياب هارون، والنعلـين، ولوحان من التوراة، أو رضاض الألواح وما تكسر منها، و قـفـيز من منّ (الـمن). وقال آخرون: بل ذلك الجهاد والقتال فـي سبـيـل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أمروا. وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: وجائز أن يكون تلك البقـية: العصا، وكسر الألواح والتوراة، أو بعضها والنعلـين، والثـياب، والـجهاد فـي سبـيـل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علـمه من جهة الاستـخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علـم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلـم، ولا خبر عند أهل الإسلام فـي ذلك. فغير جائز فـيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزاً فـيه ما قلنا من القول. كما ذكر ابن كثير في قوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ} أقوال لم تزد عما ذكره الطبري، وعلى ذلك أكثر كتب التفسير، أي أنه لم يكن في التابوت ما يدعونه التوراة التي بين أيدينا اليوم ولا كلمة منها، وفي أحسن الأقوال لوحان من التوراة فقط التي نزلت على موسى عليه السلام.

كما أننا يحق لنا أن نتسائل: تُرى هل أخذ اليهود المسبيين إلى بابل وهم كانوا يجرون بالحبال والحديد طوال الطريق، معهم الألواح أو التوراة التي كان دت موجودة في التابوت، قبل أم يحرق نبوخذ نصر ما يزعمون أنه (هيكل سليمان) ويدمره عن آخره ويسويه بالأرض؟!.

كما يذكر الفيلسوف الكبير روجيه جارودي في أكثر من كتاب له، أن النبي حلقيا ـ الذي له سفر كامل في التوراة الحالية ـ في عهد الملك اليهودي يوشيا الياقيم عام 620 ق.م، عندما رأى ما رأى من انحراف اليهود عن دين سلفهم من الأنبياء عليهم السلام، وعبدوا آلهة الأقوام الأخرى، أراد أن يعيدهم إلى عبادة الله الواحد، فادعى أنه وجد في الهيكل التوراة التي نزلت على موسى، وقد جمع الملك يوشيا اليهود آنذاك وقرأ عليهم التوراة في ضحى يوم واحد. وعندما عاد اليهود من السبي البابلي قرأ عليهم عزرا النبي ـ الذي له أيضا سفر كامل في التوراة الحالية، ويعتبر أهم وأشهر من وضعوا أصول الدين اليهودي الحالي أيام السبي البابلي ـ قرأ عليهم التوراة في ثلاثة أيام كاملة...!! فيا ترى كم يوما تحتاج التوراة التي بين أيدينا حتى يتم قرأتها؟!.

فأي توراة نُصدق أنها التي نزلت على موسى بعد أن زورت وكتبت بأيدي اليهود الذين انحرفوا بها عن عقيدة وغايات سلفهم؟ ما يسمى بأسفار موسى الخمسة التي يؤمن بها جميع الطوائف اليهودية والنصرانية ولا اختلاف بينهم عليها؟ أم توراة حلقيا؟ أم توراة عزرا؟ أم التوراة الحالية أم غيرها؟! وأي إله نؤمن لليهود: إيلوهيم أم يهوه؟! وكذلك أي عقيدة من عقائد التوراة نُصدق؟ فعقائد التوراة تاريخياً كثيرة، ومدارسها في هذا العصر متعدد، يقول الباحث فوزي حميد: "لم يتفق أحد من علماء اليهود على أية عقيدة من العقائد التي كانت تدرس علانية باسم القانون الشفهي، بل كان رئيس محكمة كل جيل  أو نبيه يضع مذكرة عما سمعه من سلفه وموجهه، وهكذا ألف كل عدد من العلماء كتاباً ليستفاد منه حسب درجة لقاءاته"[1]. 

لقد بات من المعروف علمياً وتاريخياً أن التوراة كتبت بأيدي أحبار اليهود أيام السبي البابلي، لذلك جاءت مناقضة لتطور الحياة الإنسانية ولمسيرة التاريخ، فضلاً عما فيها من خرافات عن كثير من الحقائق الكونية تتناقض وتتعارض مع ما أثبتته الاكتشافات العلمية الحديثة. فقد جاء في "دائرة معارف لاروس" أن: "موسى ولد 1571، وتوفى 1451 ق.م *. وقد أسس مدنية وديناً" ولا نملك الكتاب الحقيقي لشريعته، فقد نسبت إليه التوراة أو الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، ولكن هذه التوراة حاملة لآثار لا نزاع فيها من الحواشي والتنقيحات، ومن علاقات أخرى تدل على أنها ألفت بعد الزمان الذي مات فيه موسى بعهد طويل"[2].

كما أنه لا يعتقد ـ كما يقول السموأل أحد حاخامات اليهود الذين أسلموا في المغرب ـ أحد من علماء اليهود وأحبارهم أن هذه التوراة التي بأيديهم "أنها المنزلة على موسى ألبته؛ لأن موسى صان التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته، أولاد ليوى، ودليل ذلك قول التوراة: "وكتب موسى هذه التوراة، ورفعها إلى الأئمة حتى ليو"... ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة يقال لها: "هاأزينو" ... وأيضاً إن الله قال لموسى عن هذه السورة : "وتكون لي هذه السورة، شاهداً على بني إسرائيل" وأيضاً إن الله قال لموسى عن هذه السورة: "لأن هذه السورة لا تنسى، أفواه أولادهم". ويعني ذلك أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم ويشتتون في البلاد. فأما بقية التوراة، فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم. وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها، قتلهم "بخت نصر" على دم واحد، يوم فتح بيت المقدس... فلما رأى "عزرا" أن القوم قد أُحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما لفق منه هذه التوراة التي بأيديهم الآن"[3].

وقد حاول المؤرخ المعروف صاحب موسوعة "قصة الحضارة" (ول ديورانت) إحصاء مصادر الفكر اليهودي فلم يكد يغادر من أسطورة أو فكرة وثنية مما سبق تاريخ دينهم أو عاصره من أساطير بابل أو أساطير الجزيرة العربية، والمصادر السومرية، والقصص الشعبية في مصر والهند والفرس واليونان والتبت، والفكر الفرعوني القديم، والفكر الفارسي، وشريعة حمورابي، إلا ووجد أنها جميعاً كانت منبعاً غزيراً لأسفار العهد القديم. لذلك قرر أن: أسفار العهد القديم جُمِعت لأول مرة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، ويظهر اسم الكاهن (عزرا) مرتبطاً بتدوين التوراة[4].

ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين": "... إنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية ومسلمات عصرية عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر. وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر. ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني". ويضيف: "ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قد دسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شُراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها"[5].

وقد أقر الدكتور هربرت لوي اليهودي في كتابه "أديان العالم الكبرى": "إن هناك عقائد دخيلة انسابت إلى اليهودية عن فارس وبابل والإغريق لا سند لها في اليهودية بالذات"[6]. كما يعترف العالم اليهودي سيلفر بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد العلماء يجمعون أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم تكن في شكلها ومضمونها كتلك التي أتي بها موسى. ويعلن مورتكات في كتابه "تاريخ الشرق الأدنى" صراحة بأن التوراة كتاب أسطوري لا دليل على صحة أساطيره فيقول: "لا يمكن الاعتماد من الناحية العلمية على أساطير التوراة التي برهنت الأبحاث الأثرية على عدم صحة تلك الأساطير التي وردت فيها وتوجد أبحاث تبرهن عكس هذه الأساطير"[7].

ذلك ما دعا شربنتية أصطفان إلى وصفه بالكتاب المحير: "إن الكتاب المقدس لا سيما العهد القديم كتاب محير نعلم قبل أن نفتحه أنه الكتاب المقدس عند اليهود و(المسيحيين) ونتوقع أن نجد فيه كلام الله غير ممزوج بأي شيء: أي نوعاً من كتاب للتعليم أو اللاهوت الأدبي. وعندما نفتحه نجد فيه قصصاً من ماضي (شعب) صغير قصصاً كثيراً ما تكون لا فائدة منها فيها روايات لا نستطيع أن نقرأها بصوت مرتفع دون أن نخجل منها، وحروباً واعتداءات وقصائد لا تحملنا على الصلاة وإن سميناها مزامير، وفضائح من أخلاقية قد تخطاها الزمن وكثيراً ما هي مبغضة للنساء، كتاب محير ولكن هل هو كتاب" [8].

وبحسم يقطع الدكتور (آرثر روبين) أحد أعضاء الحركة الصهيونية وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس، بأن التوراة قد بدأت كتابتها أيام السبي البابلي، فيقول: "وبينما كان هؤلاء ـ اليهود ـ يتحرقون في المنفى (السبي البابلي) دون أن يستطيعوا مقاومة. تفتقت عبقرية التآمر لديهم عن فكرتي (الشريعة) و(الوعد) وغايتهما المحافظة على أنفسهم كعرق متمرد متآمر منطوٍ على نفسه، منظم تنظيماً شبه عسكري، وغير قابل للاندماج مع غيرهم"، ويضيف: "إن الأسس التاريخية لهذه العقيدة (اليهودية الأرثوذكسية) قد أعطيت لليهود في تشريعات عزرا ونحميا حوالي 400 ق.م ثم عدلت ونُقحت في القرون التالية في الشريعة غير المكتوبة، أي الشفهية وتلمود بابل"[9].

إذن فالتوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى اليوم محرفة ومزيفة، كتبها أحبار اليهود ووضعوا فيها كل اتجاهاتهم السياسية وأهدافهم الدنيوية، ونظموها بطريقة مكنت لقياداتهم من السيطرة على أتباعهم وتنظيمهم تنظيم شبه عسكري غير قابل للاندماج مع غيرهم، ومن أجل تحقيق تلك أهداف سياسية ألبسوها لباس الدين. ولم تعد تلك الأهداف السياسية لليهود خافية على أحد.

2ـ اليهودية ديانة وثنية

بداية أود تصحيح الفكرة الشائعة عند المؤرخين وعلماء الآثار من مسلمين وغير مسلمين، القائلة أن اليهود أخذوا عقيدة التوحيد وفكرة "الإله الواحد" عن (الكنعانيين). فقد بات من المعروف عند المؤرخين وعلماء الآثار عن اليبوسيين أنهم أول الشعوب التي عرفت التوحيد وعبادة الإله الواحد، وكانوا يصفونه باسم "الله العلي"، وقد أشارت التوراة إلى زهد ملك اليبوسيين (ملكي صادق) وتعبده وأنه بارك إبراهيم عليه السلام قائلاً: "لتكن عليك يا إبرام بركة الله العلي، مالك السموات والأرض. وتبارك الله العلي الذي دفع أعدائك إلى يديك" التكوين 14/20-21. لذلك قال رجاء جارودي ـ مثل غيره من المؤرخين ـ في إشارته إلى مدى تأثير (الحضارة الكنعانية) في اليهود: "فحين التقى الكنعانيون والعبرانيون في المرحلة الأولى كان هناك رفض متبادل بين المؤمنين بالإله (يهوه) والمؤمنين بالإله (إيل) ثم ضعف اهتمام العبرانيين بإلههم مع استمرار توطنهم في كنعان، وقوي إحساسهم بإله المواطنين الأصليين حتى أنهم تبنوا اسمه (إيل) وجمعوه على (إيلوهيم)"[10]. أود القول من البداية: بأن هذه الفكرة فكرة خاطئة، وإلا ما كان اعتبر أنصار تلك الفكرة (اليهودية دين سماوي)! وذلك لأن بني إسرائيل الذين دخلوا فلسطين كانوا يعرفون التوحيد وفكرة "الإله الواحد" عن طريق أنبيائهم، وأجدادهم من لدن إبراهيم عليه السلام مروراً بموسى إلى داود وسليمان عليهم جميعاً السلام.

ولكن الصواب القول: أن اليهود بعد إقامتهم في فلسطين لأن نفوسهم مريضة وجبلتهم شريرة، ولأنهم معاندون ومكابرون، وطبعهم الكفر والمعصية، فإنهم عبدوا آلهة (الكنعانيين) وذلك ما أكدته التوراة وكان كثيراً ما يغضب (يهوه) على شعبه لأنه كان يعبد آلهة (الكنعانيين). خاصة وهم قد عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من ذهب وحلي نسائهم بعد أن نجاهم الله من فرعون وقومه مع نبي الله موسى، وهم تتنزل عليهم آيات ومعجزات الله ، قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} الأعراف148. وقد بقي ذلك ديدن اليهود مع جميع أنبيائهم كما تفصح عن ذلك التوراة.

الصواب القول: أن فكرة "الإله الواحد" أو التوحيد التي استعارها اليهود من (الكنعانيين) هي فكرة وثنية، تقوم على توحيد الآلهة في إله واحد. أو تغليب إله على بقية الآلهة. وهذه العقيدة خلاف عقيدة الوحدانية التي دعا لها جميع الأنبياء والرُسل، والتي كان عليها بنو إسرائيل قبل إقامتهم في فلسطين، وتأثرهم بـ(الحضارة الكنعانية). وقد يكون أصل فكرة التوحيد عند الكنعانيين التي تعود إلى ما كان عليه (ملكي صادق)، أن يكون ملكي صادق أحد أتباع أنبياء الله هود أو صالح عليهما السلام،. اللذين يؤكد المؤرخون هجرتهما بعد نزول العقاب الإلهي بقوميهما الكافرين، حاملين معهما عقيدة التوحيد إلى فلسطين وجوارها من بلاد الشام. حيث تشير المصادر التاريخية الإسلامية إلى أن سيدنا صالح ومن آمن معه خرجوا إلى الشام حيث نزلوا المنطقة من الحِجر إلى صرح أي نحو وادي القرى "وهي مدائن صالح الحالية" إلى رملة فلسطين على 18 "ثمانية عشر" ميلاً بين الحجاز والشام[11]. أو قد يعود إلى أن (ملكي صادق) قد أمن بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام وعبر له عن امتنانه بذلك بمباركته.

وعليه فإن اليهودية دين وعقيدة وثنية، تقوم على الخرافة والأسطورة، وليس دينا ـ رسالة ـ سماويا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، كما يحاول اليهود وأنصارهم من العلماء الغربيين الترويج له، ويفرضوا علينا إجراء حوارات دينية مع اليهود تحت دعوى ما يزعمون أنه (حوار الأديان السماوية) ـ مع تحفظنا على هذا المصطلح لأننا لا نؤمن بأديان سماوية ولكننا نؤمن بدين سماوي واحد دعا له جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام هو الإسلام، وأن ما سبق بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت رسالات أو شرائع سماوية وليست أديان سماوية ـ وذلك لأن ما يسمى بالديانة اليهودية اليوم قد تأكد بشكل قاطع ونهائي أنها ليست الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام، ولكنها دين وثني قد تم تأسيسه في بابل، بعد أن دمر نبوخذ نصر دولة يهوذا عام 586 ق.م، وحرق هيكلهم المزعوم وسباهم إلى بابل، وهي خليط من المعتقدات والخرافات والأساطير البابلية، وغيرها من الديانات الوثنية التي كانت منتشرة في منطقة الهلال الخصيب ووادي النيل آنذاك. ويعتقدون أن "يهوه" هو إلههم الخاص من دون جميع المخلوقات، وأنهم هم وحدهم "شعبه المختار" من دون بقية شعوب الأرض، لأن بقية شعوب الأرض ليسوا بشر، ولكنهم "جوييم" حيوانات خلقت على هيئة الإنسان لتليق بخدمة "الشعب المقدس للرب يهوه". أي أنه إله قبلي، ودين عنصري.

يكفي أن نورد هذا النص من التوراة نفسها يجعل من موسى عليه السلام إله لفرعون، لنتأكد من أن الديانة اليهودية ديانة وثنية، يقول: "فَقَالَ \لرَّبُّ لِمُوسَى: (ٱنْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلَهاً لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ)". (سفر الخروج: 7/1). هل مثل هذا القول يصدر عن كتاب سماوي مُنزل من الله تعالى؟! إن كان موسى إله فماذا يكون "يهوه" على ذلك؟! ولكن ذلك ليس غريباً على ديانة وثنية وليست سماوية، تؤمن بتعدد الآلهة وثنائيتها وتكونها من ذكر وأنثى!.

وحقيقة عدم وحدانية الديانة اليهودية وأنها ديانة وثنية تؤمن بتعدد الآلهة، أكد عليها الكاتب اليهودي (رفائيل بتاي): "إن عامة الناس من اليهود وغيرهم مازالوا يتصورون أن الديانة العبرانية الرسمية كانت من مبدأ أمرها ديانة توحيدية بدأت بإبرام الموحد بيهوه، غير أن المتخصصين يعطون ظهور التوحيدية العبرانية تاريخاً  لاحقاً لإبرام وزمانه ببضعة قرون إذ يرجعون بدايات التيار التوحيدي حتى إلى زمن أنبياء الأكابر، وبأمانة ا لعالم يتحفظ بتاي فيقول: إنه يجب أن نأخذ في الحسبان أن إرجاع بدايات التيار التوحيدي حتى إلى زمن النبيين الأكابر يجب أن يؤخذ بحذر ويحفظ نظراً إلى ما وجد طريقه إلى الديانة من عقائد باتت جزءً منها في الأزمنة التلمودية، وبالنظر إلى ما انطوت عليه من الإشارات القبالية من تعدد الشخوص في شخص الخالق". ويرى رينيه ديسو أن تعدد الآلهة لا سبيل لإنكاره في الديانة اليهودية: لأن التوحيد الإسرائيلي ليس أصلياً بل هو نهاية تطور طويل المدى ظهرت نتائجه بعد سبي بابل حيث فهم اليهود معنى التوحيد العام[12].

كما أن كثرة الإضافات والتعديلات التي كان يُحدثها كتبة التوراة مع تطور الزمن على النصوص السابقة في أٍسفارهم وإضافة أسفار جديدة بحسب مقتضيات المرحلة جعلت البروفيسور (إلس روفكن) يقول في كتابه "صياغة التاريخ اليهودي": "أن فكرة التوحيد وتطبيقها لدى اليهود، لم ترتكز على أسس دينية أو روحية بقدر ما ارتكزت على ضرورات سياسية واقتصادية، وذلك على إثر منافسة شديدة بين زعماء اليهود بعد النفي إلى بابل كتب النصر فيها للفريسيين، وهؤلاء كانوا باتفاق جميع المؤرخين، أصحاب الأثر الكبير في صياغة تاريخ وشريعة اليهود". ويكشف أنها عقيدة وثنية تؤمن بتعدد الآلهة، قائلاً: "ظهرت فكرة التوحيد لدى اليهود ورسخت بناء على مقتضيات معينة تاريخها محدد بدقة، وهو تاريخ الكتبة والفريسيين في بابل، أي حوالي العام 400 قبل الميلاد، وهي الفترة التي (ألفوا) فيها الأسفار الخمسة الأولى من التوراة. ومن هؤلاء المشككين من يعتمد على برهان لغوي ظريف، إذ أن أول كلمة كتبت من قبل الفريسيين هي (في البدء خلق الله السموات والأرض)، (تكوين 1:1)، وفي النص العبري (في البدء خلقت الآلهة السماوات والأرض)، وفيما يلي ذلك، وبناء على استنتاج البروفيسور رفكن، اعتمد الكتبة صفة المفرد عوضاً عن الجمع لوصف الإله"[13]. 

تلك هي الحقيقة التي يتفق عليها العلماء أكثر من غيرها، إذ يرون أن "إله اليهود (يهوه) هو تطور طبيعي وبطيء من مرحلة تعدد الآلهة التي مر بها اليهود، شأنهم شأن القبائل البدائية الأخرى، تلك الآلهة التي كان "يهوه" مجرد واحد منها، إلى مرحلة الإله الواحد، وقد يكون نتيجة هذا التطور تلك الحرب الشعواء التي يشنها (يهوه)، من خلال التوراة، على غيره من الآلهة والتي بقيت آثارها عالقة في أذهان اليهود المتعددي الآلهة بالفطرة". كما أن "يهوه" خلال تطوره البطيء كما يقول (هومير سميث:) قد اتخذ "في فوضى تعدد الأديان، الكثير من خصائص آلهة إسرائيل المتعددة، والصفة المشتركة لأكثر آلهة القبائل القديمة هي الحجر والنار، وتشترك هاتان الصفتان معاً لتشكلا جبلاً بركانياً، وهو رمز القوة الهائلة: "هو ذا اسم الرب (يهوه) يأتي من بعيد غضبه مضطرم والحريق شديد وشفتاه ممتلئتان سخطاً ولسانه كنار آكلة وروحه كسيل طاغ يبلغ إلى العنق فيغربل الأمم من البوار .." (إشعيا 30: 27 ـ 28)[14].

ويؤكد الأستاذ (أندرسون) أن عقيدة التوحيد اليهودية التي أخذوها عن (الكنعانيين) كانت عقيدة وثنية، فيقول: "إن الوحدانية التي كانوا (الكنعانيون) يدركونها في ذلك الوقت لم تكن وحدانية تفكير ولكنها وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب)[15].

ذلك لأن "يهوه" لم يكن سوى أحد آلهة (الكنعانيين) الذي صاغه كتبة توراتهم على الصورة التي تلائم جبلتهم الشريرة.

3ـ يهوه إله اليهــود (كنـعانـي)

قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} الأعراف148.

يقول (شفيق مقار): لو عدنا إلى قراءة التوراة لرأينا في سفر الخروج الإصحاح الرابع عشر أنهم نزلوا أمام بعل صفون وبعل صفون هذا حسبما تشير إليه التوراة يقع على شاطئ البحر وقد رأي بنو إسرائيل هذا الإله وبعد أن نجوا من فرعون عادت لهم ذكرياتهم فطلبوا من هارون أن يعمل لهم إله كما للقوم الذين مروا بهم آلهة. ولهذا شكل بعل صفون وهو إله (كنعاني) أول خطوة على عبادة بني إسرائيل، ولما أراد الكهنة أن يبتلع يهوه كافة الآلهة السابقة كان ولا شك بعل صفون هو أحد الآلهة التي سطا عليها كتبة يهوه[16].

وبما أنه ثبت كما يقول الأستاذ (كوجنبرت) بأن: دين العبرانيين (بمعنى اليهود) لا يمكن أن يكون تطور ونما محلياً بل كانت عناصره الجوهرية قد استقيت من آراء متراكمة ومن معتقدات كانت شائعة بين الأقوام (الساميين) في الشرق. وأن هذه الوثائق تبرهن بما لا يتطرق إليه الشك على انعزال الديانة اليهودية عن غيرها في الزمن القديم لم يكن سوى خرافة بحتة[17]. ولما كان الإله إيل إله عبده العرب منذ بداية معرفتهم وقد شملت عبادته من اليمن حتى الأناضول ومن أقصى العراقين حتى قلب أوروبا، فذلك يعني أن اليهود عمدوا إلى أحد آلهة الكنعانيين فعبدوه، وأعطوه الصفات الشريرة التي تتناسب وطبائعهم وميولهم النفسية، وكذلك غذوه باتجاهاتهم السياسية منذ البداية.

ولم يقف الأمر عند ذلك ولكنهم أدخلوا عليه بعض التغييرات ليتناسب وطبيعتهم الشريرة، والجهل والتخلف الحضاري عن أقرانهم من الشعوب التي عاصروها، كما يقول (ول ديورانت): "يبدو أن اليهود (الفاتحين) لفلسطين عمدوا إلى أحد آلهة كنعان فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها وجعلوا منه إلهاً صارماً ذا نزعة حربية صعب المراس". ويضيف عن حشر اتجاهاتهم السياسية واتخاذ الدين وسيلة وأداة للسياسة قائلاً: "وصور كاتبو أسفار موسى الخمسة، وهم الذين كانوا يتخذون الدين أداة للسياسة إله الرعب هذا إله للحرب فأصبح (يهوه) في أيديهم القوية إلهاً للجيوش يدعو للفتح و(الاستعمار) يحارب من أجل شعبه بنفس القوة التي كان يحارب بها آلهة الإلياذة"[18].

كما يصف الدكتور (أنيس فريحة) "يهوه" الإله اليهودي: "إن (يهوه) كما تصوره الكاتب اليهودي مجرد إنسان قدير عظيم ينزل إلى الفردوس ليتحدث إلى آدم ويأمر قابيل وهابيل أن يقدما قرابين فيقبل لواحد منهما ويرفض قرابين الآخر)[19].

ولأن "يهوه" لم يظهر في تاريخ بني إسرائيل عند غالب المؤرخين إلا بعد السبي البابلي، الذي كتبت فيه التوراة وحَشد فيها كتبتها قصص وأساطير الأمم الأخرى، وخاصة في عصري عزرا ونحميا، فإن بعض المؤرخين قال أنه أحد الآلهة الفارسية. يقول (حسن حدة): "وفي هذا الوقت  ـ السبي البابلي ـ لم يكن لليهود أي وثيقة تاريخية أو غير تاريخية فكتبت التوراة عشوائياً وكيفياً وحسب تجليات الفكر الكهنوتي اليهودي. وقد كان الكهنة الذين بدءوا يكتبون ينتمون إلى اتجاهات عديدة منها الاتجاه الإيلي وفيه بقايا من ذكريات موسى. والاتجاه اليهودي وفيه التأثير بالديانة الفارسية، فيهوه ليس إلا الإله الفارسي المؤنث ياهي ولم يكن موسى يعرف يهوه ولا سمع به"[20].

ومعلوم أن التقليد اليهوي ينسب إلى مملكة يهوذا في الجنوب، والتقليد الإيلوهيمي ينسب إلى مملكة إسرائيل في الشمال، وقد كان لكل منهما كتابه وكيانه السياسي وهيكله. وتمثل المجموعة الثانية غالبية بني إسرائيل، خاصة وأنه في التوراة أن الإله إيل هو الإله الأول الذي عرفه أنبياء وللآباء الكبار لبني إسرائيل، (إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأبنائه). أما المجموعة الأولى فهي فئة قليلة كانت مقربة من الحكم الفارسي، وهي التي استطاعت الحصول على الوعد بأرض فلسطين ليعيدوا بناء كيانهم السياسي الذي دمره البابليون، وقد جعلت يهوه الإله المفضل والمسيطر وله السيادة الفعلية على بني إسرائيل، وإن كانت في الوقت نفسه احتفظت بالإله السابق إيل.

4ـ يهوه له زوجة وأبناء

كما أنه قد شاع عند كثير من المؤرخين للديانة اليهودية ونشأتها رأي يقول: أن "يهوه" لم يكن له زوجه أو ولد كآلهة (الكنعانيين). وأنه كثيراً ما كان يغضب على شعبه لأنه كان يعبد آلهة (الكنعانيين) ويشعل لها ناراً، ويبني لها معابد. وأن "يهوه" بقي عند أتباعه إله لا يُحدد ولا يُوصف، وأن طبيعته لا يحدها قيد ولا شرط، وبناءاً على ذلك لم يضعوا له تمثال، ولم يتخيلوه على أي صورة كـ(الكنعانيين) وغيرهم....إلخ. وكنت أنا نفسي أعتقد أن اليهود اتخذوا لـ"يهوه" زوجة في عهد متأخر، وخاصة في مرحلة الانفتاح الحضاري الإسلامي على جميع ديانات وثقافات وحضارات الشعوب التي كانت ضمن سيادة الدول الإسلامية، وخاصة في الأندلس،وكنت أعتقد أن سبب ذلك؛ هو عادة اليهود عندما يخافون من الانفتاح والحرية والمساواة والتعايش السلمي مع جميع أتباع الديانات والثقافات الأخرى، لأنهم يرون في ذلك ذوبانهم واندماجهم في تلك الشعوب والثقافات وفقدانهم لخاصية التفرد كـ(شعب الله المختار)، وصفة النقاء والتفوق العرقي المزعوم، فإنهم يستغلون ذلك الخوف في فرض مزيد من العزلة والقيود الفكرية والاجتماعية على أنفسهم تجاه الآخرين، ويبدؤوا في البحث عن أفكار جديدة لتطوير دينهم الخاص بهم من بين جميع شعوب الأرض وخاصة مفهوم الخلاص المسيحاني، لمواجهة العلم والاستنارة والتحرر الفكري، وذلك ما حدث في فكر "القبالاه" اليهودية التي اختارت لألههم زوجة وأبناء، كما يكشف عن ذلك البروفيسور اليهودي (إسرائيل شاحاك). الذي يؤكد على ما ذهب إليه العلماء السابقين من أن الديانة اليهودية ليست ديانة توحيدية كما يتوهم البعض ـ على حد تعبيره ـ ولكنها ديانة وثنية! فقد كتب[21]:

"أن الديانة اليهودية هي، وكانت دائماً، ديانة توحيد كما يُعرف في الوقت الراهن كثير من العلماء التوراتيين، وكما تُبين أي قراءة متأنية للعهد القديم بسهولة، فإن هذا الرأي اللا تاريخي خاطئ تماماً. هناك في كثير من، إن لم نقل في كل أسفار العهد القديم حضور وسلطة لأرباب آخرين معترف بهم صراحة، لكن يهوه أقوى الأرباب، غيور جداً من منافسيه ويحظر على شعبه عبادتهم. ولا يظهر إلا في نهاية التوراة فقط، لدى بعض الأنبياء المتأخرين، إنكار لوجود جميع الأرباب ما عدا يهوه".

ويواصل حديثه بالقول: أن ما يعنينا هنا ليس اليهودية التوراتية (أي ما ورد في التوراة) بل اليهودية الكلاسيكية، إن الثانية خلال بضع مئات من سنواتها الأخيرة، كانت بمعظمها بعيدة كل البعد عن التوحيد الخالص. وهذا ينطبق أيضاً على الحقائق المهيمنة في الأرثوذكسية اليهودية في الوقت الراهن، وهي استمرار مباشر لليهودية الكلاسيكية، لقد جاء انحطاط التوحيد من خلال انتشار الصوفية اليهودية (القبالاه) التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث عشر. وبحسب اعتقاد القبالاه فإنه {لا يُحكم الكون من جانب إله واحد بل من جانب أرباب عدة ذوي شخصيات وتأثيرات مختلفة تنبثق من علة أولى بعيدة مبهمة. وإذا أقصينا كثير من التفاصيل جانباً، نستطيع تلخيص تلك المنظومة على النحو التالي: هناك أولاً إله يدعى (الحكمة) أو (الأب) ثم إلهة تدعى (المعرفة) أو (الأم) وقد انبثقا أو وِلِدا من العلة الأولى. انبثق عن زواج الاثنين زوج من الآلهة الأصغر: (الابن) يدعى أيضاً بأسماء كثيرة أخرى مثل (الوجه الأصغر) أو (المبارك المقدس)، والابنة تدعي أيضاً (السيدة) أو ("ماترونيت" وهي كلمة مشتقة من اللاتينية) و(شخينة) أو (الملكة) ..إلخ، ثمة ضرورة لتوحيد (الابن) و(الابنة) إلا إن مكائد الشيطان تحول دون ذلك، وهو يمثل في هذه المنظومة شخصية هامة جداً ومستقلة.

وقد تولت العلة الأولى كي تتيح لهما التوحد، لكنهما أصبحا أكثر بُعداً من السابق بسبب السقوط (أو الهبوط) وتمكن الشيطان، فعلاً، من الاقتراب كثيراً من (الابنة) المقدسة وحتى من اغتصابها (سواء بالرمز أو الواقع. تختلف الآراء) وقد خُلق الشعب اليهودي لسد القطيعة التي أحدثها آدم وحواء، وفي جبل سيناء تحقق هذا الأمر لفترة معينة: و(الابن)، الذي تجسد في موسى، توحد بالابنة (شخينة). ولكن. لسوء الحظ، تسببت خطيئة العجل الذهبي بالانفصال مرة أخرى، لكن توبة الشعب اليهودي رتقت الشَق نوعاً ما.

بنفس القدر، يقترن كل حدث في التاريخ التوراتي اليهودي باتحاد أو انفصال الزوجين السماويين. كان الاجتياح اليهودي لفلسطين (الكنعانية) ويناء الهيكل الأول والثاني ممكناً بسبب اتحادهما فقط .. وكل ما نزل باليهود من بلاءات كان بسبب انفصالهما. وواجب اليهود الأتقياء من خلال صلواتهم وأعمالهم الدينية إعادة الاتحاد السماوي الكامل، في شكل اتحاد جنسي بين الإلهين الذكر والأنثى}.

ومن ضمن تلك الأعمال الدينية التي يقوم بها الأتقياء اليهود لإعادة الاتحاد السماوي الكامل للإلهين، وله علاقة وثيقة بالصراع العربي ـ الصهيوني وقضايا الحل النهائي، وتشكل جزءً من منظومة المعتقدات الصريحة لعديد من الساسة المتدينين، ولها تأثير غير مباشر على الزعماء الصهاينة في كل الأحزاب الصهيونية، بما فيها اليسار الصهيوني: أن الحرب ضد العرب، وطرد الفلسطينيين، أو حتى إقامة الكثير من المغتصبات اليهودية في الضفة الغربية، والإسراع في إعادة بناء ما يسمونه (الهيكل الثالث)، وغيرها من أعمال عدوانية وإرهابية، تحقق بسرعة إعادة الاتحاد الجنسي بين الإلهين الذكر والأنثى؟!.

إلا أنه تبين لي أن اليهود اتخذوا لـ"يهوه" زوجة وأبناء منذ اللحظة الأولى التي كتب فيها (حزقيال) سفره في السبي البابلي، يقول الباحث (شفيق مقار): "ومثلما تزوج بعل بناته تزوج يهوه ابنته وحبيبته ومعشوقته إسرائيل ليكون الإله الملك العاشق بعل ثور يعقوب، وفي سفر أشعيا نص قاطع بذلك حتى بعد المعالجة التحريرية المكشوفة فالنص بعد أن يؤكد لإسرائيل أن أرضها ستصبح بعل يخبرها أنه كما يتزوج الشاب عذراء سيتزوجك يهوه، وكفرح العريس بعروسه يفرح بك بعلك حول بعلك إلى إله ناقص ذلك التمويه المكشوف". ويرى الباحث أن إسرائيل ليست إلا ابنة يهوه وزوجته وحبيبته وبوصفها زوجته فهي أم الشعب وبكونها أم الشعب التي اندفق في رحمها مني القضيب المقدس فأنجبت النسل المقدس ابن يهوه البكر شعبه الأخص الذي اجتهد عزرا في درء التنجس عنه. ويدلل مقار متابعاً النصوص التوراتية التي تدل على هذه الزيجة المقدسة في التوراة مورداً إياها نصاً نصاً. ومن هنا أتت النسبة إلى شعب إسرائيل أنهم أبناء يهوه لأن أمهم هي زوجته[22]. وتفسير ذلك عند مقار: أن أخذهم صفة زواج يهوه من ابنته لم يكن إلا سطواً على إيل الإله (الكنعاني).

5ـ عالمية العهد لنوحu في التوراة

هناك حقيقة حاضرة غائبة في أذهاننا وخطابنا الديني والسياسي والفكري؛ عند حديثنا عن مخططات اليهود لهدم المسجد الأقصى، بزعم أنه قائم مكان هيكلهم المزعوم، الذي لا بد من إعادة بنائه وإعادة العرش إليه، كرمز لسيادة اليهود العالمية، وهي: أن القضية ليست قضية الهيكل في حد ذاته؛ ولكنها مسألة السيادة العالمية لليهود على العالم أجمع!! وهذه الحقيقة لها علاقة بمنهجية التوراة في تعاطيها مع تاريخ الجنس البشري وتاريخ فلسطين، من حيث أن الحياة البشرية وتاريخ الأجناس عندهم يبدأ من بعد الطوفان، واختيار إلههم يهوه سام بن نوح وذريته واختصاصهم بالبركة والسيادة العالمية من دون بقية أبناء سيدنا نوح وذرياتهم، واختيار إبراهيم عليه السلام من نسل سام بن نوح من دون بقية نسله ليمنحه الحق بالأرض من النيل إلى الفرات، واختيار إسحاق وذريته من ذرية إبراهيم دون أخاه إسماعيل وذريته، واختيار يعقوب (إسرائيل) وذريته "بني إسرائيل" من ذرية إسحاق دون أخاه عيسو وذريته، ليكونوا له الشعب المختار الموعود بالسيادة العالمية، واختيار فلسطين من دون كل بقاع الأرض لتكون مركزاً لتلك السيادة.

إذن هناك علاقة وثيقة بين وعد إله اليهود "يهوه" لمن تزعم التوراة المحرفة أنه (سام بن نوح) وذريته بالسيادة العالمية، وبين وعده لإبراهيم وبني إسرائيل من ذريته تحديداً بالأرض من النيل إلى الفرات.

يبدأ تاريخ البشرية في التوراة من بعد الطوفان الذي حدث نتيجة غضب الرب على بني الإنسان لارتكابهم الآثام والشرور، فأغرقهم ما عدا نوحu وزوجاته وبنيه ساماً وحاماً ويافث وزوجاتهم، وهم فقط الذين ركبوا معه في السفينة من قومه، و"هؤلاء كانوا أبناء نوح الثلاثة الذين تفرعت منهم شعوب الأرض كلها" (سِفر التكوين: 9/18).

وقد كانت البداية عهداً أقامه الله بينه وبين نوح وبنيه بعد الطوفان، يتوافق في كثير من مضامينه مع مضامين النبوءات العالمية للوعد الذي قطعه الله لجميع أنبياء بني إسرائيل، والتي وردت في التوراة نفسها، وذلك قبل أن يفطن كتبة التوراة لعالميته فيندمون عليه ويُسارعون إلى تصحيحه. فقد جاء في التوراة: "وبارك الله نوحاً وبنيه قائلاً لهم: أثمروا وتكاثروا وملئوا الأرض... وكلم الله نوحاً وبنيه معه قائلاً: وها أنا مُقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم... أُقيم ميثاق معكم لا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض. وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر ووضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض... فمتى كان القوس في السحاب أبصرها وأذكر ميثاقاً أبوياً بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض". (يُراجع سِفر التكوين: الإصحاح9).

ذلك مضمون العهد الذي قطعه الله لنوح وبنيه وجميع المخلوقات الحية على وجه الأرض. وقد لخص (أندريه نهر) معني ذلك العهد الإلهي العالمي والوعد لإبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، بأنه لكل الأمم بقوله: "إن النوحية (أي عهد الرب لنوح) هي التي تبين أن الأنبياء فسروا بعض أحداث التاريخ بلغة مشتركة بين إسرائيل وسائر الشعوب فلم تكن هناك هجرة واحدة (هي خروج بني إسرائيل من مصر) بل سلسلة من الهجرات حركها نفس الرب. فهو ـ لكي يتم نفس الوعد الذي أعطاه لنفس الأب (إبراهيم) ـ جلب الآراميين من أور والمؤابيين والعمونيين من وادي عربة، والأدوميين والأمالسيين والمديانيين من الصحراء، والفلسطينيين من كريت لكي يرمي بهم جميعاً على شواطئ (كنعان)، من الأرض الموعدة للجد، مؤمناً لكلٍ أرضه ضامناً لكلٍ حدوده، وهو حكم في المنازعات، وشاهد على كل ما يفعله الناس، وقاضٍ في مشكلاتهم. ولعلنا نتساءل إذا ما كانت المنطقة السورية ـ الفلسطينية تحت أعين الأنبياء، بحسبانها جزء من الأرض، يمكن أن تكون مرجعاً ونموذجاً للعالم كله، ذلك أن المشكلات الأخلاقية والدينية التي واجهتها الإنسانية كان ينبغي أن تُستشعر وتُعالج على مستوى الإنسانية بأكملها. فإذا هي تُستشعر وتُعالج من هذا المجال الصغير التي تكفي نظرة واحدة، مجرد نظرة لاستيعابه، وإن كانت ظروفه السياسية وموقعه المتوسط بين الإمبراطوريتين الكبريين مصر وبابل قد خولته تنوعاً متميزاً في البنية والأحداث.

وأيا كان الأمر. فنحن إذا طبقنا على هذه الشعوب لغة التاريخ أو بالأحرى لغة المصير التاريخي المشترك، مصير الهجرة ـ وقد طبق الأنبياء عليها أيضاً لغة العهد، بتبعاته الأخلاقية ـ فإن الشعوب مسئولة أمام الرب تماما كشعب إسرائيل فهم أيضاً أبناء الرب، وعبيد الرب"[23].

ولكن كتبة التوراة أدركوا الخطأ في عالمية العهد لنوح وبنيه فسارعوا لتصحيحه، وبدأ التصحيح بلعن (كنعان بن حام) ومباركة (سام بن نوح) وذريته من بعده، فاختلقوا قصة ذات مضامين وأبعاد سياسية ليحرموا بها الشعوب الأخرى وخاصة أهل فلسطين من حقهم في عالمية العهد، واختزاله فيمن زعموا أنه (سام بن نوح) من بين أبناء نوح الثلاثة. فكتبوا زاعمين: "واشتغل نوح* بالفلاحة وغرس كرماً، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته، فشاهد (حام) أبو (الكنعانيين) عُوى أبيه، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا خارجاً. فأخذ (سام) و(يافث) رداء ووضعاه على كتفيهما ومشيا إلى القهقري إلى داخل الخيمة، وسترا وعُوى أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيبصرا عُريه، وعندما أفاق نوح من سكره وعلم ما فعل به ابنه الصغير. قال: ليكن (كنعان) ملعوناً، وليكن عبد العبيد يكون لأخوته. ثم قال: تبارك الله إله (سام). وليكن (كنعان) عبداً له. ليوسع الله لـ(يافث) فيسكن في خيام (سام) وليكن (كنعان) عبداً له)". (سِفر التكوين 9/20ـ27).

