ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 30/12/2009


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

كتب

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


مفاهيم ومصطلحات توراتية شائعة يجب تصحيحها

مصطفى إنشاصي

في الحقيقة يسوؤني كثيراً أن أقرأ بعد تلك العقود الطويلة من الكشف عن كثير من الآثار والحقائق التاريخية في وطننا معلومات باعتقادي أنها خاطئة، نقلها لنا علماء الآثار العرب والمسلمين عن علماء الآثار الغربيين كما هي دون تمحيص أو حتى مراجعة وتدقيق ليكتشفوا ليس أنها فقط تخالف الحقائق القرآنية؛ ولكنها في الوقت نفسه تتناقض مع بعضها في بعض الأحيان. والسبب في ذلك أن البعض منهم اعتبر التوراة المحرفة والمزورة كتاباً دينياً (سماوياً) وليس من كتابة البشر، والبعض اعتبره مصدراً تاريخياً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في التوثيق لتاريخ البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام، على الرغم من أنه لا يوجد دليل آثاري أو تاريخي يؤكد صحة ما جاء فيها، بل العكس الصحيح، فلقد أثبتت الدراسات النقدية اللغوية والتاريخية وعلم الأديان، أن التوراة كتاب غير موثوق لا دينياً ولا تاريخياً ولا أنثروبولوجياً، وذلك لأنه كُتب في عهد متأخر عن زمن سيدنا موسى على أيدي كتبة يهود، أودعوا فيه جميع خرافات وأساطير الأقوام التي عاشت في العالم القديم التي ثبت عدم صحتها، ونسبوها إلى إلههم الخاص "يهوه"، وهو إله خاص بهم من دون كل البشر، وهو إله غير آلهة البشر الأخرى، كما أضافوا إليها جميع عقدهم النفسية ضد البشرية، وحشوا فيه كل اتجاهاتهم وتوجهاتهم السياسية المستقبلية إلى نهاية الكون، حول فلسطين والسيطرة على العالم، وجعلوا منها كتاب ديني موحى به من الله إلى أنبياء بني إسرائيل؟!

والبعض لم يُعر أي اهتمام لمسألة إن كان التوراة ككتاب ديني دخل عليه من التحريف والتزوير ما أخرجه عن سماويته، وحوله إلى كتاب من وضع البشر. أو إن كان يمكن الوثوق به كمصدر تاريخي خالي من الأساطير والخرافات والأهواء البشرية، ونقل منه ما هب ودب وكأنها حقائق تاريخية صحيحة لا ترقى إلى الشك وبنى عليها كثير من استنتاجاته عن الأحداث التاريخية التي استشهد عليها منه. على الرغم من علم الكثير مِمَنْ ينقل عن التوراة أنها كتبت بعد القرن الخامس قبل الميلاد في أيام السبي البابلي. وقد زيد عليه بعد ذلك حسب كل مرحلة إلى أن أخذ شكله الحالي.

فالتوراة لم يكن وحياً كما يدعي اليهود وعلماء اللاهوت النصارى الذين يقدمونه إلى المؤمنين به وغيرهم على أنه وحي من الله تعالى. لذلك جاء محتوياً على كثير من المتناقضات في رواياته حول الأحداث التاريخية وتاريخ الشعوب القديمة التي عرض لها، لأنه لم يكن شاهداً عليها. وجاء مخالفاً لأغلب الحقائق العلمية والجغرافية والفلكية وغيرها مما أصبح مسلمات علمية في هذا العصر. ومع ذلك مازال يؤمن به النصارى. أضف إلى ذلك أننا مسلمون وأن المولى جل وعلا قد أخبرنا في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن التوراة زُورت وحُرفت وأنها كتبت بأيدي أحبارهم. فلن نؤمن بما جاء فيها إلا بما يتوافق والقرآن الكريم فقط.

 كما أنهم بالإضافة إلى اعتمادهم التوراة المحرفة مصدراً تاريخياً موثوقاً فإنهم اعتمدوا على آراء علماء الآثار الغربيين، علماً أن أكثرهم اعتمدوا التوراة كأساس لدراساتهم الأثرية، وحاولوا تفسير المكتشفات بما يتفق وما جاء في التوراة، لذلك زيفوا كثير من الحقائق التاريخية لتخدم ادعاء اليهود بحقهم الديني والتاريخي في فلسطين والأرض من الفرات إلى النيل. أو وقعوا في سوء فهم بعض الأحداث التي جاءت غير متوافقة مع ما جاء في التوراة، فأولها تأويلات أفقدتها العلمية والموضوعية، وأصبحت أحداث ومعلومات تاريخية مزيفة. أضف إلى ذلك أن أغلب علماء الآثار من النصارى أي المؤمنين بحرفية ما جاء في التوراة مثل البروتستانت أو المؤمنين به ككتاب تاريخي ومقدمة لبعث المسيح، ومنهم من سخره اليهود لخدمة أهدافهم والمشروع اليهودي ـ الصليبي لتمزيق جسد امتنا الإسلامية ووحدة وطننا، وتشويه حقيقة تاريخ المنطقة. كما أننا من مطالعتنا لبعض ما كتبه علماء الآثار من المسلمين وجدنا أنهم ساروا إلى حد كبير على نفس المنهج الغربي في تناول كثير من الأحداث التاريخية، وخاصة ما يتعلق منها بعقيدة التوحيد، وأصول وأنساب البشرية والقبائل العربية الأصل، ومثل قصة الخروج وهلاك فرعون موسى عليه السلام وغيرها من الأحداث التاريخية التي تتعارض وصريح القرآن الكريم. ولأننا نريد أن نقدم رؤية تاريخية صحيحة لتاريخ الصراع وأحداثه اعتمدنا القرآن الكريم مرجعاً فيما يتعلق بتاريخ سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل.

تلك كانت جزء من مقدمة كتاب لم يرى النور منذ ثمانينيات القرن الماضي، حاولت فيه تصحيح كثير من المعلومات المغلوطة عن الصراع مع الغرب اليهودي ـ الصليبي، وقد بدأته بالبعد التاريخي الذي هالني ما وجدت فيه من أخطاء ومعلومات تاريخية ليست دقيقة للأسباب السابق ذكرها. ولأني أعشق التاريخ تجدني كلما وقع بصري على عنوان مقالة أو بحث له علاقة بتاريخ فلسطين والقدس في الفترة الأخيرة في المواقع الالكترونية سارعت لقراءته، وفي كل مرة تصدمني تلك المعلومات والأحداث التاريخية غير الصحيحة التي مازال كتابنا ومفكرينا يرددونها، في الوقت الذي تستحق منا فيه التوقف معها، وإعادة النظر فيها في ظل المتغيرات ومستجدات الواقع، أرى أنه يجب أن الفت الانتباه لها لأنها في اعتقادي أنها خاطئة تاريخياً.

المقدمة المنهجية

بعد تلك التوطئة السريعة لا بد لنا أن نعرض للمقدمة المنهجية بشكل علمي أكاديمي على النحو التالي:

أولاً: دواعي ومبررات اختيار الموضوع:

1ـ لقد ثبت علمياً وتاريخياً أن التوراة المُحرفة التي بين أيدينا كتاب من صياغة البشر وليس الوحي الذي أوحي به إلى سيدنا موسى عليه السلام. كما أنه ثبت أن الديانة اليهودية الحالية التي يدين بها أتباعها من اليهود، هي ديانة وثنية، وليست الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا موسى. إضافة إلى ذلك؛ أن الإله الذي يعبده اليهود حالياً (يهوه)، هو خاص باليهود وحدهم وليس إلهاً لجميع البشر، كما ثبت أنه إله (كنعاني) سطا عليه اليهود وأكسبوه الصفات التي تتناسب وطباعهم الشريرة، وفي الوقت نفسه جعلوا له زوجة وأبناء مثل بقية الآلهة (الكنعانية). وقد ثبت أن العهد وجميع الوعود التي منحها الرب لأنبياء التوراة لا تخص اليهود وحدهم من ذرية سام بن نوح، ولكنها عالمية تخص جماعة المؤمنين عند بعض علماء اللاهوت النصارى، وأنها تخص أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندنا نحن المسلمون، ومن خلالنا تتحقق في جميع البشر.

2ـ إن القرآن الكريم كذب صحة تلك الأنساب التي وردت في التوراة عن أصل البشرية، من لدن آدم عليه السلام، واختزلها كتبة التوراة المحرفة في ذرية سيدنا نوح عليه السلام، وأبنائه الثلاثة (سام وحام ويافث). ولأن العلماء والمؤرخين المسلمين قديماً وحديثاً لم يأخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كذب النسابون) ـ كما سيأتي معنا ـ عندما أخذوا بأنساب التوراة وقسموا العرب إلى عرب بائدة وعاربة ومستعربة، وأبادوا معظم ذرية أبناء سام بن نوح الذي وعده (يهوه) بالبركة والسيادة العالمية هو وذريته بحسب رواية التوراة، فقد وقعوا في الشرك الذي أعده كتبة التوراة المحرفة، واعتبروا معظم العرب من ذرية إخوة أرفخشذ بن سام بن نوح عرب بائدة، ولم يبقَ من ذرية سام إلا ذرية أرفخشذ فقط، ورفضوا في الوقت نفسه الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في رفع نسب قحطان، أبو القبائل اليمينية إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وأخذوا برواية التوراة ورفعوا نسبه إلى عابر حفيد أرفخشذ، تأولاً لسم يقطن الوارد في التوراة، علماً أن التوراة أبادت يقطن وذريته.

3ـ تبين من خلال كثير من المتناقضات التاريخية التي كشف عنها علماء الآثار الغربيين في وطننا، لتوافق وما ورد من روايات تاريخية خرافية وأسطورية في التوراة، ونقلها عنهم المؤرخين وعلماء الآثار المسلمين والعرب، تبين عدم صحتها، وعدم صحة كثير مما وضعه علماء الآثار الغربيين ومَنْ يزعمون أنهم علماء (الشعوب واللغات السامية)، وما انبثق عنها كثير من المصطلحات والمفاهيم التي أصبحت مسلمات وبدهيات علمية وتاريخية عندنا، تبين أنها كلها وضعت لخدمة أهداف الصهيونية واليهودية العالمية في وطننا، ولضرب كل تطلعات الأمة للوحدة والنهضة واستعادة دورها الرسالي والحضاري العالمي. لذلك فنحن نتداول مصطلحات ومفاهيم وأحداث تاريخية على أنها حقائق دون أن نلتفت إلى خطورتها.

ثانياً: الهدف من الدراسة:

لذلك تهدف الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الغايات والأغراض والأهداف التي نرى أنها تهم مستقبل الأمة ومصلحتها العامة، منها:

1ـ تصحيح مفاهيم شائعة بين المثقفين والعامة تخدم في النهاية الأهداف والغايات الغربية والصهيونية في وطننا وضد أمتنا وديننا.

2ـ إبراز الأدلة والبراهين التي تؤكد خطأ تلك المصطلحات والمفاهيم، وعدم صحة تلك التي تسمى حقائق تاريخية وهي ليست كذلك.

3ـ التوصل إلى رؤية منهجية إسلامية لمعالجة ذلك الموضوع، بما يسهم في تأسيس منظور معرفي جديد لقراءة ما هو متاح من دراسات في هذا الصدد.

ثالثاُ منهجية الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي للوصول على نتائج علمية دقيقة، من خلال تناول النقاط التالية:

القسم الأول

المبحث الأول: اليهودية بين ما هو سماوي وما هو بشري ووثني. وسنتناول فيه:

1ـ هل التوراة هي حقاً كتاب سماوي أم كتاب من وضع البشر؟.

2ـ اليهودية ديانة وثنية.

3ـ إله اليهود (كنعاني).

4ـ إله اليهود له زوجة وأبناء.

5ـ عالمية العهد لنوح وأصل الأجناس في التوراة.

6ـ عالمية الوعد لسيدنا إبراهيم في التوراة والمسلمون هم المقصودين به.

المبحث الثاني: أصل البشرية بين رؤية التوراة ورؤية القرآن. وسنتناول فيه:

1ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كذب النسابون).

2ـ القرآن الكريم يثبت عكس ما ترويه التوراة حول سيدنا نوح و أبنائه وذريته، وأن أصل البشرية لا يقتصر على ذريته، وإنما يمتد إلى ذرية الناجين معه في السفينة من الغرق بالطوفان.

3ـ حديث سام بن نوح أبا العرب.

4ـ أصل العرب وحقيقة مفاهيم العرب البائدة والعاربة والمستعربة. هل هناك فعلاً عرب بائدة حقاً كما يزعم القائلين بذلك؟.

5ـ ذرية بعضها من بعض.

6ـ عروبة سيدنا إبراهيم.

القسم الثاني

المبحث الثالث: حقيقة الشعوب واللغات السامية. وسنتناول فيه:

1ـ علماء الآثار وحقيقة الشعوب واللغات السامية.

2ـ العبرية الحالية ليست العبرية القديمة، لغة (الكنعانيين).

3ـ واجب تصحيح الأسماء وتسليط الضوء على مدى صحة بعض المصطلحات والأسماء، مثل (السامية ، الكنعانية، الفينيقية، العبرو والعبيرو).

4ـ فرعون موسى؛ هل هو فرعون واحد أم أكثر من فرعون كما يزعم علماء الآثار ليوافقوا روايات التوراة وخروج بني إسرائيل من مصر؟.

 

القسم الأول

المبحث الأول

اليهودية بين ما هو سماوي

وما هو بشري ووثني

1ـ هل التوراة هي حقاً كتاب سماوي أم كتاب من وضع البشر؟

قال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) سورة البقرة الآية 79.

بين أيدينا كتاب ما يسمى العهد القديم ـ التوراة ـ الذي رغم علم حاخامات اليهود، وعلماء التاريخ واللغويات وغيرهم من أهل الاختصاص أنه لا يوجد فيه حرف واحد مما أنزل على سيدنا موسى عليه السلام،  وأنه لم يكتبه، ولم يمليه على أي واحد من كتبته، إلا أن الجميع من المختصين والعوام يتعاملون معه وكأنه كلام الوحي، أو ما تلقاه موسى من الله تعالى في طور سيناء!! لأن التوراة كتاب مزور، قد كتب بعد القرن الخامس قبل الميلاد أيام السبي البابلي. وقد زيد عليه بعد ذلك حسب كل مرحلة إلى أن أخذ شكله الحالي، وهذا ما أثبته علماء التاريخ والآثار واللغات وغيرهم. وأن اليهود حشوا فيه كل اتجاهاتهم السياسية حول فلسطين ورغبتهم في السيطرة على العالم. فالتوراة لم يكن وحياً كما يدعي اليهود وعلماء اللاهوت النصارى الذين يقدمونه إلى المؤمنين به وغيرهم على أنه وحي من الله تعالى، والدليل على ذلك أنه جاء محتوياً على كثير من المتناقضات في أحداثه لأن كتبتها لم يتلقوه وحياً كما يزعمون، ولا كانوا شهوداً عليها. كما أن ما جاء فيه من معلومات عن بداية خلق الكون والإنسان وغيرها مما يدخل في مجال الحقائق العلمية، جاء مخالفاً لأغلب الحقائق العلمية والجغرافية والفلكية وغيرها مما أصبح مسلمات علمية في هذا العصر. وعلى الرغم من ذلك لازال يؤمن به النصارى، ويعملون من أجل تحقيق ما جاء فيه من خرافات. أضف إلى ذلك أننا مسلمون وأن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن التوراة قد زُورت وحُرفت وأنها كتبت بأيدي أحبار اليهود، وبما يوافق هواهم. لذلك لن نؤمن بما جاء فيها إلا بقدر ما يتوافق وما جاء في القرآن الكريم، وما يتوافق والحقائق العلمية والتاريخية والأثارية المؤكدة فقط.

وقبل أن نذكر بما قاله العلماء والمختصين حول زيف ذلك الادعاء، سنذكر بما أثبته القرآن الكريم عن توراة موسى، وما تبقى منها قبل أن تضيع وتختفي بعد الحرائق المتعددة التي تمت لهيكل سيدنا سليمان المزعوم، حيث كان يحتفظ اليهود بالتابوت الذي فيه بقية من آثار الألواح التي كان مكتوبا عليها التوراة، وسبق أن حطمها سيدنا موسى أثناء التيه، عندما عاد إلى بني إسرائيل ووجدهم يعبدون العجل من دون الله. فقد أخبرنا الله تعالى أن اليهود في عهد نبيهم صموئيل قد طلبوا منه أن يسأل الله تعالى أن يعين عليهم ملك، يقاتلون معه أعدائهم الفلسطينيين الذين هزموهم وسبوا أبنائهم ونسائهم، والأهم من ذلك كله أنهم سلبوهم تابوت العهد ونقلوه إلى قرية بيت دجن أحد أهم مدن الفلسطينيين آنذاك، وبعد جدل معه قَبِل، وأخبرهم أن الله تعالى قد اختار لهم طالوت ملكاً عليهم، فرفض اليهود ذلك لأسباب خاصة بنفوسهم المريضة كما أخبر الله تعالى. فقال لهم نبيهم: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (البقرة: 248).

{أنْ يَأتِـيَكُمُ التَّابُوتُ فِـيِه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِـيَّةٌ مِـمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هارُونَ}*. ذكر الطبري مجموعة أقوال في ذلك لم تخرج عن التالي: كان فـيه عصا موسى، وعصا هارون، وثـياب موسى، وثـياب هارون، والنعلـين، ولوحان من التوراة، أو رضاض الألواح وما تكسر منها، و قـفـيز من منّ (الـمن). وقال آخرون: بل ذلك الجهاد والقتال فـي سبـيـل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أمروا. وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: وجائز أن يكون تلك البقـية: العصا، وكسر الألواح والتوراة، أو بعضها والنعلـين، والثـياب، والـجهاد فـي سبـيـل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علـمه من جهة الاستـخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علـم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلـم، ولا خبر عند أهل الإسلام فـي ذلك. فغير جائز فـيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزاً فـيه ما قلنا من القول. كما ذكر ابن كثير في قوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ} أقوال لم تزد عما ذكره الطبري، وعلى ذلك أكثر كتب التفسير، أي أنه لم يكن في التابوت ما يدعونه التوراة التي بين أيدينا اليوم ولا كلمة منها، وفي أحسن الأقوال لوحان من التوراة فقط التي نزلت على موسى عليه السلام.

كما أننا يحق لنا أن نتسائل: تُرى هل أخذ اليهود المسبيين إلى بابل وهم كانوا يجرون بالحبال والحديد طوال الطريق، معهم الألواح أو التوراة التي كان دت موجودة في التابوت، قبل أم يحرق نبوخذ نصر ما يزعمون أنه (هيكل سليمان) ويدمره عن آخره ويسويه بالأرض؟!.

كما يذكر الفيلسوف الكبير روجيه جارودي في أكثر من كتاب له، أن النبي حلقيا ـ الذي له سفر كامل في التوراة الحالية ـ في عهد الملك اليهودي يوشيا الياقيم عام 620 ق.م، عندما رأى ما رأى من انحراف اليهود عن دين سلفهم من الأنبياء عليهم السلام، وعبدوا آلهة الأقوام الأخرى، أراد أن يعيدهم إلى عبادة الله الواحد، فادعى أنه وجد في الهيكل التوراة التي نزلت على موسى، وقد جمع الملك يوشيا اليهود آنذاك وقرأ عليهم التوراة في ضحى يوم واحد. وعندما عاد اليهود من السبي البابلي قرأ عليهم عزرا النبي ـ الذي له أيضا سفر كامل في التوراة الحالية، ويعتبر أهم وأشهر من وضعوا أصول الدين اليهودي الحالي أيام السبي البابلي ـ قرأ عليهم التوراة في ثلاثة أيام كاملة...!! فيا ترى كم يوما تحتاج التوراة التي بين أيدينا حتى يتم قرأتها؟!.

فأي توراة نُصدق أنها التي نزلت على موسى بعد أن زورت وكتبت بأيدي اليهود الذين انحرفوا بها عن عقيدة وغايات سلفهم؟ ما يسمى بأسفار موسى الخمسة التي يؤمن بها جميع الطوائف اليهودية والنصرانية ولا اختلاف بينهم عليها؟ أم توراة حلقيا؟ أم توراة عزرا؟ أم التوراة الحالية أم غيرها؟! وأي إله نؤمن لليهود: إيلوهيم أم يهوه؟! وكذلك أي عقيدة من عقائد التوراة نُصدق؟ فعقائد التوراة تاريخياً كثيرة، ومدارسها في هذا العصر متعدد، يقول الباحث فوزي حميد: "لم يتفق أحد من علماء اليهود على أية عقيدة من العقائد التي كانت تدرس علانية باسم القانون الشفهي، بل كان رئيس محكمة كل جيل  أو نبيه يضع مذكرة عما سمعه من سلفه وموجهه، وهكذا ألف كل عدد من العلماء كتاباً ليستفاد منه حسب درجة لقاءاته"[1]. 