ولا أحد يعلم ما علاقة الابن الذي لم يولد بعد بذنب أبيه؟!. لذلك يعلق الدكتور (جورجي كنعان) على تلك القصة المختلقة التي جاءت في سفر التكوين بأن اليهود: ومنذ عملوا في سفر تكوينهم على ربط نسبهم بالأب الأول عملوا في الوقت ذاته على حشو اتجاهاتهم السياسية والقومية في تاريخهم الديني، وضمنوه نزعاتهم العنصرية وميولهم العدوانية، نحو كافة الأمم والشعوب فنوح يلعن باسم "يهوه"، أب (الكنعانيين) ويبارك أب اليهود، وغالباً ما تمثلت اتجاهاتهم السياسية في إضفاء البركة على أب ووصم الآخر بلعنه. وكان تفسيرهم للبركة أو اللعنة أنها أبدية تلحق ذريته إلى آخر الدهر. ويتساءل: ترى لماذا صب اللعنة على (كنعان)، ونوح هو الذي سكر وتعرى، و(حام) هو الذي أبصر عورة أبيه؟ ما هو الذنب الذي ارتكبه الابن الذي لم يولد بعد؟ ولماذا صبت اللعنة عليه من بين أخوته الآخرين؟ ألأن (الكنعانيين) سبقوا اليهود في مضمار الحضارة، أم لأنهم أعطوا الأمم الروح والمحبة والحكمة وهم أصحاب الأرض؟ ألم يكن الله يعلم أن (حام) سيفعل فعلته تلك يكون الأجدر به أن يستثني (كنعان) من البركة أو (حام) ونسله، بدلاً من التراجع أو ينتظر حتى يفعل (حام) فعلته فباء ابنه المسكين (كنعان) باللعنة هو ونسله قبل أن يولد، ولكن هذا الكلام ليس كلام الرب بل كلام الكتبة الفريسيين الذين كانوا يدركون خطأهم متأخرين[24].

ويضيف أن رجال الدين النصراني يفسرون هذا الاختيار بوجود "قصد إلهي" ولو سألتهم: ما تفسيركم "للقصد الإلهي"؟ وما الدافع الذي يكمن وراء هذا العطاء السخي الدامي لأن فيه إبادة شعب وإعطاء أرضع لشعب آخر؟ لداروا في معمعات لا اثر فيها للمنطق المعقول، هي من نوع اللعب بالألفاظ... الله كبير... نحن حشرات لا نفهم، لا نعرف قصده...خلاص.. اختيار مكرس، وأراده الله. وهكذا تدور حتى تشعر بأعصابك وقد ضحت فريسة الخدر والعياء)[25].

أنه أمراً منطقياً أن يعجز علماء اللاهوت النصارى عن الإجابة لأنهم عميت أبصارهم، وغفلت قلوبهم، لذلك يرى جارودي أنه "من المستحيل بالنسبة إلى أي مسيحي أن يقدم مغزى لاهوتيا لدولة إسرائيل، فإن احترام الإيمان اليهودي لا يستتبع مطلقا الاندماج بين اليهودية والصهيونية و إضفاء صفة القداسة على الأهداف التاريخية للحركة الصهيونية"[26].

ولكن منهجية التوراة العرقية العنصرية والقبلية اختزلت بُعدهما العالمي في البُعد العرقي القبلي، وقصرتهما على بني إسرائيل فقط، واليهود بعد ذلك. ونسج كتبة التوراة علاقة وثيقة بين وعد إله اليهود "يهوه" لسام وذريته بالسيادة العالمية، وبين وعده لإبراهيم وبني إسرائيل من ذريته تحديداً بالأرض من النيل إلى الفرات. وإذا أردنا التحديد أكثر نقول: وجعل مركز تلك السيادة هو بيت المقدس، ورمزيتها هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء (الهيكل الثالث)، ووضع عرش ملك اليهود الذي هو من نسل داوود،  ليكون رمزاً لتلك السيادة العالمية لليهود، حيث تحكم (إسرائيل) العالم آخر الزمان، وتحاسب جميع شعوب الأرض على ما اقترفته بحق (إسرائيل) وأموالها من آثام.

6ـ عالمية العهد والوعد في التوراة

بعد ما تقدم يتَبين لنا أن العهد الذي قطعه الرب لنوح ذو مضامين وأبعاد عالمية، وأنها ليست خاصة بعرق أو شعب دون الشعوب، ولكنها تتحدث عن أُمة عالمية، سمتها التوراة في مواضع أخرى "الأُمة البارة". ومن صفاتها أنها تجعل جميع شعوب الأرض تتبارك في إبراهيم، وتجعل البيت "المسجد الأقصى" مكان عبادة لجميع الأُمم. كما أن التوراة والأناجيل المُحرفة لم تخلو من النبوءات بحقيقة هوية الورثة الشرعيين، ونبي آخر الزمان محمد r، فإنها أيضاً تضمنت كثير من النبوءات عن مدينة بيت المقدس والمسجد الأقصى، وأنهما سيكونان مقر الخلافة الإسلامية العالمية آخر الزمان، وأن الأمة البارة التي سيكون لها السيادة العالمية وستقيم العدل والبر بين الناس، انطلاقاً من مقر خلافتها ـ المسجد الأقصى ـ هي أمة نبي الرحمة للعالمين، محمد r، وذلك تحقيقاً للنبوءات العالمية التي وردت في التوراة والأناجيل المُحرفة. وليست أُمة القبيلة والعرق، التي تنتظر مسيحها الدجال ليحكم العالم من خلال هيكلهم المزعوم على أساس الاستعلاء والاستكبار اليهودي على جميع البشر.

وقد فسر علماء اللاهوت النصارى الذين عارضوا تفسيرات اليهود بأنهم المقصودين وحدهم بهذا الوعد الإلهي لنوح وإبراهيم عليهما السلام، بأن هذا الوعد يشمل جميع ذرية إبراهيم ومنهم إسماعيل أبو العرب –نصارى ومسلمين-، وأن الوعد يختص بجماعة المؤمنين بإبراهيم ولا يختص بجماعة عرقية تنتمي لإبراهيم عرقياً. هذه الرؤيا اللاهوتية النصرانية تأتي منسجمة وموافقة لما جاء في القرآن الكريم من أن الورثة هي ورثة دين، والتركة هي أمانة رسالة عالمية، و الأمة الموعودة بهذه العالمية هي أمة الإسلام.

فقد وردت نفس تلك المضامين في القرآن الكريم والسنة النبوية، وإن أُمة الإسلام هي التي صححت التحريف والانحراف الذي أحدثه اليهود والنصارى على رسالة نوح وإبراهيم وجميع الأنبياء والرُسُل عليهم جميعاً الصلاة والسلام، واحتفظت بعالمية رسالة نبيها محمدr ولم تجعله نبياً للعرب دون غيرهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ {الأنبياء:107}. ولم تحتكر الله لنفسها دون غيرها من الأُمم: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ {الشعراء:192}. ذلك ما يجعلها هي وحدها الأُمة المقصودة بنبوءات التوراة، خاصة وأن كثير من علماء اللاهوت النصارى يؤكدون أن النبوءات لا تعني عودة اليهود إلى فلسطين، ولكنها تعني مملكة روحية للجنس البشري كاف ولجماعة المؤمنين. 

فقد جزم كثير من العلماء الموضوعيين والمحايدين وغير المتعصبين لليهود المختصين في الدراسات التوراتية؛ بأن جميع النبوءات التي وردت في أسفار التوراة قد تحققت بعودة اليهود بعد السبي البابلي: يقول الدكتور (فرانتش شايدل) معقباً على نبوءة سفر (أرميا) بعودة اليهود إلى فلسطين بقوله: "لقد تحققت النبوءة إذ عاد اليهود من الأسر البابلي"[27]. والثابت تاريخياً أن جميع اليهود الراغبين في العودة قد عادوا أيام حكم ملك الفرس أرتحششتا زمن الإمبراطورية الفارسية.

ويؤكد الأُستاذ (ألفرد جلوم) أستاذ دراسات العهد القديم في جامعة لندن، بعد أن يعرض لنصوص التوراة حول العهد: "أن هذه الوُعُود قد أُعطيت لإبراهيم ولذريته... وهكذا يصبح لنسل إسماعيل كل الحق لأنهم يعتبروا أنفسهم من نسل إبراهيم ... وبالإضافة إلى أنه حين تم العهد ووُعِد إبراهيم بأرض (كنعان) كملكية أبدية بين الله وإبراهيم بالختان،  كان إسماعيل جد القبائل العربية هو الذي "خُتِن" ولم يكن إسحاق قد ولد"[28]. وينتهي "جلوم" إلى القول: بأنه "من الواضح أن الوُعُود الإلهية إلى أولئك الأنبياء قد أُلغيت بسبب ردة الأُمة عن الدين، وعندما أجلى السبي الأشوري السكان عن السامرة والسبي البابلي الشعب عن يهودا، رأى الأنبياء في هذه المصائب تنفيذاً للعدل الإلهي في حق شعب عاصٍ جاحد. ولكنهم قالوا لشعبهم: أن بقية ستعود... وفعلاً عاد اليهود إلى يهودا وأعادوا بناء أسوار القدس، وأعادوا بناء (الهيكل)، وعلى ذلك فقد تحققت فعلاً نبوءات العودة، ولا يمكن لها أن تتحقق ثانية، ففي مجمل الكتابات المعترف بها دينياً، والمتعلقة بالعهد القديم، ليست ثمة أية نبوءة عن عودة ثانية من الرجوع من المنفى البابلي"[29].

النبوءات تعني جماعة المؤمنين

وعلى ذلك تكون النبوءات الواردة في أسفار التوراة ولم تتحقق بعد؛ خاصة بأُمة أُخرى غير اليهود، وذلك ما يراه كثير من علماء اللاهوت النصارى! يقول {الدكتور "وليام هـ. شتاينسبرج" أستاذ دراسات العهد الجديد –الإنجيل- والدراسات (السامية) في جامعة "ديوك" بولاية "نورث كاورلاينا" والكاهن في الكنيسة المشيخية: "ليس ثمة من أساس في العهد الجديد أو القديم يستند إليه أدعياء الصهاينة بأن إقامة دولة يهودية جديدة في فلسطين هو أمر مطلوب أو له ما يبرره في الكتاب المقدس أو نبوءاته، فالوعود الواردة في نبوءات الكتاب تنطبق على البشر كافة". ويرى أن الإشارات الواردة في الكتاب المقدس تنطبق "حسبما وردت في العهد الجديد، على الكنيسة (المسيحية) المثالية، أو على جماعة من المؤمنين حقاً، ذلك بالمعنى الديني للإيمان". ثم ينتهي إلى أن تلك الإشارات والعبارات في العهد القديم تشير إلى "مملكة روحية للجنس البشري كافة، لا إلى إسرائيل سياسية تحتل أراضي ومنازل مملوكة طبيعية من قبل شعب آخر".

أما الدكتور أوفدر سلزر أستاذ العهد القديم سابقاً، وعميد معهد "ماك كورمك" اللاهوتي، والكاهن في الكنيسة المشيخية المتحدة، ينتهي من تفنيده للإدعاء اليهودي بأن إنشاء (دولة إسرائيل) جاء تحقيقاً لنبوءة الكتاب المقدس، إلى القول: بأن "المسيحي الذي يعتمد على الكتاب المقدس المسيحي، يستطيع أن يعتقد بأن كلمة (إسرائيل) لا تعني وحدة جغرافية أو عرقية أو سياسية، بل جماعة المؤمنين كافة}[30].

المسلمون هم جماعة المؤمنين

لذلك يمكننا التأكيد بكل ثقة أن "الأُمة البارة" التي بشر بها العهد القديم والجديد هي أُمة محمدr. هذه الأُمة هي التي حققت نبوءات التوراة في جعل مدينة بيت المقدس والمسجد الأقصى رمزاً لشمولية الوعد والعهد لجميع شعوب الأرض، ورمزاً للسلام والوحدة العالمية، من خلال جعلها بيت عبادة وصلاة لجميع تلك الشعوب: "بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب" (إشعيا:56/7). وإذا ما سألنا إشعيا: كيف سيكون بيت صلاة لكل الشعوب واليهود يؤمنون أنهم وحدهم هم "شعب الرب"، وهم وحدهم البشر، وغيرهم حيوانات خلقت في على هيئة الإنسان لتليق بخدمة إنسان "شعب الله المختار" للسيادة العالمية على جميع المخلوقات في هذا الكون؟ّ. يُجيبنا (إشعيا:49/6) نفسه: أن الرب يُرسل عبداً ليكون "نورا للأمم" وليس للشعب المختار "فقد جعلتك نوراً للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض". كما يُجيبنا (أرميا:1/5): "جعلتك نبيا لكل الشعوب"! وهذا دلالة على عالمية الرسالة والعهد والوعد، التي قصُرت جِبلة اليهود على القيام بواجب تبليغها وتحقيقها واقعاً بين الشعوب جميعاً، ولكنها احتكرت إله العالم أجمع لنفسها من دون جميع شعوب الأرض، لذلك أنكر عليهم المسيح u ذلك: "أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضاً، بلى للأمم أيضاً" (رسالة أهل رومية:3/29).

وإن حَصر اليهود وُعُود الأنبياء الخاصة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مسيح خاص بهم؛ يُعتبر تحريفاً ظاهراً وواضحاً ومتعارضاً مع وُعود الرب لإبراهيم في التوراة "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (التكوين:12/3). التي تأتِ منسجمة مع العهد الذي قطعه الله لنوح u بعد الطوفان، وكانت علامة عهده أن يضع قوسه في السحاب: "وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم وبين كل الذوات الحية التي معكم إلى أجيال الدهر....". (التكوين 9/ 8-17). وكما تأتِ منسجمة مع نبوءة (زكريا الإصحاح 2/11، 12) قول الرب: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني ها أنا ذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. فتتصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم ويكونون لي شعباً فأسكن في وسطك". ومن أجل هذا أرسل الرب (يونس) إلى "نينوي" لينذرهم بقوله: "وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا قم أذهب إلى نينوي المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرهم أمامي" (سفر يونان: 1/1). وفي سفر إشعيا يرسل الرب عبداً ليكون "نورا للأمم". (الإصحاح 49/6) وليس للشعب المختار، وهذا دلالة على عالمية الرسالة "فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض". كما نجد في (سفر أرميا: 1/5): أن الرب يخبر "جعلتك نبياً لكل الشعوب". وليس لشعب واحد هو بني إسرائيل!.

كما جاء في التوراة ما يدل على شمولية وعالمية الوعد لإبراهيم عليه السلام، وأن القدس ستصبح بيت صلاة وعبادة لكل الشعوب حتى المختلفة مع يهود في الإيمان "لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب". (سفر إشعيا: الإصحاح 56/7). كما نجد في نفس السفر رؤية أكثر وضوحاً وتبشيراً بالمستقبل، وأكثر انفتاحاً وتخلصاً من شعور العنصرية والانغلاق، حيث تبشر بخروج أمة من القدس محبة للسلام وللأمم الأخرى، لا ترفع سيفا ولا تتعلم الحرب: "وتسير شعوب كثيرة وتقول هلم نصعد جبل الرب إلى بيت يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله، لأنه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم تعلن كلمة الرب. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد".(2/3،4). إن هذه النبوءة لا يمكن أن يكون المقصود بها اليهود، الذين لم ينصفوا يوماً شعباً من شعوب المنطقة، أو أغمدوا لهم سيفاً، أو كفوا عن الحرب، وهم أينما حلوا ولدوا الثورات والفتن، وأجروا المذابح، وخلفوا وراءهم الدمار، إلى درجة يصدق فيها عليهم قول الرب لهم: "إن كثرتم الصلاة لا أسمع لكم، أيديكم ملآنة دما". (سفر إشعيا: الإصحاح 1/15). وهذا دليل على قسوة قلوبهم، وأنهم ليسوا هم الأمة المقصودة.

ويعلق رجاء جارودي على نص سفر إشعيا عن الأمة التي تجعل القدس منارة روحية لكل الأمم، بقوله: "تلكم هي رؤيا إشعيا للمستقبل وهي أيضا رؤيا الأنبياء، وهي تجعل من أورشليم ، لا عاصمة شعب، بل منارة روحية لأمة دينية تمتد على تخوم العالم"[31].

كما أنه هناك رؤيا أخرى جاءت في (سفر أرميا) قصر الفكر الديني لليهودي تفسيرها على أنهم هم المقصودين بها، في الوقت الذي لا تنطبق شروطها أيضاً إلا على المسلمين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الرؤيا تقول: ط"يقول الرب أنهم لا يقولون بعد تابوت عهد الرب ولا يخطر على بال ولا يذكرونه ولا يتعهدونه ولا يصنع بعد. في ذلك الزمان يسمون أورشليم كرسي الرب ويجتمع إليها كل الأمم إلى اسم الرب إلى أورشليم". (أرميا: الإصحاح 3/16 ، 17).

وإن كان هناك أمة في التاريخ تنطبق عليها نبوءات التوراة حقيقة فهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهي الأمة الوحيدة التي يشهد لها التاريخ وكثير من مؤرخي الغرب الصليبي نفسه أنها هي الأمة الوحيدة التي حافظت على مقدسات غيرها، ولم تنتهك لها حرمة، ولم تمنع أحدا من أتباعها من الصلاة فيها، أو زيارتها، وكفلت لأتباعها حرية العبادة، وجعلت من القدس بيت عبادة وصلاة لكل أتباع الرسالات السماوية جميعهم. فالمسلمون قد جعلوا من القدس طوال تاريخ حكمهم لها مركزاً روحيا لكل الأمم على اختلاف أجناسها وأعراقها, ومعتقداتها، ولم يحتكروا المدينة لأنفسهم رغم اعتقادهم الراسخ بأنهم هم وحدهم ورثة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ولم يتم ذلك الاتصال بين الأُمم الكثيرة إلا في ظل حكم الإسلام لبيت المقدس، فالتاريخ لم يحفظ لنا أن أُمة من الأمم التي حكمت بيت المقدس حافظت على وصايا التوراة والأناجيل في جعلها بيتاً للعبادة لجميع الأُمم والشعوب كما حافظت عليها أُمة الإسلام، التي احترمت جميع عقائد أتباع الرسالات السماوية ولم تمنعهم من أداء شعائرهم وعباداتهم في بيت المقدس، بل ووفرت لهم كل أسباب الأمن والأمان، وفي الوقت نفسه حفظ لنا التاريخ فظائع عظام ووحشية وبربرية كثيرة ارتكبها اليهود والنصارى ضد سكان فلسطين وغيرها، عندما حكموا بيت المقدس لفترة وجيزة من التاريخ أيام تمردهم في عهد اليونان والرومان.

كما أن النصارى أيضا ليسوا هم تلك الأمة المقصودة بهذه النبوءة، والتاريخ يحفظ للإنسانية فضائع عظام ارتكبها النصارى عندما حكموا بيت المقدس قبل الإسلام لا يقل ضراوة عن فظاعة ووحشية اليهود، وأشد منه ما ارتكبه النصارى ضد المسلمين ومقدساتهم عندما احتلوا بيت المقدس أيام الحروب الصليبية الأولى ضد المسلمين ومقدساتهم، وحتى ضد أبناء دينهم مِمَنْ يخالفوهم في المذهب، وضد اليهود ومقدساتهم. وها هو الواقع المعاصر للموالاة بين اليهود والنصارى هذا العصر يشهد على حقيقة أفعالهم في بيت المقدس والأرض المباركة؛ بل وفي الأرض كلها. بعد أن مكنوا  اليهود من فلسطين وبيت المقدس، ولا زالوا يوفرون لهم الحماية بالرغم من اعتداءاتهم المتكررة لا على مقدسات المسلمين فقط بل وعلى مقدسات النصارى أنفسهم!! وفي الوقت نفسه تتعالى أصوات نصرانية تطالب حكومات العالم النصراني ألا يسمح بإعادة القدس إلى المسلمين، ونجد بابا الفاتيكان عام 1965م يبرئ اليهود من دم المسيح الذي بحسب اعتقادهم أن اليهود هم قتلته، ويقيم سفارة وعلاقات دبلوماسية له مع كيانهم المغتصب لموطن المسيح!! والبابا الحالي بنديكيت السادس عشر لا يكل ولا يمل من الحديث عن التاريخ المشترك الذي يجمع اليهود والنصارى.

ومع ذلك نجد اليهود جادين في العمل من أجل تحقيق تلك الخرافات والأساطير رغم باطلها، ونحن المسلمون غافلون عما يحاك لنا من مؤامرات ودسائس تقوم بها الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني. وكما بدأ تاريخ البشرية في التوراة بالطوفان، وحصر الوعد الإلهي بالسيادة العالمية في ذرية (سام بن نوح)، فإنه انتهى إلى حصر الوعد بالسيادة على الأرض من النيل إلى الفرات، ببني إسرائيل واختيارهم "شعب الله المختار" من دون كل ذرية سام بن نوح، وإذا أردنا التحديد أكثر نقول: وجعل مركز تلك السيادة هو بيت المقدس، ورمزيتها هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل، ووضع عرش ملك اليهود الذي هو من نسل داوود،  ليكون رمزاً لتلك السيادة العالمية لليهود، حيث تحكم (إسرائيل) العالم آخر الزمان، وتحاسب جميع شعوب الأرض على ما اقترفته بحق (إسرائيل) وأموالها من آثام.

 

المبحث الثاني

أصل البشرية بين رؤية التوراة

ورؤية القرآن

1ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كـذب النسـابـون)

بناء على تلك القصة المختلقة الكاذبة التي لا يوجد عليها أي دليل علمي على صحتها إلا ما جاء في كتاب اليهود التوراة، الذي لا يمكن بأي حال أن يُعتبر كتاب دين سماوي ولا كتاب تاريخي موثوق يمكن الاستدلال بما جاء فيه عن تاريخ أنساب الأجناس البشرية بعد الطوفان، رد علماء الأجناس والانثروبولوجيا والتاريخ والآثار وغيرهم الغربيين أصل جميع أجناس الأرض بعد الطوفان إلى أبناء سيدنا نوح عليه السلام! وصنفوهم كالآتي: (الساميون) وهم العرب واليهود وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (سام بن نوح). و(الحاميون) وهم الزنوج والأفارقة وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (حام بن نوح). والأوروبيين والأجناس الأخرى وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (يافث بن نوح)؟!.

وذلك التقسيم الغربي التوراتي لأصل الأجناس البشرية تقسيم غير صحيح، يكذبه القرآن الكريم/ وتكذبه الحقائق العلنية الثابتة التي تُكذب خرافات التوراة العلمية وغيرها عن أصل الكون وبداية خلق الإنسان وغيرها. ولنبدأ بالقرآن الكريم:

بداية أود التذكير فقط بأنه قد ورد أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا انتسب فبلغ عدنان كان يُمسك ويقول: "كذب النسابون، فلا يتجاوزه". رواه الطبراني. وذكر القرطبي: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم لما سمع النّسابين ينسبون إلى معدّ بن عدنان ثم زادوا فقال: "كذب النسابون إن الله يقول : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }. (إبراهيم: 9). وقد رُوي عن عُرْوة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسمعيل. وقال ابن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يُعرفون. وقال الطبري في تفسيره في قوله تعالى: (لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ)، لا يحصي عددهم ولا يعلـم مبلغهم إلا الله. وروى أن ابن مسعود كان يقرؤها: (وعادا وثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدَهِمْ لا يَعْلَـمُهُم إلاَّ اللّهُ) ثم يقول: كذب النسابون. وذكر ابن كثير في قوله: {لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ} كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يعرف ما بعد معد بن عدنان.

وفي كتب الحديث جاء في "جامع المسانيد والمراسيل" في "الجزء الخامس" الحديث رقم (16225) "كَانَ إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نِسْبَتِهِ مَعَدَّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ، ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: {وَقُرُونَاً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً}" ابن سعد عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا. ووورد في "الجزء 20" الحديث رقم (16222)، عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبيَّ كَانَ إِذَا انْتَهٰى إِلٰى مَعَد بْنِ عَدْنَانَ أَمْسَكَ وَقَالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالٰى: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَعْلَمَهُ لَعَلِمَهُ"[32]. وبزيادة رواه "فيض القدير": ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل وإنما الخلاف في عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء فمقل ومكثر وكذا من إبراهيم إلى آدم لا يعلمه على حقيقته إلا اللّه تعالى[33]. والحديث ورد بنفس النصوص أو قريب منها في معظم كتب التفاسير والأحاديث.

 

2ـ القرآن الكريم يثبت عكس ما ترويه التوراة حول سيدنا نوح وأصل البشرية

فإن كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى لم يتجاوز عدنان عندما كان يرفع نسبه، ويقول: "كذب النسابون"، فما بال أولئك القوم الذين يؤصلون لأنساب القبائل والبشرية جميعاً إلى أبي البشر جميعاً آدم عليه السلام؟ مستندين إلى التوراة المحرفة التي أكد القرآن مراراً على أنها حُرفت وزورت! ويرجعون جميع أنساب أهل الأرض إلى مَنْ تزعم التوراة أنهم أبناء سيدنا نوح (سام وحام ويافث)! ونعجب للمؤرخين والكتاب المسلمين الذين يوثقون أنساب أسماء القبائل أو الأشخاص نقلاً عن التوراة معتبرين أنها أنساب صحيحة! وذلك لأننا نفهم من كتاب الله تعالى أن أصل الأجناس البشرية بعد الطوفان لا يعود إلى نوح وأبنائه فقط ولكن إلى الجماعة التي آمنت بدعوته من قومه ونجت معه في السفينة من الغرق.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ{26} فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} (هود:25 ـ27). نفهم من الآيات أنه اتبع سيدنا نوح نفر من قومه وليس أبنائه فقط كما ذكرت تلك القصة الخرافة في التوراة. قال ابن كثير: ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا.

وقد أكد الله تعالى تلك الحقيقة عند حديثه عن نجاة نوح وقومه في الفلك، في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} (هود: 40). قال ابن كثير:  وقوله {وَمَنْ ءَامَنَۚ} أي من قومك {وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥۤ إِڑ قَلِيلٌ} أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفساً منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفساً. وقيل كانوا عشرة. وذلك يكذب ما جاء في التوراة: (وقال الرب لنوح: هيا أدخل أنت وأهل بيتك جميعاً إلى الفلك لأني وجدتك وحدك صالحاً أمامي في هذا الجبل) (التكوين: 7/1).

كما أن القرآن الكريم لم يخبرنا عن أبناء لنوح نجوا معه في الفلك أو أحد من أهله بالاسم؛ ولكن الله تعالى أخبرنا أن أحد أبنائه وزوجه لم يكونوا مؤمنين ولم يركبوا معه في السفينة ولم يكونوا من الناجين من الغرق. قال تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ } (هود42). أي أن سيدنا نوح نادى ابنه ـ وكان في مكانٍ عَزَل فيه نفسه عن المؤمنين ـ فقال له: يا بني اركب معنا في السفينة, ولا تكن مع الكافرين بالله فتغرق. وبعد أن رفض وأجابه بأنه سيأوي إلى جبل مرتفع يعصمه من الماء، توجه نوح على الله تعالى قائلاً: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }هود46 } (هود45 ـ 46). وعندما نادى نوح ربه: رب إنك وعَدْتني أن تنجيني وأهلي من الغرق والهلاك, وإن ابني هذا من أهلي, وإن وعدك الحق الذي لا خُلْف فيه, وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم. قال ابن كثير: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى} أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين {قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَۖ} أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: {وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْۖ} فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحاً عليه السلام. وقال القرطبي وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله: "وَأَهْلَكَ" لأنه كان عنده مؤمناً في ظنه، وكان ابنه يُسِرّ الكفر ويظهر الإيمان؛ فأخبر الله تعالى نوحاً بما هو منفرد به من علم الغيوب؛ أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقاً. وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، وبعضهم يقول كان ابن امرأته. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله: {إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَۖ} أي الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة.

أما عن زوجة نوح فقد أخبر المولى عز وجل بقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم: 10). ضرب الله مثلا لحال الكفرة - في مخالطتهم المسلمين وقربهم منهم ومعاشرتهم لهم, وأن ذلك لا ينفعهم لكفرهم بالله- ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يُغْني أحدٌ في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرّق بينهما الدِّين، حال زوجة نبي الله نوح, وزوجة نبي الله لوط: حيث كانتا في عصمة عبدَين من عبادنا صالحين, فوقعت منهما الخيانة لهما في الدين. قال القرطبي: وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القُشَيريّ. إنما كانت خيانتهما في الدِّين وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى (الله) إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين؛ وقيل للزوجتين: ادخلا النار مع الداخلين فيها. أي لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لمّا عَصتَا شيئاً من عذاب الله؛ تنبيهاً بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. ذلك يعني أن زوجة نوح أيضاً لم تكن من الذين آمنوا معه، ولا من الذين ركبوا السفينة ونجوا من الغرق، ولكنها كانت من الهالكين، ما يُكذب الأسطورة التوراتية.

ولكن الله تعالى أخبرنا بأن والدي نوح عليه السلام كانا مؤمنين. قال تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً} (نوح: 28). ذكر القرطبي: أي دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين. وقال سعيد بن جُبَيْر: أراد بوالديه أباه وجدّه. وقال ابن عباس: {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي مسجدي ومصلاّي مصلّياً مصدّقاً بالله. وعنه أيضاً: أي ولمن دخل ديني، فالبيت بمعنى الدِّين. وعن ابن عباس أيضاً: يعني صديقي الداخل إلى منزلي. وقيل: أراد داري. وقيل سفينتي. مجمل القول: يقصد أتباعه الذين آمنوا معه من قومه.

وحقيقة أنه آمن مع نوح ثلة من قومه، وركبوا معه السفينة ونجوا من الغرق، ومنهم ومن ذرية نوح تشكلت أجناس الأرض، أكدها الله تعالى وذكرها في مواضع عدو من القرآن الكريم، في قوله تعالى: {قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰۤ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (هود: 48). قال ابن كثير: يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة. كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.

وفي قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} (الإسراء: 3) أي يا سلالة الذين أنجيناهم وحَمَلْناهم مع نوح في السفينة لا تشركوا بالله في عبادته، وكونوا شاكرين لنعمه، مقتدين بنوح عليه السلام؛ إنه كان عبدًا شكورًا لله بقلبه ولسانه وجوارحه. وقال ابن كثير: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۚ} تقديره ياذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي ياسلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم. وذكر الطبري، وعنى بـالذرية: جميع من احتـجّ علـيه جلّ ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمـم، عربهم وعجمهم من بنـي إسرائيـل وغيرهم، وذلك أنّ كلّ من علـى الأرض من بنـي آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح فـي السفـينة.

كان يجب على المؤرخين والكتاب المسلمين أن يتوقفوا مع هذه الحقيقة القرآنية قطعية الدلالة، بأنه كان هناك آخرين آمنوا مع نوح ونجوا من الطوفان لم تذكرهم التوراة ولم تذكر أنساب ذريتهم، ومع توقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند رفع نسبه إلى عدنان وعدم تجاوزه، ليس ذلك فقط ولكنه أخبر بكذب النسابون، وذلك التكذيب لا يحتاج كبير جهد ليدرك المسلم أنه يقصد به ما ورد في التوراة عن أنساب أهل الأرض من آدم إلى تاريخ كتابة التوراة، ومَنْ نقل عنها، ومع إخبار القرآن أن اليهود حرفوا توراة موسى عليه السلام، ويدركوا أن تلك الأنساب غير صحيحة وأنه لا يمكن أن يعتمدوا التوراة كتاب موثوق في تاريخ الأنساب وأصول الأعراق البشرية!.

أضف إلى ذلك أنه إذا لم يلتفت السلف إلى هذه الحقيقة؛ كان يجب أن يلتفت مؤرخي وكتاب عصرنا من المسلمين وغير المسلمين، وخاصة المؤمنين بالعلم وبسببه شككوا في كثير أو قليل مما جاء وصَدق فيه القرآن الكريم، ويسألوا أنفسهم: إن كان العلم يقول أن الكون مخلوق منذ عشرات بل مئات ملايين السنين، أو على الأقل عشرات الآلاف من السنين، وأن العلماء اكتشفوا هياكل أو بقايا هياكل عظمية أو جماجم بشرية يرجع عمرها إلى ملايين السنين، أو لنقل إلى عشرات الآلاف من السنين، والبعض منهم عندما يؤرخ لبدايات تأسيس المدن أو بدء حياة الاستقرار البشري ومعرفة الزراعة واستئناس الحيوان، أو لنشأة الحضارة في فلسطين نفسها …إلخ؛ لنقل في متوسطها الذي لديهم عليه أدلة مؤكدة بحسب علومهم ما بين عشرة ألاف إلى خمسة عشرة ألف سنة، وهناك من يذهب إلى عشرون ألف سنة!.

وذلك ليس تاريخ خلق الكون ولا تاريخ الإنسان الذي مر بحسب النظرية العلمية الشهيرة التي اتخذها أنصار العلم والعقل أهم وسائلهم لمحاربة الدين والتشكيك فيه، نظرية "النشوء وارتقاء"، في مراحل تطور متعددة إلى أن حدثت الطفرة! تلك الطفرة التي لم يخبرنا عن كيفية حدوثها لا دارون ولا العلماء المؤمنين بتلك النظرية وأعطت الإنسان شكله الحالي (هيكله)؟! كان يجب أن يلفت انتباه أولئك حساب اليهود لتاريخ البشرية منذ خلق الله الكون الذي تزامن مع خلق آدم إلى اليوم. فقد أخبرت التوراة أن الله خلق الإنسان في اليوم السادس من خلق الكون: (ورأى الله ذلك فاستحسنه. ثم قال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، فيتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى الأرض، وعلى كل زاحف عليها) (التكوين: 1/25 ـ 26).

وبناء على ذلك وعلى أعمار آدم وذريته التي سجلها كتبة التوراة في (سفر التكوين) حسب اليهود عمر الكون وتاريخ الإنسان منذ خلقه، الذي على تلك الحسابات لا يتجاوز ستة ألاف سنة! واعتبروه التاريخ التقويم اليهودي التوراتي المعمول به لدى اليهود والمسمى (التقويم العبري)؟! كان عليهم أن يلفت انتباههم ذلك ليدركوا أن التوراة كتاب غير موثوق بل كاذب وأن ما جاء فيه ما هو إلا خرافات وأساطير! فكيف والعلم الحديث أثبت أن التوراة كتاب تاريخ خرافات وأساطير جميع الأمم السابقة والتي كانت معاصرة عندما كتب اليهود توراتهم؟!. وعلى الرغم من ذلك ما زال السواد الأعظم من المؤرخين والعلماء والكتاب يعتمد عليه في موضوع الأنساب وغيره من الحوادث التاريخية وتاريخ الأقوام والشعوب القديمة على أنه مصدر تاريخي موثوق؟!.

      ذلك ما يؤكد صواب رأي مَنْ ضعف أو نفى صحة الحديث المروي في مسند أحمد وسنن الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه  كان يقول: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم".

وكما بدأ التاريخ بـ (سام)  واختيار اليهود شعب الله المختار متجاهلين تاريخ البشرية قبل وبعد الطوفان، حاصرين له في اليهود فقط، يبدأ تاريخ فلسطين أيضاً منذ دخول بني إسرائيل إليها في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، ويتم تجاهل آلاف السنين من تاريخ فلسطين قبل ذلك التاريخ وبعده، وينتهي تاريخ فلسطين اليوم بعودة اليهود الميمونة إلى وطن الآباء والأجداد، مهدهم ومهد الحضارة الأول ـ كما يدعون ـ بمعنى أنهم اختزلوا تاريخ البشرية وفلسطين والعالم أجمع في تاريخ اليهود فقط.

 

3ـ حديث سام بن نوح أبا العرب

ورد حديث سمرة بن جندب في مسند الإمام أحمد بسندين، الأول الحديث رقم (19719): حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم".

والثاني الحديث رقم (19732): حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا روح من كتابه حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: حدث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش، وقال روح ببغداد من حفظه: "ولد نوح ثلاثة سام وحام يافث"[34].

كما جاء في سنن الترمذي أيضاً بسندين، الأول الحديث رقم (3353): حدثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِي حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عَن سَعِيدِ بن أَبي عَرُوبَةَ عَن قَتَادَةَ عَن الْحَسَنِ عَن سَمُرَةَ، عَن النبيِّ قالَ: "سَامُ أَبُو العَرَبِ وَحَام أَبُو الْحَبَشِ ويَافِثٌ أَبُو الرُّومِ".

والثاني ذكره في باب "مناقب فضل العرب" الجزء العاشر، الحديث رقم (4100): حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ بصري حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: "سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ". قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَيُقَالُ يَافِثُ وَيَافِتُ وَيَفثُ[35].

ويبدو أن جميع المفسرين اعتمدوا ذلك الحديث في محاولة للتوفيق بين الآيات التي تحدثت عن (وذرية مَنء حملنا مع نوح) وآية سورة الصافات {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَـاقِينَ} (الصافات: 77). فأهلكوا جميع الذين أمنوا بدعوة نوح، وركبوا معه في السفينة، والبعض قال: أن ذرية نوح فقط الذين ذُكروا في الحديث هم الذين تناسلوا، والآخرين لم يتناسلوا فانقرض نسلهم ولم يبقى لهم ذرية!.

وعلى كثرة التفاسير التي رجعنا إليها علنا نجد أحدهم يخالف نص ما جاء في الحديث وما سبق ذكره في تفسير تلك الآية فلم نجد، إلا الألوسي البغدادي الذي بعد أن قدم ما أجمعت عليه التفاسير الأخرى، ذكر آراء أخرى تقول بأن أهل الأرض من غير ذرية نوح: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَـاقِينَ} (الصافات: 77). وقالت فرقة: أبقى الله تعالى ذرية نوح عليه السلام ومد في نسله وليس الناس منحصرين في نسله بل من الأمم من لا يرجع إليه حكاه في البحر، وكأن هذه الفرقة لا تقول بعموم الغرق، ونوح عليه السلام إنما دعا على الكفار وهو لم يرسل إلى أهل الأرض كافة فإن عموم البعثة ابتداء من خواص خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلّم ووصول خبر دعوته وهو في جزيرة العرب إلى جميع الأقطار كقطر الصين وغيره غير معلوم.

والحصر في الآية بالنسبة إلى من في السفينة ممن عدا أولاده وأزواجهم فكأنه قيل: وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية من معه في السفينة وهو لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه وكان في بعض الأقطار الشاسعة التي لم تصل إليها الدعوة ولم يستوجب أهلها الغرق كأهل الصين فيما يزعمون، ويجوز أن تكون قائلة بالعموم وتجعل الحصر بالنسبة إلى المغرقين وتلتزم القول بأنه لم يبقَ عقب لأحد من أهل السفينة هو من ذرية أحد من المغرقين، أي وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية أحد غيره من المغرقين، والله تعالى أعلم[36].

ولأننا لسنا أهلاً للعلم ولا الفتوى، ولا نشكك في علم سلفنا رضوان الله تعالى عنهم، ولا التابعين وأهل العلم والتفسير في الأمة، إلا أننا أيضاً لن نسلم بصحة أو حرفية ما قالوا، خاصة وهم لا حجة لهم ولا دليل إلا روايات التوراة وما أصبح معروفاً في تراثنا باسم الإسرائيليات التي حشوا بها كتبهم، ومنذ زمن طويل علت الأصوات بضرورة تنقية تراثنا منها، وتقديم معلومات صحيحة وتفسير لكثير من المسائل والقضايا بعيداً عن تلك الإسرائيليات.

 وهذا الحديث يتشبث به بعض دعاة القومية والعروبة بتعصب وعنصرية شديدين، ينافيان العلمية والموضوعية، ويرفضون الأخذ بعدم صحته أو تضعيفه وعدم جواز الاستدلال به! سأعرض هنا لرأي بعض علماء السلف في الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، وما قالوا في هذا الحديث ورجاله:

ذكره البزار في مسنده وقال: "وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا سمرة وأبو هريرة ولفظ حديث سمرة مخالف للفظ أبي هريرة". رقم (4550): حدثنا عمرو بن علي قال: نا يزيد بن زريع قال: نا سعيد عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم"[37]. وذكر إسماعيل العجلوني أن ابن أبي حاتم والحاكم ذكراه بسند ضعيف عن أبي هريرة[38].

 

4ـ أصل العرب وحقيقة مفاهيم العرب (البائدة والعاربة والمستعربة)

رحلة سيدنا إبراهيم بابنه إسماعيل عليهما السلام هي التي جعلت بعض المؤرخين المسلمين والعرب يقسمون العرب إلى ثلاثة أصناف: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة!. معتبرين أن العرب البائدة هم أقوام نبيي الله هود (لقومه عاد) وصالح (لقومه ثمود) وطسم وجديس وغيرهم، وقد بادوا بعد أن حل بهم عقاب الله بسبب تكذيبهم رُسل الله. والعرب العاربة هم عرب اليمن وهم العرب الأقحاح الذين لم يختلطوا بغيرهم من الأقوام من غير الجنس العربي وهم الذين حافظوا على استمرار الجنس العربي. أما العرب المستعربة فهم نسل إسماعيل بن إبراهيم الخليل من زوجاته من قبيلة جرهم العربية اليمنية التي استقرت معه وأمه بعد أن فجر الله لهما بئر زمزم، وعندما كبر وبلغ سن الزواج صاهرهم، ومن نسله تكونت قبيلة قريش، التي خيرها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن إسماعيل لم يكن يتكلم العربية ولكنه تعرب لغة وثقافة من خلال اكتسابه اللسان العربي من قبيلة جرهم العربية اليمنية التي نشأ وتربى وترعرع فيها! لذلك فَهِم البعض أن سيدنا إبراهيم وإسماعيل كأنهما لم يكونا عرباً في الأصل وأن نسله اكتسب عروبته من مصاهراتهم لقبيلة جرهم وعيشهم واختلاطهم معها على مدى قرون طويلة من التاريخ؟!.

المدقق في تلك النماذج التي قدمناها لما درج عليه المؤرخون المسلمون الذين لم يأخذوا بحديث رسول الله (كذب النسابون)، ونقلوا عن التوراتية ما جاء عن أنساب الأمم والخلائق ومنهم العرب منذ بدء الخليقة، سيجد أنهم خلصوا دون وعي أو قصد منهم إلى نفس نتائج التي أراد كتبة أسفار التوراة وخاصة كتبة سفر التكوين توصيلها للعالم، فهم أبادوا تقريباً جميع القبائل العربية إلا ما ندر، ممن يرتفع نسبهم إلى سام بن نوح،من غير نسل ابنه أرفكشاد، الذي رفعت التوراة إليه نسب إبراهيم عليه السلام. أي معظم القبائل العربية من إخوة أرفكشاد بن سام بن نوح ازاحهم المؤرخين المسلمين الذين تأثروا بأنساب التوراة من طريق مشاركة اليهود في حقهم في البركة التي منحها الله لسام، وذلك بإبادتهم لأنهم كذبوا أنبياء الله أو لسباب اخرى، والقليل منهم الذي ذكر أن مَنْ بقي منهم ذاب في ذرية قحطان، وأولئك اعتبروا قحطان هو يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، لأن البعض يرجح أن يطون قحطان من ولد إسماعيل. ومن المفارقات العجيبة للمفسرين والمؤرخين المسلمين أنهم كانوا يميلون إلى ترجيح صحة أنساب التوراة في وجود الحديث الصحيح عن رسول، كما في نسب قحطان كما سيأتي. ولم يقل لنا واحد ممن عد قحطان بأنه يقطن،  لماذا قحطان من دون كل تلك الأمم التي بادت بقي حياً وذريته من بعده لليوم، وإن كان جائهم رسول من الله تعالى آمنوا به، ولم يفعلوا مثل تلك الأمم التي كقرت وهلكت؟!.

على الرغم من أن المؤرخين المسلمين يعلمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم السابق ذكره عن رفضه رفع نسبه إلى ما بعد عدنان، وقوله: "كذب النسابون"، وفي الوقت نفسه يذكره البعض قبل أن يبدأ في عرضه لأنساب العرب، كابن خدلون مثلاً، الذي بدأ بالقول[39]:

وسئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك وكره أيضاً أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال‏:‏ إبراهيم بن فلان بن فلان وقال من يخبره به‏.‏ وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ‏"‏ قال‏:‏ كذب النسابون‏.‏ واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال ‏"‏ من ههنا كذب النسابون ‏"‏‏.‏ واحتجوا أيضاً بما ثبت في أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات‏.‏

ولكنه يبدأ بخرافات التوراة السابق ذكرها،  فيقول: وهذه الأحاديث وإن صحت فإنما الأنساب فيها مجملة ولا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريغ أنساب الأمم من هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً‏ (أي سام وحام ويافث أبناء نوح).‏ وكذلك نقل الطبري أنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الذي هلك في الطوفان‏.‏ قال‏:‏ وتسميه العرب يام. {ولأن ذلك لا دليل عليه وفي الوقت نفسه يتعارض مع خرافة التوراة نفسها، عندما ذكرنا قصة نوح مع ابنه الهالك في سورة هود، لم ننقل عن المفسرين هذه القصة‏}.‏

ويبرر ذلك عند بدء حديثه عن "الطبقة الأولى من العرب وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإلمام بملكهم ودولهم علي الجملة" (ص23): بأن هذه الأمة أقدم الأمم من بعد قوم نوح وأعظمم قدرة وأشدهم قوة وآثارا في الأرض وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه‏.‏ لأن أخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع إطلاعنا عليها لتطاول الأحقاب ودروسها إلا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الأنبياء بوحي الله إليهم وما سوى ذلك من الأخبار الأزلية فمنقطع الإسناد ‏... وأخبار هذا الجيل من العرب وإن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أن بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا وأوعى لأخبارهم فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل‏. ... وسمي أهل هذا الجيل العرب العاربة إما بمعنى الرساخة في العروبية.. وقد تسمى البائدة أيضاً بمعنى الهالكة لأنه لم يبقَ على وجه الأرض أحد من نسلهم‏.‏

العرب كلهم عاربة

يذكر ابن كثير أنه: قيل إن جميع العرب ينتسبون إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام والتحية والاكرام، والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل اسماعيل، وهم قبائل كثيرة منهم عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم ومدين وعملاق وعبيل وجاسم وقحطان وبنو يقطن وغيرهم. وذكر الألوسي، وقال ابن دريد في الجمهرة العرب العاربة، هم سبع قبائل: عاد. وثمود. وعمليق. وطسم. وجديس. وأميم. وجاسم، وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل.

ويذكر ابن خلدون في كتابه "تاريخ ابن خلدون" في الجزء الثاني ص33 ما بعدها" أنساب القبائل العربية بمرجعية توراتية: فأما سام فمن ولده العرب على اختلافهم وإبراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين. والخلاف بينهم إنما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب إلى سام‏.‏ فالذي نقله ابن إسحق‏:‏ أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم أرفخشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم‏.‏ ويؤكد على صحة ذلك بقوله: وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة .. وقال ابن إسحق‏:‏ وكان للاوذ أربعة من الولد‏:‏ وهم طسم وعمليق وجرجان وفارس‏.‏ قال‏:‏ ومن العماليق أمة جاسم‏.‏ فمنهم بنو لف وبنو هزان وبنو مطر وبنو الأزرق‏.‏ ومنهم بديل وراحل وظفار‏.‏ ومنهم الكنعانيون وبرابرة الشام وفراعنة مصر‏.‏ وعن غير ابن إسحق: أن عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ‏.‏ قال ابن إسحق‏:‏ وكان طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية‏.‏

قال وولد إرم‏:‏ عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت‏.‏ ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشام والحجاز‏.‏ وقال هشام بن الكلبي‏:‏ عبيل بن عوس أخو عاد‏.‏ وقال ابن حزم عن قدماء النسابين‏:‏ إن لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر‏.‏ قال فعلى هذا يكون جديس ثمود أخوين وطسم وعملاق أخوين أبناء عم لحام وكلهم بنو عم عاد‏.‏ قال ويذكرون عبد بن ضخم بن إرم وأن أميم بن لاوذ بن إرم‏.‏ قال الطبري‏:‏ وفهم الله لسان العربية.

العرب العاربة البائدة

ثم يذكر ابن خلدون أسماء العرب العاربة البائدة من تلك القبائل: عاداً وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة. وربما يقال‏:‏ إن من العرب العاربة يقطن أيضاً ويسمون أيضاً العرب البائدة ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد‏.‏ قال وكان يقال عاد إرم فلما هلكوا قيل ثمود إرم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد إرم أرمان وهم النبط. وقال هشام بن محمد الكلبي‏:‏ إن النبط بنو نبيط بن ماش بن إرم والسريان بنو سريان بن نبط‏.‏

وفي موضع آخر يقول: وأما العرب البائدة من بني أرفخش بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فهم جرهم وحضورا وحضرموت والسلف‏.‏ فأما حضوراً فكانت ديارهم بالرس وكانوا أهل كفر وعبادة أوثان‏.‏ وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع فكذبوه وهلكوا كما هلك غيرهم في الأمم‏.‏ وأما جرهم فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية‏ .ص34.‏.. قال ابن سعيد: وأما جرهم إنهم أمتان‏:‏ أمة على عهد عاد‏.‏ وأمة من ولد جرهم بن قحطان‏.‏ وأن جرهم التي كانت على عهد عاد فقد هلكت وبادت. ص37.

ومثال آخر للمؤرخين المسلمين ونقلهم عن التوراة دون تمحيص؛ المسعودي في كتابه "النتبيه والإشراف"، حيث يقول: وأخبار العرب البائدة كعاد وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام بن نوح. وثمود وجديس ابني عابر ابن أرم بن سام. وعمليق وطسم ابني لاود بن أرم ابن سام ابن نوح. ووبار بن أميم بن لاود بن أرم بن سام بن نوح. وجرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. وعبس بن ضخم بن عبد بن هرم بن عابر بن أرم بن سام .. وغيرهم. وتفرقهم عن أرض العراق بعد تبلبل الألسن (الخرافة التوراتية السابق ذكرها)!.

وفي كتابه "مروج الذهب"، عند ذكر "عاد وملوكها"، (الصفحة 43)، يقول[40]: ذكر جماعة من ذوي العناية بأخبار العالم أن الملك يؤثر من بعد نوح في عاد الأولى التي بادت قبل سائر ممالك العرب كلها، ومصداق ذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الاْولَى} (النجم: 50). ويذكر (نسب عاد): وكان عاد رجلاً جباراً عظيم الخلقة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وعند ذكر "ثمود وملوكها"، (الصفحة 46)، يقول: (مساكن ثمود) وكان ملك ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفجِّ الناقة، وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن إرم بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وفي (الصفحة 50)، يقول: وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.

ونموذج ثالث ذكره محمد طاهر بن عاشور، "التحرير والتنوير في تفسير القرآن"[41]: ... ووصف عاد بـ{ٱلأولَىٰ} في قوله تعالى: {وَأَنَّهُۥۤ أَهْلَكَ عَادًا ٱڙولَىٰ} (النجم: 50)، لأنها أول العرب ذكراً وهم أول العرب البائدة وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح. "الجزء (27)، صفحة (152). وإرَم بن سَامٍ بن نُوح هو جد عاد لأن عاداً هو ابن عُوص بن إرَم، "الجزء (30)، صفحة (317). وثمود أمّة عظيمة من العرب البائدة وهم أبناء ثمود بن جَاثَر ـ بجيم ومثلّثة كما في «القاموس» ـ ابن إرَم بن سام بن نوح فيلتقون مع عاد في (إرَم). ونظير إطلاق اسمين على حي مؤتلف من قبيلتين إطلاق طسم وجديس على أمّة من العرب البائدة، وإطلاق السكاسك والسكرن في القبائل اليمنية، "الجزء (16)، صفحة (30). و{ثَمُودُ} : أمة من العرب البائدة العاربة، وهم أنساب عاد. وثَمود: اسم جد تلك الأمة ولكن غلب على الأمة. "الجزء (29)، صفحة (115).

ويُضيف القلقشندي في "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب": (234) بنو عبد ضخم - قبيلة من العرب البائدة وهم بنو عبد ضخم ابن أرم بن سام بن نوح عليه السلام‏.‏ قال في العبر‏:‏ كانوا يسكنون الطائف فهلكوا فيمن هلك‏.‏ قال ويقال‏:‏ أنهم أول من كتب بالخط العربي. (615) بنو هزان - بطن من جاسم من العماليق من العرب البائدة وجاسم تقدم الكلام عليه في حرف الجيم‏.‏ (5) يوم جديس - لجديس على طسم وهما من العرب البائدة‏‏[42].‏

العرب العاربة الباقية

أما العرب العاربة الباقية فقد نسبوها جميعاً إلى قحطان وكادوا يجمعون على أنه هو أول مَنْ تكلم العربية، ولكنهم واختلفوا في نسبه إن كان لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أم إلى سام بن نوح؟!.

فقال ابن خلدون في (تاريخه، الجزء الثاني، ‏ص38): وأما بنو سبأ بن يقطن فلم يبيدوا وكان لهم بعد تلك الأجيال البائدة أجيال باليمن منهم حمير وكهلان وملوك التبابعة وهم أهل الطبقة الثانية‏.‏ وفي مسند الإمام أحمد‏:‏ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هو فروة بن مسيق المرادي عن سبا أرجل هو أو إمرأة أم أرض فقال بل رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة والشام أربعة‏.‏ فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعر وأنمار وحمير‏.‏ وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان‏. وثبت أن أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية ولقنها عن الأجيال قبله فكانت لغة بنيه‏.‏ ولذلك سموا العرب المستعربة ولم يكن في آباء قحطان من لدن نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية وكذلك كان أخوه فالغ وبنوه إنما يتكلمون بالعجمية إلى أن جاء إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة بنيه وهم أهل الطبقة الثالثة المسمون بالعرب التابعة للعرب‏.‏ قال ابن إسحق‏:‏ وكان طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية‏.‏

وفي (ص53) يقول: وأعلم أن أهل هذا الجيل من العرب (العاربة) يعرفون باليمنية والسبائية، وقد تقدم أن نسابة بني إسرائيل يزعمون أن أباهم سبأ من ولد كوش بن كنعان ونسابة العرب يأبون ذلك ويدفعونه، والصحيح الذي عليه كافتهم أنهم من قحطان وأن سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان‏.‏ وقال ابن إسحق‏:‏ يعرب بن يشجب فقدم وأخر‏.‏ وقال ابن ماكولا‏:‏ اسم قحطان مهزم‏.‏ وبين النسابة خلاف في نسب قحطان‏:‏ فقيل هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام أخو فالغ ويقطن ولم يقع له ذكر في التوراة وإنما ذكر فالغ ويقطن‏.‏ وقيل هو معرب يقطن لأنه اسم أعجمي والعرب تتصرف في الأسماء الأعجمية بتبديل حروفها وتغييرها وتقديم بعضها على بعض‏. وقيل‏:‏ إن قحطان بن يمن بن قيدار وقيل‏:‏ إن قحطان من ولد إسماعيل‏.‏ وأصح ما قيل في هذا أنه قحطان بن يمن بن قيدر ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار وأن يمن هذا سميت به اليمن‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ أن يعرب بن قحطان كان يسمى يمناً وبه سميت اليمن‏.‏ فعلى القول بأن قحطان من ولد إسماعيل تكون العرب كلهم من ولده لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها‏.‏ وللأسف أنه سبق ذكر يقطن في عداد العرب البائدة!

وكما تقدم معنا فإنه هناك اختلاف على نسب قحطان ومذملك على إن كان هو أول مَنْ تكلم العربية أم غيره! وهذا مثال إلى تخبط النؤرخين المسلمين لأنهم لا ينقلون عن مصدر موثوق، ولم يلتزموا بحديث رسول الله "كذب النسابون"، وسأعرض لتلك الاحتلافات كمثال على اختلافات كثيرة في تلك الآلاف من المجلدات التي تحتاج إلى إعادة كتابة لِما جاء فيها، دون أن اتدخل في الآراء المذكورة لأن رأي معلوم أنا مع عروبة قحطان ولغته وغيره ولكن من تاريخ معلوم وعليه دليل، تؤكده روايات السيرة وأحاديث رسول الله. وما سأذكره ورد في جميع المراجع التي ذُكرت واتخذناها كنماذج وفي المراجع التي لم تُذكر!

ذكر الألوسي البغدادي: ... وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية يعرب بن قحطان، وهو مراد الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، واستدل بعضهم على أنه أول من تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في التاريخ بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفاً ولا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل وأنه أول من تكلم بالعربية[43].

كما ذكر البروسوي وقدم تأولاً لعدم التعارض والتناقض بين أن يكون قحطان أول مِنْ تكلم العربية أو غيره، فقال: ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية فهو أبو عرب اليمن يقال لهم العرب العاربة. ويقال لمن تكلم بلغة إسماعيل العرب المستعربة وهي لغة أهل الحجاز. فعربية قحطان كانت قبل إسماعيل عليه السلام وهو لا ينافي كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية، لأنه أول من تكلم بالعربية البينة المحضة وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن، وكذا لا ينافي ما قيل أن أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية. واشتهر على ألسنة الناس أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "أنا أفصح من نطق بالضاد" المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد في غير لغتهم[44].

وذكر ابن عادل الدمشقي الحنبلي ما قاله البروسوي، وأضاف: وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه: منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر. ويقال إن هوداً عليه السلام أول من تكلم بالعربية وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها، وقال غيره أول من تكلم بها نوح، وقيل آدم وهو الأشبه قبل غير ذلك والله أعلم[45]..

كما ذكر ابن كثير: عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة"، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا أبو جري حدثني[46].

وأذكر بما قلته سابقاَ: لم يقل لنا واحد ممن عد قحطان بأنه يقطن، وأنه وذريته هم يكادوا أن يكونوا الوحيدين من العرب العاربة الأولى التي لم تبيد، لماذا قحطان من دون كل تلك الأمم التي بادت بقي حياً وذريته من بعده لليوم، وإن كان جائهم رسول من الله تعالى آمنوا به، ولم يفعلوا مثل تلك الأمم التي كقرت وهلكت؟!.

العرب المستعربة

‏ويذكر ابن خلدون في ( تاريخه، الجزء الثاني، ص 19): أن العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام‏.‏ ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبؤة منهم إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ وكان من شأنه مع نمروذ ما قصه القرآن‏.‏ ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور.

ثم يذكر ابن خلدون "الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وأيامهم وملوكهم والإلمام ببعض الدول التي كانت على عهدهم" (الصفحة 53) فيقول: وإنما سمي أهل هذه الطبقة بهذا الاسم لأن السمات والشعائر العربية لما انتقلت إليهم من قبلهم اعتبرت فيها الصيرورة بمعنى أنهم صاروا إلى حال لم يكن عليها أهل نسبهم وهي اللغة العربية التي تكلموا بها‏.‏ وأهل الطبقة الأولى لما كانوا أقدم الأمم - فيما يُعلم -‏ جيلاً كانت اللغة العربية لهم بالأصالة وقيل العاربة.

ويذكر ابن كثير: وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم[47]. في (الجزء الثاني، ص 156): ولكن انطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللطبري رأي آخر، يقول: وكانوا قوماً عرباً يتكلمون بهذا اللسان المضري فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة لأنه لسانهم الذي جبلوا عليه، ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم: العرب المتعربة لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم. فعاد وثمود والعماليق وأميم وجاسم وجديس وطسم هم العرب[48].

وتقدم معنا أنه قيل‏:‏ إن قحطان بن يمن بن قيدار وقيل‏:‏ إن قحطان من ولد إسماعيل‏.‏ وأصح ما قيل في هذا أنه قحطان بن يمن بن قيدر ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار وأن يمن هذا سميت به اليمن‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ أن يعرب بن قحطان كان يسمى يمناً وبه سميت اليمن‏.‏ فعلى القول بأن قحطان من ولد إسماعيل تكون العرب كلهم من ولده لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها‏.‏

وقد احتج الذين قالوا: أن قحطان ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، بأن البخاري ترجم في صحيحه "باب نسبة اليمن الى إسماعيل عليه السلام"، فقل: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي اللـه عنه قال خرج رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيدهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم انفرد به البخاري وفي بعض الفاظه ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قال البخاري وأسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل اللـه عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لـهم عليه الصلاة والسلام ارموا بني اسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأولـه آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبدالبر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قالـه ابن عبدالبر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخوالـه انتسبوا إلى قحطان[49].

وأني لأدهش من موقف معظم مؤرخي المسلمين لأنهم لم يأخذوا بهذا الرأي على أن نسب قحطان بن يعرب يرتفع إلى إسماعيل بن إبراهيم، وليس إلى سان بن نوح، ذلك الراي الذي لا دليل موثوق يؤكد صحته، فضلاً عن تضارب الأنساب والروايات حوله؟!.

5ـ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ

ذلك الفهم عند البعض يحتاج إلى إعادة نظر! فإبراهيم كان عربياً من قبيلة عربية أصيلة في عروبتها، هي (الآراميين). كما أن العرب هم العرب منذ فجر التاريخ، فمَنْ يسمونهم العرب البائدة ليسوا بائدة! لأن قومي عاد وثمود وغيرهم لم يبادوا عن بكرة أبيهم بعد أن نزل بهم عذاب الله وعقابه، ولكن بقي نسلهم مستمراً فيمَنْ آمن مع رُسِلِهم ونجاهم الله، وإن كانوا هاجروا أو انتقلوا من ديارهم قبل أن ينتقم الله من أقوامهم الكفار ويبيدهم إلى مكان ما في حدود الجزيرة العربية، وقد اختلطوا بالأقوام العربية التي نزلوا بينها في أي مكان؛ لا يعني ذلك أنهم بادوا وانقرضوا ولكنهم تواصل نسلهم وتكاثر بالتزاوج مع تلك الأقوام العربية مثلهم.

أما سيدنا إسماعيل وذريته من بعده لم يكتسبوا عروبتهم من تزاوجهم واختلاطهم بقبيلة جرهم العربية اليمنية، لأن إسماعيل أخذ عروبته عن أبيه إبراهيم الذي كان عربياً، من قبيلة الآراميين العربية العاربة ـ إن صح التعبير في أصله ـ ولم يكن أعجمي كما فهم البعض من اسمه الذي قالوا أنه اسم أعجمي! وعلى ذلك يكون ذلك التقسيم تقسيم خاطئ يحتاج إلى إعادة نظر وتصوب.

ولأننا نسعى لتقديم قراءة قرآنية أو عربية صحيحة لتاريخنا وتاريخ وطننا وقبائله، ومن خلال فهمنا لخصوصية ديننا وتاريخنا؛ فإنه يمكننا أن نسترشد بما بين أيدينا من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة لتقديم تلك القراءة البديل عما هو شائع ومتداول في كتبنا ولدى كتابنا ومثقفينا، نقول:

أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه العزيز أنه جعل النبوة والرسالة في ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 33 ـ 34). إن الله اختار آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران, وجعلهم أفضل أهل زمانهم، وجعلهم النبوة والرسالة في ذرتيهما.

قال القرطبي: اصطفى اختار، وفي البخارِيّ عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد؛ يقول الله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۴ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 68) وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأن محمداً صلى الله عليه وسلّم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران؛  قاله الأخفش. أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض.

وقد ذكر الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله اجتبى آدم ونوحاً، واختارهما لدينهما، لدينهم الذي كانوا علـيه، لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأخبر الله عزّ وجلّ أنه اختار دين من ذكرنا علـى سائر الأديان التي خالفته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰۤ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} رجلان نبيان اصطفاهما وفضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم. فالذرّية منصوبة على القطع من آل إبراهيم وآل عمران: لأن "الذرّية" نكرة، و"آل عمران" معرفة، لأن المعنى: اصطفى ذرّية بعضها من بعض. وإنما جعل «بعضهم من بعض» فـي الموالاة في الدين والموازرة على الإسلام والحق، إنما معناه: ذرّية دين بعضها دين بعض، وكلمتهم واحدة، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 26).

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام لم يرسل بعده رسولاً ولانبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما.

وقال الطبري يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا أيها الناس نوحاً إلى خلقنا، وإبراهيم خليله إليهم رسولاً وَجَعَلْنا فِي ذُرّيَّتِهِما النُبُوَّةَ وَالكِتابَ وكذلك كانت النبوّة في ذرّيتهما، وعليهم أنزلت الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وسائر الكتب المعروفة فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ يقول: فمن ذرّيتهما مهتدٍ إلى الحقّ مستبصر وكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من ذرّيتهما فاسِقُونَ يعني ضُلاَّل، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته.

ويمكننا أن نفهم من هذه الآيتان: أن العهد لنوح والوعد لإبراهيم هما عهد ووعد إيمان وهداية ورسالة للبشرية جمعاء، وأن الله تعالى اصطفى بعض ذريتهما مِمَنْ هم أهل لحملها وتبليغها للناس بذلك الشرف. وقد روى الترمذي أن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيم إسْمَاعْيِلَ، واصْطَفَىَ كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفَىَ قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ. وَاصْطَفَىَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صحيح مسلم وسنن الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم خير القبائل فجعلني من خير القبيلة، ثم خير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً. سنن الترمذي.

يُصدق ذلك؛ قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (مريم: 58).

وتفسير قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلّم: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء من ذريه آدم، ومن ذرية من حملنا مع نوح فـي الفُلك، ومن ذرية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرية إسرائيل، وممن هدينا للإيمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا،

وقال ابن كثبر: قال السدي وابن جرير رحمه الله. فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح (قلت) هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما السلام،

نفهم من الآيات الكريمة أن جميع الأنبياء والرسل نسل ذرية واحدة تعود في نسبها إلى نوح عليه السلام، وأن إبراهيم من ذرية نوح، وأن جميع الأنبياء والرسل الذين جاؤوا من بعده هم من ذريته، فكان جميع أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا في مصر ومنطقة الهلال الخصيب (العراق وبلاد الشام) من ذريته في إسحاق ويعقوب. وكان خاتم جميع الأنبياء والرسل قاطبة من ذرية نوح وإبراهيم هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان النبي من ذريته إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وقد بُعث في أم القرى (مكة)، وفي العرب الذين لم يختلطوا بالأجناس الأخرى كإخوانهم الذين سكنوا بقية الوطن. ونفهم من الأحاديث النبوية الشريفة؛ أن خير ذرية إبراهيم إسماعيل، وخير ذرية إسماعيل كنانة، وخير ذرية كنانة قريش، وخير ذرية قريش بني هاشم، وخير ذرية بني هاشم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وإذا ما حاولنا أن نجتهد لنعرف سبب تلك الخيرية والاصطفاء للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نقول: أنه كما أراد الله تعالى أن يعيد العلاقة الروحية بين مكة وفلسطين من خلال رحلة إبراهيم بابنه إسماعيل من فلسطين إلى الحجاز (مكة)، فإنه أراد أيضاً أن يعيد وحدة العرب الذين تفرقوا في أرض الوطن وتباعدت أنسابهم وأصهارهم عن بعضهم من خلال إسماعيل، فجمع إسماعيل عرب العراق من ناحية الأب بعرب مصر من ناحية الأم (هاجر)، بعرب الشام من ناحية المولد (بئر السبع)، بعرب الحجاز واليمن من ناحية المصاهرة منه لهم ومن ذريته من بعده بهم، وبذلك تكون اجتمعت فيه وفي ذريته جميع قبائل العرب على تباعدها، التي اصطفى الله تعالى منها جميعاً خير البشرية جمعاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ومما يؤسف له؛ أنه لم يخبرنا أحد من المسلمين الذين ينقلون عن التوراة أو علماء الغرب والمنظومة الفكرية والعلمية الغربية، دون تدقيق، أين ذهبت ذرية القوم الذين آمنوا مع نوح، أو يسألون أنفسهم: أين ذهبت تلك الذرية؟! التي يجب أن تفوق ذرية نوح من أبنائه الثلاثة كما تدعي التوراة لأن عددهم أكثر من ثلاثة أشخاص! لم يقل لنا أحد من أولئك المؤرخين والكتاب المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن وما جاء فيه إن كان ذرية القوم الذين آمنوا بدعوة نوح وركبوا معه الفلك كما أخبرنا القرآن الكريم أبيدوا أو انتقلوا إلى كوكب آخر، وأنه لم يبقى على الأرض مِمَنْ نجا من الطوفان مع نوح إلا أبنائه الثلاثة الذين لم يذكرهم القرآن الكريم الذي لا يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!!.

ذلك هو فهمنا لِما ورد في كتاب الله العزيز، لأن القول بتلك التقسيمات للقبائل العربية يتعارض مع صريح نص القرآن بجعل النبوة والرسالة في ذرية سيدنا نوح وإبراهيم، لأنه إذا انقرضت تلك القبائل التي كانت فيها النبوة والرسالة في نبيي الله هود وصالح من بعد سيدنا نوح، فذلك يعني انقطاع تواصل النبوة في ذلك النسل (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ). كما أنه يخالف ما نفهمه من نجاة الجماعات التي آمنت من قومهما ومنهما نبيي الله هود وصالح نفسهما، ما يعني أن تلك الأقوام لم تنقرض ولم تبيد، واستمرت في ذريتهما النبوة والرسالة إلى أن وصلت إلى سيدنا إبراهيم، ومنه ومن إسماعيل وصلت إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

6ـ عروبة إبراهيم عليه السلام؟!

لقد وقع معظم كتاب التاريخ ودارسي الكتب الدينية عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل من بعده في خطأ جسيم جداً، وذلك عندما رفعوا نسبه إلى من تدعيه التوراة (سام بن نوح)، كما أن التوراة تناقضت في ذكر نسب سيدنا إبراهيم، وغالباً ما يذكره المؤرخون دون التطرق إلى أصله العرقي وأصل قبيلته التي انسلخ عنها بعد أن أوحى إليه الله تعالى بأن يترك قومه ويهاجر إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، مما يُظهر بني إسرائيل واليهود وكأنهم قبيلة متميزة عن غيرها من القبائل التي عاصرتها، ومستقلة عن جميع قبائل وأعراق الأرض منذ فجر التاريخ، أو منذ ما بعد الطوفان، في وقت الحقيقة فيه خلاف ذلك.

فنحن عندما نرجع إلى شجرة الأنساب في التوراة في سفر التكوين؛ نجدها رفعت نسب إبراهيم عليه السلام إلى (أرفكشاد بن سام بن نوح)، فقد جاء في التوراة: "وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ وُلِدَ لَهُ أَيْضاً بَنُونَ. بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ. وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ وََوَلَد شَالَحُ عَابِرَ وَوَلَد عَابِرُ َفَالَجَ وَوَلَدَ َفَالَجَ رَعُوَ وَوَلَدَ رَعُو سَرُوجُ وَوَلَدَ سَرُوجُ نَاحُورََ وَوَلَدَ نَاحُورَ تَارَحَ. وَوَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. (يراجع سفر التكوين: الإصحاح 10،11). وفي موضع آخر من التوراة في سفر التثنية نحد كتبة التوراة ينسبونه إلى (أرام بن سام بن نوح) أخو (أرفكشاد بن سام بن نوح) عندما يكتبوا على لسانه: "أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي". (التثنية: 26/5). فأي النسبين الصحيح؟!.

لذلك سنخالف ما درج عليه المؤرخون والكتاب عند ذكرهم سيدنا إبراهيم وبني إسرائيل واليهود من بعده، ونبدأ تحديد نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، لنثبت نسبه العربي منذ ولادته، وكذلك أن الذي دفع العرب أبناء عمومة بني إسرائيل إلى كراهيتهم وعدم الترحيب بهم أو بجوارهم، ومحاربتهم لهم، راجع إلى ما طُبع عليه بنو إسرائيل من طباع سيئة، وأخلاق عدوانية، منذ فجر تاريخه، وقصتهم مع أخويهم من أبيهم سيدنا يوسف وأخاه بميامين على تسمية التوراة له معروفة، فإن كان حقدهم وكراهيتهم وغيرتهم من أخويهم الأصغرين وصلت ذلك الحد فكيف ستكون مع غيرهم؟!.

إننا نرى أن الرأي الراجح هو الذي يقول: أن أصل سيدنا إبراهيم عليه السلام من قبيلة آرامية عربية الأصل، هاجرت إلى بلاد الشام والعراق مع الهجرة الآرامية في الألف الثالث قبل الميلاد، وأن قسم منها سكن الجزء الجنوبي من العراق، وذلك في العهد الأموري الذي أسس دولة بابل الأولى التي كان من أشهر ملوكها حمورابي. وقد ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام في بدايات القرن التاسع عشر قبل الميلاد ـ على أقرب التواريخ للصحة ـ ونشأ في مدينة أور بابل الواقعة في القسم الجنوبي من العراق، فقد جاء في التوراة نص قريب من ذلك عن أصل نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، يتوافق مع الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار، وهو: "آرامياً تائهاً كان أبي" (سفر التثنية: 56/5).

فقد بات معلوماً أنه: كان الأموريون في مبدأ الأمر في شمال سوريا، ثم أخذوا ينتشرون بعد ذلك في مناطقها الوسطى وعلى الشاطئ حتى وصلوا إلى فلسطين، وانتشروا نحو الشرق واستقروا في مناطق ذات حضارة قديمة. وأسسوا دولة لعبت دوراً كبيراً في تاريخ العراق، ونشأت فيها أُسرة مدينة بابل حوالي عام 1894ق.م، التي قدر لسادس ملوكها وهو الملك حمورابي الذي بدأ حكمه عام 1728 ق.م أن يوحد البلاد كلها تحت سلطانه وأن ينشئ الإمبراطورية الشامية الثانية وأن يخضع له كل الدويلات الأخرى مثل دولة ماري ولارسا وعيلام ووصل جنوباً إلى (الخليج الفارسي)[50]. كما هاجر الآراميون واستقرت قبائلهم في أعالي بلاد ما بين النهرين ومنطقة الفرات الأوسط وبلاد الشام وذلك في منتصف الألف الثاني ق.م، ومنهم قبيلة أقامت في جنوبي العراق[51]. يقول بعض المؤرخين وعلماء الآثار أنه في تلك القبيلة ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام نحو عام 1900 ـ 2000 ق.م.

كما إننا نجد أن التوراة تناقضت واختلفت في نسب سيدنا إبراهيم، فإنها أيضاً تناقضت واختلفت في إن كان هاجر هو ووالده من أور بابل أم وحده!  فقد جاء في التوراة: "وأخذ تارح إبرام ابنه… من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض (كنعان)" (سفر التكوين: 11/31). وكما أن هذا النص يتعارض مع ما ذكرته الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار من أن اسم كلدية نسبة إلى قبيلة كلدية العربية، التي هاجرت إلى جنوب العراق وأقامت فيها دولة بابل الثانية لم يظهر إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، أي بعد مولد سيدنا إبراهيم بأكثر من ألف سنة، فإنه أيضاً يتناقض مع النص التوراتي الذي يقول: "وقال الرب لإبرام: (اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك واذهب إلى الأرض التي أريك)" (سفر التكوين: الإصحاح 12/1).

فأي النصين نُصدق؟! وأي النسبين نُصدق؟ وأي العهدين لنوح أيضاً تُصدق؟! ولكننا سنُصدق ما ذكره القرآن الكريم لأنه الأصدق.

لم يذكر القرآن الكريم أن سيدنا إبراهيم هاجر من بلاده ومعه أبيه، لأن أبيه لم يكن على دينه الذي دعا إليه قومه، حيث أن سيدنا إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد، وإلى توحيد الخالق وترك عبادة الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة التي كانوا يعبدونها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. (الأنعام: الآية 74). وعندما ضاق أبا سيدنا إبراهيم بدعوة ابنه له وعجز عن رده إلى عبادة الأصنام قال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾. (مريم:46). وهذا دليلٌ على عدم صحة النص الأول في التوراة وصحة النص الثاني، والتأكيد على أن إبراهيم هاجر من غير أبيه إلى أرض محددة، قال تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. (الأنبياء: الآيات من51ـ71).

ورد في تفسير هذه الآية عن ابن كثير والطبري والقرطبي وغيرهم: قالوا: عن الأرض التي بارك الله فيها للعالمين هي بلاد الشام. وما من ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرّق في الأرض. وقيل لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها؛ والبركة ثبوت الخير. وكان يُقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في بلاد الشام. وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر. وقيل: بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء لذلك قيل أنها معادن الأنبياء. وهي أيضاً كثيرة الخصب والنموّ، عذبة الماء.  وبها مـجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريـم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال.

وقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجه (سارة) وابن أخيه (لوط) والعدد القليل الذي آمن معه من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين والتمكن من نشره. وساروا مع طريق القوافل حتى وصلوا حران مدينة شمال الهلال الخصيب تقع على إحدى أفرع الفرات وإلى القرب من تل الخلف. وهي مدينة تجارية واقعة على طريق القوافل بين بابل وسواحل البحر المتوسط. وقد مكث في حران فترة من الزمن ثم تركها ومن معه مهاجراً إلى فلسطين، وبعد عبور نهر الأردن واصل سيدنا إبراهيم سيره إلى فلسطين حتى نزل مدينة شكيم نابلس. ثم رحل عنها متنقلاً في أرض فلسطين إلى أن استقر بع المقام في مدينة بئر السبع. أما سيدنا لوط فقد نزل قرية سدوم قرب البحر الميت.

وقد أقام إبراهيم وسط أبناء عمومته من القبائل العربية من سكان بئر السبع وفلسطين داعياً إلى الله تعالى. وقد قامت علاقة طيبة بينه وبين سكان البلاد الذين أحسنوا وفادته وضيافته لما رأوا من حسن خلقه وصلاحه وكرمه. واستمرت إقامته إلى أن حلت المجاعة بأرض فلسطين فارتحل إبراهيم إلى مصر، ولم يطل به المقام هناك لِما أخبرتنا به كُتب السير مما حدث بينه وبين فرعون مصر، فخرج منها عائداً إلى فلسطين بعد أن زوده فرعون مصر بالمال والماشية وجارية ـ قيل أنها أميرة من أميرات القصر أو أنها من الأسرة الحاكمة ولم تكن خادمة كما قال البعض، وقد تكون صفة الجارية نقلها الكتاب عن التوراة ـ وهبها لزوجه (سارة) اسمها (هاجر). وبعد عودته إلى فلسطين استقر مرة أخرى في بئر السبع. وبعد فترة قصيرة تزوج إبراهيم من هاجر التي أنجبت له إسماعيل عليه السلام، الذي حمله وأمه بعد أن غارت منها سارة عابراً الصحراء إلى مكة في الجزيرة العربية وأسكنهما هناك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. َربّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. (إبراهيم: الآيات 35-37). قال المفسرون في مِن ذُرِّيَّتِي ولده إسماعيل وزوجه هاجر. وجاء في الحديث: أن هاجر لما ولدت إسماعيل غارت منها سارة زوجة إبراهيم فأمره الله تعالى أن يحمل ولده إسماعيل مع أمه من الشام إلى مكة فوضعهما عند دوحة مكان زمزم… وقد أراد الله تعالى أن يكون سيدنا إسماعيل سبباً في إعادة العلاقة والصلة بين أرض الحجاز وفلسطين.

وبعد أن رزق سيدنا إبراهيم بإسحاق (ولد إسحاق بعد سيدنا إسماعيل بأربعة عشر عاماً) من زوجه سارة، هاجر إلى الخليل ونزل وسط سكانها العرب وبعض الحثيين الذين كانوا يقيمون فيها بصفة فردية وليسوا حكاماً أو ذوي سلطة، وقد كانت تسمى الخليل آنذاك بقرية أربع نسبة إلى أربع أحد حكامها وغالباً أنه هو الذي أقامها وبناها. وبقية القصة معروفة وليست موضوعنا، ولكن نريد أن نلفت النظر إلى ما تبع تلك القصة من تقسيمات للعرب إلى عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة؟!.

 

القسم الثاني

المبحث الثالث

حقيقـة الشـعوب واللغـات

السامـية

 

1ـ علماء الآثار وحقيقة الشعوب واللغات السامية.

أوضحنا سابقاً أن كتبة التوراة اختلقوا القصة السابق ذكرها عن سيدنا نوح عليه السلام ليحرموا مَنْ زعموا أنه (كنعان ابن حام) من الحق في مشاركة من زعموا أنهم أبناء (سام بن نوح) في البركة، جعلوا أصل جميع أجناس الأرض بعد الطوفان هم أبناء سيدنا نوح عليه السلام، دون ذكر للقلة التي آمنت معه من قومه وركبوا معه السفينة، وقصروا ركاب السفينة على نوح وأبنائه وزوجاتهم! أن علماء الأجناس والتاريخ والآثار وصنفوا الأصول العرقية للبشر على النحو التالي: (سام) الأب الأعلى للعرب واليهود. و(حام) الأب الأعلى للزنوج والأفارقة، و(يافث) الأب الأعلى للأوربيين والأجناس الأخرى؟. علماً أن أولئك العلماء وإلى حد بعيد التوراة نفسها تتناقض آرائهم مع ذلك التقسيم عندما يعتبروا القبائل العربية التي سكنت فلسطين (الكنعانيون حسب نسبتهم في التوراة إلى كنعان بن حام) قبائل عربية تنسب إلى (الساميين بحسب أيضاً أجناس التوراة)؟!.

ولأن تلك القصة مختلقة وكاذبة ولا دليل على صحتها إلا ما جاء في كتاب اليهود التوراة، الذي لا يمكن بأي حال أن يُعتبر كتاب دين سماوي ولا مصدر تاريخي موثوق يمكن الاستدلال بما جاء فيه؛ يجب علينا استبدال تلك المصطلحات والأسماء والمفاهيم التي أصبحت مسلمات وحقائق تاريخية وعرقية وعلمية عالمية بأسماء عربية، وخاصة التي تشير إلى مفاهيم دينية وتاريخية وأهداف ومصالح يهودية ـ غربية في وطننا، في الوقت الذي لا يوجد فيه عليها أي دليل علمي إلا ما جاء في التوراة عن تاريخ أنساب الأجناس البشرية بعد الطوفان.

فقد درج البُاحثة والعلماء الغربيين الذين كما نعلم أسسوا علم الآثار من أجل تأكيد صحة ما جاء من خرافات وأساطير في التوراة اليهودية، ولتتبع رحلتي سيدنا إبراهيم وموسى على الأخص، لإثبات حق اليهود المزعوم في وطننا من الفرات إلى النيل، وأن فلسطين هي (أرض الميعاد) لليهود لإقامة (الدولة الموعودة) لهم فيها، لتحقيق أهداف أخرى ضد الأمة والوطن ليست موضوعنا، وتبعهم بالنقل والنسخ دون مراجعة أو تدقيق أو تمحيص لآرائهم وكتاباتهم وهم يدسون السُم في العسل معظم الكتاب العرب. وقد درج علماء الغرب على تسمية الشعوب التي تُنسب إلى جزيرة العرب أو التي تتشارك في اللغة والأفكار والعقائد من سكان العراق وبلاد الشام ووادي النيل ودوله بـ(الشعوب السامية)، وهي تسمية حديثة وضعها مستشرق نمساوي (شلوتزر ولهلم) سنة 1781م نسبة إلى (سام بن نوح)، الذي ذكر سفر التكوين من ذريته أقواماً عاشوا في جزيرة العرب والأقطار المجاورة لها كـ(الكنعانيين) والآراميين والسبئيين والكوشيين والمصريين …الخ، بعد أن لاحظ أوجه التشابه الظاهرة بين لغاتها وأفكارها وعقائدها

يقول الدكتور (عبد ا لواحد وافي) "يطلق الآن لقب (الساميين) على الشعوب الآرامية والفينيقية والعبرية واليمنية والبابلية والآشورية، وما انحدر من هذه الشعوب. وأول من استخدم (شلوتزر) في أواخر القرن الثامن عشر، وقد ورثه مما اقتبسه من سفر التكوين بعدد أولاد نوح الثلاثة (سام وحام ويافث) والشعوب التي انحدرت من كل ولد منهم ... وعلى هذا الأساس عد سفر التكوين الفينيقية من الشعوب الحامية مع أنهم من أخلص السامية نسباً وأقربهم رحماً إلى العربية)[52].

كما أسس علماء الغرب علم جديد أطلقوا عليه اسم (اللغات السامية أو لغات الشعوب السامية) وبدؤوا يؤسسوا لذلك العلم من أجل تحقيق نفس أهداف علم الآثار الذي أسسوه سابقاً، واللغات (السامية) تطلق على لغات القبائل العربية التي سكنت الجزيرة العربية منذ فجر وما قبل فجر التاريخ، وسموها (الساميون)، وقد تحدثت تلك القبائل لغة انحدرت من أصل واحد، وهي لغة غنية بمفرداتها وآثارها الأدبية، وقد تشعبت إلى فروع ولهجات يمكن تقسيمها إلى كتلتين: شرقية وأهم فروعها اللغة الآكدية ومنها البابلية والأشورية، ثم اللغات العربية الجنوبية كالحميرية والمعينية والسبئية والحبشية. أما الكتلة الغربية فهي الأمورية والكنعانية والفينيقية والعبرية والعربية الشمالية (الحجازية).[53]. "

وهناك تقسيم أكثر تفصيلاً ذكره الدكتور(شوقي ضيف) في سلسلة "تاريخ الأدب العربي"، حيث يقول: "وقد قسمها علماء اللغات إلى شمالية وجنوبية، وقسموا الشمالية إلى شرقية، وغربية، أما الشرقية البابلية والآشورية، وأما الغربية (لغة نقوش رأس شمرا) والكنعانية والآرامية، وقسموا الجنوبية إلى عربية شمالية، وهي الفصحى، وعربية جنوبية وهي لغة بلاد اليمن وما والاها في الزمن القديم"[54].