لقد بات من المعروف علمياً وتاريخياً أن التوراة كتبت بأيدي أحبار اليهود أيام السبي البابلي، لذلك جاءت مناقضة لتطور الحياة الإنسانية ولمسيرة التاريخ، فضلاً عما فيها من خرافات عن كثير من الحقائق الكونية تتناقض وتتعارض مع ما أثبتته الاكتشافات العلمية الحديثة. فقد جاء في "دائرة معارف لاروس" أن: "موسى ولد 1571، وتوفى 1451 ق.م *. وقد أسس مدنية وديناً" ولا نملك الكتاب الحقيقي لشريعته، فقد نسبت إليه التوراة أو الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، ولكن هذه التوراة حاملة لآثار لا نزاع فيها من الحواشي والتنقيحات، ومن علاقات أخرى تدل على أنها ألفت بعد الزمان الذي مات فيه موسى بعهد طويل"[2].

كما أنه لا يعتقد ـ كما يقول السموأل أحد حاخامات اليهود الذين أسلموا في المغرب ـ أحد من علماء اليهود وأحبارهم أن هذه التوراة التي بأيديهم "أنها المنزلة على موسى ألبته؛ لأن موسى صان التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته، أولاد ليوى، ودليل ذلك قول التوراة: "وكتب موسى هذه التوراة، ورفعها إلى الأئمة حتى ليو"... ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة يقال لها: "هاأزينو" ... وأيضاً إن الله قال لموسى عن هذه السورة : "وتكون لي هذه السورة، شاهداً على بني إسرائيل" وأيضاً إن الله قال لموسى عن هذه السورة: "لأن هذه السورة لا تنسى، أفواه أولادهم". ويعني ذلك أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم ويشتتون في البلاد. فأما بقية التوراة، فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم. وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها، قتلهم "بخت نصر" على دم واحد، يوم فتح بيت المقدس... فلما رأى "عزرا" أن القوم قد أُحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما لفق منه هذه التوراة التي بأيديهم الآن"[3].

وقد حاول المؤرخ المعروف صاحب موسوعة "قصة الحضارة" (ول ديورانت) إحصاء مصادر الفكر اليهودي فلم يكد يغادر من أسطورة أو فكرة وثنية مما سبق تاريخ دينهم أو عاصره من أساطير بابل أو أساطير الجزيرة العربية، والمصادر السومرية، والقصص الشعبية في مصر والهند والفرس واليونان والتبت، والفكر الفرعوني القديم، والفكر الفارسي، وشريعة حمورابي، إلا ووجد أنها جميعاً كانت منبعاً غزيراً لأسفار العهد القديم. لذلك قرر أن: أسفار العهد القديم جُمِعت لأول مرة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، ويظهر اسم الكاهن (عزرا) مرتبطاً بتدوين التوراة[4].

ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين": "... إنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية ومسلمات عصرية عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر. وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر. ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني". ويضيف: "ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قد دسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شُراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها"[5].

وقد أقر الدكتور هربرت لوي اليهودي في كتابه "أديان العالم الكبرى": "إن هناك عقائد دخيلة انسابت إلى اليهودية عن فارس وبابل والإغريق لا سند لها في اليهودية بالذات"[6]. كما يعترف العالم اليهودي سيلفر بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد العلماء يجمعون أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم تكن في شكلها ومضمونها كتلك التي أتي بها موسى. ويعلن مورتكات في كتابه "تاريخ الشرق الأدنى" صراحة بأن التوراة كتاب أسطوري لا دليل على صحة أساطيره فيقول: "لا يمكن الاعتماد من الناحية العلمية على أساطير التوراة التي برهنت الأبحاث الأثرية على عدم صحة تلك الأساطير التي وردت فيها وتوجد أبحاث تبرهن عكس هذه الأساطير"[7].

ذلك ما دعا شربنتية أصطفان إلى وصفه بالكتاب المحير: "إن الكتاب المقدس لا سيما العهد القديم كتاب محير نعلم قبل أن نفتحه أنه الكتاب المقدس عند اليهود و(المسيحيين) ونتوقع أن نجد فيه كلام الله غير ممزوج بأي شيء: أي نوعاً من كتاب للتعليم أو اللاهوت الأدبي. وعندما نفتحه نجد فيه قصصاً من ماضي (شعب) صغير قصصاً كثيراً ما تكون لا فائدة منها فيها روايات لا نستطيع أن نقرأها بصوت مرتفع دون أن نخجل منها، وحروباً واعتداءات وقصائد لا تحملنا على الصلاة وإن سميناها مزامير، وفضائح من أخلاقية قد تخطاها الزمن وكثيراً ما هي مبغضة للنساء، كتاب محير ولكن هل هو كتاب" [8].

وبحسم يقطع الدكتور (آرثر روبين) أحد أعضاء الحركة الصهيونية وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس، بأن التوراة قد بدأت كتابتها أيام السبي البابلي، فيقول: "وبينما كان هؤلاء ـ اليهود ـ يتحرقون في المنفى (السبي البابلي) دون أن يستطيعوا مقاومة. تفتقت عبقرية التآمر لديهم عن فكرتي (الشريعة) و(الوعد) وغايتهما المحافظة على أنفسهم كعرق متمرد متآمر منطوٍ على نفسه، منظم تنظيماً شبه عسكري، وغير قابل للاندماج مع غيرهم"، ويضيف: "إن الأسس التاريخية لهذه العقيدة (اليهودية الأرثوذكسية) قد أعطيت لليهود في تشريعات عزرا ونحميا حوالي 400 ق.م ثم عدلت ونُقحت في القرون التالية في الشريعة غير المكتوبة، أي الشفهية وتلمود بابل"[9].

إذن فالتوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى اليوم محرفة ومزيفة، كتبها أحبار اليهود ووضعوا فيها كل اتجاهاتهم السياسية وأهدافهم الدنيوية، ونظموها بطريقة مكنت لقياداتهم من السيطرة على أتباعهم وتنظيمهم تنظيم شبه عسكري غير قابل للاندماج مع غيرهم، ومن أجل تحقيق تلك أهداف سياسية ألبسوها لباس الدين. ولم تعد تلك الأهداف السياسية لليهود خافية على أحد.

2ـ اليهودية ديانة وثنية

بداية أود تصحيح الفكرة الشائعة عند المؤرخين وعلماء الآثار من مسلمين وغير مسلمين، القائلة أن اليهود أخذوا عقيدة التوحيد وفكرة "الإله الواحد" عن (الكنعانيين). فقد بات من المعروف عند المؤرخين وعلماء الآثار عن اليبوسيين أنهم أول الشعوب التي عرفت التوحيد وعبادة الإله الواحد، وكانوا يصفونه باسم "الله العلي"، وقد أشارت التوراة إلى زهد ملك اليبوسيين (ملكي صادق) وتعبده وأنه بارك إبراهيم عليه السلام قائلاً: "لتكن عليك يا إبرام بركة الله العلي، مالك السموات والأرض. وتبارك الله العلي الذي دفع أعدائك إلى يديك" التكوين 14/20-21. لذلك قال رجاء جارودي ـ مثل غيره من المؤرخين ـ في إشارته إلى مدى تأثير (الحضارة الكنعانية) في اليهود: "فحين التقى الكنعانيون والعبرانيون في المرحلة الأولى كان هناك رفض متبادل بين المؤمنين بالإله (يهوه) والمؤمنين بالإله (إيل) ثم ضعف اهتمام العبرانيين بإلههم مع استمرار توطنهم في كنعان، وقوي إحساسهم بإله المواطنين الأصليين حتى أنهم تبنوا اسمه (إيل) وجمعوه على (إيلوهيم)"[10]. أود القول من البداية: بأن هذه الفكرة فكرة خاطئة، وإلا ما كان اعتبر أنصار تلك الفكرة (اليهودية دين سماوي)! وذلك لأن بني إسرائيل الذين دخلوا فلسطين كانوا يعرفون التوحيد وفكرة "الإله الواحد" عن طريق أنبيائهم، وأجدادهم من لدن إبراهيم عليه السلام مروراً بموسى إلى داود وسليمان عليهم جميعاً السلام.

ولكن الصواب القول: أن اليهود بعد إقامتهم في فلسطين لأن نفوسهم مريضة وجبلتهم شريرة، ولأنهم معاندون ومكابرون، وطبعهم الكفر والمعصية، فإنهم عبدوا آلهة (الكنعانيين) وذلك ما أكدته التوراة وكان كثيراً ما يغضب (يهوه) على شعبه لأنه كان يعبد آلهة (الكنعانيين). خاصة وهم قد عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من ذهب وحلي نسائهم بعد أن نجاهم الله من فرعون وقومه مع نبي الله موسى، وهم تتنزل عليهم آيات ومعجزات الله ، قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} الأعراف148. وقد بقي ذلك ديدن اليهود مع جميع أنبيائهم كما تفصح عن ذلك التوراة.

الصواب القول: أن فكرة "الإله الواحد" أو التوحيد التي استعارها اليهود من (الكنعانيين) هي فكرة وثنية، تقوم على توحيد الآلهة في إله واحد. أو تغليب إله على بقية الآلهة. وهذه العقيدة خلاف عقيدة الوحدانية التي دعا لها جميع الأنبياء والرُسل، والتي كان عليها بنو إسرائيل قبل إقامتهم في فلسطين، وتأثرهم بـ(الحضارة الكنعانية). وقد يكون أصل فكرة التوحيد عند الكنعانيين التي تعود إلى ما كان عليه (ملكي صادق)، أن يكون ملكي صادق أحد أتباع أنبياء الله هود أو صالح عليهما السلام،. اللذين يؤكد المؤرخون هجرتهما بعد نزول العقاب الإلهي بقوميهما الكافرين، حاملين معهما عقيدة التوحيد إلى فلسطين وجوارها من بلاد الشام. حيث تشير المصادر التاريخية الإسلامية إلى أن سيدنا صالح ومن آمن معه خرجوا إلى الشام حيث نزلوا المنطقة من الحِجر إلى صرح أي نحو وادي القرى "وهي مدائن صالح الحالية" إلى رملة فلسطين على 18 "ثمانية عشر" ميلاً بين الحجاز والشام[11]. أو قد يعود إلى أن (ملكي صادق) قد أمن بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام وعبر له عن امتنانه بذلك بمباركته.