وبعد أن أشبعوا تلك اللغات دراسة وتصنيف وتقسيم انتهوا إلى نتيجة هي الأكثر خباثة وأشد خطورة؛ من أجل إثبات زعم اليهود في نسبتهم إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (سام بن نوح)، ليثبتوا صحة تلك الخرافة التي بدأنا حديثنا عنها، وهي: "وحدة الجنس العربي"، وحتى لا يفهم البعض موقفي خطأ هنا؛ أوضح أني لست ضد النظرية، ولكني ضد المقدمات والحيثيات التي اعتمدوا عليها ليثبتوا صحة ذلك، وطريقة التحليل والنتائج التي وصلوا إليها ولها علاقة بمحاولة إثبات صحة تلك الخرافات والأساطير التوراتية التي اختزلت كل حق وكل ما هو إنساني في (ذرية سام بن نوح) من دون بقية إخوته وذريتهم، وفي اليهود فقط من ذرية (سام بن نوح). ويجمل الدكتور (محمد خليفة حسن) آراء علماء تاريخ (الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي في الآتي:

أنه قبل أن تتكون الشعوب (السامية) كان لها أصل واحد منه تفرعت، ألا وهو الأصل العربي أو الجنس العربي، ونفس النظرية تنطبق على نشأة لغات الشعوب (السامية)، فقبل أن تتطور تلك اللغات كان لها أصل لغوي واحد تفرعت عنه، ألا وهو الأصل اللغوي العربي، ممثلاً في اللغة العربية التي كانت بلا شك اللغة (السامية) الأم! كما كان الشعب العربي هو الشعب (السامي) الأم لكل الشعوب (السامية)[55]. بناء على ذلك خلصوا إلى نتيجة أخرى خاصة بأصل ما يسمى (اللغات السامية)، وهي: "إن رجوع هذه اللغات (السامية) جميعها إلى فصيلة واحدة ليحمل على أن الأمم الناطقة بها ترجع كذلك إلى أصل واحد وإنها قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية"[56]. كما يقول الدكتور (صبحي الصالح) نقلاً عن المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون): "يبدو أن اللغات السامية قبل تفرقها كانت ترجع إلى أصل واحد، وتشكل شبه وحدة شعبية، إلا أن من العسير جداً تعيين ذاك الأصل الواحد وتحديد هذه الوحدة"[57]. وهذا القول كغيره مما قال به علماء ما يسمى (تاريخ الشعوب السامية) الغربيين إنما هو إعادة إنتاج لخرافات التوراة وتقديمها في ثوب علمي زائف وخادع لمحاولة إثبات صحتها! وما قالوه هو مضمون ما جاء في التوراة: "وَكَانَتِ \لأَرْضُ كُلُّهَا لِسَاناً وَ\حِداً وَلُغَةً وَ\حِدَةً. ... وَقَالَ \لرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَ\حِدٌ وَلِسَانٌ وَ\حِدٌ لِجَمِيعِهِمْ وَهَذَا \بْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَ\لْآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». فَبَدَّدَهُمُ \لرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ \لأَرْضِ". (سفر التكوين: 11/1ـ10).

ولكن الدكتور (شوقي ضيف) في سلسلة "تاريخ الأدب العربي" يتحفظ على تلك النتيجة الخبيثة التي توصل لها علماء ما يسمى (اللغات السامية)، فيقول: "(الساميون(: كلمة تطلق على مجموعة من الشعوب في الشرق الأوسط، دلت القرابة على لغاتها أنها كانت من الأصل تتكلم بلهجات متقاربة، تطورت إلى لغات سميت جميعاً باسم (السامية)، أخذاً من اسم (سام بن نوح) الذي ورد ذكره في التوراة، وهي تسمية اصطلاحية، فليس هناك أمة تسمى بالأمة (السامية)، إنما هناك صلات لغوية بين طائفة من اللغات، تدل على أنها ترجع إلى أصل واحد"[58]. 

وعلى الرغم من إجماع علماء (تاريخ الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي على أن الأمم الناطقة باللغات (السامية) قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية واحدة، هي الشعب العربي، إلا أنهم اختلفوا حول الموطن الأول لذلك الشعب، كما اختلفوا حول اللغة الأولى التي كان يتكلمها (الشعب السامي) أيام إن كان أبناؤه مجتمعين في موطن. وقد كان أحبار اليهود في العصور القديمة يعتقدون أن العبرية هي أقدم لغة إنسانية، وانتشر هذا الرأي عند كثير من الباحثين حتى بعض العرب أنفسهم ذهبوا إليه. وذهب بعضهم إلى أن الآشورية والبابلية هي أقدم لغات (السامية)، وذهب طائفة من المحدثين وعلى رأسهم العلامة (أولهوزن) إلى أن اللغة العربية هي أقرب اللغات (السامية) إلى اللغة (السامية) الأولى[59].  

ولأن إعادة إنتاج تلك الخرافات والصياغات الركيكة في التوراة عن الأصل الواحد في ثوب العلم والعلمية؛ تمهيداً للوصول إلى نتيجة شبه حتمية تؤكد صحة الأسطورة التوراتية وحق اليهود فيها، فإن الأمر لم يقف عند ذلك؛ ولكنهم أضافوا: ولوضوح الشبه بين أفراد هذه الفصيلة فطن الباحثون منذ عصور سحيقة إلى صلات القرابة التي تربطها بعضها ببعض، فتشابه اللغتين العربية والآرامية قد بلغ درجة لا تخفى معها قرابتهما حتى على أقل الناس إلماماً بهذه الشؤون. لذلك كثير من قدامى الباحثين أشار إلى انتمائهما إلى فصيلة واحدة، وتشابه اللغتين العبرية والعربية، قد ظهر في القرن العاشر الميلادي، ففي هذا القرن أدرك كثير من علماء اليهود وجوه القرابة بين هاتين اللغتين[60]. ما يعني أن اللغة العبرية التي يتكلم بها اليهود الآن لغة موجودة منذ ما قبل فجر التاريخ، ومن أقدم اللغات التي عرفها الإنسان، وهي صنو اللغة العربية، وهي أقرب اللغات بعد اللغة العربية إلى اللغة (السامية الأولى)؟!! وغالباً ما يسوق بعض العلماء أو الناقلين العرب والمسلمين للعلوم والمعارف عن الغرب واليهود دون تدقيق أو تمحيص، مثلاً ذكره المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون) ليؤكدوا على صحة ذلك، وهو:

اختلاف العلماء في معنى كلمة عبري، مَنْ قال أنها لقب كان لإبراهيم الخليل بعد أن عبر النهر، وسمي أحفاده بعده بالعبرانيين، ومن قائل إنها نسبة إبراهيم إلى أحد أجداده الذي جاء في سفر التكوين باسم عابر، ولكن الأقرب إلى المعقول كما يقول (محمد الأنطاكي)، ما ذهب له (إسرائيل ولفنسون) من أن الكلمة كما يدل عليها اشتقاقها في اللسانين العبري والعربي تدل على الرحلة والتنقل. وأنه لما استوطن العبرانيين (يقصد أحفاد إبراهيم) نسبة إلى عبور النهر أو الصحراء أرض (كنعان) وعرفوا المدنية والحضارة صاروا يُعرفون باسم بني إسرائيل فقط. ثم بعد ذلك ذاب بنو إسرائيل وامتزجوا كالعماليق والمؤابيين والمدينيين وغيرهم في إخوانهم الآراميين[61]. ويتساءل ولفنسون بعد ذلك مندهشاً ومستهجناً ليخلص إلى نفس النتيجة التي قررتها الخرافة التوراتية السابق ذكرها، ويجعل من اللغة العبرية أصلاً: "كيف يُعقل أن تكون (الكنعانية) أًصلاً والعبرية فرعاً في حين أن (الكنعانيين) والعبريين والآراميين إنما هم فروع لأصل واحد مشترك بينهم جميعاً ولا يمكن أن يقال: إن هذه اللغة متفرعة عن الأخرى استناداً إلى قوة الشبه بينها إلا إذا ثبت بأدلة أخرى أن العبرانيين قد اقتبسوا لغتهم العبرية من اللغة (الكنعانية)، وأما شدة القرب بين اللغتين فلا يمكن إلا أن تدل على شيء واحد وهو أن اللغتين في الأصل لغة واحدة"[62].

يعلق الدكتور (عبد المسيح جورج متري) على محاولات ولفنسون قلب الحقائق وتزوير التاريخ: "حاول أن يقلب الأمور ويعكسها، أن يجعل الربيب أصلاً من المربي فرعاً أو أخاً، إن التعاطف قد يعمي الباحث العلمي عن الحقيقة ويغدو الباحث لا علمياً في حين يدعي أنه يبحث بعلمية ومنهجية ولكن عين الرضا هي التي لا يبصرون بها إلا محاسن اليهود"[63].

يريد أن يقول (إسرائيل ولفنسون) وأنصار نظرية (الجنس العربي الواحد)، وعلماء ما يسمى (اللغات السامية) أنه وبعد أن انقرضت جميع تلك اللغات (السامية) الأخرى ولم تعد لغات حية، ولم يبقَ منها إلا اللغة العربية الثابت قطعاً أنها استمرار للغة الأولى لجميع تلك الشعوب، وبحكم أن اللغة العبرية الحالية هي الأقرب إلى اللغة العربية ـ بحسب زعمهم ـ فإن ذلك يعني صحة انتساب اليهود الحاليين الذين يتكلمون اللغة العبرية إلى مَنْ يزعمون أنه (سام بن نوح)، وأنه من حق يهود الخزر المتهودون في القرن الثامن الميلادي، الذين لا يمتون بأي صلة عرقية للعرب ولبني إسرائيل الأوائل، الذين يزعمون أنهم هم أحفاد بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، ووعدهم الرب بفلسطين (أرض الميعاد)! وأنهم أبناء عمومة العرب الذين يسكنون الأرض من الفرات إلى النيل! وعلى ذلك تكون الخرافة التي زعمتها التوراة عن سيدنا نوح وأصل الأجناس البشرية صحيحة، وهي صحيحة بدون ذلك عند النصارى الذين يؤمنون بالتوراة على أنها (العهد القديم)، وأنها وحي ومنزلة من الله على سيدنا موسى، أنه (سام بن نوح)! كما أن خرافة التوراة عن مباركة الله لـ(سام بن نوح) وذريته وحرمان (كنعان بن حام) بسبب خطيئة أبيه صحيحة أيضاً.

تلك المزاعم بدعوى النظريات العلمية والدراسات المنهجية تحتاج منا إلى كشف زيفها وكذبها حتى لا يبقَ مخدوعاً بها كثير من أبناء وطننا:

2ـ العبرية الحالية ليست العبرية القديمة لغة (الكنعانيين)؟!

يزعم علماء ما يسمى بـ(اللغات السامية): أن اللغة العبرية التي يتحدث بها اليهود الآن هي نفسها اللغة العبرية القديمة، على الرغم من علمهم أن اللغة العبرية الآن ليست هي نفسها اللغة العبرية القديمة! فقد شكك العلماء المنصفين والموضوعيين والمستقلين في إن اللغة العبرية الحالية التي يتكلم بها اليهود الخزر المتهودون هي نفسها اللغة العبرية القديمة، فالمعلوم أنه هناك شعوب كثيرة غير بني إسرائيل قد اعتنقت اليهودية، وأكبرها القبائل الخزرية التي يؤكد (بنيامين فريدمان): أنها تشكل ما "لا يقل عن 92% من جميع مَنْ يزعمون أنفسهم (يهود) في العالم اليوم، ينحدرون مِمَنْ عُرفوا بـ(يهود) السلالة الخزرية تاريخياً ... [و]  أن الـ8% المتبقية مِمَنْ يزعمون أنفسهم (يهوداً) يتحدرون من السكان الوثنيين البدو القدامى في إفريقيا وآسيا وحوض البحر الأبيض المتوسط"[64]. وقد أصبح معلوماً أن تلك الشعوب كما دخلوا في اليهودية عقائدياً فإنهم أدخلوا معهم إلى اللغة العبرية الأولى كثير من مفردات لغاتهم، ولم تعد اللغة العبرية الحالية هي نفسها اللغة العبرية القديمة.

يقول الدكتور (صبحي الصالح): واللسان العبري شديد الشبه باللسان (الكنعاني). ووجوه الشبه بين العبري والعربي عديدة ... وأما عبرية اليهود الآن التي أصبحت لغة الآداب اليهودية المستحدثة فتختلف اختلافاً بيناً عن العبرية القديمة[65]. ويرجعها الدكتور عبد الواحد وافي إلى أنها: مزيج بين العبرية والعربية واللغات الأوروبية الحديثة، التي كتبها عدد كبير من علماء اليهود والمنتمين إلى مختلف الشعوب الناطقة بشتى اللغات، ومنهم اليهود الألمان والإنجليز والفرنسيين والعرب[66].

وكذلك يعلم ويتجاهل أولئك العلماء المختصون فيما يسمونه (اللغات السامية) أن اللغة العبرية القديمة هي في الأصل اللغة القديمة للقبائل العربية (الكنعانية) التي سكنت فلسطين قبل مجيء يني إسرائيل إليها نحو 1200 ق. م، وقد استعارها منهم بنو إسرائيل بعد قدومهم لفلسطين، وأصبحت لغتهم بعد ذلك. استعاروها منهم بنو إسرائيل وليس كما قال بعض المستشرقين ونقله عنهم بعض المختصين العرب فيما يسمى (اللغات السامية) بـ(نظرية الصراع اللغوي)، وأنه كان يحدث صراع دامي بين اللغات كما كان يحدث بين القبائل ينتهي بالقضاء المبرم والهزيمة المنكرة والساحقة للغة على أخرى، وأن لغة بني إسرائيل، اللغة العبرية، قد دخلت في صراع مع اللغة (الكنعانية)، وقد كُتب لها النصر في نهاية المطاف وقضت وسحقت اللغة (الكنعانية)، كما قال بذلك الدكتور (عبد الواحد وافي)، الذي اعتبر اللغة العبرية أقوى اللغات الكنعانية وليست اللغة الكنعانية نفسها، حيث قال: "تُعد اللغة العبرية أهم اللهجات (الكنعانية) على الإطلاق". وأضاف: "أن اللغة الأصلية لبني إسرائيل قد اشتبكت مع اللسان الكنعاني في صراع انتهى بتغلبها عليها وفقاً لقوانين الصراع اللغوي"[67]. ولم يقف الأمر عند قضاء اللغة العبرية على اللغة الكنعانية فقط، ولكنها دخلت في صراع مع جميع لغات السكان الأصليين وانتصرت عليها، حيث يضيف في (صفحة 57): "واشتبكت لغتهم ـ يقصد العبرية لغة بني إسرائيل ـ مع لغات السكان الأصليين وكُتب لها النصر عليها وفقاً لقانون الصراع اللغوي". ذلك في الوقت الذي يناقض فيه نفسه بنفسه عندما كتب في (صفحة 43) أن اللغة الآرامية قد قضت على اللغة العبرية: "ولم يأتِ القرن الأول من الميلاد حتى كانت الآرامية قد قضت على الفينيقية وأختها العبرية وكما قضت بعدها على الأكادية"؟!! يكتب ذلك وهو نفسه أقر بقوة ومدى اتساع وانتشار اللغة الفينيقية (الكنعانية)، وتأثيرها في لغات العالم المختلفة في نفس كتابه في (الصفحة 36 ـ 37): "ومن الرسم الفينيقي أشتق كذلك الرسم الآرامي"!. وهو يعلم أن "اللغة الآرامية مأخوذة عن لغات البلاد التي أقام فيها الآراميون، وكذلك الكتابة الآرامية بدأت بحروف مسمارية وبلغة آشورية وغيرها، إلا أن الآراميون أخيراً اقتبسوا الأبجدية الفينيقية المكونة من 22 حرفاً والتي ظهرت في نهاية الألف الثاني على وجه التقريب. وقد أضاف الآراميون إلى تلك الأبجدية الحروف الآتية وهي الألف والواو والياء[68]. فكيف تكون في هذه الحال قضت اللغة الآرامية على اللغة الفينيقية وغيرها وهي امتداد وتطور طبيعي لتلك اللغات؟!!.

أمثال تلك التناقضات التي كانت تواجهني أثناء قراءاتي وسعيّ لبناء نفسي فكرياً في سبعينيات القرن الماضي، وشعرت أنها منهج شائع عند الكتاب والمؤرخين والمختصين العرب، الذين أسسوا وأصلوا لموسوعة ومنظومة العلوم الإنسانية عندنا، لأن كثير منهم لغى عقله وكان ينسخ وينقل دون مناقشة أو مراجعة أو تمحيص ولا عرض ذلك على كتابه (القرآن الكريم) أصدق الكتب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلا كان اكتشف أخطاء وتناقضات كثيرة ينقلها ويجعل منها مسلمات علمية وتاريخية لأجيال أمته وهو لا يعلم، وذلك ما دعاني في ثمانينات القرن الماضي إلى كتابة هذه الأبحاث محاولاً تقديم رؤية إسلامية وعربية لتاريخنا.

وإن كنت لا أستغرب ذلك من علماء الغرب المتأثرين بالتوراة، إلا أني أستغربه وأدهش منه عندما أسمعه من عربي أو مسلم! خاصة وأن توراة اليهود نفسها تعترف بمدي قوة اللسان واللغة (الكنعانية)، ومدى اتساع اللسان (الكنعاني) في بلاد غير بلاد (كنعان)، فقد جاء في (سفر إشعيا: 19-18): "في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة (كنعان) وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس". وذلك دليل مدى التأثير (الكنعاني) على عقيدة وثقافة بني إسرائيل.

ولا أعلم كيف تكون اللغة العبرية لغة بني إسرائيل قد انتصرت على اللغة (الكنعانية) في الوقت الذي يُقرر ويؤكد فيه كبار العلماء والمؤرخين فراغ العقلية اليهودية من أي نظام حضاري أو ثقافي أو اجتماعي. وفي وقت أكد فيه المؤرخ الأمريكي الشهير (جيمس هنري بريستد): أن اللغة الآرامية "كانت اللغة التي يستخدمها يهود فلسطين في جميع البلاد التي تفرقوا فيها بعد سبي بابل، وبعد استقرارهم في كثير من البلاد في عهد الفرس...[69]. أي أن اللغة العبرية لم تعد لغة حية ولم تصمد أمام قوة وتأثير اللغات الأخرى كما يزعم المستشرقون ومَنْ نقل عنهم. كما أن بريستد يُرجع كل تقدم حققه اليهود في فلسطين إلى اختلاطهم بـ(الكنعانيين)، حيث يقول: "وقد أحدث اختلاط الطرفين تغيرات جوهرية في حياة العبرانيين". أما المؤرخ الفرنسي الكبير (غوستاف لوبن) يرى أنه: "لا يستحق اليهود بأي وجه أن يكونوا من الأمم المتمدنة". ويضيف: "إن تأثير اليهود في الحضارة العالمية كان صفراً". أما" جورج سارتون" أستاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفرد الأمريكية، يرى أن اليهود مدينين إلى سكان المنطقة فيما أخذوا عنها فيقول: "ولكننا نحن اليوم نعلم أن اليونان واليهود أنفسهم مدينون بذلك كله للمصريين والبابليين وربما لغيرهم أيضا من الأمم التي تقدمتهم"[70]. ويقول (شفيق مقار) عن نقل اليهود لثقافات ومعارف الشعوب السابقة ونسبتها إلى أنفسهم: إنه نوع من السطو الحضاري مارسه المحررون والمؤلفون بشكل لحوح في صوغهم للتاريخ وصنعتهم للمعبود وتجميعهم للكتاب وإرسائهم لأسس الديانة اليهودية. ذلك النوع من السطو فريد في نوعه، حقيقة أن كل ثقافات الشعوب تأثرت ببعضها وأثرت في بعضها وتفاعلت فيما بينها في كل العصور إلا أن حالة مؤلفي الديانة اليهودية تظل حالة فريدة لا قرين لها ولا مثيل لها في أي عصر وأي حضارة. ويتمثل ذلك التفرد من أن الأخذ كان وظل بغير عطاء"[71].

وإن كان القول بـ(نظرية الصراع اللغوي) مستنكرة عند السواد الأعظم من علماء اللغة بصفة عامة، لأن اللغة تؤثر وتتأثر بنسب متفاوتة باللغات الأخرى، ويعتبر ذلك جزء من التمازج والتلاقي والتلاقح والتأثير الثقافي المتبادل بين الشعوب وثقافاتها، وليس صراعاً ومعارك كالمعارك العسكرية التي تدور بين شعوب وقبائل تلك اللغات، إلا أنه في حال اللغة العبرية و(الكنعانية) تعتبر تزييف وتحريف للحقائق التاريخية الثابتة، ومحاولة خبيثة للقول بالتفوق النوعي للغة العبرية لغة اليهود اليوم، كما هو التفوق النوعي والعرقي لليهود كـ(شعب مختار)، وذلك جزء من محاولة التأكيد على صحة تلك القصة الخرافية في سفر التكوين عن تقسيم الجنس البشري موضوع حديثنا، ذلك لأن اللغة العبرية القديمة التي تحدث بها بنو إسرائيل وكتبوا بها توراتهم هي نفسها اللغة (الكنعانية) التي زعموا أنها هُزمت أمام اللغة العبرية!!.

وللرد على مزاعم أنصار (نظرية الصراع اللغوي)، و(إسرائيل ولفنسون) وأنصاره من علماء ما يسمى (اللغات السامية)، نقدم هذه الأدلة:

يقول الدكتور (عبد الحميد زايد): أنه كما تَعلم بنو إسرائيل من (الكنعانيين) حراثة الأرض وزراعتها تعلموا أيضاً "بناء المنازل والقراءة والكتابة، وترك العبرانيون اللهجة "(السامية) القديمة واتخذوا اللغة (الكنعانية) الفينيقية لغة لهم. ولم تختلف اللغة الفينيقية واللغة العبرانية القديمة التي كُتب بها العهد القديم إلا من ناحية اللهجة..."[72]. ويقرر الدكتور (أنيس فريحة) أن اليهود استخدموا اللغة واللسان الكنعاني بديلاً من لغتهم، وقد تعلموا الكتابة الألفبائية التي مكنتهم من كتابة العهد القديم، فيقول: "إن كثير من عناصر الحضارة الكنعانية حتى اللسان الكنعاني الذي أصبح لغة اليهود الرسمية أصبحت جزءً لا يتجزأ من الحضارة اليهودية رغم عدائها لها"[73].

أما الدكتور (أحمد سوسة) ـ الذي كان يهودياً وأسلم ـ فيقول: "ومن الثابت أن سكان فلسطين الأصليين القدماء كلهم كانوا عرباً هاجروا من جزيرة العرب إثر الجفاف الذي حل بها، فعاشوا في وطنهم (كنعان) أكثر من ألفي عام قبل ظهور النبي موسى وأتباعه على مسرح التاريخ، وقد أخذ الموسويون بعد ظهورهم في أرض (كنعان) بلغة (الكنعانيين) وثقافتهم وحضارتهم وتقاليدهم، هذه حقيقة تاريخية ثابتة أيدتها المكتشفات الأثرية الأخيرة وأخذها العلماء بالإجماع تقريباً"[74].

ويلخص (أندريه نهر) مدى تأثر اليهود بالثقافة والحضارة (الكنعانية)، بقوله: إن "تعقد الشعائر الدينية في الحياة الزراعية الإسرائيلية ليست في نظر المؤرخين سوى نسخة من التنظيم الثقافي (الكنعاني)، أخذ به العبرانيون أنفسهم بالتدريج بعد استقرارهم في (كنعان)"[75]. كل ذلك تؤكده عالمة الآثار البريطانية (كاثلين كينون): "يجب أن نقرر أن المجموعات الإسرائيلية التي كانت تصل أصلاً من البدو الرحل. الذين استعاروا لدى استقرارهم أدوات أسلافهم في هذه الأرض (فلسطين). وأن الثقافة الفلسطينية كانت أساساً كنعانية"[76].

وعن نقل اليهود عن (الكنعانيين) يقول الأستاذ وترمان: "وهكذا فإن بني إسرائيل وجدوا شرائع معقدة ومهيأة فعملوا بها في مسيرة حياتهم في كنعان. ثم يضيف مؤكداً أن التحقيقات الأركيولوجية التي يمكن أن تزودنا بمعلومات في هذه الناحية لا تعترف بوجود أي فاصل ثقافي بين الكنعانية واليهودية[77].

أما (غوستاف لوبون) في كتابه "اليهود في التاريخ"  فيرى أن اليهود في الوقت الذي أخذوا فيه من كل الأمم، إلا أنهم لم ينتقوا الأفضل بل اقتبسوا الأسوأ والأخس، فيقول: "فلم يقتبسوا من تلك الأمم العليا سوى أخس ما في حضارتها ولم يقتبسوا سوى عيوبها وعاداتها الضارة ودعارتها وخرافاتها ... وكانوا يضعون أبناءهم في أذرعة محررة من مولك وكانوا يحملون نساءهم على البغاء المقدس في المشارق"[78]. ويتتبع سقطات التوراة ودعارات القوم وأخطاءهم ويرى في اليهودية أنها ليست إلا نتاجاً مختلفاً من فكر الأقوام الذين خالطوهم من السومريين والأكاديين والآراميين والبابليين. 

3ـ واجب تصحيح الأسماء بعض المصطلحات والأسماء، مثل (السامية ، الكنعانية، الفينيقية، العبرو والعبيرو).

خلاصة القول: إن الواجب القومي العربي والإسلامي يقتضي من كل أبناء الأمة أن يحرصوا على استخدام المفاهيم والمصطلحات الصحيحة، التي تدل على حقيقة هوية وطننا وأبعاد الصراع الدائر فيه، وتبين مَنْ الذين ساعدوا اليهود على اغتصاب فلسطين، ومازالوا يوفرون الحماية للمغتصب اليهودي لقلب الأمة، ويحاولون جعله محوراً ومركزاً لكل "نظام إقليمي جديد" في وطننا، لذلك ليحرص كل منا على استبدال تلك المصطلحات التوراتية بأي مصطلح يتوافق مع فكره ومفاهيمه الأصيلة، بحيث يدل على وحدة الوطن وأبعاد الهجمة اليهودية الغربية عليه، لعله يكون بداية لتقويم المقلوب، والعودة إلى الذات، وإدراك أبعاد ومخاطر الاستمرار في استخدام المصطلحات الغربية التي تنطوي على أبعاد خطيرة ضد الأمة والوطن. لأن استخدام تلك المنظومة التوراتية عن أصل الجنس البشري، واعتبار كتاب التوراة المحرف الذي بين أيدينا مصدر تاريخي موثوق، والنقل عنه بدون تحفظ أو نقد وتداول ما ورد فيه من أسماء وأصول وأنساب للقبائل القديمة العربية وغير العربية، كل ذلك يضفي الشرعية الدينية والتاريخية على المزاعم اليهودية في فلسطيننا، والأرض من الفرات إلى النيل وعن السيادة العالمية لليهود!

وفي اعتقادنا أن هذه التسمية لا تقوم على سند من تاريخ أو علم آثار؛ وأن الأولى أن تسمى هذه الشعوب بالجنس العربي، وقبائلها بالقبائل العربية، ما دامت قد نزحت من جزيرة العرب. فجزيرة العرب أخذت تُذكر باسم العروبة الصريح في كتب اليونان والرومان وأشعار العهد القديم، واسم العرب الصريح أخذ يُطلق على أهلها المستقرين في داخلها وتخومها الشمالية جزئياً ثم شمولياً على ما تدل عليه النقوش والمدونات القديمة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة، ما يعني أنها معروفة بذلك الاسم قبل ذلك التاريخ[79].

كما أنه وجد أول نص أثري وجدت فيه كلمة عرب وهو نص (شلمانصر) الثالث والذي يعود إلى سنة 954 ق.م. الذي تحدث عن (جندب العربي) الذي كان أحد أعضاء حلف من "ملوك" سوريا الجنوبية حاربوا ذلك الملك الآشوري. وسواء فهمنا كلمة العرب في النص على أنها البدو وهو الأرجح أو أنها تعني قوماً بعينه، فإن النتيجة واحدة وهي أن جماعة تحمل هذا الاسم أو الصفة كانت موجودة منذ القرن التاسع ق.م. وقد تتالى حديث نصوص الملوك الأشوريين بعد ذلك التاريخ إلى نهاية عهد الدولة الآشورية في القرن السادس قبل الميلاد عن ملوك وملكات الأرض "الأربي" وعن "آدمو" معقل بلاد العرب وقبائلها. كما يحفظ سفر الأخبار الثاني أخبار غارة شنها عرب الجنوب على (يهوذا) سبوا فيها نساء وأولاد الملك (يورام) (848 ـ 844 ق.م) ونهبوا أمواله. ويبرز اسم العرب كعنصر أساسي من عناصر السكان منذ أواخر القرن السابع ومطلع السادس ق.م، فتتحدث نبوءة (أرميا) (626 ـ 586 ق.م) عن "ملوك العرب" أي الشيوخ. ويتحدث (هيرودوت) عن (دارا) في القرن السادس ق.م الذي خضعت له كل أقوام آسيا إلا العرب لم يخضعوا أبداً لسلطان فارس[80].

فضلاً عن ذلك أن مؤرخي منطقة بلاد الشام والعراق يجمعون على أن هذه المنطقة كانت إلى حد كبير وحدة واحدة لا تنفصل عن بعضها، خاصة وأن سكان المنطقة بكاملها بما فيها مصر وجنوب وادي النيل منذ فجر التاريخ  يشكلون شعباً واحداً، من أصل واحد، جاء من الجزيرة العربية، موطن القبائل العربية التي غطت هذه الأراضي منذ ما قبل العصور التاريخية المعروفة، والتي امتزجت شعوبها مع سكان البلاد القدامى قليلي العدد وامتصتهم فيها، وأكسبتهم صفاتها العربية، وصبغت البلاد كلها بالصبغة العربية، ابتداء من نحو 3500 ق.م حيث خرجت القبائل العربية من جزيرتها العربية بأعداد هائلة، وانتشرت في العراق وبلاد الشام "سوريا، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن"، ومن فلسطين سارت بعض القبائل إلى سيناء ومنها إلى مصر، وذهبت منها قبائل إلى شمال إفريقيا وإلى السودان والحبشة، واستوطنت هذه البلاد وامتزجت بسكانها[81]. ويذكر الدكتور أحمد سوسة: "إن جماعات نزحت من جزيرة العرب إلى وادي النيل واستقرت فيه في حدود الألف الرابع قبل الميلاد"[82].

وتلك المنطقة هي ما أطلق عليها المؤرخ وعالم الآثار الأمريكي (جيمس هنري برستد) اسم الهلال الخصيب، لأنه "يكون شكلاً نصف دائري على وجه التقريب، ويرتكز حرفه الغربي جنوب البحر الأبيض المتوسط، ووسطه فوق شبه جزيرة العرب ويرتكز حرفة الآخر عند (الخليج الفارسي) وخلف ظهر هذا الهلال تقوم الجبال المرتفعة، وعلى ذلك تكون فلسطين عند نهاية الجزء الغربي منه وبلاد بابل في الجزء الشرقي بينما تكون بلاد آشور جزءاً كبيراً من وسطه. وهذا الهلال الخصيب ليس إلا امتداداً لصحراء العرب"[83].

وإذا ما رجعنا إلى المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين القدامى، وتحديدهم لحدود الجزيرة العربية، فإننا سنجد أن منطقة الهلال الخصيب عندهم هي جزء من الجزيرة العربية، وعلى ذلك فإن حركة انتقال القبائل منذ فجر التاريخ كانت تتم في حدود الوطن الواحد "الجزيرة العربية"، التي حددوا حدودها: "من عبادان حيث مصب دجلة على الخليج العربي، إلى عمان على مدخل الخليج مروراً بالبحرين ومن عمان إلى عدن على مدخل بحر القلزم (الأحمر) مروراً بسواحل المهرة وحضرموت ومن عدن على طول سواحل اليمن، عبر جدة والحاز ومدين إلى (آيلة) على طرف خليج العقبة، عبر تاران وثيران". كما يقرر المؤرخ العربي الإصطخري أن هذه المساحة من بلاد العرب تحيط بها مياه البحار "بحر فارس" تمثل ثلثي بلاد العرب، وأما الثلث الباقي فحدوده الغربية من آيلة" إلى بالس قرب الرقة، ويعتبر هذا الحد من بلاد الشام ويمر على البحر (الميت البحيرة المنتنة أو بحيرة زغر) إلى الشراة والبلقان (من عمل فلسطين( إلى حوران وأذرعات والبثنية والغوطة ونواحي بعلبك (من عمل دمشق) إلى تدمر وسليمة (من عمل حرض) ومن هناك إلى المناصرة وبالس (من عمل قنسرين) عند الفرات[84].

أضف إلى ذلك: أن ما كان يسمى حتى عهد الآراميين بالعناصر (السامية) صار هو نفسه يُدعى بالعناصر العربية بعد ذلك، وإذا كانت التسمية لا تهم بقدر ما يهم التكوين الحضاري الفعلي والواقع التاريخي فهذه الجماعة الأخيرة العرب التي يظهر اسمها وتظهر جموعها في سوريا منذ القرن الثامن ق.م، جاءت من المنبع نفسه المختلف عليه (الجزيرة العربية) والذي جاء منه (العموريون) و(الآراميون) وكانت تتشكل من العناصر العرقية نفسها التي شكلت من قبل عناصر هؤلاء وأولئك. كما أنها كانت وما زالت تحمل الأسس الحضارية نفسها التي حملوها من تقاليد اجتماعية وطرق عمل وفكر وحياة ومن عناصر ثقافية، دينية ولغوية وفنية[85].

 

القبائل العربية لا (الكنعانية) ولا (الفينيقية)

من الأسماء التي يتم تداولها دون التدقيق في مدى صحتها أو صوابها، وإن كانت حقائق تاريخية قطعية لا يرقَ إليها الشك أو أنها خرافات وضعها كتبة التوراة وألبسوها لباس الدين والوحي السماوي، لتخدم أهداف سياسية معينة خاصة بهم، وأصبحت حقائق تاريخية وعلمية مسلم بها في العالم أجمع، ويشكل استخدامها مخاطر عظيمة على عقلية الشعوب ومستقبل الصراع مع العدو الصهيوني، لأن لها علاقة بالرؤية الدينية التوراتية، والتي تعتبر من صلب قضايا الصراع بين المسلمين واليهود على فلسطين (القضية المركزية للأمة)، والتي لها علاقة مباشرة أيضاً بغايات التوراة للسيادة العالمية الدينية لليهود، تلك الرؤية التي يؤمن بحرفيتها النصارى البروتستنت، وبالمعنى العام لها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس، أسماء مثل (الكنعانيون، الفينيقيون). أو كأن يوثق البعض إلى أن أقدم جذر تاريخي في بناء القدس يعود إلى اسم بانيها، وهو (إيلياء بن إرم بن سام بن نوح)، ولو سألته أو بحثت عن مصدره التاريخي الموثوق الذي اعتمد عليه في توثيقه لهذه المعلومة أو تلك على شاكلتها كما هو أصل اسم (الكنعانيون والفينيقيون) ستجده التوراة المحرفة التي بين أيدينا! لذلك سنلقي الضوء على مصدر آخر قد يكون أكثر صحة من المصدر التوراتي لأصل اسم (الكنعانيون، الفينيقيون)، أو الأصل اللغوي الذي اشتقت منه تلك الأسماء.

كانت القبائل التي أطلقت عليها اسم (الكنعانيون والفينيقيون) هي فرع من الهجرات العربية التي غمرت الساحل السوري ولبنان وفلسطين في الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أول وأكبر القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان. فقد "وصل (الفينيقيون) ونزلوا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ابتداءً من أوجاريت (على مقربة من اللاذقية) إلى صور، كما احتل (الكنعانيون) جزءاً آخر من الشاطئ من جبال الكرمل حتى حدود مصر، وهي المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم فلسطين". ومن خلال البحث التاريخي والمسح ألآثاري الغالب أنه لم يثبت اسم (كنعان) إلا في العهد القديم (التوراة)، كتب الأب دوفو: "كانت بداية العصر البرونزي القديم 3100 ق. م هي الزمن الذي استقر فيه (الساميون) لأول مرة في فلسطين وقد أُطلق عليهم (الكنعانيون) تبعاً لإطلاق (الكتاب المقدس) الذي خلع هذا الاسم على السكان (الساميين) في فلسطين قبل وصول الإسرائيليين)[86].

لذلك لا بد من وقفة مع أصل كلمة (كنعان). يقول مجموعة من المؤرخين وعلماء الآثار:

أنه كان يُظن قديماً أن اسم (كنعان) (سامي) الأصل وأنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ إشارة إلى الضِعة ومنها مجازاً الأرض الواطئة لسكناهم على الساحل، ولكن الرأي المقبول الآن عند أكثر المشتغلين بهذه الدراسات هو أن أصل كلمة (كنعان) غير (سامي)، ويُحتمل أن يكون مشتقاً من اللفظ الحوري Knaggy  بمعنى الصباغ الأرجواني، إذ كانت هذه المنطقة تشتهر بهذه الصبغة القرمزية عندما اتصل الحوريون بتلك البلاد في القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد. وفي البابلية كتبوا اسمها كنغى، وكتب بالفينيقية كنع Kena، وبالعربية (كنعان) أي بلاد الأرجوان[87].

لم يقل علماء الآثار أن (كنعان) اسم علم على (كنعان بن حام بن نوح)؟! ولكنهم ظنوا في البداية أنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ كما سبق ذكره، وأنهم اكتشفوا أن الاحتمال الأقرب إلى الصحة، أنه مشتق من اللفظ الحوري Knaggy فكيف لنا أن نستخدمه على أنه اسم علم، في الوقت الذي لم يذكره اسم علم إلا (التوراة)، وقد سبق أن ذكرنا القصة التي اختلقها كتبة التوراة والهدف والغاية منها وعدم صحتها

أما اسم (فينيقيا) فهو مشتق على الأرجح من الكلمة اليونانية  Phoenix التي تعني باليونانية نفس معنى كلمة  Knaggyالحورية؛ أي  تعني اللون القرمزي أو اللون الأرجواني، وهو اللون الذي كانت القبائل العربية التي سكنت ساحل لبنان وسوريا (الفينيقيون) يستخرجون لونه من المحارات البحرية ويصبغون به ثيابهم. والظاهر أن الإغريق هم الذين خلعوا عليهم هذه التسمية. وغالباً ما تكون جماعة الميكانيين الذين جاءوا إليها للاتجار في أواخر الألف الثاني عشر قبل الميلاد هم الذين خلعوا عليها ذلك الاسم. وفي البداية كان يُستعمل لفظ (فينيقي) لكل القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان، ثم حدد إلى الذين يسكنون الساحل، ومن حوالي الـ1200ق.م أصبحت كلمة (فينيقي) مرادفة لكلمة (كنعان)[88]. إلا أن اسم (الكنعانيين) ظل يطلق على من سكن الساحل الفلسطيني والمناطق الداخلية، واسم (فينيقي) على من سكن الساحل اللبناني والسوري مع أنهم قبيلة واحدة ولا فروق بينهم.

وذهب الأستاذ العقاد في تفسير (فينيقي) غير ما ذهب إليه غيره، فقال: إن اليونان "يطلقون اسم فينيقية على شاطئ فلسطين إلى الشمال والجنوب من مدينة صور التي اشتهر أبناؤها الملاحون عندهم باسم الفينيقيين، ولكن فينيقية كما يدل عليها اسمها كانت اسماً لبلاد النخل في الإقليم كله، وكلمة (فينقس) عندهم ـ اليونان ـ تعني النخلة، وتقابلها عند الرومان كلمة Palmyra التي أطلقت علي مدينة (التمر) أو "تدمر" في شرق البقاع، و"تمر هي الكلمة السامية التي تقابل كلمة Palmyra بمعنى النخلة في بعض اللغات الأوروبية إلى اليوم. وأطلق اسم (كنعان) في البداية على الساحل وغرب فلسطين، ثم صار الاسم الجغرافي لفلسطين وقسم كبير من سوريا، وكان هذا  أول اسم لفلسطين، وكل الأسماء الأخرى لها أقل شأناً وذكراً[89].

وبناء على ما تقدم فأننا نرى أن تُستخدم كلمة "سامي" و"عربي" كمترادفين لكلمة واحدة نقصد بها العرب، كما يُفضل وضع كلمة (سامي) و(كنعاني) و(فينيقي) وغيرها من الأسماء التي مصدرها توراتي ومشتقاتها عند النقل بين قوسين للدلالة على تحفظنا عليها، وأننا اضطررنا إلى استخدامها لضرورات النقل فقط. وتأكيداً منا على أننا لا نؤمن بخرافة التقسيم التوراتي لأصل الأجناس البشرية على الأرض، وأن القبائل التي يسميها البعض من المؤرخين وعلماء الآثار بالقبائل (السامية)، لا يوجد أي دليل قرآني أو تاريخي أو آثاري صحيح يؤكد حقا أنها تعود بأصولها العرقية إلى من تدعيه التوراة المحرفة (سام بن نوح)، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة، ولكن الثابت أن اسم "كنعان" كاسم علم وأصل للقبائل العربية التي سكنت فلسطين وكجد أعلى لتلك القبائل، أول من أستعمله كان العهد القديم "التوراة". كما أنه هناك شبه اتفاق بين المؤرخين وعلماء اللاهوت من الذين لم يقعوا فريسة للتعصب العرقي والديني الغربي؛ على أن ذلك التقسيم التوراتي لأصل الجنس البشري له غايات دينية وسياسية يهودية. وقد يكون كتبة التوراة صاغوا مؤامرتهم أيام السبي البابلي على أساس أن اسم (الكنعانيون) وغيره من الأسماء كانت موجودة وعلماً على تلك القبائل العربية التي كانت تسكن فلسطين وغيرها، ولكنهم أعطوها الصبغة الدينية السياسية، وجعلوا لها أصول دينية وعقدية يترتب عليه حقوق وواجبات على كل الأجناس البشرية أدائها تجاه الذرية الوحيدة (اليهود) التي هي من نسل (سام بن نوح)، التي خصتها الأسطورة التوراتية بالأرض الموعودة "فلسطين" وبالسيادة العالمية، وأن (كنعان بن حام) لُعن وحُرم من البركة والسيادة؛ بسبب غلطة ارتكبها أباه (حام بن نوح). وعلى الرغم من أن مصدر أصل تلك الأسماء غير التوراتي تطمئن له نفوسنا أكثر ويعتبر أصدق مما جاء في التوراة عن أصل مصدر اسم (الكنعانيون والفينيقيون) إلا أننا سنبقى نضع الاسم بين قوسين لأنه ليس كل الكتاب أو القراء يعرفون المصدر الأصلي للكلمة أو ويرفضون التسمية الدينية السياسية التوراتية.