وعليه فإن اليهودية دين وعقيدة وثنية، تقوم على الخرافة والأسطورة، وليس دينا ـ رسالة ـ سماويا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، كما يحاول اليهود وأنصارهم من العلماء الغربيين الترويج له، ويفرضوا علينا إجراء حوارات دينية مع اليهود تحت دعوى ما يزعمون أنه (حوار الأديان السماوية) ـ مع تحفظنا على هذا المصطلح لأننا لا نؤمن بأديان سماوية ولكننا نؤمن بدين سماوي واحد دعا له جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام هو الإسلام، وأن ما سبق بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت رسالات أو شرائع سماوية وليست أديان سماوية ـ وذلك لأن ما يسمى بالديانة اليهودية اليوم قد تأكد بشكل قاطع ونهائي أنها ليست الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام، ولكنها دين وثني قد تم تأسيسه في بابل، بعد أن دمر نبوخذ نصر دولة يهوذا عام 586 ق.م، وحرق هيكلهم المزعوم وسباهم إلى بابل، وهي خليط من المعتقدات والخرافات والأساطير البابلية، وغيرها من الديانات الوثنية التي كانت منتشرة في منطقة الهلال الخصيب ووادي النيل آنذاك. ويعتقدون أن "يهوه" هو إلههم الخاص من دون جميع المخلوقات، وأنهم هم وحدهم "شعبه المختار" من دون بقية شعوب الأرض، لأن بقية شعوب الأرض ليسوا بشر، ولكنهم "جوييم" حيوانات خلقت على هيئة الإنسان لتليق بخدمة "الشعب المقدس للرب يهوه". أي أنه إله قبلي، ودين عنصري.

يكفي أن نورد هذا النص من التوراة نفسها يجعل من موسى عليه السلام إله لفرعون، لنتأكد من أن الديانة اليهودية ديانة وثنية، يقول: "فَقَالَ \لرَّبُّ لِمُوسَى: (ٱنْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلَهاً لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ)". (سفر الخروج: 7/1). هل مثل هذا القول يصدر عن كتاب سماوي مُنزل من الله تعالى؟! إن كان موسى إله فماذا يكون "يهوه" على ذلك؟! ولكن ذلك ليس غريباً على ديانة وثنية وليست سماوية، تؤمن بتعدد الآلهة وثنائيتها وتكونها من ذكر وأنثى!.

وحقيقة عدم وحدانية الديانة اليهودية وأنها ديانة وثنية تؤمن بتعدد الآلهة، أكد عليها الكاتب اليهودي (رفائيل بتاي): "إن عامة الناس من اليهود وغيرهم مازالوا يتصورون أن الديانة العبرانية الرسمية كانت من مبدأ أمرها ديانة توحيدية بدأت بإبرام الموحد بيهوه، غير أن المتخصصين يعطون ظهور التوحيدية العبرانية تاريخاً  لاحقاً لإبرام وزمانه ببضعة قرون إذ يرجعون بدايات التيار التوحيدي حتى إلى زمن أنبياء الأكابر، وبأمانة ا لعالم يتحفظ بتاي فيقول: إنه يجب أن نأخذ في الحسبان أن إرجاع بدايات التيار التوحيدي حتى إلى زمن النبيين الأكابر يجب أن يؤخذ بحذر ويحفظ نظراً إلى ما وجد طريقه إلى الديانة من عقائد باتت جزءً منها في الأزمنة التلمودية، وبالنظر إلى ما انطوت عليه من الإشارات القبالية من تعدد الشخوص في شخص الخالق". ويرى رينيه ديسو أن تعدد الآلهة لا سبيل لإنكاره في الديانة اليهودية: لأن التوحيد الإسرائيلي ليس أصلياً بل هو نهاية تطور طويل المدى ظهرت نتائجه بعد سبي بابل حيث فهم اليهود معنى التوحيد العام[12].

كما أن كثرة الإضافات والتعديلات التي كان يُحدثها كتبة التوراة مع تطور الزمن على النصوص السابقة في أٍسفارهم وإضافة أسفار جديدة بحسب مقتضيات المرحلة جعلت البروفيسور (إلس روفكن) يقول في كتابه "صياغة التاريخ اليهودي": "أن فكرة التوحيد وتطبيقها لدى اليهود، لم ترتكز على أسس دينية أو روحية بقدر ما ارتكزت على ضرورات سياسية واقتصادية، وذلك على إثر منافسة شديدة بين زعماء اليهود بعد النفي إلى بابل كتب النصر فيها للفريسيين، وهؤلاء كانوا باتفاق جميع المؤرخين، أصحاب الأثر الكبير في صياغة تاريخ وشريعة اليهود". ويكشف أنها عقيدة وثنية تؤمن بتعدد الآلهة، قائلاً: "ظهرت فكرة التوحيد لدى اليهود ورسخت بناء على مقتضيات معينة تاريخها محدد بدقة، وهو تاريخ الكتبة والفريسيين في بابل، أي حوالي العام 400 قبل الميلاد، وهي الفترة التي (ألفوا) فيها الأسفار الخمسة الأولى من التوراة. ومن هؤلاء المشككين من يعتمد على برهان لغوي ظريف، إذ أن أول كلمة كتبت من قبل الفريسيين هي (في البدء خلق الله السموات والأرض)، (تكوين 1:1)، وفي النص العبري (في البدء خلقت الآلهة السماوات والأرض)، وفيما يلي ذلك، وبناء على استنتاج البروفيسور رفكن، اعتمد الكتبة صفة المفرد عوضاً عن الجمع لوصف الإله"[13]. 

تلك هي الحقيقة التي يتفق عليها العلماء أكثر من غيرها، إذ يرون أن "إله اليهود (يهوه) هو تطور طبيعي وبطيء من مرحلة تعدد الآلهة التي مر بها اليهود، شأنهم شأن القبائل البدائية الأخرى، تلك الآلهة التي كان "يهوه" مجرد واحد منها، إلى مرحلة الإله الواحد، وقد يكون نتيجة هذا التطور تلك الحرب الشعواء التي يشنها (يهوه)، من خلال التوراة، على غيره من الآلهة والتي بقيت آثارها عالقة في أذهان اليهود المتعددي الآلهة بالفطرة". كما أن "يهوه" خلال تطوره البطيء كما يقول (هومير سميث:) قد اتخذ "في فوضى تعدد الأديان، الكثير من خصائص آلهة إسرائيل المتعددة، والصفة المشتركة لأكثر آلهة القبائل القديمة هي الحجر والنار، وتشترك هاتان الصفتان معاً لتشكلا جبلاً بركانياً، وهو رمز القوة الهائلة: "هو ذا اسم الرب (يهوه) يأتي من بعيد غضبه مضطرم والحريق شديد وشفتاه ممتلئتان سخطاً ولسانه كنار آكلة وروحه كسيل طاغ يبلغ إلى العنق فيغربل الأمم من البوار .." (إشعيا 30: 27 ـ 28)[14].

ويؤكد الأستاذ (أندرسون) أن عقيدة التوحيد اليهودية التي أخذوها عن (الكنعانيين) كانت عقيدة وثنية، فيقول: "إن الوحدانية التي كانوا (الكنعانيون) يدركونها في ذلك الوقت لم تكن وحدانية تفكير ولكنها وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب)[15].

ذلك لأن "يهوه" لم يكن سوى أحد آلهة (الكنعانيين) الذي صاغه كتبة توراتهم على الصورة التي تلائم جبلتهم الشريرة.

3ـ يهوه إله اليهــود (كنـعانـي)

قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} الأعراف148.

يقول (شفيق مقار): لو عدنا إلى قراءة التوراة لرأينا في سفر الخروج الإصحاح الرابع عشر أنهم نزلوا أمام بعل صفون وبعل صفون هذا حسبما تشير إليه التوراة يقع على شاطئ البحر وقد رأي بنو إسرائيل هذا الإله وبعد أن نجوا من فرعون عادت لهم ذكرياتهم فطلبوا من هارون أن يعمل لهم إله كما للقوم الذين مروا بهم آلهة. ولهذا شكل بعل صفون وهو إله (كنعاني) أول خطوة على عبادة بني إسرائيل، ولما أراد الكهنة أن يبتلع يهوه كافة الآلهة السابقة كان ولا شك بعل صفون هو أحد الآلهة التي سطا عليها كتبة يهوه[16].

وبما أنه ثبت كما يقول الأستاذ (كوجنبرت) بأن: دين العبرانيين (بمعنى اليهود) لا يمكن أن يكون تطور ونما محلياً بل كانت عناصره الجوهرية قد استقيت من آراء متراكمة ومن معتقدات كانت شائعة بين الأقوام (الساميين) في الشرق. وأن هذه الوثائق تبرهن بما لا يتطرق إليه الشك على انعزال الديانة اليهودية عن غيرها في الزمن القديم لم يكن سوى خرافة بحتة[17]. ولما كان الإله إيل إله عبده العرب منذ بداية معرفتهم وقد شملت عبادته من اليمن حتى الأناضول ومن أقصى العراقين حتى قلب أوروبا، فذلك يعني أن اليهود عمدوا إلى أحد آلهة الكنعانيين فعبدوه، وأعطوه الصفات الشريرة التي تتناسب وطبائعهم وميولهم النفسية، وكذلك غذوه باتجاهاتهم السياسية منذ البداية.

ولم يقف الأمر عند ذلك ولكنهم أدخلوا عليه بعض التغييرات ليتناسب وطبيعتهم الشريرة، والجهل والتخلف الحضاري عن أقرانهم من الشعوب التي عاصروها، كما يقول (ول ديورانت): "يبدو أن اليهود (الفاتحين) لفلسطين عمدوا إلى أحد آلهة كنعان فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها وجعلوا منه إلهاً صارماً ذا نزعة حربية صعب المراس". ويضيف عن حشر اتجاهاتهم السياسية واتخاذ الدين وسيلة وأداة للسياسة قائلاً: "وصور كاتبو أسفار موسى الخمسة، وهم الذين كانوا يتخذون الدين أداة للسياسة إله الرعب هذا إله للحرب فأصبح (يهوه) في أيديهم القوية إلهاً للجيوش يدعو للفتح و(الاستعمار) يحارب من أجل شعبه بنفس القوة التي كان يحارب بها آلهة الإلياذة"[18].

كما يصف الدكتور (أنيس فريحة) "يهوه" الإله اليهودي: "إن (يهوه) كما تصوره الكاتب اليهودي مجرد إنسان قدير عظيم ينزل إلى الفردوس ليتحدث إلى آدم ويأمر قابيل وهابيل أن يقدما قرابين فيقبل لواحد منهما ويرفض قرابين الآخر)[19].

ولأن "يهوه" لم يظهر في تاريخ بني إسرائيل عند غالب المؤرخين إلا بعد السبي البابلي، الذي كتبت فيه التوراة وحَشد فيها كتبتها قصص وأساطير الأمم الأخرى، وخاصة في عصري عزرا ونحميا، فإن بعض المؤرخين قال أنه أحد الآلهة الفارسية. يقول (حسن حدة): "وفي هذا الوقت  ـ السبي البابلي ـ لم يكن لليهود أي وثيقة تاريخية أو غير تاريخية فكتبت التوراة عشوائياً وكيفياً وحسب تجليات الفكر الكهنوتي اليهودي. وقد كان الكهنة الذين بدءوا يكتبون ينتمون إلى اتجاهات عديدة منها الاتجاه الإيلي وفيه بقايا من ذكريات موسى. والاتجاه اليهودي وفيه التأثير بالديانة الفارسية، فيهوه ليس إلا الإله الفارسي المؤنث ياهي ولم يكن موسى يعرف يهوه ولا سمع به"[20].

ومعلوم أن التقليد اليهوي ينسب إلى مملكة يهوذا في الجنوب، والتقليد الإيلوهيمي ينسب إلى مملكة إسرائيل في الشمال، وقد كان لكل منهما كتابه وكيانه السياسي وهيكله. وتمثل المجموعة الثانية غالبية بني إسرائيل، خاصة وأنه في التوراة أن الإله إيل هو الإله الأول الذي عرفه أنبياء وللآباء الكبار لبني إسرائيل، (إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأبنائه). أما المجموعة الأولى فهي فئة قليلة كانت مقربة من الحكم الفارسي، وهي التي استطاعت الحصول على الوعد بأرض فلسطين ليعيدوا بناء كيانهم السياسي الذي دمره البابليون، وقد جعلت يهوه الإله المفضل والمسيطر وله السيادة الفعلية على بني إسرائيل، وإن كانت في الوقت نفسه احتفظت بالإله السابق إيل.

4ـ يهوه له زوجة وأبناء

كما أنه قد شاع عند كثير من المؤرخين للديانة اليهودية ونشأتها رأي يقول: أن "يهوه" لم يكن له زوجه أو ولد كآلهة (الكنعانيين). وأنه كثيراً ما كان يغضب على شعبه لأنه كان يعبد آلهة (الكنعانيين) ويشعل لها ناراً، ويبني لها معابد. وأن "يهوه" بقي عند أتباعه إله لا يُحدد ولا يُوصف، وأن طبيعته لا يحدها قيد ولا شرط، وبناءاً على ذلك لم يضعوا له تمثال، ولم يتخيلوه على أي صورة كـ(الكنعانيين) وغيرهم....إلخ. وكنت أنا نفسي أعتقد أن اليهود اتخذوا لـ"يهوه" زوجة في عهد متأخر، وخاصة في مرحلة الانفتاح الحضاري الإسلامي على جميع ديانات وثقافات وحضارات الشعوب التي كانت ضمن سيادة الدول الإسلامية، وخاصة في الأندلس،وكنت أعتقد أن سبب ذلك؛ هو عادة اليهود عندما يخافون من الانفتاح والحرية والمساواة والتعايش السلمي مع جميع أتباع الديانات والثقافات الأخرى، لأنهم يرون في ذلك ذوبانهم واندماجهم في تلك الشعوب والثقافات وفقدانهم لخاصية التفرد كـ(شعب الله المختار)، وصفة النقاء والتفوق العرقي المزعوم، فإنهم يستغلون ذلك الخوف في فرض مزيد من العزلة والقيود الفكرية والاجتماعية على أنفسهم تجاه الآخرين، ويبدؤوا في البحث عن أفكار جديدة لتطوير دينهم الخاص بهم من بين جميع شعوب الأرض وخاصة مفهوم الخلاص المسيحاني، لمواجهة العلم والاستنارة والتحرر الفكري، وذلك ما حدث في فكر "القبالاه" اليهودية التي اختارت لألههم زوجة وأبناء، كما يكشف عن ذلك البروفيسور اليهودي (إسرائيل شاحاك). الذي يؤكد على ما ذهب إليه العلماء السابقين من أن الديانة اليهودية ليست ديانة توحيدية كما يتوهم البعض ـ على حد تعبيره ـ ولكنها ديانة وثنية! فقد كتب[21]:

"أن الديانة اليهودية هي، وكانت دائماً، ديانة توحيد كما يُعرف في الوقت الراهن كثير من العلماء التوراتيين، وكما تُبين أي قراءة متأنية للعهد القديم بسهولة، فإن هذا الرأي اللا تاريخي خاطئ تماماً. هناك في كثير من، إن لم نقل في كل أسفار العهد القديم حضور وسلطة لأرباب آخرين معترف بهم صراحة، لكن يهوه أقوى الأرباب، غيور جداً من منافسيه ويحظر على شعبه عبادتهم. ولا يظهر إلا في نهاية التوراة فقط، لدى بعض الأنبياء المتأخرين، إنكار لوجود جميع الأرباب ما عدا يهوه".

ويواصل حديثه بالقول: أن ما يعنينا هنا ليس اليهودية التوراتية (أي ما ورد في التوراة) بل اليهودية الكلاسيكية، إن الثانية خلال بضع مئات من سنواتها الأخيرة، كانت بمعظمها بعيدة كل البعد عن التوحيد الخالص. وهذا ينطبق أيضاً على الحقائق المهيمنة في الأرثوذكسية اليهودية في الوقت الراهن، وهي استمرار مباشر لليهودية الكلاسيكية، لقد جاء انحطاط التوحيد من خلال انتشار الصوفية اليهودية (القبالاه) التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث عشر. وبحسب اعتقاد القبالاه فإنه {لا يُحكم الكون من جانب إله واحد بل من جانب أرباب عدة ذوي شخصيات وتأثيرات مختلفة تنبثق من علة أولى بعيدة مبهمة. وإذا أقصينا كثير من التفاصيل جانباً، نستطيع تلخيص تلك المنظومة على النحو التالي: هناك أولاً إله يدعى (الحكمة) أو (الأب) ثم إلهة تدعى (المعرفة) أو (الأم) وقد انبثقا أو وِلِدا من العلة الأولى. انبثق عن زواج الاثنين زوج من الآلهة الأصغر: (الابن) يدعى أيضاً بأسماء كثيرة أخرى مثل (الوجه الأصغر) أو (المبارك المقدس)، والابنة تدعي أيضاً (السيدة) أو ("ماترونيت" وهي كلمة مشتقة من اللاتينية) و(شخينة) أو (الملكة) ..إلخ، ثمة ضرورة لتوحيد (الابن) و(الابنة) إلا إن مكائد الشيطان تحول دون ذلك، وهو يمثل في هذه المنظومة شخصية هامة جداً ومستقلة.

وقد تولت العلة الأولى كي تتيح لهما التوحد، لكنهما أصبحا أكثر بُعداً من السابق بسبب السقوط (أو الهبوط) وتمكن الشيطان، فعلاً، من الاقتراب كثيراً من (الابنة) المقدسة وحتى من اغتصابها (سواء بالرمز أو الواقع. تختلف الآراء) وقد خُلق الشعب اليهودي لسد القطيعة التي أحدثها آدم وحواء، وفي جبل سيناء تحقق هذا الأمر لفترة معينة: و(الابن)، الذي تجسد في موسى، توحد بالابنة (شخينة). ولكن. لسوء الحظ، تسببت خطيئة العجل الذهبي بالانفصال مرة أخرى، لكن توبة الشعب اليهودي رتقت الشَق نوعاً ما.

بنفس القدر، يقترن كل حدث في التاريخ التوراتي اليهودي باتحاد أو انفصال الزوجين السماويين. كان الاجتياح اليهودي لفلسطين (الكنعانية) ويناء الهيكل الأول والثاني ممكناً بسبب اتحادهما فقط .. وكل ما نزل باليهود من بلاءات كان بسبب انفصالهما. وواجب اليهود الأتقياء من خلال صلواتهم وأعمالهم الدينية إعادة الاتحاد السماوي الكامل، في شكل اتحاد جنسي بين الإلهين الذكر والأنثى}.

ومن ضمن تلك الأعمال الدينية التي يقوم بها الأتقياء اليهود لإعادة الاتحاد السماوي الكامل للإلهين، وله علاقة وثيقة بالصراع العربي ـ الصهيوني وقضايا الحل النهائي، وتشكل جزءً من منظومة المعتقدات الصريحة لعديد من الساسة المتدينين، ولها تأثير غير مباشر على الزعماء الصهاينة في كل الأحزاب الصهيونية، بما فيها اليسار الصهيوني: أن الحرب ضد العرب، وطرد الفلسطينيين، أو حتى إقامة الكثير من المغتصبات اليهودية في الضفة الغربية، والإسراع في إعادة بناء ما يسمونه (الهيكل الثالث)، وغيرها من أعمال عدوانية وإرهابية، تحقق بسرعة إعادة الاتحاد الجنسي بين الإلهين الذكر والأنثى؟!.

إلا أنه تبين لي أن اليهود اتخذوا لـ"يهوه" زوجة وأبناء منذ اللحظة الأولى التي كتب فيها (حزقيال) سفره في السبي البابلي، يقول الباحث (شفيق مقار): "ومثلما تزوج بعل بناته تزوج يهوه ابنته وحبيبته ومعشوقته إسرائيل ليكون الإله الملك العاشق بعل ثور يعقوب، وفي سفر أشعيا نص قاطع بذلك حتى بعد المعالجة التحريرية المكشوفة فالنص بعد أن يؤكد لإسرائيل أن أرضها ستصبح بعل يخبرها أنه كما يتزوج الشاب عذراء سيتزوجك يهوه، وكفرح العريس بعروسه يفرح بك بعلك حول بعلك إلى إله ناقص ذلك التمويه المكشوف". ويرى الباحث أن إسرائيل ليست إلا ابنة يهوه وزوجته وحبيبته وبوصفها زوجته فهي أم الشعب وبكونها أم الشعب التي اندفق في رحمها مني القضيب المقدس فأنجبت النسل المقدس ابن يهوه البكر شعبه الأخص الذي اجتهد عزرا في درء التنجس عنه. ويدلل مقار متابعاً النصوص التوراتية التي تدل على هذه الزيجة المقدسة في التوراة مورداً إياها نصاً نصاً. ومن هنا أتت النسبة إلى شعب إسرائيل أنهم أبناء يهوه لأن أمهم هي زوجته[22]. وتفسير ذلك عند مقار: أن أخذهم صفة زواج يهوه من ابنته لم يكن إلا سطواً على إيل الإله (الكنعاني).