 

العبيرو ليسوا العبرانيين

من المعلومات التاريخية التي يرددها السواد الأعظم من الكتاب كلما تحدثوا عن تاريخ فلسطين، أو عن تاريخ بني إسرائيل، وخاصة سيدنا داود عليه السلام، مما ينقلونه من التوراة المحرفة والمزورة وما فيها من اتهامات لا أخلاقية وسخافات وافتراءات وأكاذيب ليس فقط لا تليق بنبي أو رسول ولكنها تتنافى والفطرة السوية لعامة الوثنيين، فما بالك بأنبياء ورسل الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم؟! تلك المعلومات التي ينقلونها وبكم زائد عن الحد دون أن تنفر نفس الناقل من مضامينها وأبعادها وهو ينقل عن نبي أو رسول، ودون مراعاة لأدب أو تنويه من الكاتب بأنه ينزه الأنبياء والرسل عن تلك السخافات والافتراءات والأكاذيب، وأنه اضطر إلى نقل تلك النصوص كما جاءت في كتاب اليهود (التوراة) لضرورات التوثيق أو تبيان الحقيقة، أو لكيفية تناول كتبة التوراة وتشويههم لتاريخ الأنبياء والرسل من أجل خدمة أهداف وغايات دنيوية لا علاقة لها بحقيقة دعوة رسل بني إسرائيل وتاريخهم أو أخلاقهم.

ومن تلك المعلومات والأخطاء التاريخية والخلط في الحقائق دون التمحيص لها لتبين عدم صحتها، خلطهم بين بني إسرائيل وقبائل العابيرو التي لم يكن لها موطن محدد، وكانت تعيش على السرقات وقطع الطريق، وتعمل لمن يدفع لها ليتقي شرها أو ليخلصوه من أعداء له، اتهامهم كذباً لنبي الله داود إلى جانب اتهامات كثيرة لا تصح في حق نبي مرسل من الله تعالى، واتهامهم سيدنا داود أنه انضم للعبيرو وأنه كان قاطع طريق، ولا يلفت انتباههم وهم يسوقون تلك المعلومات نقلاً عن التوراة وعلى أنها حقائق تاريخية أن العبيرو الذين لجأ لهم سيدنا داود ليسوا من بني إسرائيل؛ ولا ينتبهوا لذلك ويخلطوا بينهما لمجرد اشتراكهما في الأصل العرقي، حيث أنهما من نفس القبيلة العربية، ولكن العبيرو ليسوا أحفاد سيدنا إبراهيم عليه السلام! تلك المعلومة لم ألتفت لها إلا وأنا أحقق في: مَنْ يكون فرعون سيدنا موسى عليه السلام، خاصة وأن علماء الآثار الغربيين وبعض العرب والمسلمين جعلوا له أكثر من فرعون، فهناك مَنْ جعل له فرعونين وآخر ثلاثة وقد وصل الأمر بالبعض أن جعل له أربعة فراعنة، من أجل أن يتوافق ذلك وينسجم مع روايات التوراة المحرفة عن خروج بني إسرائيل من مصر، في الوقت الذي لم يذكر القرآن الكريم لموسى غير فرعون واحد، ولد في عهده ومات غرقاً وهو يطارد موسى وبني إسرائيل! وقد كتبت أيامها:

جاء في كتب الآثار التي تحدثت عن تاريخ مصر والمنطقة قديماً: يوجد في الوثائق المصرية القديمة الهيروغليفية معلومات تشير إلى أنه قد وُجد بمصر على فترات متباعدة من الزمن من قبل زمن الهكسوس تقريباً؛ فئة أو أقوام من العاملين أو المرتزقة وقطاع الطرق عُرفت باسم الخابيرو والعبيرو والأبيرو والهابيرو Apiru  أو هابيرو Habiru  أو HapirK كلها تسميات لفئة واحدة ـ وقد قاموا بأعمال سُخرة في مصر وبناء المدن المذكورة في التوراة على أن بُناتها بني إسرائيل أيام استعباد فرعون لهم، وغيرها. لا ينتمون إلى السكان المحليين ولا توجد لهم هوية في طبقة من المجتمع وليس لهم عمل واحد ولا وضع واحد. وقد أشير بهذا الاسم إلى عمال البناء والعمال الزراعيين وعمال قطف العنب … الخ. وهؤلاء القوم مُختلف على أصلهم بين علماء الآثار والمؤرخين، من أين أتوا؟ عسيرة حقاً الإجابة عن هذا.

رأى البعض صحة أو خطأ أنهم العبريون. ومع أن هؤلاء العبيرو مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة بلاد الشام، وأنهم مذكورين في التاريخ القديم قبل تشكل بني إسرائيل في جماعة واحدة تُعرف باسمهم. إلا أنهم يجزمون أنهم هم العبريون بحسب نص التوراة أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) الذين سخرهم فرعون في الأعمال الكبرى التي أمر بها.

وهناك شبه إجماع بين علماء الآثار على أن الخابيرو تسمية تطلق على فئة من الناس كانت خليط من قبائل مختلفة أشهرها الآراميين، ليس لها موطن، وكانت تعتمد في حياتها على الإغارة وقطع الطريق، وكانت مرتزقة بالمعنى الحديث للكلمة أي ممكن أن تقاتل مع من يدفع لها. وكان الفراعنة وأمراء بلاد الشام أوقات يدفعون لهم ليأمنوا شرهم، وكانوا يجوبون الأرض بين بلاد الشام ومصر. وترى التوراة أن داود عندما فر من جيش طالوت استعان بهم في قتاله.

تصويب الخطأ

بتقديري أن السواد الأعظم من علماء الآثار قد خلطوا بين تاريخ الخابيرو المذكورين في الوثائق المصرية القديمة، وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك. واعتبروا أن كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين. وبناء عليه ربطوا تاريخ الإسرائيليين في دخولهم لمصر وخروجهم منها بتاريخ الخابيرو، ولم يفصلوا بينهما، لذلك لم يستطيعوا الفصل بين الجماعتين، وربطوا بينهما في الحل والترحال. فاختلفت الآراء. 

أَما ونحن نحاول أن نقدم قراءة جديدة لتاريخ سيدنا إبراهيم وأحفاده من خلال رؤية قرآنية، فقد فصلنا بينهم وبين غيرهم من الجماعات التي عاصرتهم أو قد تكون صاحبتهم في مسيرة ترحالهم الطويلة، وخاصة الخابيرو، واعتبرنا أن بني إسرائيل جماعة لها تاريخها المستقل عن غيرها ممن يتشابهون معهم في الأسماء أو يشتركون معهم في الأصل العرقي، لذلك لم نعتبر – كعلماء الآثار- أن هجرة سيدنا إبراهيم من العراق كانت جزء من هجرة كبيرة، حتى وإن ثبت أن سيدنا إبراهيم هاجر مُتبعاً طريق القوافل مع جماعة كبيرة كانت متجهة إلى حَرّان أو فلسطين. لأن هجرة سيدنا إبراهيم ومن آمن معه كانت هجرة إيمان وعقيدة، وبأمر من الله تعالى إلى أرض محددة (الأرض التي باركنا فيها للعالمين)، وليست هجرة عشوائية لقبيلة تبحث عن أرض يمكن لها أن تضع رحالها عليها وتستقر وتعيش فيها، ولأنه لا علاقة لهجرة سيدنا إبراهيم ببقية الركب إن ثبت أنه كان معهم ركب آخر لا في حِلهم ولا ترحالهم إلا بما يخدم دعوته أو وجهته التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها "الأرض المباركة".

ونفس الأمر ينطبق على خروج سيدنا يعقوب وبنيه من فلسطين وانتقالهم ودخول مصر أيام سيدنا يوسف، لم يكن له علاقة بدخول الهكسوس أو قبائل الخبيرو أو العابيرو إلى مصر أو خروجهم منها، حتى وإن ثبت أنهم رافقوا بعضهم في طريق انتقالهم إلى مصر فقط، لأنه يستحيل أن يكونوا رافقوا أحد سواء من الهكسوس أو قبائل الخابيرو أو العابيرو أثناء خروجهم (بني إسرائيل) من مصر، لأن خروجهم لم يتزامن مع خروج الهكسوس الذي سبق خروجهم بنحو ثلاثمائة سنة، وإن ثبت يوماً ما تاريخياً أن خروج بني إسرائيل تزامن مع خروج قبائل أخرى من العبيرو من مصر، فلا يعني ذلك أنهم رافقوهم في سيرهم وسلكوا معهم نفس الطريق! لأن بني إسرائيل كان لهم خصوصية اختصهم بها رب العالمين لحمل الرسالة، وليكون منهم الأنبياء والرُسل، وقد كان خروجهم من مصر هرباً من فرعون وقومه هروب إيمان وعقيدة، تلاه أحداث خصت بني إسرائيل وحدهم دون غيرهم لها علاقة بعقيدتهم ودعوتهم الإلهية، فيستحيل أن يكون معهم في ذلك الخروج قبائل أخرى.

ولذلك نقول ونحن مطمئنين لأننا لا نلهث وراء إثبات صحة هذه الرواية أو تلك مثل الآخرين: إن الذي أوقع علماء الآثار في الخطأ والخلط؛ أنهم ربطوا تاريخ بني إسرائيل في حِلهم وترحالهم، بدء من هجرة سيدنا إبراهيم للعراق، مروراً بدخول سيدنا يعقوب وبنيه مصر وخروجهم منها أيام سيدنا موسى بغيرهم من القبائل وخاصة قبائل الخبيرو!! والذي زاد من الخطأ والخلط أن علماء الآثار والراجح في التوراة أن سيدا إبراهيم يرجع نسبه إلى الآراميين، وعليه يكون الأصل العرقي لبني إسرائيل أو العبرانيين الذين يقصد بهم مَنْ عبر النهر أو الصحراء مع سيدنا إبراهيم يعود إلى قبيلة الآراميين العربية. وأن السواد الأعظم من قبائل الخابيرو أو العابيرو التي بدأت تجوب المنطقة بكاملها إلى مصر منذ ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد، وكانوا مرتزقة وقطاع طرق وقد استقروا أخيراً في جنوب فلسطين وشرق الأردن، يرجعون في أصلهم العرقي إلى الآراميين أيضاً.

من هنا قد يكون جاء الخلط والخطأ في الغالب، وقد كان من أشد الأخطاء التي ترتبت على ذلك الخلط النتائج التي توصل لها كثير من علماء الآثار حول فرعون موسى، وهذا ما سأعرض له:

 

4ـ فرعون موسى؛ هل هو فرعون واحد أم أكثر

عاش بنو إسرائيل في مصر بعد وفاة سيدنا يعقوب ويوسف عليهما السلام زمناً ينعمون فيه بخيرات البلاد، محتفظين بدينهم وتقاليدهم وقد تكاثر عددهم، ولم يتعرض لهم فراعنة مصر بعد طرد الهكسوس منها، وظلوا يعيشون حياة آمنة إلى عهد (رمسيس الثاني) أحد ملوك الأسرة التاسعة عشرة، حيث كان المصريين يستعبدون الأسرى ويسخرونهم في أعمال الحفر والبناء وشق الطرق وغيرها. ويقول علماء الآثار والمؤرخين: أن المصريين في عهد رمسيس الثاني استعبدوا بني إسرائيل ومارسوا عليهم أشد أنواع الخسف والجور، وتسلطوا عليهم وسخروهم في إنشاء الطرق وبناء المدن وشق الترع وزراعة الأرض. واستعملوهم خدماً في البيوت، ومنهم من قال: أن اليهود في مصر أصبحوا قوة اقتصادية هائلة تتحكم في اقتصاد مصر وسياستها. ومنهم من قال: أن اليهود ثاروا على المصريين. وقائل: أن اليهود كانوا من أنصار الملكة حتشبسوت وأن زوجها (تحمس الثالث) أراد بعد موتها التخلص من أنصارها ومعارضيه في الحكم فاضطهد اليهود.. وغيرها من الأقوال التي لا أساس لها من الصحة. ذلك لأن القرآن الكريم أصدق الكتب أخبرنا أن سبب اضطهاد فرعون لبني إسرائيل يرجع إلى غير ما ذكره علماء الآثار التوراتيين وهم يبحثون عن مبررات لخروج بني إسرائيل من مصر.

قال الله تعالى: {طسم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ. أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}. (القصص: من 1ـ 8).

إن فرعون مصر (رمسيس الثاني) كان طاغية متجبر علا واستكبر في أرض مصر. وجعل أهلها فرقاً وأصنافاً في استخدامه وطاعته، يستعبد ويستذل فريقاً منهم وهم بنو إسرائيل، فيسومهم سوء العذاب ويقتل أبنائهم الذكور ويترك الإناث على قيد الحياة لخدمته وخدمة رعيته. قال المفسرون: سبب تقتيله الذكور أن فرعون رأى في منامه أن ناراً عظيمة أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة، فقالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يديه، ويكون هلاكك بسببه فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل، فهو كان من الراسخين في الفساد. المتجبرين في الأرض، ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد. ذلك هو السبب والقصة معروفة في القرآن الكريم يمكن الرجوع إليها، ولكننا هنا سنقصر حديثنا على مناقشة تلك الآراء والتواريخ التي تخبط فيها علماء الآثار والمؤرخين وهم يبحثون عن سبب لخروج بني إسرائيل، وعن فرعون الخروج بما يتوافق مع الروايات التوراتية، وليس بحث علمي موضوعي بعيداً عن الانحياز المسبق لفكرة أو رأي بعينه، وخدمة للعلم ومعرفة أحداث مرحلة معينة من تاريخ البشرية، أو مصر وبني إسرائيل.

آراء علماء الآثار التوراتيين

يمكننا أن نجمل الآراء التي ذكرها علماء الآثار التوراتيين عن سبب خروج سيدنا موسى عليه السلام وبني إسرائيل من مصر واختلافهم حول فرعون موسى في ثلاثة آراء، وهي:

الرأي الأول: أن موسى ولد في أواخر عهد تحتمس الأول (1520ق.م)، وأن (حتشبسوت) تبنت موسى بعد موت أبيها (تحمتس الأول) الذي حكم من (1528-1510ق.م). وأنه عندما اعتلى (تحتمس الثالث) العرش كان عمره تسعة سنوات. فزوجوه من عمته أخت أبيه (حتشبسوت) وكانت في السابعة والثلاثين من عمرها، وكانت ذات شخصية قوية استطاعت السيطرة على (تحتمس الثالث) وأن تكون هي الملكة، وأن (تحتمس الثالث) عندما كبر حاول التخلص منها والانفراد بالحكم وحده. ولا يُعرف إن كانت قد ماتت غدراً أم موتاً طبيعياً. كما أن (تحتمس الثالث) بعد موتها قضى على كل من والاها لينفرد بالحكم، ففر سيدنا موسى خوفاً من (تحمتس الثالث) إلى "مدين" وكان في سن الأربعين، وقد اضطهد ذلك الفرعون بني إسرائيل.

الرأي الثاني: وأكثر العلماء على هذا الرأي، أن خروج بني إسرائيل من مصر حدث في عهد فرعون مصر (مرنبتاح) أو (منبتاح) أو (منفتاح). وحجتهم: أن أول ذكر لبني إسرائيل في الآثار المصرية كان عبارة وحيدة جاءت على أثر في عهد (مرنبتاح) يسميه علماء الآثار (لوح إسرائيل) ـ تسمية انتقائية مقصودة ـ يُخلد انتصارات (مرنبتاح) في العام الخامس من حكمه على أعدائه، ومنهم بني إسرائيل ومطاردته لهم والقضاء على شرهم وقوتهم قضاءً مبرماً. وذكروا لذلك أسباباً سياسية أو اقتصادية أو ثورة حدثت في فلسطين ضد الحكم المصري  شارك فيها بنو إسرائيل وغيرها.

الرأي الثالث: أن خروج بني إسرائيل من مصر حدث في السنة الأخيرة من عهد (رمسيس الثاني) ولكن لم يقولوا بموته أثناء مطاردته لبني إسرائيل.

وفي تقييم مبدئي لتلك الأراء نقول:

إن الرأي الأول القائل: أن موسى ولد في أواخر عهد تحتمس الأول (1520ق.م)، وأن (حتشبسوت) تبنته وأن (تحتمس الثالث) أراد التخلص ممن والاها. إنه رأي جانب الصواب وابتعد كثيراً عن زمن الخروج، لأن الله تعالى أخبرنا في القرآن الكريم عن زوج فرعون الطيبة القلب، التي حفظت سيدنا موسى من القتل وهو طفل، ورققت قلب فرعون ليُبقي على حياته، وأنها فرحت به فرحاً عظيماً، ورعته كابنها ووليدها، إن هذه المرأة الطيبة كانت مؤمنة بالله تعالى. كافرة بما يعبد فرعون وقومه، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. (التحريم: 11).

قال المفسرون: واسمها (آسية بنت مزاحم) آمنت بموسى عليه السلام، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فنجاها الله من شره، حين دعت ربها قائلة: يا رب اجعل لي قصراً مشيداً بجوار رحمتك في جنة النعيم، قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام فقد اختارت الجار قبل الدار حيث قالت: "ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة" فهي تطمع في جوار الله تعالى قبل طمعها في القصور: "ونجني من فرعون وعمله" أي وأنقذني من كفر فرعون وطغيانه "ونجني من القوم الظالمين" أي أنقذني من أتباع فرعون الطاغين.

وكذلك في ظل ما يقوله المؤرخون وعلماء الآثار: أن (تحتمس الثالث) مات أثناء وجود موسى في مدين. فكيف يكون مات قبل عودة موسى من مدين ويكون الخروج حدث في عهده، والخروج تم بعد عودة موسى من مدين؟!. وحتى الذين قالوا أن الخروج حدث في عهد (أمنوفيس الثاني) نحو 1440 ق.م، الذي خلف تحتمس الثالث أي بعد عشر سنوات من موت (تحتمس الثالث)، أيضاً ابتعدوا عن الصواب لأن ذلك التاريخ بعيد جداً عن زمن الخروج الحقيقي بحسب المعلومات التاريخية  الأخرى التي سنناقشها بعد قليل.

أما الرأي الثاني الذي يقول: أن خروج بني إسرائيل من مصر كان في الأيام أو السنوات الأولى من عهد (مرنبتاخ)؛ فإنه في ضوء الخبر القرآني خطأ! لأن القائلين به خلطوا بين بني إسرائيل والخابيرو وربطوا بينهما لم يميزوا أ يفقوا بين الجماعتين. وخاصة علماء الآثار من المسلمين والعرب، ولم يعودوا إلى القرآن الكريم ليقدموا دراسة صحيحة لمثل هذه الحوادث ويقولوا: أن القرآن الكريم أخبرنا أن فرعون موسى هلك وجنوده غرقاً وهو يطارد بني إسرائيل، وأن الله أمر البحر أن يلقي جسده إلى البر، ليكون لمن خلفه آية وعبرة. وأن (مرنبتاخ) الفرعون الذي خلف (رمسيس الثاني) سجل ذلك ضمن انتصاراته كذباً وزوراً ومبالغة، وهو يعلم أن خروج بني إسرائيل كان سبباً في غرق أبيه وجنوده.

ولكن لأن علماء الآثار التوراتيين كل همهم إثبات صحة تلك الخرافات التوراتية، كان لا بد لهم أن يجدوا مبرراً مقنعاً لانتصارات (مرنبتاخ) على بني إسرائيل، لذك عمدوا إلى تزييف وتحريف الحقائق التاريخية، وعملوا على اختلاق مبرر لا أساس له من الصحة، وهو أن بني إسرائيل كانوا موجودين في فلسطين قبل ذلك التاريخ، وقد يكونوا ثاروا أو شاركوا في الثورة التي قام بها سكان فلسطين ضد الحكم المصري، وأن (مرنبتاخ) البطل الأشم استطاع أن يقضي على تلك الثورة ومن بينها ثورة بني إسرائيل! في الوقت الذي يخبرنا القرآن فيه أن بني إسرائيل كانوا في تلك السنوات يضربون في الصحراء في التيه ضالين على وجوههم لا يعرفون سبيلاً للخروج منها. ودون أن يخبرونا كيف وُجد بنو إسرائيل في فلسطين وهم المفترض بحسب روايات التوراة والقرآن مازالوا في عامهم الخامس في التيه؟!.

ولكن يبدو أن هؤلاء العلماء والمؤرخين يخشون أن يتهموا بالتعصب والتطرف وعدم الموضوعية والتجرد، وتنسحب عنهم صفة العالمية!!.

أما الرأي الثالث القائل: أن الخروج حدث في السنة الأخيرة من حكم (رمسيس الثاني) قد أصابوا، لأن نهايته كانت يوم خروج بني إسرائيل من مصر، لأن الله بعد أن أغرقه أمر البحر فألقى جثته إلى البر ليكون عبرة لمن بعده، والكل يعلم أن جثة (رمسيس الثاني) مازالت موجودة كما هي في المتحف المصري، وأنه يجري عليها من فترة لأخرى بعض الفحوصات والعلاجات لما يصيبها من أضرار.

كما أن المنام الذي رآه فرعون وبناء على تأويل المنجمين له أمر بقتل المواليد الذكور من بني إسرائيل ليحافظ على ملكه من الهلاك، كان لابد أن يتحقق فيه كما أراد الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}. فماذا كان يحذر فرعون وقومه منهم وهم المستضعفون المستعبدون لهم، غير الخوف من أن تتحقق رؤيا فرعون. ويكون هلاكه وذهاب ملكه على أيديهم؟.

كما نرجح أن يكون فرعون موسى هو (رمسيس الثاني) لسبب آخر: أن علماء الآثار يُقدرون أن هلاكه كان نحو 1225 ق.م، كما يذكر علماء الآثار والمؤرخين تاريخ شبه دقيق ومجمع عليه لدخول بني إسرائيل أريحا بقيادة (يوشع بن نون) هو نحو 1186 ق.م، وقد أخبرنا القرآن الكريم أنه بعد خروج بني إسرائيل من مصر إلى سيناء أُمروا بدخول "الأرض المقدسة" ـ فلسطين ـ فأبوا القتال فضرب الله تعالى عليهم التيه في سيناء أربعين سنة، توفى خلالها سيدنا موسى وهارون. وتسلم القيادة من بعدهما (يوشع بن نون) الذي دخل بهم أريحا. فإذا ما رجعنا أربعين سنة إلى الوراء من تاريخ دخول أريحا يكون التاريخ نحو 1226 ق.م.

كما أن علماء الآثار مجمعون على أن (رمسيس الثاني) كان أطول فراعنة مصر عمراً وحكماً. وبهذا نرجح أن يكون (رمسيس الثاني) هو فرعون موسى لأن موسى ولد وكبر وجهر بالدعوة وخاض الصراع مع فرعون، كل ذلك في حياة نفس الفرعون. ولا يوجد فرعون أطول عمراً وحكماً مثل (رمسيس الثاني)، ولا أكثر فساداً وتقيلاً منه، ويقال أنه تزوج من ابنته.

 

ولتقريب الفكرة أكثر نلقي مزيداً من الضوء على تلك الآراء

* اذا اعتمدنا تاريخ دخول اليهود أريحا بعد التيه نحو 1186ق.م كتاريخ معلوم وثابتة صحته. والتيه كان أربعين سنة، يكون الخروج قريباً مما حدده بعض علماء الآثار لهلاك (رمسيس الثاني) عام 1225 ق.م.

* إذا اعتمدنا رواية التوراة الواردة في سفر الخروج بأن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر استمرت 430 سنة: (وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ \لَّتِي أَقَامُوهَا فِي مِصْرَ فَكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً. وَكَانَ عِنْدَ نِهَايَةِ أَرْبَعِ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً فِي ذَلِكَ \لْيَوْمِ عَيْنِهِ أَنَّ جَمِيعَ أَجْنَادِ \لرَّبِّ خَرَجَتْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. هِيَ لَيْلَةٌ تُحْفَظُ لِلرَّبِّ لإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. هَذِهِ \للَّيْلَةُ هِيَ لِلرَّبِّ. تُحْفَظُ مِنْ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَجْيَالِهِمْ". (سفر الخروج: 12/ 40 ـ 43). والمؤرخون قرروا أن استقدام سيدنا يوسف لأبويه وأهله من فلسطين إلى مصر كان نحو 1656 ق.م، فيكون تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر هو نحو ما قدره العلماء لموت (رمسيس الثاني) 1225 ق.م، وعليه قد يكون حدث التيه في نفس عام الخروج، وكذلك دخول أريحا تم أيضاً في نفس العام الذي انتهت فيه مدة التيه.

* قال العلماء أن (رمسيس الثاني) عاش 90 سنة، وأن نهايته قُدرت نحو 1225 ق.م، أي يكون مولده نحو 1315 ق.م، فيرجح مولد موسى في السنوات الأولى لحكم (رمسيس الثاني)، وعلى هذا يكون (رمسيس الثاني) تولى الحكم قبل عام 1290 ق.م، وولِد قبل 1315 ق.م.

ونحن لا نشكك في تواريخ علماء الآثار بدون بينة واعتماداً منا على الخبر القرآني فقط، ولكننا نجد فيما ذكره علماء الآثار من تواريخ ومعلومات عن حياة (رمسيس الثاني) وعن تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر، ما يدفعنا إلى الشك في مدى صحة تلك المعلومات، وسوف أعرض لبعضها مع مناقشتها لنبين أنها غير دقيقة بل ومتناقضة(*):

أولاً: ذكر الدكتور (نجيب ميخائيل إبراهيم) في كتابه "مصر والشرق الأدنى" (الجزء الثاني، صفحة 23) ما يلي: "أن رمسيس تزوج من (خاتوسيل) الأميرة الحثية في العام الرابع والثلاثين من الحكم، وعمره واحد وخمسون عاماً.. ومات رعمسيس وهو في التسعين من عمره (حوالي عام 1225 ق.م)... مات بعد أن حكم 67 عاماً...".

وذكر في (صفحة 227) عن تواريخ تولي (رمسيس الثاني) الحكم: "أن مدة حكم ستى الأول موضع خلاف بين المؤرخين فبعضهم يقدر له ستة عشر عاماً (1317-1301) والبعض ثمانية عشر عاماً (1309-1291 جاردينز) والفرق تافه وربما دفع إليه التفكير في مرحلة اشتراكه في الحكم مع والده". وسيتي الأول هو والد رمسيس الثاني.

ثانياً: ذكر الدكتور (عبد الحميد زايد) في كتابه "الشرق الخالد" (صفحة 260) عن معاهدة الصداقة والسلام بين رمسيس الثاني وخاتوشيليش ملك الحثين بعد معركة قادش، ما يلي: "وقد وصفت معركة قادش على كثير من دور العبادة المصرية، انتهت بمعاهدة السلام المعروفة عام 1278 ق.م تقريباً". ويقول (صفحة 515): "فقد وقعت معاهدة الصداقة بين رمسيس الثاني وخاتوشيليش في السنة الحادية والعشرين من حكمه (1269)".

وذكر (نجيب ميخائيل إبراهيم) نفس التاريخ تقريباً في (صفحة 271) من كتابه سابق الذكر: "وفي السنة الحادية والعشرين من حكم رعمسيس الثاني (حوالي 1268 ق.م) عقدت هذه المحالفة التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ البشر".

الثابت المتفق عليه أن المعاهدة كانت في السنة (21) من حكم رمسيس والاختلاف في سنة التوقيع إحداها عام 1278 ق.م والأخرى 1269 ق.م.

ثالثاً: يقول الدكتور (عبد الحميد زايد) أيضاً (صفحة 512): "ومما يدل على أن السلام والوئام ظل فترة طويلة من الزمن يرفرف بجناحيه على كل من المملكتين أن (رمسيس الثاني) ظل ما يقارب من ست وأربعين سنة في سلام بينه وبين الحثيين. وظلت تلك العلاقات الطيبة حتى أيام حكم مرنبتاخ".

سنناقش التواريخ المتعلقة بتاريخ توقيع اتفاقية الصداقة بين (رمسيس الثاني) والحثيين ومقارنتها مع معلومات أخرى، لأنه متفق فيها على أنها وُقعت في السنة (21) من حكم رمسيس الثاني ومختلف على تاريخ توقيعها، ولأن النتائج التي سنحصل عليها تجمع نفس التواريخ التي سنحصل عليها من مناقشة بقية البنود الأخرى.

 

تاريخ ميلاد رمسيس الثاني وهلاكه

وقبل البدء في مناقشة تلك الآراء سنحاول تحديد عمر (رمسيس الثاني) عند تولي الحكم على وجه التقريب بحسب المعلومات المذكورة، وسنحاول ذلك من خلال ثلاثة طرق:

الطريقة الأول: تحديد عمره قبل البدء في معرفة أقرب التواريخ للصحة عن تاريخ ميلاده وهلاكه.

الطريقة الثانية: البدء قبل معرفة عمره وتحديد عمره أثناء محاولتنا معرفة تاريخ ميلاده وهلاكه.

الطريقة الثالثة: من خلال معرف تاريخ استلامه الحكم بعد موت أبيه سيتي الأول.

الطريقة الأولى

سنحاول تحديد عمر رمسيس الثاني قبل البدء في البحث تواريخ دقيقة لكل ما يتعلق بحياته وخاصة تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر:

هناك شبه اتفاق بين علماء الآثار على أن (رمسيس الثاني) عاش 90 عاماً، وهلك عام 1225 ق.م. وقضى في الحكم 67 عاماً، وأنه تزوج من خاتوسيل الأميرة الحثية بعد 34 عاماً من توليه الحكم، وكان عمره 51 عاماً.

* إذا كان زواجه من خاتوسيل بعد 34 عاماً من توليه الحكم، وكان عمره51 عاماً، يكون تولى الحكم وعمره 17 عاماً.

* إذا عاش 90 عاماً، وقضى منها في حكم 67 عاماً، يكون تولى الحكم وعمره 23 عاماً.

وبذلك يكون لدينا احتمالين لعمره عند تولي الحكم هما:

* الأول: 17 عاماً.

* الثاني: 23 عاماً.

والآن سنُجري عملية حسابية لنصل تقريبياً إلى تاريخ ميلاده وهلاكه على وجه الدقة، من خلال المعلومات المتفق عليها سابقاً، وعمره عند توليه الحكم الذي توصلنا إليه، مع تاريخي توقيع معاهدة السلام مع الحثيين وزواجه من خاتوسيل. والعملية طويلة ومعقدة وفيها تكرار كثير، ولكننا نختصرها في التالي:

 

الاحتمال الأول لمولده وهلاكه

أولاً: في حال أن يكون توقيع معاهدة السلام مع الحثيين عام (1278 ق.م) صحيحاً، وكان ذلك في العام (21) من حكمه، وكان عمره (17) سنة:

* يكون تولى الحكم عام (1299 ق.م).

* إذا كان تولى الحكم عام 1299 ق.م، وكان عمره (17) سنة، يكون ولِد عام 1316 ق.م.

* إذا ولِد عام 1316 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1226 ق.م.

* إذا ولِد عام 1316 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 91 عاماً.

* إذا تزوج من خاتوسيل بعد 34 عاماً من حكمه، يكون زواجه في عام 1265 ق.م.

* اذا حكم 67 عاما،ً يكون باقي من عمره 33 عاماً، يكون هلك 1232 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً، وهلك عام 1232 ق.م، يكون ولِد 1322 ق.م.

* إذا ولِد عام 1322 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 97 عاماً.

 

ثانياً: في حال أن يكون توقيع معاهدة السلام مع الحثيين عام (1278 ق.م) صحيحاً، وكان ذلك في العام (21) من حكمه، أي عام (1299 ق.م)، ولكن كان عمره 23 سنة:

* إذا كان عمره عند تولي الحكم 23 عاماً، يكون ولِد عام 1322 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1232 ق.م.

* إذا ولِد عام 1322 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 97 عاماً.

* إذا كان زواجه من خاتوسيل وعمره 51 عاماً، وميلاده 1322، يكون زواجه في عام 1271 ق.م.

* إذا حكم 67 عاماً وتزوج في العام 34 من حكمه، يكون باقي من عمره 33 عاماً، فيكون هلك عام 1238 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً وهلك عام 1238 ق.م، يكون ولِد عام 1328 ق.م.

* إذا ولِد عام 1328 ق.م وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 103 عاماً.

 

الاحتمال الثاني لمولده وهلاكه

أولاً: إذا كان توقيع معاهدة الصداقة والسلام مع الحثيين عام (1269) ق.م، في العام (21) من حكمه، وكان عمره (17) عاما صحيحاًً:

* يكون تولى الحكم عام 1290 ق.م.

* إذا كان عمره عندما تولى الحكم عام 1290 ق.م (17) عاماً، يكون ولِد عام 1307 ق.م.

* إذا ولِد عام 1307 ق.م وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1217 ق.م.

* إذا ولِد عام 1307 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 82 عاماً.

* إذا تزوج من خاتوسيل بعد 34 عاماً من حكمه، يكون عام 1256 ق.م.

* إذا حكم 67 عاماً، يكون باقي من عمره 33 عاماً، يكون هلك 1223 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً، وهلك عام 1223 ق.م، يكون ولِد عام 1313 ق.م.

* إذا ولِد عام 1313 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 88 عاماً.

 

ثانياً: إذا كان توقيع معاهدة الصداقة والسلام مع الحثيين عام (1269) ق.م، في العام (21) من حكمه، أي عام 1290 ق.م، ولكن كان عمره (23) عاماً صحيحاًً:

* إذا كان عمره عند تولي الحكم عام 1290 ق.م (23) عاماً، يكون ولِد عام 1313 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1223 ق.م.

* إذا ولِد عام 1313 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 88 عاماً.

* إذا كان زواجه من خاتوسيل وعمره 51 عاماً، وميلاده عام 1313ق.م، يكون زواجه في عام 1262 ق.م.

* إذا كان زواجه من خاتوسيل في العام 34 من حكمه، يكون باقي من عمره 33 عاماً، فيكون هلاكه عام 1229 ق.م.

* إذا عاش 90 عاماً، وهلك عام 1229 ق.م، يكون ولِد عام 1319 ق.م.

* إذا ولِد عام 1319 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 94 عاماً.

 

الطريقة الثانية

في هذه الطريقة يفترض أننا نجهل تاريخ ميلاده، وتاريخ تولي الحكم وغيره، وكل ما نعرفه هو: أنه عاش 90 عاماً، وقه معاهدة السلام مع الحثيين عام 1278 ق.م، أو عام 1269 ق.م، وذلك في العا 21 من حكمه، وأنه توزج من خاتوسيل الحثية وعمره 51 عاماً، وفي العام 34 من حكمه، وهلك عام 1225 ق.م.

أولاً: في حال أن يكون توقيع معاهدة السلام مع الحثيين عام (1278 ق.م) صحيحاً، وكان ذلك في العام (21) من حكمه:

* يكون تولى الحكم عام (1299 ق.م).

* إذا كان تولى الحكم عام 1299 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون حكم 74 سنة.

* إذا عاش 90 عاماً، حكم 74 سنة، ويكون عمره عند تولي الحكم (16) عاماً.

* إذا تولى الحكم عام 1299 ق.م، وكان عمره 16 عاماً، يكون ولِد عام 1315 ق.م.

* إذا ولِد عام 1315 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1225 ق.م.

* إذا استمر الوئام بعد توقيع المعاهدة عام 1278 ق.م (46) عاماً، يكون هلك عام 1232 ق.م.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ الميلاد : 1315 ق.م.

* العمر عند تولي الحكم: 16عاماً.

* تاريخ تولي الحكم: 1299 ق.م.

* مدة حكمه: 74 عاماً.

* عاش: 90 عاماً.

* هلك: عام 1225 ق.م.

 

ثانياً: في حال أن يكون زواجه من خاتوسيل وعمره 51 سنة، ويكون عاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره 39 عاماً، إذا كان هلاكه عام 1225 ق.م:

* يكون زواجه عام 1264 ق.م.

* إذا زواجه عام 1264 ق.م، في العام 34 من حكمه، يكون تسلم الحكم عام 1298 ق.م.

* إذا استلم الحكم عام 1298 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون حكم 73 عاماً.

* إذا حكم 73 عاماً، وعاش 90 عاماً، يكون عمره عند تولي الحكم 17 عاماً.

* إذا كان عمره عند تولي الحكم 17 عاماً، وتولى الحكم عام 1298 ق.م، يكون ولِد عام 1315 ق.م.

* إذا تولى الحكم وعمره 17 عاماً، وتزوج خاتوسيل في العام 34 من حكمه يكون عمره 51 صحيحاً.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ الميلاد: عام 1315 ق.م.

* العمر عند تولي الحكم: 17 عاماً.

* تاريخ تولي الحكم: عام 1298 ق.م.

* مدة حكمه: 73 عاماً.

* عاش: 90 عاماً.

* تاريخ زواجه من خاتوسيل: عام 1264 ق.م.

* تاريخ هلاكه: 1225 ق.م.

 

ثالثاً: وفي حال كانت مدة حكمه 67 عاماً صحيحة، وعاش 90 عاماً:

* يكون تولى الحكم وعمره 23 عاماً.

* إذا وقع المعاهدة عام 1278 ق.م، بعد 21 عاماً من توليه الحكم، يكون تولى الحكم عام 1299 ق.م.

* إذا كان عمره عند تولي الحكم 23 عاماً، وتولى الحكم عام 1299 ق.م، يكون ولِد عام 1322 ق.م.

* إذا ولِد عام 1322 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 97 عاماً.

* إذا تولى الحكم 1299 ق.م، وهلك 1225 ق.م، يكون حكم  74 عاماً.

* إذا حكم 74 عاماً، وكان عمره 23 عاماً، يكون عاش 97 عاماً، ويكون هلك 1225 ق.م، يكون ولِد عام 1322 ق.م.

* إذا تزوج خاتوسيل بعد 34 عاماً من تولي الحكم، ويكون تولاه عام 1299 ق.م، يكون تزوج عام 1265 ق.م.

* إذا تزوج عام 1265 ق.م، وكان عمره 51 عاماً، يكون ولِد عام عام 1316 ق.م.

* إذا تزوج عام 1265 ق.م، وكان عمره 51 عاماً، وعاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره وحكمه 39 عاماً، يكون هلك عام 1226 ق.م.

* إذا ولِد عام عام 1316 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1226 ق.م.

* إذا ولِد عام عام 1316 ق.م، وتولى الحكم عام 1299 ق.م، يكون تولاه وعمره 17 عاماً.

* ولكنه إذا تزوج في العام 34 من حكمه، وتولى الحكم عام 1299 ق.م، وكان عمره 23 عاماً، يكون تزوج وعمره 57 عاماً، ويكون ولِد عام 1322 ق.م.

* إذا تزوج عام 1265 ق.م، وكان عمره 57 عاماً وعاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره 33 عاماً، يكون هلك عام 1232 ق.م.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ الميلاد: عام 1322 ق.م.      ولِد عام عام 1316 ق.م.

* تولى الحكم: عام 1299 ق.م.        تولى الحكم وعمره 17 عاماً.                   

* في سن: 23 عاماً.

* تزوج خاتوسيل: 1265ق.م. وعمره 57 عاماً.  1265ق.م. وعمره 51 عاماً

* حكم 74 عاماً.

* عاش: 97 عاماً.              وعاش 90 عاماً

* هلك: عام 1232 ق.م.        هلك عام 1226 ق.م.

 

الاحتمال الثاني لمولده وهلاكه

أولاً: إذا كان توقيع معاهدة الصداقة والسلام مع الحثيين عام (1269 ق.م)، في العام (21) من حكمه:

* يكون تولى الحكم عام 1290 ق.م.

* إذا تولى الحكم عام 1290 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون حكم 65 عاماً.

* إذا عاش 90 عاماً، وحكم 65 عاماً، تولى الحكم عام 1290 ق.م، يكون تولى الحكم وعمره 25 عاماً.

* إذا تولى الحكم عام 1290 ق.م، وكان عمره 25 عاماً، يكون ولِد عام 1315 ق.م.

* إذا ولِد عام 1315 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1225 ق.م.

* إذا وقع المعاهدة عام 1269 ق.م، واستمر الوئام 46 عاماً، يكون هلك 1223 ق.م.

* إذا كان استمر الوئام إلى عهد مرنبتاح كما قالوا قد يكون هلاكه 1225 أو 1226 ق.م. صحيحاً.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ الميلاد : عام 1315 ق.م.

* العمر عند تولي الحكم: 25 عاماً.

* تاريخ تولي الحكم: 1290 ق.م.

* مدة حكمه: 65 عاماً.

* عاش: 90 عاماً.

* وهلك: عام 1225 ق.م. أو 1226 ق.م.

 

ثانياً: في حال أن يكون زواجه من خاتوسيل وعمره 51 عاماً، وعاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره 39 عاماً، إذا هلك هام 1225 ق.م:

* يكون تزواج عام 1264 ق.م.

* إذا تزوج من خاتوسيل في عام 1264 ق.م، في العام 43 من حكمه، يكون حكم عام 1298 ق.م.

* إذا حكم عام 1298 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون حكم 73 عاماً.

* إذا عاش 90 عاماً، وحكم 73 عاماً، يكون تولى الحكم وعمره 17 عاماً.

* إذا كان عمره 17 عاماً، وتولى الحكم عام 1298 ق.م، يكون ولِد عام 1315 ق.م.

* إذا ولِد عام 1315 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1225 ق.م.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ ميلاده: 1315 ق.م.

* حكم وعمره: 17 عاماً.

* تولى الحكم عام 1298 ق.م.

*مدة حكمه: 73 عاماً.