5ـ عالمية العهد لنوحu في التوراة

هناك حقيقة حاضرة غائبة في أذهاننا وخطابنا الديني والسياسي والفكري؛ عند حديثنا عن مخططات اليهود لهدم المسجد الأقصى، بزعم أنه قائم مكان هيكلهم المزعوم، الذي لا بد من إعادة بنائه وإعادة العرش إليه، كرمز لسيادة اليهود العالمية، وهي: أن القضية ليست قضية الهيكل في حد ذاته؛ ولكنها مسألة السيادة العالمية لليهود على العالم أجمع!! وهذه الحقيقة لها علاقة بمنهجية التوراة في تعاطيها مع تاريخ الجنس البشري وتاريخ فلسطين، من حيث أن الحياة البشرية وتاريخ الأجناس عندهم يبدأ من بعد الطوفان، واختيار إلههم يهوه سام بن نوح وذريته واختصاصهم بالبركة والسيادة العالمية من دون بقية أبناء سيدنا نوح وذرياتهم، واختيار إبراهيم عليه السلام من نسل سام بن نوح من دون بقية نسله ليمنحه الحق بالأرض من النيل إلى الفرات، واختيار إسحاق وذريته من ذرية إبراهيم دون أخاه إسماعيل وذريته، واختيار يعقوب (إسرائيل) وذريته "بني إسرائيل" من ذرية إسحاق دون أخاه عيسو وذريته، ليكونوا له الشعب المختار الموعود بالسيادة العالمية، واختيار فلسطين من دون كل بقاع الأرض لتكون مركزاً لتلك السيادة.

إذن هناك علاقة وثيقة بين وعد إله اليهود "يهوه" لمن تزعم التوراة المحرفة أنه (سام بن نوح) وذريته بالسيادة العالمية، وبين وعده لإبراهيم وبني إسرائيل من ذريته تحديداً بالأرض من النيل إلى الفرات.

يبدأ تاريخ البشرية في التوراة من بعد الطوفان الذي حدث نتيجة غضب الرب على بني الإنسان لارتكابهم الآثام والشرور، فأغرقهم ما عدا نوحu وزوجاته وبنيه ساماً وحاماً ويافث وزوجاتهم، وهم فقط الذين ركبوا معه في السفينة من قومه، و"هؤلاء كانوا أبناء نوح الثلاثة الذين تفرعت منهم شعوب الأرض كلها" (سِفر التكوين: 9/18).

وقد كانت البداية عهداً أقامه الله بينه وبين نوح وبنيه بعد الطوفان، يتوافق في كثير من مضامينه مع مضامين النبوءات العالمية للوعد الذي قطعه الله لجميع أنبياء بني إسرائيل، والتي وردت في التوراة نفسها، وذلك قبل أن يفطن كتبة التوراة لعالميته فيندمون عليه ويُسارعون إلى تصحيحه. فقد جاء في التوراة: "وبارك الله نوحاً وبنيه قائلاً لهم: أثمروا وتكاثروا وملئوا الأرض... وكلم الله نوحاً وبنيه معه قائلاً: وها أنا مُقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم... أُقيم ميثاق معكم لا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض. وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر ووضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض... فمتى كان القوس في السحاب أبصرها وأذكر ميثاقاً أبوياً بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض". (يُراجع سِفر التكوين: الإصحاح9).

ذلك مضمون العهد الذي قطعه الله لنوح وبنيه وجميع المخلوقات الحية على وجه الأرض. وقد لخص (أندريه نهر) معني ذلك العهد الإلهي العالمي والوعد لإبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، بأنه لكل الأمم بقوله: "إن النوحية (أي عهد الرب لنوح) هي التي تبين أن الأنبياء فسروا بعض أحداث التاريخ بلغة مشتركة بين إسرائيل وسائر الشعوب فلم تكن هناك هجرة واحدة (هي خروج بني إسرائيل من مصر) بل سلسلة من الهجرات حركها نفس الرب. فهو ـ لكي يتم نفس الوعد الذي أعطاه لنفس الأب (إبراهيم) ـ جلب الآراميين من أور والمؤابيين والعمونيين من وادي عربة، والأدوميين والأمالسيين والمديانيين من الصحراء، والفلسطينيين من كريت لكي يرمي بهم جميعاً على شواطئ (كنعان)، من الأرض الموعدة للجد، مؤمناً لكلٍ أرضه ضامناً لكلٍ حدوده، وهو حكم في المنازعات، وشاهد على كل ما يفعله الناس، وقاضٍ في مشكلاتهم. ولعلنا نتساءل إذا ما كانت المنطقة السورية ـ الفلسطينية تحت أعين الأنبياء، بحسبانها جزء من الأرض، يمكن أن تكون مرجعاً ونموذجاً للعالم كله، ذلك أن المشكلات الأخلاقية والدينية التي واجهتها الإنسانية كان ينبغي أن تُستشعر وتُعالج على مستوى الإنسانية بأكملها. فإذا هي تُستشعر وتُعالج من هذا المجال الصغير التي تكفي نظرة واحدة، مجرد نظرة لاستيعابه، وإن كانت ظروفه السياسية وموقعه المتوسط بين الإمبراطوريتين الكبريين مصر وبابل قد خولته تنوعاً متميزاً في البنية والأحداث.

وأيا كان الأمر. فنحن إذا طبقنا على هذه الشعوب لغة التاريخ أو بالأحرى لغة المصير التاريخي المشترك، مصير الهجرة ـ وقد طبق الأنبياء عليها أيضاً لغة العهد، بتبعاته الأخلاقية ـ فإن الشعوب مسئولة أمام الرب تماما كشعب إسرائيل فهم أيضاً أبناء الرب، وعبيد الرب"[23].

ولكن كتبة التوراة أدركوا الخطأ في عالمية العهد لنوح وبنيه فسارعوا لتصحيحه، وبدأ التصحيح بلعن (كنعان بن حام) ومباركة (سام بن نوح) وذريته من بعده، فاختلقوا قصة ذات مضامين وأبعاد سياسية ليحرموا بها الشعوب الأخرى وخاصة أهل فلسطين من حقهم في عالمية العهد، واختزاله فيمن زعموا أنه (سام بن نوح) من بين أبناء نوح الثلاثة. فكتبوا زاعمين: "واشتغل نوح* بالفلاحة وغرس كرماً، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته، فشاهد (حام) أبو (الكنعانيين) عُوى أبيه، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا خارجاً. فأخذ (سام) و(يافث) رداء ووضعاه على كتفيهما ومشيا إلى القهقري إلى داخل الخيمة، وسترا وعُوى أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيبصرا عُريه، وعندما أفاق نوح من سكره وعلم ما فعل به ابنه الصغير. قال: ليكن (كنعان) ملعوناً، وليكن عبد العبيد يكون لأخوته. ثم قال: تبارك الله إله (سام). وليكن (كنعان) عبداً له. ليوسع الله لـ(يافث) فيسكن في خيام (سام) وليكن (كنعان) عبداً له)". (سِفر التكوين 9/20ـ27).

ولا أحد يعلم ما علاقة الابن الذي لم يولد بعد بذنب أبيه؟!. لذلك يعلق الدكتور (جورجي كنعان) على تلك القصة المختلقة التي جاءت في سفر التكوين بأن اليهود: ومنذ عملوا في سفر تكوينهم على ربط نسبهم بالأب الأول عملوا في الوقت ذاته على حشو اتجاهاتهم السياسية والقومية في تاريخهم الديني، وضمنوه نزعاتهم العنصرية وميولهم العدوانية، نحو كافة الأمم والشعوب فنوح يلعن باسم "يهوه"، أب (الكنعانيين) ويبارك أب اليهود، وغالباً ما تمثلت اتجاهاتهم السياسية في إضفاء البركة على أب ووصم الآخر بلعنه. وكان تفسيرهم للبركة أو اللعنة أنها أبدية تلحق ذريته إلى آخر الدهر. ويتساءل: ترى لماذا صب اللعنة على (كنعان)، ونوح هو الذي سكر وتعرى، و(حام) هو الذي أبصر عورة أبيه؟ ما هو الذنب الذي ارتكبه الابن الذي لم يولد بعد؟ ولماذا صبت اللعنة عليه من بين أخوته الآخرين؟ ألأن (الكنعانيين) سبقوا اليهود في مضمار الحضارة، أم لأنهم أعطوا الأمم الروح والمحبة والحكمة وهم أصحاب الأرض؟ ألم يكن الله يعلم أن (حام) سيفعل فعلته تلك يكون الأجدر به أن يستثني (كنعان) من البركة أو (حام) ونسله، بدلاً من التراجع أو ينتظر حتى يفعل (حام) فعلته فباء ابنه المسكين (كنعان) باللعنة هو ونسله قبل أن يولد، ولكن هذا الكلام ليس كلام الرب بل كلام الكتبة الفريسيين الذين كانوا يدركون خطأهم متأخرين[24].

ويضيف أن رجال الدين النصراني يفسرون هذا الاختيار بوجود "قصد إلهي" ولو سألتهم: ما تفسيركم "للقصد الإلهي"؟ وما الدافع الذي يكمن وراء هذا العطاء السخي الدامي لأن فيه إبادة شعب وإعطاء أرضع لشعب آخر؟ لداروا في معمعات لا اثر فيها للمنطق المعقول، هي من نوع اللعب بالألفاظ... الله كبير... نحن حشرات لا نفهم، لا نعرف قصده...خلاص.. اختيار مكرس، وأراده الله. وهكذا تدور حتى تشعر بأعصابك وقد ضحت فريسة الخدر والعياء)[25].

أنه أمراً منطقياً أن يعجز علماء اللاهوت النصارى عن الإجابة لأنهم عميت أبصارهم، وغفلت قلوبهم، لذلك يرى جارودي أنه "من المستحيل بالنسبة إلى أي مسيحي أن يقدم مغزى لاهوتيا لدولة إسرائيل، فإن احترام الإيمان اليهودي لا يستتبع مطلقا الاندماج بين اليهودية والصهيونية و إضفاء صفة القداسة على الأهداف التاريخية للحركة الصهيونية"[26].

ولكن منهجية التوراة العرقية العنصرية والقبلية اختزلت بُعدهما العالمي في البُعد العرقي القبلي، وقصرتهما على بني إسرائيل فقط، واليهود بعد ذلك. ونسج كتبة التوراة علاقة وثيقة بين وعد إله اليهود "يهوه" لسام وذريته بالسيادة العالمية، وبين وعده لإبراهيم وبني إسرائيل من ذريته تحديداً بالأرض من النيل إلى الفرات. وإذا أردنا التحديد أكثر نقول: وجعل مركز تلك السيادة هو بيت المقدس، ورمزيتها هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء (الهيكل الثالث)، ووضع عرش ملك اليهود الذي هو من نسل داوود،  ليكون رمزاً لتلك السيادة العالمية لليهود، حيث تحكم (إسرائيل) العالم آخر الزمان، وتحاسب جميع شعوب الأرض على ما اقترفته بحق (إسرائيل) وأموالها من آثام.

6ـ عالمية العهد والوعد في التوراة

بعد ما تقدم يتَبين لنا أن العهد الذي قطعه الرب لنوح ذو مضامين وأبعاد عالمية، وأنها ليست خاصة بعرق أو شعب دون الشعوب، ولكنها تتحدث عن أُمة عالمية، سمتها التوراة في مواضع أخرى "الأُمة البارة". ومن صفاتها أنها تجعل جميع شعوب الأرض تتبارك في إبراهيم، وتجعل البيت "المسجد الأقصى" مكان عبادة لجميع الأُمم. كما أن التوراة والأناجيل المُحرفة لم تخلو من النبوءات بحقيقة هوية الورثة الشرعيين، ونبي آخر الزمان محمد r، فإنها أيضاً تضمنت كثير من النبوءات عن مدينة بيت المقدس والمسجد الأقصى، وأنهما سيكونان مقر الخلافة الإسلامية العالمية آخر الزمان، وأن الأمة البارة التي سيكون لها السيادة العالمية وستقيم العدل والبر بين الناس، انطلاقاً من مقر خلافتها ـ المسجد الأقصى ـ هي أمة نبي الرحمة للعالمين، محمد r، وذلك تحقيقاً للنبوءات العالمية التي وردت في التوراة والأناجيل المُحرفة. وليست أُمة القبيلة والعرق، التي تنتظر مسيحها الدجال ليحكم العالم من خلال هيكلهم المزعوم على أساس الاستعلاء والاستكبار اليهودي على جميع البشر.

وقد فسر علماء اللاهوت النصارى الذين عارضوا تفسيرات اليهود بأنهم المقصودين وحدهم بهذا الوعد الإلهي لنوح وإبراهيم عليهما السلام، بأن هذا الوعد يشمل جميع ذرية إبراهيم ومنهم إسماعيل أبو العرب –نصارى ومسلمين-، وأن الوعد يختص بجماعة المؤمنين بإبراهيم ولا يختص بجماعة عرقية تنتمي لإبراهيم عرقياً. هذه الرؤيا اللاهوتية النصرانية تأتي منسجمة وموافقة لما جاء في القرآن الكريم من أن الورثة هي ورثة دين، والتركة هي أمانة رسالة عالمية، و الأمة الموعودة بهذه العالمية هي أمة الإسلام.

فقد وردت نفس تلك المضامين في القرآن الكريم والسنة النبوية، وإن أُمة الإسلام هي التي صححت التحريف والانحراف الذي أحدثه اليهود والنصارى على رسالة نوح وإبراهيم وجميع الأنبياء والرُسُل عليهم جميعاً الصلاة والسلام، واحتفظت بعالمية رسالة نبيها محمدr ولم تجعله نبياً للعرب دون غيرهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ {الأنبياء:107}. ولم تحتكر الله لنفسها دون غيرها من الأُمم: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ {الشعراء:192}. ذلك ما يجعلها هي وحدها الأُمة المقصودة بنبوءات التوراة، خاصة وأن كثير من علماء اللاهوت النصارى يؤكدون أن النبوءات لا تعني عودة اليهود إلى فلسطين، ولكنها تعني مملكة روحية للجنس البشري كاف ولجماعة المؤمنين. 

فقد جزم كثير من العلماء الموضوعيين والمحايدين وغير المتعصبين لليهود المختصين في الدراسات التوراتية؛ بأن جميع النبوءات التي وردت في أسفار التوراة قد تحققت بعودة اليهود بعد السبي البابلي: يقول الدكتور (فرانتش شايدل) معقباً على نبوءة سفر (أرميا) بعودة اليهود إلى فلسطين بقوله: "لقد تحققت النبوءة إذ عاد اليهود من الأسر البابلي"[27]. والثابت تاريخياً أن جميع اليهود الراغبين في العودة قد عادوا أيام حكم ملك الفرس أرتحششتا زمن الإمبراطورية الفارسية.

ويؤكد الأُستاذ (ألفرد جلوم) أستاذ دراسات العهد القديم في جامعة لندن، بعد أن يعرض لنصوص التوراة حول العهد: "أن هذه الوُعُود قد أُعطيت لإبراهيم ولذريته... وهكذا يصبح لنسل إسماعيل كل الحق لأنهم يعتبروا أنفسهم من نسل إبراهيم ... وبالإضافة إلى أنه حين تم العهد ووُعِد إبراهيم بأرض (كنعان) كملكية أبدية بين الله وإبراهيم بالختان،  كان إسماعيل جد القبائل العربية هو الذي "خُتِن" ولم يكن إسحاق قد ولد"[28]. وينتهي "جلوم" إلى القول: بأنه "من الواضح أن الوُعُود الإلهية إلى أولئك الأنبياء قد أُلغيت بسبب ردة الأُمة عن الدين، وعندما أجلى السبي الأشوري السكان عن السامرة والسبي البابلي الشعب عن يهودا، رأى الأنبياء في هذه المصائب تنفيذاً للعدل الإلهي في حق شعب عاصٍ جاحد. ولكنهم قالوا لشعبهم: أن بقية ستعود... وفعلاً عاد اليهود إلى يهودا وأعادوا بناء أسوار القدس، وأعادوا بناء (الهيكل)، وعلى ذلك فقد تحققت فعلاً نبوءات العودة، ولا يمكن لها أن تتحقق ثانية، ففي مجمل الكتابات المعترف بها دينياً، والمتعلقة بالعهد القديم، ليست ثمة أية نبوءة عن عودة ثانية من الرجوع من المنفى البابلي"[29].

النبوءات تعني جماعة المؤمنين

وعلى ذلك تكون النبوءات الواردة في أسفار التوراة ولم تتحقق بعد؛ خاصة بأُمة أُخرى غير اليهود، وذلك ما يراه كثير من علماء اللاهوت النصارى! يقول {الدكتور "وليام هـ. شتاينسبرج" أستاذ دراسات العهد الجديد –الإنجيل- والدراسات (السامية) في جامعة "ديوك" بولاية "نورث كاورلاينا" والكاهن في الكنيسة المشيخية: "ليس ثمة من أساس في العهد الجديد أو القديم يستند إليه أدعياء الصهاينة بأن إقامة دولة يهودية جديدة في فلسطين هو أمر مطلوب أو له ما يبرره في الكتاب المقدس أو نبوءاته، فالوعود الواردة في نبوءات الكتاب تنطبق على البشر كافة". ويرى أن الإشارات الواردة في الكتاب المقدس تنطبق "حسبما وردت في العهد الجديد، على الكنيسة (المسيحية) المثالية، أو على جماعة من المؤمنين حقاً، ذلك بالمعنى الديني للإيمان". ثم ينتهي إلى أن تلك الإشارات والعبارات في العهد القديم تشير إلى "مملكة روحية للجنس البشري كافة، لا إلى إسرائيل سياسية تحتل أراضي ومنازل مملوكة طبيعية من قبل شعب آخر".

أما الدكتور أوفدر سلزر أستاذ العهد القديم سابقاً، وعميد معهد "ماك كورمك" اللاهوتي، والكاهن في الكنيسة المشيخية المتحدة، ينتهي من تفنيده للإدعاء اليهودي بأن إنشاء (دولة إسرائيل) جاء تحقيقاً لنبوءة الكتاب المقدس، إلى القول: بأن "المسيحي الذي يعتمد على الكتاب المقدس المسيحي، يستطيع أن يعتقد بأن كلمة (إسرائيل) لا تعني وحدة جغرافية أو عرقية أو سياسية، بل جماعة المؤمنين كافة}[30].

المسلمون هم جماعة المؤمنين

لذلك يمكننا التأكيد بكل ثقة أن "الأُمة البارة" التي بشر بها العهد القديم والجديد هي أُمة محمدr. هذه الأُمة هي التي حققت نبوءات التوراة في جعل مدينة بيت المقدس والمسجد الأقصى رمزاً لشمولية الوعد والعهد لجميع شعوب الأرض، ورمزاً للسلام والوحدة العالمية، من خلال جعلها بيت عبادة وصلاة لجميع تلك الشعوب: "بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب" (إشعيا:56/7). وإذا ما سألنا إشعيا: كيف سيكون بيت صلاة لكل الشعوب واليهود يؤمنون أنهم وحدهم هم "شعب الرب"، وهم وحدهم البشر، وغيرهم حيوانات خلقت في على هيئة الإنسان لتليق بخدمة إنسان "شعب الله المختار" للسيادة العالمية على جميع المخلوقات في هذا الكون؟ّ. يُجيبنا (إشعيا:49/6) نفسه: أن الرب يُرسل عبداً ليكون "نورا للأمم" وليس للشعب المختار "فقد جعلتك نوراً للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض". كما يُجيبنا (أرميا:1/5): "جعلتك نبيا لكل الشعوب"! وهذا دلالة على عالمية الرسالة والعهد والوعد، التي قصُرت جِبلة اليهود على القيام بواجب تبليغها وتحقيقها واقعاً بين الشعوب جميعاً، ولكنها احتكرت إله العالم أجمع لنفسها من دون جميع شعوب الأرض، لذلك أنكر عليهم المسيح u ذلك: "أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضاً، بلى للأمم أيضاً" (رسالة أهل رومية:3/29).

وإن حَصر اليهود وُعُود الأنبياء الخاصة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مسيح خاص بهم؛ يُعتبر تحريفاً ظاهراً وواضحاً ومتعارضاً مع وُعود الرب لإبراهيم في التوراة "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (التكوين:12/3). التي تأتِ منسجمة مع العهد الذي قطعه الله لنوح u بعد الطوفان، وكانت علامة عهده أن يضع قوسه في السحاب: "وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم وبين كل الذوات الحية التي معكم إلى أجيال الدهر....". (التكوين 9/ 8-17). وكما تأتِ منسجمة مع نبوءة (زكريا الإصحاح 2/11، 12) قول الرب: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني ها أنا ذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. فتتصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم ويكونون لي شعباً فأسكن في وسطك". ومن أجل هذا أرسل الرب (يونس) إلى "نينوي" لينذرهم بقوله: "وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا قم أذهب إلى نينوي المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرهم أمامي" (سفر يونان: 1/1). وفي سفر إشعيا يرسل الرب عبداً ليكون "نورا للأمم". (الإصحاح 49/6) وليس للشعب المختار، وهذا دلالة على عالمية الرسالة "فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض". كما نجد في (سفر أرميا: 1/5): أن الرب يخبر "جعلتك نبياً لكل الشعوب". وليس لشعب واحد هو بني إسرائيل!.