* عاش: 90 عاماً.

* تزوج عام 1264 ق.م.

* وهلك: عام 1225 ق.م.

 

ثالثاً: وفي حال كانت مدة حكمه 67 عاماً صحيحة، وعاش 90 عاماً:

* يكون تولى الحكم وعمره 23 عاماً.

* إذا وقع المعاهدة عام 1269 ق.م،

* إذا وقع المعاهدة ع عام 1269 ق.م، بعد 21 عاماً من توليه الحكم، يكون تولى الحكم عام 1290 ق.م.

* إذا كان عمره عند تولي الحكم 23 عاماً، وتولى الحكم عام 1290 ق.م، يكون ولِد عام 1313 ق.م.

* إذا ولِد عام 1313 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون عاش 88 عاماً.

* إذا تولى الحكم 1290 ق.م، وهلك 1225 ق.م، يكون حكم  65 عاماً.

* إذا حكم 65 عاماً، وكان عمره 23 عاماً، يكون عاش 88 عاماً، وهلك 1225 ق.م، يكون ولِد عام 1313 ق.م.

* إذا تزوج خاتوسيل بعد 34 عاماً من تولي الحكم، ويكون تولاه عام 1290 ق.م، يكون تزوج عام 1256 ق.م.

* إذا تزوج عام 1256 ق.م، وكان عمره 51 عاماً، يكون ولِد عام عام 1307 ق.م.

* إذا تزوج عام 1256 ق.م، وكان عمره 51 عاماً، وعاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره وحكمه 39 عاماً، يكون هلك عام 1217 ق.م.

* إذا ولِد عام عام 1316 ق.م، وعاش 90 عاماً، يكون هلك عام 1226 ق.م.

* إذا ولِد عام عام 1307 ق.م، وتولى الحكم عام 1290 ق.م، يكون تولاه وعمره 17 عاماً.

* ولكنه إذا تزوج في العام 34 من حكمه، وتولى الحكم عام 1290 ق.م، وكان عمره 23 عاماً، يكون تزوج وعمره 57 عاماً، ويكون ولِد عام 1313 ق.م.

* إذا تزوج عام 1256 ق.م، وكان عمره 57 عاماً وعاش 90 عاماً، يكون باقي من عمره 33 عاماً، يكون هلك عام 1223 ق.م.

في هذه الحال تكون النتائج التي حصلنا عليها:

* تاريخ الميلاد: عام ولِد عام 1313 ق.م.   ولِد عام عام 1307 ق.م.

* تولى الحكم: عام 1290 ق.م.             تولى الحكم: عام 1290 ق.م.

* في سن: 23 عاماً.                        تولى الحكم وعمره 17 عاماً.                       

* تزوج خاتوسيل: 1256ق.م. وعمره 57 عاماً. تزوج خاتوسيل: 1256ق.م. وعمره 51 عاماً

* حكم 65 عاماً.                   حكم 65 عاماً.

* عاش: 88 عاماً.                 وعاش 90 عاماً

* هلك: عام 1225 ق.م.          هلك عام 1217 ق.م.

 

الطريقة الثالثة

ذكر الدكتور (نجيب ميخائيل إبراهيم)، في كتابه "مصر والشرق الأدنى" (الجزء الثاني، صفحة 227) ما يلي: "أن مدة حكم ستى الأول موضع خلاف بين المؤرخين فبعضهم يقدر له ستة عشر عاماً (1317-1301) والبعض ثمانية عشر عاماً (1309-1291 جاردينز) والفرق تافه وربما دفع إليه التفكير في مرحلة اشتراكه في الحكم مع والده". وسيتي الأول هو والد رمسيس الثاني.

 

أولاً: إذا افترضنا صحة أن (رمسيس الثاني) تولى الحكم بعد موت والد سيتي الأول عام 1301 ق.م، عام 1225 ق.م:

* يكون حكم 76 عاماً.

* إذا حكم 76 عاماً، وعاش 90 عاماً. يكون تولى الحكم وعمره 14 سنة.

* إذا تولى الحكم عام 1301 ق.م، وكان عمره 14 سنة، يكون ولِد عام 1315 ق.م.

 

ثانياً: أولاً: إذا افترضنا صحة أن (رمسيس الثاني) تولى الحكم بعد موت والد سيتي الأول عام 1301 ق.م، وتوقيع معاهدة الصداقة بينه وبين الحثيين عام 1278 ق.م:

* يكون وقعها بعد 23 عاماً من حكمه لا بعد 21 عاماً.

* إذا تزوج خاتوسيل بعد 34 عاماً من حكمه، يكون ذلك عام 1267 ق.م.

* إذا تزوج عام 1267 ق.م، وكان عمره 51 عاماً، يكون ولِد عام 1318 ق.م.

* إذا ولِد عام 1318 ق.م، وتولى الحكم عام 1301 ق.م، يكون تولاه وعمره 17 عاماً.

* إذا ولِد عام 1318 ق.م، هلك 1225 ق.م، يكون عاش 93 عاماً.

* ولكن إذا ولِد عام 1318 ق.م، يكون عاش 90 عاماً، يكون هلك 1228 ق.م.

 

ثالثاً: إذا افترضنا صحة أن (رمسيس الثاني) تولى الحكم بعد موت والد سيتي الأول عام 1301 ق.م، وتوقيع معاهدة الصداقة بينه وبين الحثيين عام 1269 ق.م:

* يكون وقعها بعد 32 عاماً من حكمه. وليس 21 عاماً.

* إذا وقعها عام 1269 ق.م، وهلك عام 1225 ق.م، يكون حكم 44 عاماً بعدها، وحكم 76 عاماً.

* إذا عاش 90 عاماً، وحكم 76 عاماً، يكون تولى الحكم وعمره 14 عاماً، ويكون ولد عام 1315 ق.م.

* إذا استمر الوئام 46 عاماً بعد المعاهدة، يكون هلاكه عام 1223 ق.م.

 

إذا أخذنا في الاعتبار عامل آخر في المعلومات المتوفرة عن سيتي الأول، وهو:

1ـ أن علماء الآثار متفقون تقريباً أن (ستى الأول) والد (رمسيس الثاني) قد مات وهو يُعد لاحتفاله الثلاثين، أي مات في عامه الثلاثين. وأنهم مختلفين في مدة حكم (ستى الأول) إن كانت (16) عاماً أو (18) عاماً.

* فإذا افترضنا أنها كانت (18) عاماً ـ وقد سبق أن ذكرنا أنه تولى الحكم عام "1317-1301"ـ، تكون انتهت 1299 ق.م(*).

* وإذا افترضنا أنها كانت (16) عاماً تكون انتهت 1301 ق.م.

وهذين التاريخين أقرب إلى كثير من النتائج التي سبق أن توصلنا لها. وقد تكون الأقرب إلى الصحة فيما يتعلق بتاريخ تولي (رمسيس الثاني) للحكم.

2ـ أما إذا افترضنا أنه تولى الحكم بعد أبيه عام 1290 ق.م، وأن أباه كما يقول (ميخائيل) في كتابه (صفحة 228): "ومات ستى الأول قبل أن يحتفل بعيده الثلاثين". أي في عامه الثلاثين. معنى ذلك أنه (سيتي الأول) يكون ولِد عام 1320 ق.م.

* فإذا كان رمسيس الثاني تولى الحكم وعمره 17 عاماً وذلك عام 1290 ق.م، فإنه يكون ولِد عام 1307 ق.م.

* فإذا هلك عام 1225 ق.م كما يقول علماء الآثار فلن يكون عمره 90 عاماً بل 82 عاماً. لهذا نستبعد توليه الحكم عام 1290 ق.م.

وعليه يكون الاحتمال الأول أقرب إلى الصحة على جميع الأوجه، لاعتبارين مهمين جداً:

* إذا اعتبرنا أن تاريخ دخول بني إسرائيل أريحا عام 1186 ق.م ـ الذي يحدده علماء الآثار لا التوراة ـ بعد انتهاء مدة التيه "أربعين عاماً" صحيحاً، عليه يكون تاريخ خروجهم من مصر نحو 1226 ق.م، وهذا التاريخ تأكد معنا أكثر من مرة سابقاً أنه تاريخ هلاك (رمسيس الثاني)

* كما أن تاريخ 1226 ق.م يأتي متوافقاً مع تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر بحسابات التوراة، التي تقول: أن بني إسرائيل عاشوا في مصر بعد دخولهم إليها أيام سيدنا يوسف 430 عاماً، وسبق أن قلنا أن علماء الآثار يُقدرون أن تاريخ دخول بني إسرائيل إلى مصر أيام سيدنا يوسف هو عام 1656 ق.م.

وعلى ذلك يكون تاريخ خروجهم بعد 430 عاماً، هو: 1226 ق.م.

* إن أول ذكر لمرنبتاح خليفة فرعون كان ما يسميه علماء الآثار التوراتيين اللوح الذي يُخلد فيه انتصاراته ـ إن كانت صحيحة ـ في العشر سنوات الأولى من حكمه (1224 ق.م ـ 1214 ق.م). ما يعني أن الخروج تم قبل عام 1224 ق.م. وإذا ما ذكرنا أن فترة الوئام بعد توقيع معاهدة السلام بين رمسيس الثاني والحثيين، ذكر علماء الآثار أنها امتدت إلى جكم مرنبتاح؛ وقد مر معنا في أكثر من تاريخ لنهايتها بعد (46 عاماً) من توقيعها أنها انتهت عام 1223 قزم، أو 1222 ق.م، فإن ذلك يؤكد أن رمسيس الثاني هلك قبل تاريخ انتهائها، وقد يكون 1225 ق.م، أو 1226 ق.م، وذلك يقارب نفس التاريخ الذي حصلنا عليه من دخول بني إسرائيل أريحا، ومدة عيشهم في مصر، وتاريخ هلاك فرعون بعد عمر (90 عاماً).

 

للأمانة العلمية

بعد أن انتهيت من بحثي السابق عن تاريخ الخروج وهلاك (رمسيس الثاني)، علمت أن (دريتون فانديه) ذكر في كتابه "مصر" تاريخاً قريباً مما ذكرته، وهو أن (1298 ق.م) هو عام تولي (رمسيس الثاني) الحكم. وعلى الرغم من أنني رجعت لهذا الكتاب عندما كنت أبحث عن معلومات لتصحيح المعلومات الشائعة خطأ عن الهكسوس، إلا أنني لم أطلع على ما قاله عن خروج بني إسرائيل من مصر.

كما أنه إضافة إلى رفضي لما قال به الباحثون بخصوص الخروج وتاريخه واعتمادي على فرضية صحة تاريخ دخول بني إسرائيل أريحا، ودخولهم مصر أيام سيدنا يوسف، أُضيف أن الذي دفعني لعدم الثقة في أقوال الباحثين وتواريخهم حول هذا الموضوع نقطة أخرى أرى أنها مهمة أيضاً وهي:

أن علماء الآثار قد خلطوا بين تاريخ الخابيرو أو العابيرو المذكورين في الوثائق المصرية القديمة باسم Apiru أو Hpiru وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك. واعتبروا كما يقول (عبد الحميد زايد): أن "كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين". وبناء عليه ربطوا تاريخ الإسرائيليين في دخولهم لمصر وخروجهم منها بتاريخ الخبيرو ولم يفصلوا بينهما، فاختلفت الآراء.

أما نحن وقد درسنا تاريخ سيدنا إبراهيم وأحفاده من خلال رؤية قرآنية، فقد فصلنا بينهم وبين غيرهم وخاصة الخابيرو، واعتبرنا بني إسرائيل جماعة لها تاريخها المستقل عن غيرها ممن يتشابهون معهم في الأسماء أو يشتركون معهم في العرق والجنس، لذلك لم نعتبر ـ كعلماء الآثار ـ أن هجرة سيدنا إبراهيم من العراق كانت جزء من هجرة كبيرة، حتى وإن ثبت أن سيدنا إبراهيم هاجر متتبعاً طريق القوافل مع جماعة كبيرة كانت متجهة إلى حران أو فلسطين. لأن هجرة سيدنا إبراهيم ومن آمن معه كانت هجرة إيمان لا علاقة لها ببقية الركب إن كان معهم ركب، لا في حلهم ولا ترحالهم إلا بما يخدم دعوتهم أو وجهتهم التي أمرهم الله بالتوجه إليها "الأرض المباركة". ونفس الأمر ينطبق على دخول سيدنا يعقوب وبنيه إلى مصر أيام سيدنا يوسف، لم يكن له علاقة بدخول الهكسوس أو قبائل الخبيرو إلى مصر أو خروجهم منها، حتى وإن ثبت أنهم رافقوا بعضهم في طريقهم إلى مصر، لأن بني إسرائيل كان لهم خصوصية اختصهم بها رب العالمين لحمل الرسالة، وليكون منهم الأنبياء والرسل. ولذلك لا يمكن ربط تاريخهم في حلهم أو ترحالهم، كدخولهم أيام يعقوب إلى مصر وخروجهم أيام موسى منها بغيرهم وخاصة قبائل الخبيرو.

من هنا جاء الخطأ عند علماء الآثار عندما درسوا وثائق الخبيرو أو غيرهم ولووا عنق الآثار للتوافق مع قصص التوراة وتواريخها.

أخيراً: لقد افترضت أن تاريخ دخول اليهود أريحا صحيحاً أو أقرب إلى الصحة، وأن التيه كان في نفس عام الخروج، وأن دخول أريحا كان في نفس عام انتهاء التيه، أما إذا تبين يوماً أن دخول أريحا كان بعد انتهاء التيه بسنوات مثلاً أو أن موسى وقومه قد عاشوا سنوات قبل أن يُضرب عليهم التيه، فيكون هلاك فرعون قبل تاريخ 1229 ق.م، وكذلك بتغير تاريخ دخول أريحا.

وبناء على ذلك أستطيع أن أجزم أن كل ما كتبه علماء الآثار، ومن نقل عنهم من عرب ومسلمين فيما يخص خروج بني إسرائيل من مصر، وأنه كان لموسى فرعونين أو أكثر، فرعون للاضطهاد، وفرعون للخروج، غير صحيح، ولكنه هو فرعون واحد، ولِد في حياته وكان هلاكه ساعة خرج ببن إسرائيل من مصر غرقاً. أضف إلى ذلك: أنه لم يُذكر أن هناك فراعنة حكموا ما بين موت سيتي الأول والد رمسيس الثاني ومرنبتاح خليفة رمسيس الثاني، غير رمسيس الثاني، الذي يعتبر الأطول عمراً وحكماً في تاريخ فراعنة مصر، وكذلك لم يُذكر أس فرعون بعد رمسيس الثاني غير مرنبتاح، وأول ذكر له في ذلك اللوح الذي يُخلد فيه انتصاراته ـ إن كانت صحيحة ـ في العشر سنوات الأولى من حكمه (1224 ق.م ـ 1214 ق.م).

كما أن الخروج لم يتم في حكم مرنبتاح خليفة رمسيس الثاني، وأجزم أن ما ذُكر على ما يسميه علماء الآثار التوراتيين (لوح إسرئيل)، غي صحيح وقد يكون من قبيل المبالغات لذلك الفرعون، لأنه المعروف عند علماء الآثار، أن بعض الفراعنة اللاحقين كانوا أوقات يمسحون أسماء سابقيهم عن بطولاتهم وإنجازاتهم ويضعون أسمائهم، وقد يكون ذلك ما فعله مرنبتاح. لأن بني إسرائيل بنص القرآن الكريم، وكذلك توراة  اليهود المحرفة، أنهم بعد خمس سنوات من حكم مرنبتاح كانوا ضائعين في صحراء سيناء، يضربون في تيههم لا يعرفون سبيلاً للخروج منها. وما جاء في القرآن هو قطعي الثبوت والدلالة، ولا يعقل أن نُصدق تخريصات علماء آثار توراتيين، من التوراة ينطلقون وإليها يعودون.

 

نقد كتاب "القرآن والتوراة والإنجيل والعلوم الحديثة"[90]

في عام 2001 كنت أكتب في صحيفة "البلاغ" اليمنية، وبالإضافة لأعدادي الصفحة الفلسطينية كانت الصحيفة تصدر كل شهر "ملحقاً ثقافياً"، وقد كنت أكتب فيه "قراءة في كتاب"، وقد كان موضوع أحد الأشهر قراءة في كتاب الدكتور (موريس بوكاي) رحمه الله "القرآن والتوراة والإنجيل والعلوم الحديثة"، وبعد إطلاعي عليه وجدت أنه يحتوي على كثير من المعلومات المغلوطة، والقراءات المريبة، والتحليلات الموجهة المنحازة لروايات التوراة، لذلك كان لا بد لي أن أحذر في الحلقة الأولى مما أرتبت منه في الكتاب، (العدد 421، الثلاثاء بتاريخ 15 صفر 1422 هـ ـ الموافق 8 مايو 2001م)، وأن أعرض في الحلقة الثانية لموضوعات الكتاب، (العدد 426، الثلاثاء بتاريخ 20 ربيع أول 1422 هـ ـ الموافق 12 يونيو 2001م)، وكان المفترض أن تكون الحلقة الثالثة رد على النتائج التي توصل إليها وهي موضوع الكتاب الرئيسي حول حياة وهلاك فرعون موسى، وخروج بني إسرائيل من مصر، إن أن رئيس التحرير الأستاذ عبد الله الوزير، رأى أن الموضوع طال ولأن الملف شهري ففضل عدم نشر الحلقة الثالثة، وهذا نصها: 

الخروج من مصر

 وعند مقابلته المؤلف بين معطيات الكتب المقدسة والمعارف الحديثة، نجده يقدم رواية تاريخية تتوافق مع خرافات التوراة وأساطيرها. ولقد حان الوقت لتقديم رواية تاريخية نرى أنها صحيحة بعيداً عن التعصب والانحياز وعدم الموضوعية التي تنطلق من خلال معطيات الرواية التوراتية. وذلك من خلال مناقشة مجمل الآراء التي ذُكرت في الكتاب حول الموضوع، والجميع بينها وبين الحقائق التاريخية العامة التي ذكرها القرآن الكريم. ومقابلتها ما أمكن بالمعارف الحديثة بعيداً عن أن تكون نقطة الانطلاق التوراة.

كتب المؤلف تحت عنوان جانبي "ص(254)، برقم (1)" بعض تفاصيل الروايات:

* العبريون في مصر: وبعد مقابلته للمعلومات التي ذكرتها رواية التوراة عن سبب اضطهاد فرعون لبني إسرائيل، وتسخيرهم في بناء المدن وشق الطرق ـ المدن والأهرامات التي طالب بها مناحيم بيغن بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد لأن له الحق فيها فبناتها أجداده ـ مع أن سبب الاضطهاد في القرآن ذُكِر خلاف ذلك، وهو الرؤية التي رآها فرعون من أن هلاكه وزوال ملكه ع لى يد رجل من بني إسرائيل.

وهؤلاء القوم مختلف على أصلهم بين علماء الآثار والمؤرخين، إلا أنه بدون دليل قاطع يخلص للقول 0ص255-256) على القول: "إن ما تركه العبريون كآثار لمكوثهم بمصر غامض جداً إذا استثنينا معطيات الكتب المقدسة. ومع ذلك يوجد بعض الوثائق الهيروغليفية التي تشير إلى أنه قد وجد بمصر فئة من العاملين تسمى أبيرو Apiru او هابيرو Habiru أو Hapiru. رأى البعض صحة أو خطأ انهم العبريون. وقد أشير بهذا الاسم إلى عمال البناء والعمال الزراعيين وعمال قطف العنب الخ.. من أين اتوا؟ عسيرة حقاً الإجابة عن هذا. وكما يقول الأب ديغو (فإنهم لا ينتمون إلى السكان المحليين لا يجدون هويتهم في طبقة من المجتمع وليس لهم عمل واحد ولا وضع واحد)".

ومع أن هؤلاء العبيرو مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة بلاد الشام إلا أنه يجزم أنهم هم العبريون، فيقول (ص256): "(أيا كان الأمر ففي عصر رمسيس الثاني نفذ العبريون في قول التوراة) أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) في الأعمال الكبرى التي أمر بها فرعون ويمكن أن يقال إنهم ساهموا في أعمال إجبارية. وليس هناك شك في أن رمسيس الثاني كان يضطهد اليهود: ومدينتا رمسيس وبيتوم المذكورتان في شفر الخروج تقعان على الجزء الشرقي من دلتا النيل. وتانيس Tanis وقنطر Qantir الحاليتان اللتان تبعدان 25 كم كل عن الأخرى مطابقتان لهاتين المدينتين القديمتين. هناك كانت عاصمة الشمال التي بناها رمسيس الثاني. ورمسيس الثاني هو فرعون الخروج". وأن موسى قد ولد في عهده.

تعليقي على ذلك: علماً أن كل علماء الآثار والكتاب الغربيين الذين بحثوا عن فرعون الخروج معتمدين على رواية التوراة، وقالوا بفراعنة غير رمسيس الثاني ومرنبتاخ، ومَنْ نقل عنهم من المسلمين دون تدقيق أو تمحيص، وقد خلطوا بين قوم ذكروا في الوثائق المصرية القديمة، على فترات متباعدة من الزمن من قبل زمن الهكسوس تقريباً، باسم "الخابيرو والعبيرو أو الأبيرو الهابيرو". وقد قاموا بأعمال سخرة في مصر وبناء المدن المذكورة في التوراة وغيرها، وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك. واعتبروا كما يقول (عبد الحميد زايد) في كتابه "الشرق الخالد": "أن كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين". وبناء عليه ربطوا تاريخ الإسرائيليين في دخولهم لمصر وخروجهم منها بتاريخ الخابيرو، ولم يفصلوا بينهما، فاختلفت الآراء. هذا القول خطأ: لأن كلمة "عبرانيون" تطلق فقط على "بني إسرائيل"، وعلى ذلك لا علاقة لهم بجماعة "الخابيرو" من قريب أو من بعيد.

وهناك شبه إجماع بين علماء الآثار على أن الخابيرو تسمية تطلق على فئة من الناس كانت خليط من قبائل مختلفة أشهرها الآراميين، ليس لها موطن، وكانت تعتمد في حياتها على الإغارة وقطع الطريق، وكانت مرتزقة بالمعنى الحديث للكلمة أي ممكن أن تقاتل مع من يدفع لها. وكان الفراعنة وأمراء بلاد الشام أوقات يدفعون لهم ليأمنوا شرهم، وكانوا يجوبون الأرض بين بلاد الشام ومصر. وترى التوراة أن داود عندما فر من جيش طالوت استعان بهم في قتاله. كما أنهم مذكورين في التاريخ القديم قبل تشكل بني إسرائيل في جماعة واحدة تعرف باسمهم، ولذلك نستطيع الفصل بين الجماعتين وعدم الربط بينهما لا في الحل ولا الترحال ونحن مطمئنين، لأننا لا نلهث وراء إثبات صحة هذه الرواية أو تلك حتى ولو خالفنا الحقيقة مثل الآخرين!! انتهى التعليق.

موقع الخروج في الحوليات الفرعونية

وتحت هذا العنوان (ص258) يقول: "فيما يخص تحديد تاريخ الخروج يمكن الوصول إلى معطيات إيجابية وبشكل له قيمة. يعتبر منذ عصر طويل جداً، منبتاخ Mineptah خليفة رمسيس الثاني، هو الفرعون الذي وقع في عصره خروج موسى من مصر. لقد كتب ماسبيرو Maspero، عالم الآثار المصرية الشهير في بداية هذا القرن، في كتاب "دليل زائر متحف القاهرة" (1900) أن منبتاخ، "في قول مأثور اسكندري الأصل، هو فرعون الخروج، أي الذي هلك في البحر حسبما يقال". ولم أستطع أن أجد الوثائق التي أسس عليها ماسبيرو زعمه ولكن جدية الكاتب تفرض علينا أن نعلق قيمة كبيرة على ما قال به".

وفي (ص259) يقول: "ومن أغرب الفروض التي رأت النور فرض ج. دي ميسلي J.de miceli (1960) الذي يدعي أنه توصل إلى تحديد زمني للخروج بهامش يصل إلى يوم واحد، وهو 9 أبريل 1495 ق.م وهو فقط من خلال حساب التقويمات. وعلى ذلك يكون تحتمس الثاني، وكان ملكاً في هذا التاريخ، هو فرعون الخروج" ودليله على فرضه هذا، وصف لأورام جلدية يصفها بأنها البرص، الذي كان من الضربات التي ضرب الله بها فرعون وقومه، والمؤلف يرفض هذا الفرض لأن "هذا البناء الغريب لا يأخذ في اعتباره مطلقاً الأمور الأخرى في رواية التوراة، وخاصة إشارة التوراة إلى مدينة رمسيس، تلك الإشارة التي تبطل كل فرض عند تحديد تاريخ الخروج قبل أن يكون أحد الرعامسة قد ملك مصر" أما فيما يتعلق بأورام تحتمس الثاني الجلدية، فإن تحتمس الثالث وحفيده أمِينوفيس الثاني هما أيضاً كانا مصابين باورام جلدية، أقام البعض فرض وجود مرض بهذه العائلة.

وفي نفس الصفحة يقول: "كذلك الفرض الذي أقامه دانييل روبس Daniel Rops في كتابه "شعب التوراة" والذي ينسب إلى أمينوفس الثاني دور فرعون الخروج، إذ لا يبدو أن فرضه يستند إلى أساس بأكثر من الفرض السابق، فبحجة أن أباه تحتمس الثالث كان شديد القومية، يجعل دانييل روبس من أمينوفس الثاني مضطهداً للعبريين وبأن حماته، الملكة ختشبسوت الشهيرة، هي التي التقطت موسى دون أن نعرف سبباً لذلك".

وفي (ص260) يعرض فرض للأب ديفو يقول فيه: "فهو يضع على أساس أكثر صلابة فرضه القائل برمسيس الثاني الذي درسه في كتابه (تاريخ إسرائيل القديم)" أي أن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج. ويعتمد الأب ديفو في فرضه هذا على معطية لها قيمة رئيسة "وهي بناء مدينتي رمسيس وبيتوم، المذكورتين في نص التوراة. وعلى ذلك لا يمكن اعتبار أن الخروج قد حدث قبل صعود رمسيس الثاني إلى العرش وهو حدث تحدده حوليات دريتون Drioton وفاندييه Vandier بعام 1301 ق.م وتحدده حوليات روتون Rowton بعام 1290 ق.م إن الفرضين الأولين المذكورين فيما سبق مرفوضان لسبب ضروري وهو أن رمسيس الثاني هو فرعون الاضطهاد الذي تتحدث عنه التوراة.

وفي رأي الأب ديفو أن الخروج قد حدث في النصف الأول من حكم رمسيس أو في منتصفه. وتحديد الأب ديفو لهذا التاريخ غير دقيق تماماً: فهو يوحي بهذه الفترة حتى يعطي الوقت الكافي، إن جاز القول، لجماعة موسى أن تستقر بأرض كنعان وحتى يتمكن خليفة رمسيس الثاني منبتاخ ـ الذي نظم الحدود بعد موت أبيه ـ  من أن يُخضع بني إسرائيل كما يشهد بذلك نصب يرجع إلى العام الخامس من ملكه"

تعليقي تمهيداً للفت الانتباه إلى النتيجة التي سيخلص لها المؤلف وهي خطيرة:

إن سبب رفض المؤلف لرأي الأب ديفو هو شك الأب ديفو لمصدر التوراة في النص (23) من سفر الخروج. لأن الأب ديفو يريد أن يجعل لموسى فرعون واحد فقط ولد في عهده وخرج في عهده، ليبرر لذكر اسم إسرائيل على النصب الذي يخلد انتصارات العام الخامس من حكم منبتاخ، الذي لا أصل له لا في التوراة ولا في حكم منبتاخ نفسه. كما أن المؤلف في رفضه رأي الأب ديفو يدافع عن روايات التوراة كلها ويصر على أن لموسى فرعونين وليس واحداً "فرعون القهر وفرعون الخروج" (ص261)، مع مخالفة ذلك لصريح القرآن الذي أثبت أنه كلام الله المنزل، وأن التوراة من كتابة البشر ولم يذكر إلا فرعون واحد لموسى!! فكتب:

(3) رمسيس الثاني فرعون الاضطهاد ـ منبتاخ فرعون الخروج

وتحت هذا العنوان أعاد مناقشة الآراء السابقة وروايات التوراة ليصل إلى:

1ـ أن الخروج لا يمكن أن يُتصور قبل وصول أحد الرعامسة إلى الحكم في مصر.

2ـ أن موسى قد ولد في حكم باني مدينتي رمسيس وبيتوم أي في عهد رمسيس الثاني.

3ـ أن الفرعون الذي كان يحكم بمصر قد مات عندما كان موسى بأرض مدين، أما بقية حكاية موسى فإنها تقع في حكم خليفة هذا الملك أي منبتاخ.

تعليقي على ذلك: إن المؤلف كل همه هو أن يثبت فرعونين لموسى، ليصل إلى نتيجة أن منبتاخ هو فرعون الخروج. وهذه هي سقطته التي تؤكد غايته التي حذرنا منها منذ البداية، فهو في سعيه الدءوب لإثبات صحة روايته التاريخية عن قصة الخروج. لا يتعرض للقرآن إلا فيما يخدم رؤيته فقط. ويتوافق مع رواية التوراة في غرق فرعون الخروج، وأنه منبتاخ لأن القرآن أكد نجاة جسد فرعون. وهو يرى أن الجثة الموجودة في متحف القاهرة باسم منبتاخ هي جثة فرعون الخروج، والدليل بعض الآثار التي يفسرها أنها نتيجة الغرق.

ولكن سنبين عدم صحة رأيه هذا عند الرد على تبريره الذي يخالف التوراة والقرآن والمعارف الحديثة عند مناقشته للنقطة التالية:

مشكلة نصب العام الخامس لمنبتاخ

يقول تحت هذا العنوان )ص265): "رأى البعض أنه من الممكن أن يُوجِد في نص النصب الشهير للعام الخامس من حكم منبتاخ اعتراضاً على القضية المطروحة هنا عن الخروج من مصر والذي يشكل آخر عمل في حكم هذا الفرعون.

ولهذا النصب أهمية عظمى حيث أنه يشكل الوثيقة الهيروغليفية الوحيدة المعروفة التي يشار فيها إلى كلمة (إسرائيل) ولقد اكتشف هذا النصب بطيبة في المعبد الجنائزي لفرعون ويقدر تاريخه بالجزء الأول من حكم منبتاخ، وهو يشير إلى سلسلة من الانتصارات التي حققها على جيران مصر وخاصة في نهاية الوثيقة، انتصار على "إسرائيل التي محيت ولم يعد لها بذور...". واستناداً إلى هذا الأمر قال البعض بأن وجود كلمة (إسرائيل) يتضمن أن اليهود كانوا مستقرين بأرض كنعان في العام الخامس من حكم منبتاخ وأن خروج العبريين من مصر، كان قد وقع قيل ذلك".

تعليقي على ذلك: وهذا طبعاً يعني نسف نظريته في أن منبتاخ فرعون الخروج. فكيف دافع عن هذه المشكلة. لقد كان دفاعه ضعيفاً وغير موضوعي، ولم يقدم أي حجة مقنعة وكان سطحياً جداً ومتهرباً من مواجهة الحقيقة الأقوى من خطأه. فهو من البداية كما هو واضح أعلاه يناقض الحقيقة، فمع أن هذا اللوح يخلد انتصارات منبتاخ في العام الخامس من حكمه، فقد اعتبره آخر عمل في حكم هذا الفرعون! كيف يكون آخر عمل في حكم هذا الفرعون وهو قد ذكر في كتابه أن مدة حكم هذا الفرعون عند بعض المؤرخين عشر سنوات، وعند البعض أنها عشرون سنة. والأرجح عندهم أنها عشرون سنة. خاصة وهو ذكر أيضاً في كتابه أن (مانيتون) قال أنها عشرون سنة. وإذا ما عرفنا أن مانيتون هو مؤرخ مصري عاش في القرن الأول قبل الميلاد. وقد نقل عنه كبار مؤرخي اليونان والرومان، وأنه كان أقرب منا لذلك العهد، ومطلع على كثير من الكتب والوثائق التي كانت في مكتبة الاسكندرية قبل أن يحرقها الرومان، ويدمروا ثروة علمية عظيمة عن تاريخ المنطقة قبل الميلاد، كان رأي مانيتون الذي يؤيده كثير من علماء الآثار هو المرجح، فكيف يكون آخر عمل لمنبتاخ وهو عاش بعده خمسة عشر سنة أخرى؟! هذه البداية في محاولة تزويره للحقيقة لكي يأتي بها على هوى كتبة التوراة.

أما في رده على من قالوا بناء على المعلومات التي ذكرها اللوح السابق الذكر: بأن هذا يعني أن الخروج تم قبل حكم منبتاخ، فيقول: "ولا يبدو هذا الاعتراض مقبولاً، فهو يعني أنه لم يكن هناك يهوداً بأرض كنعان طالما كان هناك عبريون بمصر وهذا أمر غير محتمل" معتمداً على ما قاله الأب ديفو (ص266): "فيما يخص الجنوب ـ من أرض كنعان ـ  فإن استقرار جماعات تنتمي إلى العبريين بمنطقة قادش غير محدد وهو سابق على الخروج من مصر"، وبناء على ذلك يقول: "بمعقولية استقرار الجماعات التي خرجت من مصر في زمن آخر غير زمن خروج جماعة موسى من مصر. إن (الأبيرو) أو (الهابيرو) الذين يطابقهم البعض على الإسرائيليين كانوا بالشام قبل رمسيس الثاني... ويذكر ب. مونتي هذا في كتابه "مصر والتوراة" قيام العبيرو وبكثير من الاضطرابات، ثم يقول: "وعلى ذلك يكون معقولاً تماماً أن منبتاخ قد عاقب بقسوة هذه العناصر على حدوده على حين كان في داخل البلاد دائماً هؤلاء الذين تجمعوا فيما بعد حول موسى للهروب من مصر، وعلى ذلك لا يعارض نصب منبتاخ للعام الخامس مطلقاً الفرض المقدم هنا".

ويضيف مبرراً نظريته بحجة واهية أخرى (ص266)، هي: "أن ظهور كلمة (إسرائيل) في تاريخ شعب اليهود لا يرتبط بتاتاً باستقرار جماعة موسى بأرض كنعان"، وأن أصل الكلمة أنها: الاسم الثاني الذي أعطي ليعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم "ويصبح من غير المدهش أن يصف بالتالي جماعة بأكملها تخليداً لذكرى أب أول" يريد القول: أنه هناك أكثر من بني إسرائيل يرجعون في الأصل إلى الأب الأول لهم يعقوب!! لذلك يواصل قوله: وعلى ذلك فإن ظهور الاسم على النصب في عهد منبتاخ أمر لا يُدهش، وأنها ليست "حجة في صالح تاريخ خروج موسى قبل العام الخامس من منبتاخ. الواقع، أن النصب عندما يشير إلى جماعة تسمها (إسرائيل) فإنه لا يستطيع أن يشير إلى جماعة مستقرة سياسياً حيث أن هذا التسجيل يرجع إلى نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد وحيث أن مملكة إسرائيل لم تتكون إلا في القرن العاشر قبل الميلاد. إنها بالضرورة إذن مجموعة بشرية أكثر تواضعاً". وإن كان ذلك غير مُدهش في نظره؛ إلا أن المُدهش في كلامه: أننا لا نفهم ما علاقة اسم (إسرائيل) الذي ذُكر أيام منبتاخ، وله علاقة بصحة روايات التوراة أو خطأها عن الخروج، وإن كان لموسى فرعوناً واحداً أم اثنان؟! وبصحة إن حدث الخروج أيام منبتاخ أم لا؟ ما علاقة ذلك بدولة (إسرائيل) التي أنشئت نتيجة انقسام دولة سيدنا داود وسليمان عليهما السلام، بعد وفاة سليمان محو 930 ق.م، أي بعد هذا التاريخ بحوالي ثلاثة قرون؟!!.

وردنا على مبرراته السابقة نقول: إن كان مَنْ اعتمد عليهم في إثبات أن هناك جماعات خرجت من مصر وتحمل نفس الاسم استقرت في فلسطين قبل خروج جماعة موسى من مصر، إنما ربطوا بينهم بني إسرائيل (العبرانيين) والعابيرو، فقط من أجل أن يجدوا تفسيراً مقبولاً من وجهة نظرهم لما ذكرته التوراة عن هلاك فرعون الخروج يوم الخروج، وعما تم اكتشافه على النصب في العام الخامس من حكم منبتاخ، حتى وإن خالفوا روايات الكتب المقدسة. لذلك وقعوا في الخطأ، فلا التوراة ولا القرآن أخبرانا عن خروج سابق لأحد من ذرية يعقوب بعد دخولهم مصر في عهد يوسف، قبل خروجهم مع موسى، ولا أخبرانا أن أحداً من بني إسرائيل ـ أبناء يعقوب ـ تخلف في أرض (كنعان) عندما ارتحلوا أيام يوسف إلى مصر. ولا أن هناك إبناً آخر لإسحاق بن إبراهيم بقي بأرض (كنعان) يحمل اسم إسرائيل إلى جانب حمل يعقوب لهذا الاسم، ولا المعارف الحديثة قطعت بذلك أبداً!!.

أما عن مطابقة البعض للأبيرو على الإسرائيليين وأنهم كانوا في الشام آنذاك، فقد سبق وأن أوضحنا تاريخهم ونضيف أنه قد يكون من الأسباب التي دفعت المؤرخين للربط بين العبيرو والعبرانيين عدة ملاحظات منها:

ـ تقارب الأسماء.

ـ إن غالبية العبيرو من أصول آرامية، وأن سيدنا إبراهيم آرامي الأص.

ـ الربط بينهم كلما عجزوا عن تقديم تفسير لحدث تاريخي مثل هذا الحدث على النصب. وكذلك وهم يحاولون تحديد فرعون الخروج وزمنه.

إذن: فالمؤلف لم يأتِ بدليل قاطع لا من القرآن ولا من التوراة على خروج لأحد من أبناء يعقوب من مصر قبل موسى، ولا بقاء أحداً منهم في أرض (كنعان) عند دخولهم مع يعقوب إلى مصر أيام يوسف، ولا هناك دليل على أن العبيرو هم من الإسرائيليين. وبناء على ذلك فإن خروج بني إسرائيل من مصر تم قبل حكم منبتاخ. وأن قوله بأن منبتاخ فرعون الخروج غير صحيح. وكذلك منبتاخ لم يطارد شعب اسمه (إسرائيل) كما خلد على نصب العام الخامس لحكمه، كما أثبت ذلك عند محاولة كتابة قصة الخروج من خلال رؤية قرآنية ومقابلتها مع المعارف الحديثة، لكن ليس على أساس معلومات التوراة. وهي دراسة أعددتها عام 1986-1987 عندما مررت على هذه القضية أثناء إعداد بحث عن تاريخ فلسطين القديم.

بقي نقطة أخيرة لا بد من الرد عليها حول ادعائه بأن منبتاخ هو فرعون الخروج الذي مات غرقاً أثناء مطاردته لموسى وجماعته، وهي: أنه قد سمحت له السلطات المصرية عام 1975م بدراسة أجزاء جسم مومياء منبتاخ، ونتيجة لدراسته ودراسات أطباء مصريين وأجانب يقول (ص271): "ولكن ما يمكن استنتاجه من هذه الدراسة هو ملاحظة آفات عظيمة عديدة مع ثغره (يقصد منبتاخ) في مادة الجسم ـ ربما كان بعض منها قاتلاً ـ دون أن يكون ممكناً الآن القول بما إذا كان بعض منها قد حدث قبل أو بعد موت فرعون. فهذا الفرعون مات إما غريقاً على حسب روايات الكتب المقدسة، وإما بسبب رضوض عنيفة جداً سبقت ابتلاع البحر له أو ربما للسببين معاً".

هذا التحليل لسبب موت الفرعون (منبتاح) غير صحيح، أن الرأي الراجح بين علماء الآثار والمؤرخين عن موت هذا الفرعون (منبتاح): أن موته غامض، وأنه قبل موته الذي على ما يبدو كان غدراً قد تعرض إلى صدمات نتيجة مقاومته قتلته الذين تغلبوا عليه، ولم يقل أحد بموته غرقاً مثل قول المؤلف! الذي يذكر بنفسه أن التوراة تؤكد أن جسد فرعون الذي طارد موسى لم يخرج من الماء، فقد جاء في (سفر الخروج: 14/8 ـ 29): "وارتدت المياه كما كانت وغطت مركبات وفرسان كل جيش فرعون الذي دخل إلى البحر وراءهم. ولم يبق منهم أحد". يضاف إلى ذلك أن (المزمور: 36/15) يؤكد موت فرعون مصلياً ليهوه.. "الذي ألقى فرعون وجيشه في بحر البوص". ولم يقل أن بدنه ألقي به إلى اليابسة كما ذكر القرآن الكريم.

كما يذكر تعليقاً للأب كورواييه على غرق فرعون، يلفق فيه خرافاته إلى القرآن ليسيء له بقوله (ص268): "يشير القرآن إليه (أي موت فرعون) (في سورة يونس الآيات من 90 إلى 92) وعلى حسب التراث الشعبي فإن فرعون قد ابتلع بجيشه (وهذا ما لا يقوله النص المقدس) وهو يسكن الآن قاع البحر ويحكم مملكة إنسان البحر أي عجول البحر"!.

بعد ما تقدم علينا أن نحذر كثير مما جاء في هذا الكتاب من أخطاء أو تفسيرات وتحليلات توراتية.

 

ما سمي (لوح إسرائيل) وكذب علماء الآثار التوراتيين

وفي عام 2006 حصلت على كتاب للدكتور (سهيل زكار)[91]، يؤكد ما سبق أن أكدت عليه عند كتابة هذا لبحث في ثمانينات القرن الماضين وعدت وأكدت على نفيه 2001، عند التعليق ونقد كتاب (موريس بوكاي)، فالدكتور (سهيل زكار) ينفي فيه أي ذكر للفظة (إسرائيل) من أصله في ذلك اللوح الذي سماه المزورين من علماء الآثار (لوح إسرائيل)! حيث يقول:

أما نقش مرنتباح (1224 ـ 1214 ق.م) فقد كتب على صخرة سوداء، وهو يتكون من ثمانية وعشرين سطراً، تحدث فيه هذا الملك عن انتصاراته وانجازاته ضد الليبيين ثم على بعض مدن فلسطين، حيث قال في السطر السادس والعشرون: "وانبطح كل الزعماء طالبين السلام، ولم يعد أحد يرفع راسه من بين التسعة، وأمسكت التحنون وخاتي هدأت، وأصيب كنعان بكل أذى، واستسلمت عسقلون، وأخذت جزر، وينعم أصبحت كأن لم تكن، ويزريل أقفر، ولم يعد له بذور، وخارو أصبحت أرملة".

ولدي التمعن في هذا النص، نجد أن الذين جاء ذكرهم في الترجمة هم ثمانية وليس تسعة، وهؤلاء الثمانية هم: "1ـ تحنو 2ـ خاتي 3ـ كنعان 4ـ عسقلون 5ـ جزر 6ـ  ينعم 7ـ يزريل 8ـ خارو".

فأين ذهب التاسع؟.

وقبل طرح هذا السؤال، يلاحظ صدور كتابات كثيرة، احتارت كيف تتعامل مع "يزريل"  وكلها استسلم أن المعنى هو "إسرائيل" وكثرت الاجتهادات والتفسيرات، ولكن قبل الغرق في بحار التزييف أعدما النظر بقراءة النص فتبين أن تزييفاً لحق بالقراءة ودمج هذا التزييف بين الاسمين السابع والثامن وبذلك باتت الأسماء التسعة  "1ـ تحنو، 2ـ خاتي، 3ـ كنعان، 4ـ يسقراني، 5ـ جزر، 6ـ ينعم، 7ـ يازير، 8ـ يار، 9ـ خال". هذا ومن المعتقد أن "يازير" هي "يازور" أي "بيت الزور" على ستة كم إلى الشرق من يافا، وأما جزر فتل يقع على بُعد ثمانية كم إلى الجنوب الشرقي من الرملة، ومن المعتقد أن "يار" هي يارين في جنوب لبنان.

وكان عدد من الباحثين قد هب ـ بناء على القراءة المزيفة ـ إلى القول بأن مرنتباح هو "فرعون الخروج" وبشكل ملطف يزريل هو سهل يسرلرو، الذي صار فيما بعد يُعرف باسم "سهل سدرالون"، وبعد الإسلام "سهل أو مرج ابن عامر". انتهى.الشائعة في منظومة علومنا الإنسانية والمعرفية، التي تعمل ضد مصالحنا وتزيف تاريخنا لصالح أعدائنا، ونقلها لنا المهزومون فكرياً ونفسياً وعقائدياً من أبناء وطننا على أنها مسلمات، ونشروها منذ أكثر من قرن ونصف، على الرغم من مخالفتها لصريح وبدهيات القرآن الكريم، دون أن يكلفوا خاطرهم بذل بعد الجهد والتدقيق والتمعن فيما ينقلون، ولذلك نجد أجيالاً من الأخطاء المتراكمة في عقول أجيال من أبنائنا كما هي متراكمة في أجيال وأجيال من المؤلفات والكتب التي تحتاج إلى نفض غبار الجهل والتزييف عنها.

وذلك ما دعاني منذ عقدين ونصف من الزمن لأن أحاول أن ألفت الانتباه لبعضها على قدر استطاعتي، وما يتوفر لدي من معلومات وأدلة، وقد هذا البحث قبل إعادة صياغته ثانية هذه الفترة جزء من ذلك.

 

حوار الأديان

الحديث عما يسمى (حوار الأديان) حديث له تشعبات كثير، تحتاج إلى أهل الاختصاص في مجالات عدة للحديث عنه، وبحيادية وموضوعية، مع الأخذ في الاعتبار استبعاد الخلط والتلبيس على الأمة من أنصار هذه الحوارات، عندما يحاولون تقديمها على أنها أديان سماوية..؟!! في الوقت الذي يتجاهلون فيه مخاطر مثل تلك الحوارات على الأمة وعقيدتها، وأنها جزء من معركة الصراع بين الإسلام والغرب اليهودي ـ النصراني، وأنها حلقة من حلقات الحرب على الأمة وعلى مقومات وجودها، وعلى الوطن وثرواته، وأن الهدف منها في نهاية المطاف هو: تجريد الأمة من روح المقاومة، وتركها نهبا لأعدائها المتربصين بها من قرون طويلة. والجديد في هذا العدوان الذي تمتد جذوره إلى بداية بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد يكون إلى قبل ذلك، إلى بدء ظهور إرهاصات الرسالة الخاتمة للدين السماوي والوحيد، الجديد في هذا العدوان، هو: إشراك اليهود في ذلك الحوار معتبرين أن اليهودية دين سماوي!! لذلك لم يعد لنا بد إلا الكتابة عن أبعاد ومخاطر هذا الحوار، ونحاول جهدنا أن نلقي الضوء على حقيقة اليهودية والنصرانية كأديان وثنية لم تًعُد رسالات سماوية.

دين توحيد سماوي واحد لا أديان توحيدية

لأن هدف اليهود والنصارى منذ أمد طويل هو تحقيق اختراق في العقل المسلم، وكسب الشرعية السماوية حتى يتمكنوا من غزو عقول المسلمين بعقائدهم وأخلاقياتهم الهدامة بزعم أنها أديان توحيدية سماوية، ومن أجل التخفيف من حدة الصورة السوداء القاتمة والبشعة عند المسلمين تجاه الغرب اليهودي ـ النصراني، التي كونتها لديه تلك الجوالات التي لم تنتهي من الصراع والحروب والاحتلالات والفتن التي مارسها ويمارسها الغرب ضد الإسلام والمسلمين، كان ما يسمى (حوار الأديان السماوية) على اعتبار أن اليهودية والنصرانية مازالت تحتفظ بأصلها السماوي، وأنها ديانات توحيدية كالإسلام، وأن كُتُبها التي بين أيدينا هي وحي مُنَّزل من عند الله، من أجل اختراق العقل والمجتمع المسلم!.

فالهدف من تلك الحوارات هو أن تُكسب تلك الأديان الوضعية صفة السماوية والتوحيدية على الرغم من فقدانها لوحدانيتها وروحانيتها وصفتها السماوية بعد ما أدخلته عليها يد الإنسان من تحريف وتبديل أبعدها عن أصلها السماوي، وغدت أقرب إلى الوثنية منها إلى التوحيد، وأقرب إلى الأديان البشرية منها إلى إلي الأصل السماوي لها. إن الاعتراف باليهودية والنصرانية أنها ديانات توحيدية وسماوية على الرغم من وثنيتها، ووضعها على نفس مستوى الدين السماوي الوحيد (الإسلام) يعتبر ذلك اعتراف من المسلمين بشرعيتها السماوية، في الوقت الذي لا تعترف هي فيه بشرعية الإسلام السماوية على الرغم من كل الإشارات والنبوءات عن نبي الإسلام وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين التي مازالت موجودة فيها بعد كل ما جرى عليها من تحريف! بمعنى آخر: أننا نُعطيها في عقول ونفوس أبنائنا الشرعية السماوية لأننا نؤمن بأصولها السماوية بنص القرآن الكريم، في الوقت الذي لا يحصل الإسلام فيه على نفس الشرعية السماوية عند اليهود والنصارى لأنهم لا يوجد عندهم أي نص يأمرهم بالإيمان بالإسلام أنه دين سماوي توحيدي مُنَّزل من عند الله!. ذلك يعني إضفاء شرعية إلهية على الحضارة الغربية المادية اليهودية ـ النصرانية، التي ارتدت بالكلية إلى أصولها الوثنية الإغريقية والرومانية بعد الانفصام الذي حدث بين الدين والدولة بعد انتهاء العصور الوسطى الأوروبية، لأن الإسلام كان في ذروة تقدمه العلمي في تلك العصور.

وإننا نرفض الاعتراف بها أديان توحيدية سماوية لأن الله تعالى لم يخبرنا بأنه أنزل أديان سماوية متعددة، ولكنه أخبرنا أنه أنزل دين سماوي توحيدي واحد على جميع الأنبياء والرُسُل عليهم جميعاً الصلاة والسلام، على اختلاف أقوامهم وأزمانهم، هو الإسلام. وأن هذا الدين التوحيدي السماوي والوحيد المُنَّزل من عند الله يقوم على أساسين هما: العقيدة والشريعة. أما العقيدة فهي واحدة لم تختلف في مضمونها وجوهرها من آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد. وهي الدعوة إلى وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن كل شريك، والإيمان باليوم الآخر والبعث والنشور والحساب والجنة والنار. فكان كل نبي أو رسول يُصدق من سبقه في هذا الأصل الواحد ويُبشر ببعثة مَنْ سيأتي بعده. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ }الشورى: 13 {وبناء عليه لا يُعقل أن يُنَّزل الله تعالى على رُسُله تناقضات تتعلق بذاته سبحانه، فرسول يقول أن عزير بن الله، وآخر يقول أن الله ثلاثة ثلاثة وثالث يقول أن الله واحد أحد لا شريك له، ويكون كل منهم صادق فيما يقول؟! وهو سبحانه الذي قال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مَن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ }المؤمنون: ٩١{ 

أما التشريع فهو مجموع الأحكام الإلهية التي تنظم حياة الناس والمجتمع، وهذه تختلف من نبي إلى آخر بحسب قومه وزمانه، ولأنه كان كل رَسُول يُرسل إلى قومه فقط، قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام مخاطباً بني إسرائيل: ﴿وَمُصَدِقَاً لِمَاَ بَيِنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِاُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيِْكُمْ وَجِئْتُكُم بِأَيِةٍ مِن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعوُنِ} آل عمران:٥٠ {أي أنه جاء مُصدقاً في شِق العقيدة لدعوة موسى عليه السلام لوحدانية الله، وببعض التيسير في الجانب التشريعي بنسخ بعض ما نزل على موسى مما كان فيه تشديد.

ذلك دليل على أن الله تعالى لم يُنَّزِل أديان سماوية متعددة، ولكنها كانت شرائع سماوية لدين واحد، ينسخ منها اللاحق السابق، إلى أن اكتملت تلك الشرائع بشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين التي بُعث رحمة للعالمين. ومن يرجع إلى القرآن الكريم يجد أن كل الأنباء والرسل أقروا بالإسلام ديناً لهم.

قال الله تعالى على لسان نوح u ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾}يونس:72{. وسأل إبراهيم وإسماعيل الله وهما يبنيان الكعبة في مكة أن يجعلها مكاناً للعبادة فقالا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾}البقرة: 128{ ونصح يعقوب u أولاده فقال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾}البقرة:132{ فرد عليه أبناؤه مؤكدين: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾}البقرة:133{ وقال موسىu لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾}يونس:84{ وأرسل سليمان u لبلقيس ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾} النمل:30-31{. وأجاب الحواريين عيسىu ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾} آل عمران:52{. ورداً الله تعالى على قول اليهود والنصارى للمسلمين ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ }البقرة: {135-136

وختم تعالى بتأكيد ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾ }آل عمران:19{ وبقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾} آل عمران:185{. لذا لا يوجد دين سماوي على وجه الأرض سوى دين واحد هو الإسلام، الذي اعتنقه المؤمنون في جميع الأزمنة والأمكنة، وكان كل رَسول من الرُسُل يمثل حجراً في بناء الصرح الشامخ ووحدة الإنسانية المؤمنة، وهذه الحقيقة هي جزءً أساسياً من العقيدة الدينية، ومحمدr  أكمل الله به صرح النبوات وختم به الرسالات. رُوي عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول اللهr  قال: "إن مَثلي ومَثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأَحسنه وأَجمله إلا موضع لَبِنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وُضِعت هذه اللَبِنة" قال: "فأنا اللَبِنة وأنا خاتم النبيين". وعن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم النبيr  المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: "ما هذا؟" قالوا : هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: "فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه".

لذا فالمسلم يعترف بجميع الأنبياء والرُسل ويؤمن بهم ولا يُفرق بين أحد منهم ولا يفضل واحداً على آخر؛ لأن الأصل في العقيدة الإسلامية هو: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ {البقرة:285. فالله واحد والأنبياء وحدة واحدة وأمتهم أمة واحدة، والُوعُود التي قُطعت لهم عالمية، لا تخص قوم أو شعب دون شعوب العالم.

وعندما هاجر رسول الله r  إلى المدينة ووجد اليهود صائمين يوم التاسع من محرم فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا له: إنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فقال r: (إن الأنبياء أخوة وأنا أولى بأخي موسى). وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "صام عاشوراء، وأمر بصيامه". متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع". رواه مسلم

النصارى أشد وثنية

النصرانية دين وثني أشد تعقيداَ من اليهودية، فإن كان اليهود لهم عقيدة واحدة هي عقيدة "يهوه"، فإن النصارى حقا جهلة وضالين ومضلين كما وصفهم الله تعالى في كتابة الكريم في سورة الفاتحة، وذلك لأنهم يجمعون إلى جانب عقيدة التثليث الوثنية التي أدخلها الحاخام اليهودي بولس على عقيدة المسيح، عقيدة "يهوه" اليهودية، الذي ليس إلههم "المسيح بحسب عقيدتهم الفاسدة" ولا إله لجميع البشر المؤمنين به وغير المؤمنين، كما هو المسيح بحسب عقيدة النصارى، ولكنه إله اليهود وحدهم. أي أن النصارى يجمعون بين متناقضين، ويؤمنون بإلهين مختلفين، كل منهما لا يعترف بالآخر، ويتحالفون مع أتباع "يهوه"، اليهود، الذين لا يعترفون بمسيحهم لا نبي ولا إله، بل وهم بحسب عقيدتهم الباطلة، قاتلوا إلههم وصالبوه، وسبب كل معاناة البشرية، وذلك عداءً وحقداً على الإسلام والمسلمين، ومن هنا تأتي خطورة هذه الحوارات.

وقد أصبح معلوماً أن بولس اليهودي (شاول) الذي نقل رسالة المسيح عليه السلام أحد حاخامات اليهود الذين تظاهروا باعتناق النصرانية، وفي الحقيقة أنه عمل على تخريبها من الداخل، وذلك بما نقله إليها من أفكار وفلسفات هدامة كانت شائعة في ذلك العصر، مما أبعدها عن روح التعاليم السماوية التي دعا إليها المسيح عليه السلام. ومن قبله بطرس الذي ذكره المسيح باسمه ولا تزال هناك إشارات في الإنجيل تشير إلى دور بطرس في تهويد النصرانية. قد جاء في إنجيل متى 6/23 (فالتفت –السيد المسيح- وقال لبطرس :اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لأنك لا تهتم بما لله ولكن بما للناس).

عقيدة التثليث

وبولس هو الذي أدخل فكرة التثليث والقول بإلوهية المسيح وأنه قام من الأموات وصعد ليجلس عن يمين أبيه. كما ابتكر خرافة العشاء الرباني وغفران الذنوب مستمدًا ذلك من الفلسفات الإغريقية والوثنية، ونادى بإلوهية الروح القدس، ودعا إلى عدم ضرورة الختان، واخترع قصة الفداء، وهو الذي نقل المسيحية من كونها دينًا خاصًا ببني إسرائيل وجعلها دينيًا عالميًا، لقد كتب أربعة عشر سفرًا تعليميًا من أصل إحدى وعشرين رسالة تشكل مجموعة الرسائل التي تعد مصدرًا تشريعيًا في النصرانية.

وقد ظلَّت فكرة إلوهية المسيح محلَّ خلافٍ بين النصارى، حتى عُقِد مجمع نِيقيَّة سنة 325 ميلاديَّة، بعد ما رأى قسطنطين -وهو أوَّل إمبراطورٍ يعتنق النصرانية- أنَّ أساقفة النصارى مختلفون اختلافاً كبيراً في مسألة طبيعة المسيح، هل هو رسولٌ أم إله أم ابن إله؟. وقد حضر هذا المجمع 2048 أسقفا، وكانوا مختلفين اختلافاً شديداً حول طبيعة المسيح، والعجيب أنَّه لم يقل بإلوهية المسيح سوى 318 أسقفا، وهو عددٌ ضئيلٌ إذا ما قورن بالعدد الكلِّيّ، ولكنَّ قسطنطين اعتنق هذا الرأي وفرضه، وكان الذي لا يقول به بعد ذلك يتعرَّض لاضطِّهاداتٍ شديدةٍ تصل إلى الأمر بإحراقه.

 وعقيدة التثليث عند النصارى تعني أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس، والمسيح هو "الابن". فبهذا يظهر أمامهم ثلاثة آلهة تبرز برؤوسها، والثلاثة معاً الله، والله يتفرق فيكون ثلاثة ويجتمع فيكون إلهاً، أين العقل الذي يحتمل ذلك؟ ويرون أن التثليث لا يعالج بمنطق العقل، ولكن بالإيمان والوجدان، وهذا هروب من النصارى من بداية الطريق. لأنه يستحيل تصوره لدى العقل.

ونستطيع القول بأن النصرانية قد أخذت من معظم الديانات والمعتقدات التي كانت موجودة قبلها مما أفقدها شكلها وجوهرها الأساسي الذي جاء به عيسى عليه السلام من لدن رب العالمين. وقد كانت فكرة التثليث التي أقرها مجمع نيقية 325م انعكاسًا للأفلوطينية الحديثة التي جلبت معظم أفكارها من الفلسفة الشرقية، لقد كان لأفلوطين المتوفي سنة 270م أثر بارز على معتقداتها، فأفلوطين هذا تتلمذ في الإسكندرية، ثم رحل إلى فارس والهند، وعاد بعدها وفي جعبته مزيج من ألوان الثقافات، فمن ذلك قوله بأن العالم في تدبيره وتحركه يخضع لثلاثة أمور:

 1- المنشئ الأزلي الأول.

 2- العقل المنبثق عنه.

3- الروح التي هي مصدر تتشعب منه الأرواح جميعًا.

وهو يضع بذلك أساسًا للتثليث إذ إن المنشئ هو الله، والعقل هو الابن، والروح هو الروح القدس.

مشابهة المسيحية للديانات الوثنية

النصرانية هي كما قال عنها الباحثون إنها مزيج من ديانات عديدة قديمة، وأنها الآن شيء يخالف كل المخالفة ما كان عليه سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام. يقول درابر الأمريكي في كتابه "الدين والعلم": "ودخلت الوثنية والشرك بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام .. وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية غلا قليلاً في آخر عمره (337). إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من قطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها. وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء .. حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه (قسطنطين) هذه الخطة".

ويقول فشر المؤرخ الإنجليزي: "إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آبائها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعاً من العادات والتقاليد والمعتقدات (!!) بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها". ويقول برنتن: "إن المسيحية الظافرة في مجمع نيقية ـ وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم ـ مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل (أي المسيحية الأولى كما جاء في كلامه بعد ذلك) ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية  لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأم مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً.

ومن يتابع المسيحية يعرف بأنها مجموعة من الطقوس والتقاليد الدينية القديمة، فأصولها التي قامت عليه هي الأصول التي كانت في الديانات الوثنية، وأدخلها بولس للمسيحية فاخرج بها (مسيحية جديدة) وعارض (المسيحيون اليهود) بولس وأنكروا كل ما جاء به، ولكن بعد زوال هذه الفرقة انتشرت أفكاره بين الأمم الأجنبية فوافقت دعوته وثنيتهم وأقبلوا عليها وخرافات بولس هي التي شككت الباحثين المحدثين في حياة المسيح، لأنهم وجدوها صورة من الآلهة الوثنية القديمة بعل ومثرا وأدونيس وإيزيس وأوزوريس وحوريس وكرشما إله الهندوس …… إلخ كلها آلهة متشابهة وكلها كانت آلهة زراعة وخصب، وخلعت صفاتها على المسيح. ومن أوجه التشابه:

- الهندوسية فيها تثليث وأقانيم وصلب للتكفير عن الخطيئة وزهد ورهبنة وتخلص من المال للدخول في ملكوت السماوات، والإله لديهم له ثلاثة أسماء فهو (فشنو) أي الحافظ وسيفاً (المهلك) وبراهما (الموجد). وكل ذلك انتقل إلى النصرانية بعد تحريفها.

- البوذية التي سبقت النصرانية بخمسة قرون انتقلت بعض معتقداتها وأفكارها إلى النصرانية
- عقيدة البابليين القديمة خالطت النصرانية إذ إن هناك محاكمة لبعل إله الشمس تماثل وتطابق محاكمة المسيح عليه السلام.

ـ ديانة مثرا الفارسية: ازدهرت في فارس في القرن السادس ق م، ثم نزحت إلى روما، وصعدت في أوروبا فوصلت مدناً شمالية في إنجلترا، ومن التشابه بين مثرا، ويسوع.

ـ كل منهما كان وسيطاً بين الله والبشــر.

ـ ولد مثرا في كهف وولد عيسى في مزود البقر.

ـ ولد كل منهما في الخامس والعشرين من ديسمبر.

ـ كل منهما كان له اثنا عشر حواريا".

ـ كل منهما مات ليخلص البشر من خطاياهم.

ـ كل منهما دفن وعاد للحياة بعد دفنه.

ـ كل منهما صعد إلى السماء أمام تلاميذه.

ـ كل منهما كان يدعى منقذا" ومخلصاً، ومن أوصافه أنه كان كالحمل الوديع.

ـ كل منهما كان له أتباع يعمدون باسمه وقام عشاء مقدس في ذكراه.

هذا وجاء في كتاب "حياة المسيح في الكشوف والتاريخ" للمرحوم العقاد: أن عبادة مثرا هذه انتقلت إلى الدولة الرومانية وامتزجت بعبادة إيزوريس المصرية ومنهما جاءت عبادة ديمتر، وهى في جملتها هي الديانة المصرية التي حوربت وقد صوروها في صورة أم تحتضن طفلها الرضيع دلالة على "الحنان والبراءة". والصورة هي هي صورة إيزيس وحوريس، ثم هي هي أيضا صورة مريم العذراء التي تحتضن المسيح . وهذا مما يؤيد ما سبق.

ثانياً: ديانة بعل: ديانة بابلية وقد انتقلت مع موجة الفتوحات البابلية إلى شمال الهلال الخصيب، وظل (الكنعانيون) يدينون بها، وفي كثير من الأحيان كان اليهود يتركون ديانتهم ويعبدون بعلاً، ونهاية هذا الإله تكاد تكون هي الصورة التي صورت بها نهاية المسيح ، وكل منهما :

ـ أسر قبل محاكمته

ـ حوكم علنا

ـ أعتدي عليه بعد محاكمته

ـ نفذ الحكم عليه في أعلى الجبل

ـ كان معه مذنب أخر محكوم عليه

ـ ولما أراد الحاكم العفو عنه طالب الشعب بإعدامه هو والعفو عن المجرم

ـ بعد تنفيذ الحكم عليه ظهر الظلام وعم اضطراب الناس وعلا الرعد وزلزلت الأرض

ـ كل منهما أقيم حرس على قبره

ـ كل منهما قام من القبر وصعد إلى السماء

ومعظم هذه الأشياء مما دس على المسيحية بعد زمن طويل من نهاية المسيح ، وجاء المتأخرون فوجودا آباءهم عليها فاقتدوا بهم من غير علم ولا تفكير !!!!!! وهذا ما جعل الدراسيين المحدثين ينكرون المسيح نفسه ويعتبرونه واحداً من هذه الآلهة الوثنية الخرافيــة.

وقد لعبت المجمعات الدينية النصرانية التي كانت تعقد بين الحين والحين لسن القرارات وإصدار الفتاوى، فهي هيئة تشريعية تحل وتحرم، الدور الأكبر في تثبيت تلك العثائد الوثنية عقيدة نصرانية، ومن أهم هذه المجامع:

1- مجمع نيقية 325م: قالوا فيه بأن المسيح إله فقط.

2-مجمع القسطنطينية الأول 381م: قرروا فيه بأن الروح القدس إله.

3- مجمع أفسس الأول 431م: قالوا فيه بأن للمسيح طبيعتين لاهوتية وناسوتية.

4- مجمع خلقيدونية 451م: قالوا فيه بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.

5- مجمع رومه 1869م: قرروا فيه بأن البابا معصوم.

- تتابعت المجامع، وما تزال إلى يومنا هذا، ومن أواخرها مجمع روما 1869م والمجمع الإقليمي في جاكرتا 1967م الذي عقد لتوقيع ميثاق بين كل الطوائف للتحالف على مواجهة المسلمين بكلمة واحدة في الاجتماعات والمحافل الدولية.

- عندما دخل الرومان في الديانة النصرانية نقلوا معهم إليها أبحاثهم الفلسفية وثقافتهم الوثنية ومزجوها بالمسيحية التي صارت خليطًا من كل ذلك.

الأهداف الخبيثة لما يسمى (حوار الأديان السماوية)

وخطورة دخول اليهود على خط ما يسمى حوار الأديان، أنه إن كنا قد نجد في النصرانية بعض الوصايا والتعاليم التي تتحدث عن المحبة والتسامح والسلام والإخاء بين الناس، وإن كانت كاذبة، وخادعة، ومضللة، والتاريخ يثبت ذلك، والشواهد أكثر من أن تحصى، بدء من المجازر والمذابح التي ارتكبت في الحروب الصليبية الأولى باسم المسيح عليه السلام، والمسيح منهم ومن جرائمهم براء، مرورا بالمجازر والمذابح التي ارتكبت في محاكم التفتيش في أسبانيا الحالية، بعد سقوط دولة الإسلام في الأندلس، وإكراه المسلمين للتخلي عن دينهم بالقوة الوحشية، إلى الغارات والمذابح الوحشية التي كانت ترتكب ضد الآمنين في دول الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط الإسلامية، إلى السواحل الإسلامية الجنوبية في شرق إفريقيا وعمان والهند وغيرها، التي كان قراصنة البحر من برتغاليين وأسبان يعتبرون مذابحهم وغدرهم بالسكان المدنيين والآمنين، وتدمير مساجدهم، وتقطيع أوصالهم، عبادة وقربة للرب الذي يعبدونه من دون الله.

أم جرائم تجارة العبيد التي كانت تتم باسم الدين و"المسيح"، أم عمليات التنصير التي انتشرت في إفريقيا وآسيا والعالم الجديد، التي تبين أنها لم تكون لهداية الناس، وإخراجهم من الضلال كما كانوا يخدعونهم بهذا الهراء، ولكن من أجل استعبادهم، ونهب وسرقة ثرواتهم، واحتلال أوطانهم. وكل الجرائم التي حدثت في الماضي، كانت تحدث تحت ذرائع كاذبة، يسمونها: نشر رسالة المسيح، وهداية الشعوب الأخرى إلى طريق المسيح، ونشر المدنية والحضارة، وتعليمها لكافة الشعوب، وإخراجهم من الجهل والتخلف الذي يعيشون فيه. ولا زالت ترتكب في الوقت الحاضر أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وتباد شعوب، وتتعذب أمم، بنفس الدعاوى الكاذبة السابقة، وباسم: نشر الديمقراطية، الحرية، وحرية التعبير عن الرأي، ونشر الحقوق المدنية، وحقوق الإنسان، ...إلخ، مما تعاني منه شعوب الأرض المستضعفة، ويعتبره الغرب اليهودي ـ الصليبي وسيلته للتدخل في الشئون الداخلية للشعوب المسلمة، واحتلال وطنها، ونهب وسرقة ثرواتها، واستغلال جهود وطاقة أبنائها.

إن كنا نجد في النصرانية ما يمكن أن يخدع به قساوستها ودعاتها به الشعوب الغافلة، أو الوثنية، وثنية بدائية، وأن يتحدثوا عن تعاليم إنسانية، ويريدون تعميمها ونشرها على ربوع الأرض، فماذا نجد في اليهودية؟؟!! التي تبدأ بإله خاص، عنصري، قبلي، وتنتهي بأخلاق الانحطاط اللإ إنسانية، التي تدمر الإنسان والمجتمع، وتنشر وتشجع الجريمة بكل أنواعها وأشكالها، وهي أخلاق أيضا خاصة بـ"الشعب المقدس للرب يهوه"، وليست خاصة ببقية الشعوب.

أذكر أني في عام 1979 أو 1980 أيام دراستي الجامعية قرأت تقريراً علمياً أوروبياً، نشر في إحدى الصحف المصرية القومية، هذا التقرير لمجموعة من علماء النفس والاجتماع الأوروبيين يطالبون فيه بسحب كتاب "التوراة" ـ العهد القديم ـ من الأسواق، ومنع تداوله بين الناس، وخاصة الشباب، وأن يسمح به لأهل الاختصاص أو الباحثين فقط، وفي أضيق الحدود، وذلك لأنهم اعتبروه أخطر كتاب يدعو ويشجع الشباب على الانحراف الخلقي، وارتكاب جميع الجرائم على اختلاف أنواعها، وأنه السبب الأول في تدمير الأفراد والمجتمعات، والدعوة للانحطاط والفساد ...إلخ.

فهل هذه ستكون هي مطالب اليهود في حوار ما يسمى بالأديان، نشر التعاليم والأخلاق اليهودية، التي سبق لدعاة الإصلاح اليهود الذين رفضوا أن يعترفوا باليهودية قومية، واعتبروا أنفسهم من نفس قوميات الشعوب التي يعيشون وسطها، وأن اليهودية دين مثله مثل بقية الأديان، وفسروا المعاني والمفاهيم الدينية اليهودية الفاسدة المدمرة،  على أنها "رسالة إسرائيل" الإنسانية للبشرية، وهكذا تغلغلوا وسط الشعوب التي يعيشون فيها، وباسم الأدب والفن، وغيرهما، نشروا قيم التوراة "رسالة إسرائيل"، ودمروا تلك المجتمعات وسيطروا عليها، وعلى عقول أبنائها.

ولا يكفيهم هم والنصارى الصليبيين ما فعلوه في المسلمين ودينهم، ولكنهم يريدون التغلغل بطريقة أكثر مشروعية في وسط مجتمعاتنا، لتدمير شبابنا وأبنائنا، وتخريب عقولهم، ودفعهم لمزيد من الانحراف والانحطاط، وإلى جرف المجتمعات الإسلامية نحو الجريمة، كما هي مجتمعات الغرب الآن.  

ضوابط الحوار عند المسلمين مع أهل الكتاب

نأتي الآن للحديث عن الحوار؛ كثيرين هم الذين يتحدثون عن الحوار مع الآخرين وخاصة مَنْ اعتبرهم القرآن الكريم أهل كتاب، أي اليهود والنصارى، ويستشهدون بآيات كريمة من القرآن الكريم على شرعية دعوتهم للحوار، واحترام الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى ومعتقداتهم، وأقر لهم بحقهم في حرية الاعتقاد...إلخ. مثل قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) البقرة:٢٥٦. وقوله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مسلمين) يونس:٩٩. وقوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف: ٢٩. وقوله تعالى: (لست عليهم بمسيطر) الغاشية: ٢٢. وغيرها من الآيات الكريمة.

وذلك حق وصحيح؛ ولكنهم يغفلون أو يتغافلون عن الضوابط التي وضعها القرآن الكريم عند حوارنا مع أهل الكتاب خاصة، ومع أصحاب العقائد الأخرى عامة، وعن تحذيرنا منهم ومن نواياهم الخبيثة أثناء الحوار؟! وأن الله تعالى في الوقت الذي أمرنا فيه باحترام أهل الكتاب وأصحاب الديانات الآخرين؛ فإنه حذرنا منهم بمثل قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) القلم:٩. وقوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً) النساء:٨٩. وقوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) البقرة:٢١٧. وقوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) النساء:١٠٢.

 وقوله تعالى:(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) البقرة:١٢٠. وهذا أكثر شيء ينطبق على السياسيين وقد سبق أن قلنا قبل ذلك أن الغرب كله ليس سواء وهناك من يرفض سياسة بلاده، ودليل ذلك قوله تعالى: (ولا تتخذ اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض) المائدة:51. أي أنه هناك من اليهود والنصارى مَنْ سيرفض التحالف الذي سيقوم بينهما ضد المسلمين، كما هو حادث اليوم، وأولئك الرافضين لذلك التحالف نحن لا عداء بيننا وبينهم، وهم الذين علينا أن نحترم حقوقهم في الاعتقاد والحوار معهم، كما قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت: ٤٦

 أما الآخرين المتحالفين والمتآمرين ضدنا والمحاربين لنا فقد استثناهم القرآن الكريم من الجدال بالتي هي أحسن، وأمرنا أن نعاملهم بمثل معاملتهم، لذلك عندما يبرر علماء السلطان لتلك الحوارات والمشاركة فيها بآيات من القرآن الكريم منها تلك الآية الكريمة تجدهم لا يكملونها، لأن تكملتها تبين أن المجادلة بالتي هي أحسن ليست مطلقة ولكنها مقيدة بقوله تعالى: (إلا الذين ظلموا منهم)!.

 والمشكلة أن الذين ظلموا منهم هم الذين نتحاور معهم ونجلس إليهم وننشد ودهم الذي حذرنا منه الله تعالى في الآيات السابقة، وذلك ما تؤكده تلك الحوارات وشروطها والبيانات التي تصدر عنها. ففي الوقت الذي نقرأ فيه في بيانات تلك المؤتمرات تجريم لحق شعوبنا المحتلة في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وغيرها، واعتبار حقهم بالمقاومة الذي شرعته لهم الرسالات السماوية والقوانين الوضعية (إرهاباً)؟! لا نسمع أو نقرا في تلك البيانات لاغتصاب العدو اليهودي لقلب الأمة والوطن (فلسطين)، ولا لجرائمه اليومية البشعة التي تسمعون عنها كل يوم، وآخرها التي جاءت متزامنة مع ذلك الحوار السياسي الذي لا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد ويُدعى إليه كبار الإرهاب في كيان العدو اليهودي (شيمون بيريز وتسيفي ليفني)، الذي عقد الأسبوع الماضي في نيويورك بتاريخ 12 ـ13 تشرين الثاني/نوفمبر 2008! تلك الجرائم التي ارتكبت ضد أهلنا المقدسيين في حي الشيخ جراح، وطردهم من بيوتهم إلى الشارع، وذلك الحصار وقطع الكهرباء عن قطاع غزة، والاجتياحات التي راح ضحيتها أكثر من عشرة شهداء في غزة أيضاً على الرغم من وجود تهدئة بين الطرفين وغيرها! كلها تأتي رسائل سلام ومحبة إلى دعاة السلام والمحبة والتسامح باسم الدين في نيويورك وغيرها؟!. ولا نسمع أي إدانة صريحة وواضحة لتلك الجرائم التي يرتكبها المحتل الغربي (الأمريكي والأوروبي) للعراق وأفغانستان؟!

أمثلة على ذلك

وبدون إطالة سأذكر فقط نماذج مما يدور في تلك الحوارات وكيف يستخدمها أعداء الأمة والوطن لتحقيق أهدافهم وغاياتهم ضدنا، وإصدار بيانات وقرارات بألسنتنا وتواقيعنا تدين وتُحرم ما شرعه الله لنا من حق في المقاومة للمحتل، وحق في رفض الظلم والهيمنة والسرقة الغربية لثرواتنا ومقدراتنا ومواجهتها بكافة الوسائل! في الوقت الذي يقوم فيه المشاركون في تلك المؤتمرات من أعداء الأمة باسم الدين بتبرير جرائم دولهم، أو سياسات كنائسهم في التنصير وارتكاب جرائم القتل ضد المسلمين في كل مكان.

يكفينا الإشارة إلى أن مؤتمرات الحوار السابقة التي عقدت قبل مؤتمر الدوحة السادس (13ـ14 أيار/مايو 2008)، قد فشلت كلها في الاتفاق على أي شيء عملي، كما فشلت في الاتفاق على صيغة "متوازنة" لإدانة الإرهاب بشكل عام، بسبب إصرار الحاخامات اليهود وأنصارهم من رجال الدين والسياسة والفكر النصارى المشاركين فيها؛ على إدانة "الإرهاب الفلسطيني" فقط! بزعم أنه هو وحده المسئول عما أسموه "ردة الفعل (الإسرائيلية) الطبيعية" عليه؟!.

ليس ذلك فقط! ولكنهم اتفقوا مع بابا الفاتيكان علي مقاومة (الإرهاب)، وأدخلوا تحت هذا المسمى كل المقاومات العربية والإسلامية في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين، وأسموا الجميع بـ(الإرهابيين). وطلبوا من دعاة حوار الأديان مقاومتهم بكل قوة؟!.

وفي المقابل دافعوا عن فساد عقيدتهم ووثنيتها، وأرادوا الاستخفاف بعقولنا وجعل الآلهة في عقدتهم إله واحد كما هي في العقيدة الإسلامية! وبرروا جرائم دولهم وكنائسهم ورجال دينهم وسياستهم؟! ولنأخذ أمثلة على ذلك:

قال الأب خالد عكشة من المجلس البابوي للحوار بين الأديان بالفاتيكان إن (المسيحية) اليوم تختلف عن النصارى الذين خاطبهم القرآن الكريم، مؤكدا أن الله واحد في الأديان الثلاثة لكن نظرتنا له -سبحانه- مختلفة. وأضاف في تصريحات على هامش المؤتمر أن النصارى المذكورين في القرآن هم الذين أتوا للديانة) المسيحية) من الديانة اليهودية واحتفظوا بالكثير من عاداتهم، ومن ناحية عقدية هم لا يمثلون العقيدة (المسيحية) الصحيحة الكاملة. وقال إن ما يقال عن النصارى في القرآن لا يتناسب بالكامل مع عقيدته كـ(مسيحي)! (وكأنه يطالبنا كما يطلب اليهود بحذف الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تسيء لليهود!) وأن الديانة (المسيحية) هي ديانة موحدة وأن الإيمان بالثالوث الأقدس لا يتناقض مع التوحيد؟! ولذلك فإننا نقول بانتمائنا كيهود وكـ(مسيحيين) ومسلمين إلى عائلة التوحيد، وأن القضية أننا نرى الله تعالى واحد بنظرة مختلفة ونعبده ببعض الاتفاق وببعض الاختلاف؟؟!!.

وحول اتهام الفاتيكان بالتبشير قال إن القرآن الكريم يقول: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" وأن ما هو مكلف به المسلم في مجال الدعوة فإن (المسيحي) مكلف به في مجال البشارة بالحكمة والموعظة الحسنة. نافياً الكلام والتقارير التي تتحدث عن حملات للتبشير أو استغلال لحاجة الناس من أجل التبشير بـ(المسيحية). وقال إننا ندين أي استغلال لأي فقير وندين كل ذلك لأن الإنسان يجب ألا يُستغل فقره أو جهله وأن البشارة أو الدعوة يجب أن تكون ناتجة عن محبة للإنسان وبكامل الاحترام لكرامته، مشدداً على أهمية أن نتفق على تحريم سلوكيات معينة في هذا الموضوع باعتبار أن التبشير أو الدعوة جزء من الحرية الدينية.

وحول عودة (فرسان مالطا) التي كانت من أشرس القوات الصليبية في الحروب الصليبية، واستمرت بعد انتهائها تمثل رأس الحربة والعدوان على السواحل والمدن الإسلامية المطلة على البحر المتوسط، والآن تشكل تحالف عالمي واسع يضم (رجال دين وساسة ومال من اليهود والنصارى)، وتمارس حربها ضد الإسلام في كل مكان وعلى أكثر من صعيد وبوسائل مختلفة، تحت أسماء مؤسسات تدعي أنها تقوم بالأعمال الخيرية الإنسانية، أسماء شركات تجارية، ومنتجات غذائية وغيرها، وفي شكل الشركات الأمنية مثل شركة) بلاك ووتر الأمريكية) العاملة في العراق.

علق ضاحكاً على اتهام أحد المشاركين من العراق في تلك المؤتمرات لشركة) بلاك ووتر الأمريكية) بأنها أحد أذرع (منظمة فرسان مالطا) قائلاً: إن فرسان مالطا اليوم هو تجمع (مسيحيين) كاثوليك يهتمون بالأعمال الخيرية الإنسانية، وأن العمل الخيري الإنساني ينطلق من إنقاذ الإنسان وتوفير المأوى والأمن له. وبرر جرائمها بزعم: وأنه إذا وُجد منهم من يستغل الاسم لغايات شخصية خارجة عن الأخلاق (المسيحية) فإن الكنيسة غير مسئولة عن ذلك! كما برر حملة بوش الصليبية ضد العراق باسم الدين: بأن أخطاء بوش يتحملها هو ولا تتحملها (المسيحية) وان الكلام عن حرب صليبية أمر يجرح مشاعر (المسيحيين)!.

جدال ساخن حول تعريف الإرهاب والمقاومة

وفي الجلسة الأولى للمؤتمر التي عُقدت تحت عنوان "العنف والدفاع عن النفس"، حيث استنكر بعض الحضور التعريف الخاص بالإرهاب من وجهة نظر بعض الدول خاصة الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والأوروبية، مطالبين بتحديد مفهوم واضح وغير ملتبس للإرهاب وضرورة الفصل بين الإرهاب وبين المقاومة، باعتبار أن المقاومة مشروعة لأنها حق من حقوق الإنسان الأساسية في الدفاع عن النفس واستخدام القوة من أجل استرداد الأرض. لنسمع لِما برر به اليهود وأنصارهم إرهابهم:

 فقد ركز الحاخام شاييم سيدلر فيلر في كلمته على دوافع العنف، مؤكداً أنها القضية الأساسية التي تجب مناقشتها، موضحاً أنه يعتقد أن المصدر الأساسي للتوتر بين الأديان، من وجهة نظره، أن العنف يأتي من خلال القيام بتفسير النصوص المقدسة من خلال الموروث الثقافي والعادات والتقاليد التي تقدم تفسيرات خاطئة لهذه النصوص، والتي ربما يكون جزء منها يحمل حضاً على العنف واستخدام القوة! وطالب بترك التاريخ والحديث المستمر عنه والعيش في الوقت الحاضر وما يحدث على أرض الواقع، للوصول إلى نقاط اتفاق للآليات والأساليب التي يمكن من خلالها الوقوف في وجه استخدام العنف تحت غطاء الدين.

أما الحاخام اليهودي الفرنسي ميشيل سيرفاتي فقد قال: "إن الحوار بين الأديان لم يعد أولوية". وذلك لدى استعراضه تجربته في تأسيس الجمعية اليهودية الإسلامية مع رجال دين مسلمين .وحث على تجنيب الحوار الديني شواغل السياسة، ودعا للتركيز على إيجاد سبل للتقريب بين الشباب اليهودي والمسلم. وقال: "فلنجمع شبابنا معا لكي نبني ما هو مشترك". وأضاف: "لسنا مختصين في النزاع العربي (الإسرائيلي), نحن رجال دين والنزاع من اختصاص رجال السياسة". واختتم باقتراح يشدد على "العيش المشترك والبحث عن إمكانية تشكيل آراء الأجيال القادمة"!.

إنها دعوة إلى تحقيق ما فشلت في تحقيقه السياسة والاتفاقات السياسية، أي دعوة إلى التطبيع ودمج كيان العدو اليهودي في نسيجنا الوطني والقومي والديني الإسلامي! والقضاء على المقاومة بزعم أنها (إرهاب)، وبزعم أن ذلك هو دور رجال الدين.

وعقب رئيس جامعة الأزهر الدكتور أحمد محمد الطيب على ما قاله الحاخام شاييم سيدلر فيلر حول السياسة والتفسير الديني، بالدعوة إلى المقارنة بين سياسات وإرهاب دول وليس أفراد، مؤكداً أن ما جاء بالرئيس الأميركي جورج بوش ومن معه إلى العراق هو التفسير الديني الذي في ذهنه، وأن ما حصل ويحصل في فلسطين هو نتيجة تفسير لنصوص التوراة ليس إلا. متهماً ما تقوم به الكنيسة من عمليات تنصير مستغلة حاجة الفقراء المسلمين هو إرهاب وعمل غير مشروع. ووجه خطابه إلى الكنيسة قائلاً: إن ما يقرب من 14% فقط في أوروبا يؤمنون بالله. وتساءل: "أليس أولئك أولى بأن تعملوا على هدايتهم؟!.

مؤتمر واشنطن الصلاة من أجل السلام

وفي الأسبوع التالي لمؤتمر الدوحة السادس لحوار الأديان عُقد في واشنطن مؤتمر حوار أديان تحت شعار "مؤتمر الصلاة من أجل السلام"!

 كارن هيوز- مسئولة الدبلوماسية العامة: إن حوار هذه السنة يتعلق بتكسير الفجوة بيننا في التفاهم في مختلف معتقداتنا وأن ذلك يتطلب الشجاعة والمثابرة، في عالم اليوم ونحن نواجه أيدلوجيات متطرفة تريد استخدام الدين لتجزئة الناس وفرض الاستبداد عن طريق الإرهاب، الحوار أصبح مهمًا للغاية.

شان كوهين- كبير الحاخامات في حيفا: أن أهم رسالة نبعثها اليوم هي لا تحاولوا محاربة الإرهاب بسفك الدماء، احترموا قيمة الحياة وأحبوا الآخرين وأعتقد أن المحبة والصبر والتفاهم هي قيم ستنتصر في النهاية في الرد على الوضع المؤسف الذي يعيشه عالمنا الآن، حيث يُستخدم الدين كمصدر للإرهاب ومبرر للإرهاب وسفك الدماء، يجب أن نغير ذلك.

ديار مويد مارتن- مشارك من أيرلندا: بلا شك بسبب أشخاص مثل بن لادن نعتقد أن الحوار أصبح ضمن ما يمكن أن يسمى أجندة أمنية، هذا الشيء مهم.

وللأسف أنه لم يرد من المسلمين المشاركين في ذلك المؤتمر على زعم المتحدثين السابقين في تلميحهم واتهامهم صراحة للإسلام بأنه هو مصدر الإرهاب؛ إلا مشارك مسلم من الولايات المتحدة، هو وارث محمد، الذي قال: أعتقد أن اليهود مشكلة ينبغي أن تحل بالبدء من مصدرها وهي عدم فهم الإنسان لواقعه وواقع هذا العالم الذي نعيش فيه ويجب أن نُعد ذلك.

هكذا ستخدم أعداء الأمة تلك الحوارات المزعومة باسم (الأديان السماوية) من أجل تمرير مشاريعهم وخططهم التي تعجز القوة العسكرية والاحتلال والاتفاقيات السياسية على تمريرها.

مؤتمر حوار الأديان بمقر الأمم المتحدة بنيويورك بتاريخ 12ـ13 الجاري

أما هذا المؤتمر فلا علاقة له بالأديان، لأنه مؤتمر سياسي من الدرجة الأولى لا دور فيه لرجال الدين من أي دين. ومختصر الحديث عنه وعن مخاطره، يكفي الإشارة إلى أن:

دعوة (إسرائيل) للمشاركة في المؤتمر الذي تنظمه وتموله السعودية، وعلى مستوى رئيس كيان العدو اليهودي (شيمون بيريز)، ووزيرة خارجيته (تسيفي ليفني)، يعني ذلك اعتراف غير مباشر من الدول العربية والإسلامية المشاركة فيه بكيان العدو اليهودي، ويُعتبر دعوة للتطبيع والاعتراف به رسمياً في المستقبل؟! وسواء منحت السعودية الضوء الأخضر لدعوة (إسرائيل) إلى المؤتمر أو لم تمنحه؛ فإن مجرد موافقتها على حضور أكبر رجل في ذلك الكيان،  يعني اعتراف غير مباشر به، ودعوة للتطبيع معه. علماً أنها ألغت مشاركة الراب يسرائيل دافيد فايس زعيم حركة "ناتوري كارتا" المعادية للصهيونية، في المؤتمر السابق الذي عقد في مدريد وفي هذا المؤتمر، وكلا المؤتمرين بتمويلها.

وقد علقت صحيفة "يديعوت أحرونوت" اليهودية على ذلك بالقول: أن المستوى السياسي في (إسرائيل) ينظر إلى الدعوة بأهمية بالغة ويعتبرها دعوة تاريخية، لأنّ هذه هي المرة الأولى، وفق المصادر في (تل أبيب)، التي تقوم فيها المملكة العربية السعودية بتوجيه دعوة ل(إسرائيل) لحضور مؤتمر تنظمه وتموله!.

وما يزيد الشبهة حول تلك المؤتمرات أن ذلك المؤتمر يأتي في ضل مدح أمريكي لسياسة السعودية في محاربة ما يسمونه (الإرهاب)؟! فقد قال كتب روبرت ليسي مؤلف كتاب عن تاريخ السعودية: "من كان يفكر أنه بعد مرور سبعة فصول خريف بعد هجمات 11 سبتمبر سيكون العاهل السعودي محل ترحيب في مانهاتن ويشاد به كَمُلِهم بحوار عن التسامح الديني والسلام".

في شهر أكتوبر الماضي (2008) أصدرت المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية المعروفة (كارينجي للسلام الدولي) والتي يتردد أنها وثيقة الصلة بالموساد اليهودي، دراسة موسعة أشادت فيها بأداء ودور وزارة الداخلية السعودية في مقاومة ما سمته (الإرهاب الإسلامي). وأشارت الدراسة إلى دور وزارة الإعلام السعودية في مقاومة ذلك.

ويتردد أن تكلفة هذا المؤتمر ستصل إلي 750 مليون دولار بالإضافة لتبرعات أخرى قدمتها الدولة الراعية كمنح لا ترد لصالح لجان الأمم المتحدة التي تدعي اهتماماً بحقوق الإنسان وحوار الأديان.

ومن الجدير بالذكر أن علماء الدين السعوديون لم يظهروا دعما يذكر للمبادرات السعودية لتلك الحوارات، وأحجمت ثلاث شخصيات بارزة عن التعقيب عليها حين طلبت رويترز منهم ذلك. وأن مفتي عام السعودية الذي يمثل الآراء الرسمية للدولة في الشؤون الدينية لم يحضر المؤتمر الذي عُقد في اسبانيا وحضره حاخامون أمريكيون، ولا هذا المؤتمر.

لا يستقيم أبداً لا عقلاً أو شرعاً أن تعقد السعودية وتمول مثل هذه المؤتمرات في غياب أجندة واضحة للحقوق العربية والإسلامية ومطالبة صريحة بإنهاء الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان والاحتلال الصهيوني في فلسطين وسوريا ولبنان، بدون ذلك يصبح هذا الحوار ليس فحسب مضيعة للجهد والوقت والمال العربي المستباح في أيدي ملوك السعودية بل أيضاً يصبح أداة غير مباشرة لضرب الحقوق الإسلامية والعربية، إننا ممن يعتقدون أن ما يسمى بحوار الأديان علي هذا النسق السعودي مجرد نفاق رخيص إذ أنه مجرد حملة بالأموال العربية المنهوبة لتبيض وجه الأنظمة المستبدة التي تتحدث عن حوار للأديان بالنهار وفي الليل تفتي وتسجن وتقتل أتباع نفس الدين بل وأتباع نفس المذهب فضلاً عن المذاهب الأخرى.

لكن منتقدين رفضوا هذا الاجتماع باعتباره من قبيل أنشطة العلاقات العامة. وسعت السعودية إلى تحسين صورتها العالمية بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول 2001. فقد عُقدت ندوة "بمركز الحجاز" بالقاهرة، القائمين عليه سعوديين، تحت عنوان "حوار الأديان بين الضوابط والشروط: قراءة في التجربة السعودية"، أكد فيها الخبراء والعلماء أن الإسلام دين حوار وانفتاح مع الآخر، ولكن الغرب العدواني بمؤسساته وهيئاته التي يرتبط بعضها بابا الفاتيكان رسمياً، مارسوا قهراً وظلماً علي المسلمين تاريخياً تمثل في الاحتلال والعدوان طيلة مائتي عام منذ الحملة الفرنسية وحتى احتلال العراق وأفغانستان، ومن ثم أصبح ما يسمى (حوار الأديان) اليوم مجرد خدعة للمسلمين، خاصة أنه لا يتضمن أجندة سياسية للدفاع عن حقوقهم المغتصبة من قبل هذا الغرب العدواني، وأكد العلماء والخبراء أن هذه الخدعة تزداد وضوحاً مع التجربة السعودية في (حوار الأديان) والتي كان (مؤتمر مدريد لحوار الأديان) الذي عقد قبل شهور وبتمويل وإشراف سعودي، أحدث حلقاته، ففي هذه التجربة أضاع (آل سعود) حقوق المسلمين ولم يذكرها، ولم يطالبوا بانسحاب الدول الغربية المحتلة لبعض الأقطار الإسلامية بالخروج منها؟!.

ودعا العلماء ومقدمو الأوراق البحثية (أربعة أوراق) الأمة الإسلامية إلي (حوار مذاهب) أولاً قبل (حوار الأديان)، لأنه من غير السائغ شرعاً ومصلحة أن يتقاتل أو يتخاصم المسلمون فيما بينهم في الوقت الذي يدعون فيه إلي حوار مع المحتل الأجنبي، ومقاومتهم بكل قوة لدعوات (حوار الأديان).

وأكد الخبراء في الندوة أن (ملك السعودية) وإخوته من الأسرة السعودية اتخذوا من قضية (حوار الأديان) وسيلة لتبيض الوجه القبيح لمملكتهم التي اشتهرت عالمياً باعتبارها معمل تفريخ (الإرهاب والعنف) باسم الإسلام، وهو من المدرسة الوهابية التكفيرية براء، أراد الملك ونظامه أن يقدم للعالم الغربي صورة أخرى عنه وأنه من دعاة الحوار، لذا ذهب إلي مدريد وربما غداً يعقد مؤتمراً في مكة يحضره يهود وصهاينة كما كان الحال في مؤتمر مدريد سيء الذكر.

تجربة محمد عمارة في (حوار الأديان)

يقول الدكتور محمد عمارة في مقدمة كتيبه "مأزق المسيحية والعلمانية في أوروبا" (ص 5-14): (تجربتي مع الحوارات الدينية – وخاصة مع ممثلي النصرانية الغربية- تجربة سلبية، لا تبعث على رجاء آمال تُذكر من وراء هذه الحوارات التي تُقام لها الكثير من اللجان والمؤسسات، وتُعقد لها الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات، ويُنفق عليها الكثير من الأموال.

حــوار طـرشــان

وذلك أن كل هذه الحوارات التي دارت وتدور بين علماء الإسلام ومفكريه وبين ممثلي كنائس النصرانية الغربية، قد افتقدت ولا تزال مفتقدة لأول وأبسط وأهم شرط من شروط أي حوار من الحوارات؛ وهو شرط الاعتراف المتبادل والقبول المشترك بين أطراف الحوار، فالحوار إنما يدور بين "الذات" وبين "الآخر"؛ ومن ثم بين "الآخر" وبين "الذات"، ففيه إرسال وفيه استقبال، على أمل التفاعل بين الطرفين، فإذا دار الحوار -كما هو حاله الآن- بين طرف يعترف بالآخر، وآخر لا يعترف بمن "يحاوره"، كان حواراً مع "الذات"، وليس مع "الآخر"، ووقف عند "الإرسال" دون "الاستقبال"، ومن ثم يكون شبيهاً –في النتائج- بحوار الطرشان.

موقف الآخرين من الإسلام والمسلمين هو موقف الإنكار، وعدم الاعتراف أو القبول، فلا الإسلام في عرفهم دين سماوي، ولا رسوله صادق في رسالته، ولا كتابه وحي من السماء، حتى لتصل المفارقة في عالم الإسلام إلى حيث تعترف الأكثرية المسلمة بالأقليات غير المسلمة، في حين لا تعترف الأقليات بالأغلبية! فكيف يكون، وكيف يثمر حوار ديني بين طرفين، أحدهما يعترف بالآخر، ويقبل به طرفاً في إطار الدين السماوي، بينما الطرف الآخر يصنفنا كمجرد "واقع"، وليس كدين، بالمعنى السماوي لمصطلح الدين؟!.

ذلك هو الشرط الأول والضروري المفقود، وذلك هو السر في عقم كل الحوارات الدينية التي تمت وتتم رغم ما بُذل ويُبذل فيها من جهود، وأنفق ويُنفق عليها من أموال، ورُصد ويُرصد لها من إمكانات!

الحوار أحد مراحل التنصير

أما السبب الثاني لعزوفي عن المشاركة في الحوارات الدينية – التي أُدعى إليها- فهو معرفتي بالمقاصد الحقيقية للآخرين من وراء الحوار الديني مع المسلمين، فهم يريدون التعرّف على الإسلام، وهذا حقهم إن لم يكن واجبهم، لكن لا ليتعايشوا معه وفقاً لسنة التعددية في الملل والشرائع، وإنما ليحذفوه ويطووا صفحته بتنصير المسلمين!

وهم لا يريدون الحوار مع المسلمين بحثاً عن القواسم المشتركة حول القضايا الحياتية التي يمكن الاتفاق على حلول إيمانية لمشكلاتها، وإنما ليكرسوا – أو على الأقل يصمتوا- عن المظالم التي يكتوي المسلمون بنارها، والتي صنعتها وتصنعها الدوائر (الاستعمارية) التي كثيراً ما استخدمت هذا الآخر الديني في فرض هذه المظالم وتكريسها في عالم الإسلام. فحرمان كثير من الشعوب الإسلامية من حقها الفطري والطبيعي في تقرير المصير واغتصاب الأرض والسيادة في القدس وفلسطين والبوسنة والهرسك وكوسوفا والسنجق وكشمير والفلبين .. إلخ .. إلخ .. كلها أمور مسكوت عنها في مؤتمرات الحوار الديني.

بل إن وثائق مؤتمرات التدبير لتنصير المسلمين التي تتسابق في ميادينها كل الكنائس الغربية، تعترف – هذه الوثائق- بأن الحوار الديني – بالنسبة لهم ـ لا يعني التخلي عن "الجهود القسرية والواعية والمتعمدة والتكتيكية لجذب الناس من مجتمع ديني ما إلى آخر" بل ربما كان الحوار مرحلة من مراحل التنصير!.

وإذا كانت النصرانية الغربية تتوزعها كنيستان كبريان، الكاثوليكية، والبروتستانتية الإنجيلية، فإن فاتيكان الكاثوليكية - الذي أقام مؤسسات للحوار مع المسلمين، ودعا إلى كثير من مؤتمرات هذا الحوار- هو الذي رفع شعار: "إفريقيا نصرانية سنة 2000م"، فلما أزف الموعد، ولم يتحقق الوعد، مد أجل هذا الطمع إلى 2025م!!.

وهو الذي عقد مع الكيان الصهيوني المغتصب للقدس وفلسطين معاهدة في 30-12-1993م تحدثت عن العلاقة الفريدة بين الكاثوليكية وبين الشعب اليهودي، واعترفت بالأمر الواقع للاغتصاب، وأخذت كنائسها في القدس المحتلة تسجل نفسها وفقاً للقانون (الإسرائيلي) الذي ضم المدينة إلى (إسرائيل) سنة 1967م!!.

بل لقد ألزمت هذه المعاهدة كل الكنائس الكاثوليكية بما جاء فيها، أي أنها دعت وتدعو كل الملتزمين بسلطة الفاتيكان الدينية – حتى ولو كانوا مواطنين في وطن العروبة وعالم الإسلام- إلى خيانة قضاياهم الوطنية والقومية! وباسم هذه الكاثوليكية أعلن بابا الفاتيكان أن القدس هي الوطن الروحي لليهودية، وشعار الدولة اليهودية، بل وطلب الغفران من اليهود، وذلك بعد أن ظلت كنيسته قروناً متطاولة تبيع صكوك الغفران! في وقت لا يعترف فيه اليهود بالنصرانية، ورفض الاعتذار للمسلمين عما ارتكبه النصارى من مذابح ضدهم في الحروب الصليبية على الرغم من اعتراف المسلمين بالمسيح ورسالته؟ّ.

الإسلام نقيض النصرانية

أما الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية الغربية، فإنها هي التي فكرت ودبرت وقررت في وثائق مؤتمر كولورادو سنة 1978م: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية، وإن النظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعياً وسياسياً، إنه حركة دينية معادية للنصرانية، مخططة تخطيطاً يفوق قدرة البشر، ونحن بحاجة إلى مئات المراكز تؤسس حول العالم بواسطة النصارى، للتركيز على الإسلام ليس فقط لخلق فهم أفضل للإسلام وللتعامل النصراني مع الإسلام، وإنما لتوصيل ذلك الفهم إلى المنصِّرين من أجل اختراق الإسلام في صدق ودهاء"!
ولقد سلك هذا المخطط – في سبيل تحقيق الاختراق للإسلام، وتنصير المسلمين- كل السبل اللا أخلاقية- التي لا تليق بأهل أي دين من الأديان- فتحدثت مقررات هذا المؤتمر عن العمل على اجتذاب الكنائس الشرقية الوطنية إلى خيانة شعوبها، والضلوع في مخطط اختراق الإسلام والثقافة الإسلامية للشعوب التي هي جزء وطني أصيل فيها، فقالت وثائق هذه المقررات:

لقد وطّدنا العزم على العمل بالاعتماد المتبادل مع كل النصارى والكنائس الموجودة في العالم الإسلامي، إن النصارى البروتستانت في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، منهمكون بصورة عميقة ومؤثرة في عملية تنصير المسلمين. ويجب أن تخرج الكنائس القومية من عزلتها، وتقتحم بعزم جديد ثقافات ومجتمعات المسلمين الذين تسعى إلى تنصيرهم، وعلى المواطنين النصارى في البلدان الإسلامية وإرساليات التنصير الأجنبية العمل معاً، بروح تامة من أجل الاعتماد المتبادل والتعاون المشترك لتنصير المسلمين!.

فهم يريدون تحويل الأقليات الدينية في بلادنا إلى شركاء في هذا النشاط التنصيري، المعادي لشعوبهم وأمتهم!   كذلك قررت "بروتوكولات" هذا المؤتمر تدريب وتوظيف العمالة المدنية الأجنبية التي تعمل في البلاد الإسلامية لمحاربة الإسلام وتنصير المسلمين، وفي ذلك قالوا:

"إنه على الرغم من وجود منصرين بروتستانت من أمريكا الشمالية في الخارج أكثر من أي وقت مضى، فإن عدد الأمريكيين الفنيين الذين يعيشون فيما وراء البحار يفوق عدد المنصرين بأكثر من 100 إلى 1، وهؤلاء يمكنهم أيضاً أن يعملوا مع المنصرين جنباً إلى جنب لتنصير العالم الإسلامي، وخاصة في البلاد التي تمنع حكوماتها التنصير العلني!.

صناعة الكوارث للتنصير

كذلك دعت قرارات مؤتمر كولورادو إلى التركيز على أبناء المسلمين الذين يدرسون أو يعملون في البلاد الغربية، مستغلين عزلتهم عن المناخ الإسلامي لتحويلهم إلى "مزارع ومشاتل للنصرانية"، وذلك لإعادة غرسهم وغرس النصرانية في بلادهم عندما يعودون إليها، وعن ذلك قالوا:

"يتزايد باطراد عدد المسلمين الذين يسافرون إلى الغرب؛ ولأنهم يفتقرون إلى الدعم التقليدي الذي توفره المجتمعات الإسلامية، ويعيشون نمطاً من الحياة مختلفاً - في ظل الثقافة العلمانية والمادية- فإن عقيدة الغالبية العظمى منهم تتعرض للتأثر.

وإذا كانت "تربة" المسلمين في بلادهم هي بالنسبة للتنصير "أرض صلبة، ووعرة" فإن بالإمكان إيجاد مزارع خصبة بين المسلمين المشتتين خارج بلادهم، حيث يتم الزرع والسقي لعمل فعال عندما يعاد زرعهم ثانية في تربة أوطانهم كمنصرين"!

بل إن بروتوكولات هذا المؤتمر التنصيري لتبلغ قمة اللاأخلاقية عندما تقرر أن صناعة الكوارث في العالم الإسلامي هي السبيل لإفقاد المسلمين توازنهم الذي يسهل عملية تحولهم عن الإسلام إلى النصرانية! فتقول هذه البروتوكولات:

"لكي يكون هناك تحول إلى النصرانية، فلابد من وجود أزمات ومشاكل وعوامل تدفع الناس، أفراداً وجماعات، خارج حالة التوازن التي اعتادوها. وقد تأتي هذه الأمور على شكل عوامل طبيعية، كالفقر والمرض والكوارث والحروب، وقد تكون معنوية، كالتفرقة العنصرية، أو الوضع الاجتماعي المتدني. وفي غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة، فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية.

إن تقديم العون لذوي الحاجة قد أصبح عملاً مهماً في عملية التنصير! وإن إحدى معجزات عصرنا أن احتياجات كثير من المجتمعات الإسلامية قد بدلت موقف حكوماتها التي كانت تناهض العمل التنصيري ؛ فأصبحت أكثر تقبلا للنصارى!.

فهم –رغم مسوح رجال الدين- يسعون إلى صنع الكوارث في بلادنا، ليختل توازن المسلمين، وذلك حتى يبيعوا إسلامهم لقاء مأوى أو كسرة خبز أو جرعة دواء! وفيما حدث ويحدث لضحايا المجاعات والحروب الأهلية والتطهير العرقي –في البلاد الإسلامية- التطبيق العملي لهذا الذي قررته البروتوكولات، فهل يمكن أن يكون هناك حوار حقيقي ومثمر مع هؤلاء؟!

تلك بعض من الأسباب التي جعلتني متحفظاً على دعوات ومؤتمرات وندوات الحوار بين الإسلام والنصرانية الغربية، وهي أسباب دعمتها وأكدتها "تجارب حوارية" مارستها في لقاء تم في "قبرص" أواخر سبعينيات القرن العشرين، ووجدت يومها أن الكنيسة الأمريكية –التي ترعى هذا الحوار وتنفق عليه- قد اتخذت من إحدى القلاع التي بناها الصليبيون إبان حروبهم ضد المسلمين، "قاعدة" ومقراً لإدارة هذا الحوار؟!

ومؤتمر آخر للحوار حضرته في عمّان –بإطار المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية- مع الكنيسة الكاثوليكية في الثمانينيات وفيه حاولنا –عبثاً- انتزاع كلمة منهم تناصر قضايانا العادلة في القدس وفلسطين، فذهبت جهودنا أدراج الرياح! على حين كانوا يدعوننا إلى "علمنة" العالم الإسلامي لطي صفحة الإسلام كمنهاج للحياة الدنيا، تمهيداً لطي صفحته –بالتنصير- كمنهاج للحياة الآخرة!

ومنذ ذلك التاريخ عزمت على الإعراض عن حضور "مسارح" هذا "الحوار"! . انتهى كلام الدكتور عمارة.

 

الخاتمة والمستخلصات

 

يمكننا أن نخرج من الدراسة ببعض النتائج والمستخلصات التي أرى واجب الانتباه لها وضرورة الأخذ بها، قدر المستطاع عند تناول موضوعاتها بالكتابة أو المناقشة أو البحث. منها:

1ـ عند النقل عن كتاب (التوراة) المحرف يجب النقل عنه بتحفظ شديد جداً، وعدم التعامل معه على أنه كتاب سماوي ووحي منَّزل من الله تعالى على سيدنا موسى عليه السلام، بعد أن طعن فيه جميع علماء اللغة والآثار والتاريخ، وأثبتت الاكتشافات العلمية الحديثة عدم صحة خرافاته، وأن ما ورد فيه عن خلق الكون وغيره من المعلومات العلمية المختلفة ما هي إلا أساطير كانت شائعة آنذاك، وليست وحياً إلهياً من الله تعالى، وذلك ما يؤكد عدم صحته.

2ـ عند التعرض لذكر الديانة اليهودية يجب عدم اعتبارها ديانة أو رسالة سماوية من الله، والتي أنزلها الله تعالى على سيدنا موسى، ولكن اعتبارها والتعامل معها على أنها ديانة وثنية من صنع البشر، مثلها مثل أي ديانة وثنية من ديانات البشر.

3ـ كما أن (يهوه) إله اليهود هو إله خاص بهم وحدهم من دون كل البشر وليس إلهاً عالمياً، أو الله الذي دعا إلى عبادته جميع أنبياء بني إسرائيل، فضلاً عن أنه (إيل) الإله (كنعاني) الذي سطا عليه كتبة التوراة أيام السبي البابلي، وأصبغوا عليه صفاتهم وطباعهم الشريرة التي تجافي الفطرة الإنسانية، وأسموه (يهوه)، الذي يرجع البعض أنه الإله الأنثى أو المخنث عند الفرس.

4ـ يجب أن يستحضر الكاتب أو القارئ عند ذكر (يهوه) إله اليهود، أنه ليس ذلك الإله الذي حاول أن يصوره اليهود للعالم على أنه إله لا يمكن وصفه أو تحديده ...إلخ، كما فهم معظم علماء الآثار واللاهوت الغربيين، من أن الديانة اليهودية ديانة توحيدية، لا! ولكن فكرة التوحيد التي أخذ بها اليهود عن (الكنعانيين) هي توحيد الآلهة في إله واحد، أي فكرة تغليب إله على بقية الآلهة، وليست الوحدانية التي دعا لها أنبياء وسل بني إسرائيل. كما انه تبين أن (يهوه) إله اليهود مثله مثل بقية آلهة (الكنعانيين) له زوجة وأبناء.

5ـ وعند حديثنا عن عالمية العهد لسيدنا نوح عليه السلام في ا لتوراة؛ يجب أن ندرك أنه كان عهداَ أبدياً عالمياً لجميع ذريته من جميع أبنائه ومِمَنْ نجو معه في السفينة، أي لجميع البشرية وليس لذرية سام بن نوح فقط، على حساب بقية إخوته وحقهم هم وذرية مَنْ نجوا مع نوح في السفينة. كما أن رواية التوراة عن أصل الأجناس أنهم من أبناء نوح فقط رواية ذات توجهات ومضامين سياسية وعنصرية، وليست إلا خرافة وأسطورة من ضمن آلاف الخرافات والأساطير التي كانت منتشرة في وطننا في تلك العصور، وأنها تخالف صريح القرآن، وتكذبها الحقائق العلمية الثابتة.

 كما أن النصوص التي وردت في التوراة عن عالمية الوعد لسيدنا إبراهيم ولأنبياء بني إسرائيل ليست خاصة باليهود وحدهم من بين الأمم والشعوب الأخرى، ولكنها عامة وخاصة بجماعة المؤمنين في أي زمان، وأن الخاص باليهود قد سبق أن تحقق لهم بالعودة من السبي البابلي، وما بعد ذلك ليس هم المقصودين به، وإننا بعد مراجعتها وما قاله علماء اللاهوت الغربيين حولها، يمكننا أن نقول بكل ثقة: أننا نحن ونحن فقط المسلمون المقصودون بها دون غيرنا من أتباع الرسالات السماوية.

7ـ أن من أشد الأخطاء التي وقع فيها المؤرخون المسلمون والعرب قديماً وحديثاً، وترتب عليها كثير من المفاهيم والمصطلحات والمعلومات الخاطئة، هو: أنهم سمحوا لأنفسهم تجاوز ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث (كذب النسابون)، ونقلوا عن التوراة ما هب ودب من أنساب، ووثقوها وعمومها واستخلصوا منها العبر، وصنفوا على أساسها العرب، وغير ذلك مما هو شائع اليوم عندنا كمسلمات وبدهيات في التاريخ وأصول القبائل وأجناس البشرية. لذلك يجب علينا أن نعيد كتابة وصياغة تلك الأخطاء بما يتوافق وحديث رسول الله (كذب النسابون)، وألا نتجاوز ذلك، وأن نعيد تقييم ما سبق كتابته وتصحيح مستخلصاته ونتائجه.

8ـ كما أن محاولة علماء التفسير المسلمين والمؤرخين أيضاً التوفيق بين روايات التوراة عن أن أصل الجنس البشري بعد الطوفان وأنه يرجع إلى أبناء سيدنا نوح الثلاثة الذين وحدهم مَنْ نجا من الغرق، على الرغم من أن صريح القرآن يُكذب تلك الرواية ـ كما قدمناـ وبين الحديث المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن (سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم)، فقطعوا نسل جميع ذرية مَنْ نجا مع نوح، وابقوا فقط على ذرية أبناء نوح الثلاثة، ليوافق ذلك رواية التوراة المخالفة لصريح القرآن، والحديث المُضعف. لذلك علينا أن نصحح تلك الرؤية والأخطاء التاريخية من خلال تقديم الرؤية القرآنية التي تثبت كذب رؤية التوراة حول سيدنا نوح و أبنائه وذريته، وأن أصل البشرية لا يقتصر على ذريته، وإنما يمتد إلى ذرية الناجين معه في السفينة من الغرق بالطوفان.

9ـ كما علينا أن نعيد النظر في مصطلحات مثل العرب (البائدة والعاربة والمستعربة) لأن تلك المسميات هي إحدى نتائج الدراسات العربية القديمة التي نقلت أنساب القبائل العربية عن التوراة، فكانت النتيجة أنهم أقروا بما أراد كتبة التوراة أن يوصلوه للعالم، ومن أنه انقرض نسل جميع ذرية إخوة أرفخشذ بن سام، ولم يبقَ منهم أحد غير اليهود من ذرية أرفخشذ، وذلك لأنهم هم وحدهم الموعود بالربكة والسيادة العالمية، لن تلك الأنساب غير صحيحة، ولأن القبائل العربية التي اعتبرها المؤرخين المسلمين عرب بائدة، لم تبيد ولكن تواصل نسلها وتكاثر فيمن نجا منهم مع أنبياء الله تعالى، إلا إذا كان أنبياء الله ومَنْ نجا معهم مثل مَنْ آمن ونجا مع نوح كانوا لا ينجبون، لذلك انقرضت ذريتهم ولم يبقى إلا ذرية أبناء نوح فقط! فالعرب هم العرب لا (بائدة) ولا (عاربة) ولا (مستعربة)، كما أنه على المؤرخين العرب أن يأخذا بالدليل من السنة الذي يرفع نسبه إلى إسماعيل وليس عابر كما يفعل أولئك المؤرخين دون دليل قوي على ذلك، غير تأول اسم (يقطن)، الذي تزعم التوراة أنه انقرضت ذريته بموته، وتعريبه باسم قحطان، أو القول أن التوراة أسقطت اسم قحطان ولم تذكره، وأنه ابن عابر! ذلك كلام ليس علمي ولا موضوعي ولا تاريخي.

10ـ إن الله تعالى أخبرنا عن جميع أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام أنه قد اصطفاهم من ذرية نوح وإبراهيم، وأن تلك الذرية متواصلة ولم تنقطع (ذرية بعضها من بعض)، ذلك يُجب علينا أن نأخذ بأنساب التوراة، وألا نعتقد بعرب بائدة، لأن العرب البائدة حلقة من حلقات الاصطفاء الإلهي بالرسالة والنبوة في نسلهم من نبيي الله هود وصالح، فلو انقرضوا وبادت قبائلهم فذلك يعن يأته انقطع النسل فيهم، وذلك يستحيل تصديقه أو الاعتقاد بصحته، لأنه يعارض صريح القرآن الكريم.

11ـ وعلى ذلك فإن سيدنا إبراهيم من أصل عربي وليس أعجمي أو عروبته ثانوية، وأن سيدنا إسماعيل أخذ عروبته عن والده، ولم يكتسبها كما يقول مؤرخينا من خلال مصاهرته لقبيلة جرهم العربية اليمنية، التي هي من نسل قحطان أصل العرب العاربة.ى فمثل تلك المفاهيم خاطئ جداً، لأن رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما مر معنا في الحديث اعتبر أنبياء الله تعالى هود وصالح عرباً، وما دامت هي ذرية بعضها من بعض، ولم يذكر اسم نبي أو رسول مرسل بعدهما غير سيدنا إبراهيم، فمعنى ذلك أن إبراهيم عليه السلام عربياً، وان ابنه إسماعيل عربياً كذلك.

12ـ إن الواجب الإسلامي والقومي والموضوعية والحيادية العلمية تفرض علينا أن نعيد النظر في كل ما قدمه لنا علماء الآثار، وما يسمى بعلماء (الشعوب واللغات السامية). لأنه لم يعد خافياً على الكثيرين في وطنتا والعالم، أن تلك العلوم هي صدى لخرافات التوراة المحرفة، وأن مَنْ يزعمون أنهم علماء (الساميات) ما هم إلا مجموعة من المتعصبين دينياً للتوراة وخرافاتها، والصهيونية ومزاعمها في وطننا، أو من العلماء المأجورين المرتزقة الذين اشتراهم اليهود وسخروهم لخدمة أهدافهم الصهيونية من خلال ما يسمى علم الآثار، أو البحث عن (جغرافية التوراة)، ولذلك هم زيفوا زوروا تاريخ وطننا القديم، وكتبوا لنا في الغالب تاريخ بعيد كل البُعد عن حقيقة ما جرى في الأزمان القديمة من كتابة البشر، لخدمة أهداف وتوجهات سياسية بعينها. لذلك علينا من أجل مصلحة الأمة والوطن أن نعيد تمحيصها وغربلتها وكتابتها برؤية معرفية إسلامية وعربية لا غربية ويهودية توراتية.

13ـ إن كذبة أن اللغة العربية هي أقرب اللغات إلى اللغة السامية القديمة، التي كانت لغة سام بن نوح والشعوب السامية الأولى قبل أن تتفرق تبلبل ألسنتها كما تزعم رواية التوراة المحرفة، وأن اللغة العبرية الحالية هي أقرب اللغات إلى اللغة العربية، ذلك يعني أن اللغة العبرية الحالية والناطقين بها تعتبر من أقدم اللغات والشعوب، مثلها مثل اللغة العربية، العريقة الجذور والتاريخ، وأنها ند للغة العربية في أصلها السامي، ما يصبغ الشرعية على اليهود وزعمهم برفه نسبهم إلى سام بن نوح، وعلى مزاعمهم بالحق الإلهي في السيادة العالمية وفلسطين وغيره. في الوقت الذي يعلم فيه علماء ما يسمى (اللغات السامية)، أن اللغة العبرية الحالية ليست هي نفسها تلك اللغة (الكنعانية) القديمة، التي تعلمها بني إسرائيل عند دخولهم فلسطين بعد خروجهم من مصر من (الكنعانيين)، ونسبها علماء الآثار التوراتيين و(اللغات السامية) المزعومين إلى اليهود، وسموها اللغة العبرية، وأن اللغة العبرية الحالية هي خليط من اللغة العبرية القديمة (الكنعانية)، والعربية واللغات الأوروبية الحديثة. لذلك يجب أن تنتهي تلك الأكاذيب وأن تصحح الحقائق والمفاهيم.

14ـ لذلك آن أوان تصحيح كثير من المصطلحات والأسماء التي نستخدمها كحقائق تاريخية مسلم بها، وتسليط الضوء عليها وتقديمها في صياغة تاريخية جديدة، تصحح عند الأجيال القادمة ذلك الخطأ الذي علق في أذهان أسلافهم، لأنه كما تقدم أن ذلك الخلط والتزوير لحقيقة أصل تلك الأسماء تم عن عمد من علماء الآثار التوراتيين، لأنهم استقوها من أنساب وخرافات التوراة، وكان لا بد لهم أن يصبغوا عليها الصبغة العلمية، حتى تشيع وتصبح مقبولة وحقائق تاريخية مسلمة عند العالم أجمع، وخاصة أبناء وطننا، لذلك وجب علينا أن نعيد تصحيح تلك الأسماء والمصطلحات مثل (السامية ، الكنعانية، الفينيقية، العبرو والعبيرو) وغيرها. وكذلك منها فرعون موسى، وأنه فرعون واحد فقط هو (رمسيس الثاني)، وليس أم أكثر من فرعون كما زعم علماء الآثار ليوافقوا روايات التوراة وخروج بني إسرائيل من مصر.

15ـ كما أننا يجب علينا أن نتحفظ على كل محاولات العدو اليهودي ـ الغربي لاختراق الأمة تحت مسميات مختلفة، آخرها ما يزعمون أنه (حوار الأديان السماوية)! تلك الحوارات التي علينا أن نرفضها ونقاومها، لأنه كما تبين معنا أنه لا يوجد غير دين سماوي واحد، وأن تلك المسماة خطأ (أديان سماوية) إنما كانت في أصولها ومصدرها الأول رسالات أو شرائع سماوية، والآن قد أصبحت ديانات وثنية وضعية لا علاقة لها بما هو سماوي، ولكنهم يحاولون إضفاء الشرعية عليها من خلال نسبتها إلى السماوية، ويحاولون من خلال خداع وتضليل الجهلة والبسطاء وعملائهم والانتهازيين في أبناء جلدتنا تحقيق اختراق في الأمة، لتدمير قيمنا وأخلاقنا ومقومات وجودنا.


·        سنعتمد في التفاسير كتب التفسير التالية، لذلك لا داعي لتكرار إثباتها في الهوامش:

1ـ تفسير القرآن العظيم: ابن جرير الطبري، عدد المجلدات 30، دار المعرفة، 1990.

2 ـ ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن، عدد المجلدات (8)، دار إحياء التراث العربي، بيروت/ 1995.

3 ـ تفسير القرآن: أبو عبد الله القرطبي، دار الكتب العلمية.

4 ـ  تفسير القرآن للألوسي البغدادي، عدد المجلدات (30)، دار إحياء التراث العربي.

5 ـ إسماعيل البروسوي: روح البيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، 1985،

[1] عبد المجيد ههمّو: التوراة من كتبها وكيف ـ وما موقف العلماء منها؟، سلسلة مصادر التوراة (1)، دار غار حراء، دمشق، ص 17.

  * يميل جمهرة من العلماء إلى ترجيح خروج بني إسرائيل من مصر في الأيام الأولى لعهد مرنبتاخ (منفتاخ). وهذا الأقرب للصحة حسب رأينا أن خروج بني إسرائيل هو الحد الفاصل بين غرق » رمسيس الثاني «وتولي مرنبتاخ. وبناء عليه يكون خروج بني إسرائيل في الفترة ما بين 1235 إلى 1223ق.م. وقد جاء في التوراة أن سيدنا موسى عليه السلام قد عاش 120 سنة، فيكون ميلاده في نهايات القرن الرابع عشر ق.م. المؤلف.

[2] أنور الجندي، الإسلام والفلسفات القديمة، دار الاعتصام-القاهرة، ص27.

[3] الإمام المهتدي السموأل بن يحيى المغربي، إفحام اليهود وقصة إسلام سموأل ورؤياه النبي، تعليق وتحقيق وتقديم الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي ـ دار الهداية –القاهرة، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م، يراجع من ص 135-139.

[4] ول ديورانت، قصة الحضارة-الشرق الأدنى، ترجمة محمد بدران، المجلد الأول-الجزء الثاني، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ص27.

[5] السيد أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الحادية عشر، 1978م، ص191.

[6] أنور الجندي، مرجع سابق، ص38-39.

[7] أحمد سوسة "دكتور": العرب واليهود في التاريخ، العربي للإعلان والنشر والطباعة والتوزيع، دمشق، الطبعة الثامنة، ص 274.

[8] عبد المجيد ههمّو: التوراة من كتبها وكيف، مرجع سابق، ص 36.

[9] بنيامين فريدمان، التوراة تاريخها وغاياتها، ترجمة وتعليق سهيل ديب، دار النفائس-الطبعة الثانية، 1977م، ص17.

[10] رجاء جارودي، فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة وتعليق وتقديم الدكتور عبد الصبور شاهين، مكتبة دار التراث،  ص92.

[11] سعد زغلول عبد الحميد "دكتور" في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت. (بلا تاريخ)، ص 112-120.

[12]  عبد المجيد ههمّو: هل اليهودية ديانة سماوية، سلسلة مصادر التوراة (7)، دار غار حراء، دمشق، ص 945.

[13]  بنيامين فريدمان، التوراة تاريخها وغاياتها، مرجع سابق، ص 79 ، 80.

[14] المرجع السابق، ص80 ، 81.

[15] عبد الحميد زايد، الشرق الخالد مقدمة في تاريخ وحضارة الشرق الأدنى من أقدم العصور حتى عام 323 ق. م، دار النهضة العربية، القاهرة، ص405.

[16] عبد المجيد ههمّو: الكنعانيون والتوراة المحرفة، سلسلة مصادر التوراة (3)، دار غار حراء، دمشق، ص 255.

[17] المرجع السابق، ص46.

[18]  ول ديورانت، قصة الحضارة-الشرق الأدنى، المجلد الأول-الجزء الثاني، مرجع سابق، ص34.

[19]  أنور الجندي، مرجع سابق، ص38.

[20] عبد المجيد ههمّو: هل اليهودية ديانة سماوية، مرجع سابق، ص 901.

[21] إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود، ترجمة:حسن خضر، القاهرة، سيناء للنشر، الطبعة الأولى، 1994، ص50ـ52.

[22]  عبد المجيد ههمّو: الكنعانيون والتوراة المحرفة، مرجع سابق، ص 351 ـ 252.