كما جاء في التوراة ما يدل على شمولية وعالمية الوعد لإبراهيم عليه السلام، وأن القدس ستصبح بيت صلاة وعبادة لكل الشعوب حتى المختلفة مع يهود في الإيمان "لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب". (سفر إشعيا: الإصحاح 56/7). كما نجد في نفس السفر رؤية أكثر وضوحاً وتبشيراً بالمستقبل، وأكثر انفتاحاً وتخلصاً من شعور العنصرية والانغلاق، حيث تبشر بخروج أمة من القدس محبة للسلام وللأمم الأخرى، لا ترفع سيفا ولا تتعلم الحرب: "وتسير شعوب كثيرة وتقول هلم نصعد جبل الرب إلى بيت يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله، لأنه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم تعلن كلمة الرب. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد".(2/3،4). إن هذه النبوءة لا يمكن أن يكون المقصود بها اليهود، الذين لم ينصفوا يوماً شعباً من شعوب المنطقة، أو أغمدوا لهم سيفاً، أو كفوا عن الحرب، وهم أينما حلوا ولدوا الثورات والفتن، وأجروا المذابح، وخلفوا وراءهم الدمار، إلى درجة يصدق فيها عليهم قول الرب لهم: "إن كثرتم الصلاة لا أسمع لكم، أيديكم ملآنة دما". (سفر إشعيا: الإصحاح 1/15). وهذا دليل على قسوة قلوبهم، وأنهم ليسوا هم الأمة المقصودة.

ويعلق رجاء جارودي على نص سفر إشعيا عن الأمة التي تجعل القدس منارة روحية لكل الأمم، بقوله: "تلكم هي رؤيا إشعيا للمستقبل وهي أيضا رؤيا الأنبياء، وهي تجعل من أورشليم ، لا عاصمة شعب، بل منارة روحية لأمة دينية تمتد على تخوم العالم"[31].

كما أنه هناك رؤيا أخرى جاءت في (سفر أرميا) قصر الفكر الديني لليهودي تفسيرها على أنهم هم المقصودين بها، في الوقت الذي لا تنطبق شروطها أيضاً إلا على المسلمين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الرؤيا تقول: ط"يقول الرب أنهم لا يقولون بعد تابوت عهد الرب ولا يخطر على بال ولا يذكرونه ولا يتعهدونه ولا يصنع بعد. في ذلك الزمان يسمون أورشليم كرسي الرب ويجتمع إليها كل الأمم إلى اسم الرب إلى أورشليم". (أرميا: الإصحاح 3/16 ، 17).

وإن كان هناك أمة في التاريخ تنطبق عليها نبوءات التوراة حقيقة فهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهي الأمة الوحيدة التي يشهد لها التاريخ وكثير من مؤرخي الغرب الصليبي نفسه أنها هي الأمة الوحيدة التي حافظت على مقدسات غيرها، ولم تنتهك لها حرمة، ولم تمنع أحدا من أتباعها من الصلاة فيها، أو زيارتها، وكفلت لأتباعها حرية العبادة، وجعلت من القدس بيت عبادة وصلاة لكل أتباع الرسالات السماوية جميعهم. فالمسلمون قد جعلوا من القدس طوال تاريخ حكمهم لها مركزاً روحيا لكل الأمم على اختلاف أجناسها وأعراقها, ومعتقداتها، ولم يحتكروا المدينة لأنفسهم رغم اعتقادهم الراسخ بأنهم هم وحدهم ورثة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ولم يتم ذلك الاتصال بين الأُمم الكثيرة إلا في ظل حكم الإسلام لبيت المقدس، فالتاريخ لم يحفظ لنا أن أُمة من الأمم التي حكمت بيت المقدس حافظت على وصايا التوراة والأناجيل في جعلها بيتاً للعبادة لجميع الأُمم والشعوب كما حافظت عليها أُمة الإسلام، التي احترمت جميع عقائد أتباع الرسالات السماوية ولم تمنعهم من أداء شعائرهم وعباداتهم في بيت المقدس، بل ووفرت لهم كل أسباب الأمن والأمان، وفي الوقت نفسه حفظ لنا التاريخ فظائع عظام ووحشية وبربرية كثيرة ارتكبها اليهود والنصارى ضد سكان فلسطين وغيرها، عندما حكموا بيت المقدس لفترة وجيزة من التاريخ أيام تمردهم في عهد اليونان والرومان.

كما أن النصارى أيضا ليسوا هم تلك الأمة المقصودة بهذه النبوءة، والتاريخ يحفظ للإنسانية فضائع عظام ارتكبها النصارى عندما حكموا بيت المقدس قبل الإسلام لا يقل ضراوة عن فظاعة ووحشية اليهود، وأشد منه ما ارتكبه النصارى ضد المسلمين ومقدساتهم عندما احتلوا بيت المقدس أيام الحروب الصليبية الأولى ضد المسلمين ومقدساتهم، وحتى ضد أبناء دينهم مِمَنْ يخالفوهم في المذهب، وضد اليهود ومقدساتهم. وها هو الواقع المعاصر للموالاة بين اليهود والنصارى هذا العصر يشهد على حقيقة أفعالهم في بيت المقدس والأرض المباركة؛ بل وفي الأرض كلها. بعد أن مكنوا  اليهود من فلسطين وبيت المقدس، ولا زالوا يوفرون لهم الحماية بالرغم من اعتداءاتهم المتكررة لا على مقدسات المسلمين فقط بل وعلى مقدسات النصارى أنفسهم!! وفي الوقت نفسه تتعالى أصوات نصرانية تطالب حكومات العالم النصراني ألا يسمح بإعادة القدس إلى المسلمين، ونجد بابا الفاتيكان عام 1965م يبرئ اليهود من دم المسيح الذي بحسب اعتقادهم أن اليهود هم قتلته، ويقيم سفارة وعلاقات دبلوماسية له مع كيانهم المغتصب لموطن المسيح!! والبابا الحالي بنديكيت السادس عشر لا يكل ولا يمل من الحديث عن التاريخ المشترك الذي يجمع اليهود والنصارى.

ومع ذلك نجد اليهود جادين في العمل من أجل تحقيق تلك الخرافات والأساطير رغم باطلها، ونحن المسلمون غافلون عما يحاك لنا من مؤامرات ودسائس تقوم بها الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني. وكما بدأ تاريخ البشرية في التوراة بالطوفان، وحصر الوعد الإلهي بالسيادة العالمية في ذرية (سام بن نوح)، فإنه انتهى إلى حصر الوعد بالسيادة على الأرض من النيل إلى الفرات، ببني إسرائيل واختيارهم "شعب الله المختار" من دون كل ذرية سام بن نوح، وإذا أردنا التحديد أكثر نقول: وجعل مركز تلك السيادة هو بيت المقدس، ورمزيتها هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل، ووضع عرش ملك اليهود الذي هو من نسل داوود،  ليكون رمزاً لتلك السيادة العالمية لليهود، حيث تحكم (إسرائيل) العالم آخر الزمان، وتحاسب جميع شعوب الأرض على ما اقترفته بحق (إسرائيل) وأموالها من آثام.

 

المبحث الثاني

أصل البشرية بين رؤية التوراة

ورؤية القرآن

1ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كـذب النسـابـون)

بناء على تلك القصة المختلقة الكاذبة التي لا يوجد عليها أي دليل علمي على صحتها إلا ما جاء في كتاب اليهود التوراة، الذي لا يمكن بأي حال أن يُعتبر كتاب دين سماوي ولا كتاب تاريخي موثوق يمكن الاستدلال بما جاء فيه عن تاريخ أنساب الأجناس البشرية بعد الطوفان، رد علماء الأجناس والانثروبولوجيا والتاريخ والآثار وغيرهم الغربيين أصل جميع أجناس الأرض بعد الطوفان إلى أبناء سيدنا نوح عليه السلام! وصنفوهم كالآتي: (الساميون) وهم العرب واليهود وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (سام بن نوح). و(الحاميون) وهم الزنوج والأفارقة وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (حام بن نوح). والأوروبيين والأجناس الأخرى وقد رفعوا نسبهم وأصلهم العرقي إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (يافث بن نوح)؟!.

وذلك التقسيم الغربي التوراتي لأصل الأجناس البشرية تقسيم غير صحيح، يكذبه القرآن الكريم/ وتكذبه الحقائق العلنية الثابتة التي تُكذب خرافات التوراة العلمية وغيرها عن أصل الكون وبداية خلق الإنسان وغيرها. ولنبدأ بالقرآن الكريم:

بداية أود التذكير فقط بأنه قد ورد أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا انتسب فبلغ عدنان كان يُمسك ويقول: "كذب النسابون، فلا يتجاوزه". رواه الطبراني. وذكر القرطبي: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم لما سمع النّسابين ينسبون إلى معدّ بن عدنان ثم زادوا فقال: "كذب النسابون إن الله يقول : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }. (إبراهيم: 9). وقد رُوي عن عُرْوة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسمعيل. وقال ابن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يُعرفون. وقال الطبري في تفسيره في قوله تعالى: (لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ)، لا يحصي عددهم ولا يعلـم مبلغهم إلا الله. وروى أن ابن مسعود كان يقرؤها: (وعادا وثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدَهِمْ لا يَعْلَـمُهُم إلاَّ اللّهُ) ثم يقول: كذب النسابون. وذكر ابن كثير في قوله: {لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ} كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يعرف ما بعد معد بن عدنان.

وفي كتب الحديث جاء في "جامع المسانيد والمراسيل" في "الجزء الخامس" الحديث رقم (16225) "كَانَ إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نِسْبَتِهِ مَعَدَّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ، ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: {وَقُرُونَاً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً}" ابن سعد عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا. ووورد في "الجزء 20" الحديث رقم (16222)، عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبيَّ كَانَ إِذَا انْتَهٰى إِلٰى مَعَد بْنِ عَدْنَانَ أَمْسَكَ وَقَالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالٰى: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَعْلَمَهُ لَعَلِمَهُ"[32]. وبزيادة رواه "فيض القدير": ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل وإنما الخلاف في عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء فمقل ومكثر وكذا من إبراهيم إلى آدم لا يعلمه على حقيقته إلا اللّه تعالى[33]. والحديث ورد بنفس النصوص أو قريب منها في معظم كتب التفاسير والأحاديث.

 

2ـ القرآن الكريم يثبت عكس ما ترويه التوراة حول سيدنا نوح وأصل البشرية

فإن كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى لم يتجاوز عدنان عندما كان يرفع نسبه، ويقول: "كذب النسابون"، فما بال أولئك القوم الذين يؤصلون لأنساب القبائل والبشرية جميعاً إلى أبي البشر جميعاً آدم عليه السلام؟ مستندين إلى التوراة المحرفة التي أكد القرآن مراراً على أنها حُرفت وزورت! ويرجعون جميع أنساب أهل الأرض إلى مَنْ تزعم التوراة أنهم أبناء سيدنا نوح (سام وحام ويافث)! ونعجب للمؤرخين والكتاب المسلمين الذين يوثقون أنساب أسماء القبائل أو الأشخاص نقلاً عن التوراة معتبرين أنها أنساب صحيحة! وذلك لأننا نفهم من كتاب الله تعالى أن أصل الأجناس البشرية بعد الطوفان لا يعود إلى نوح وأبنائه فقط ولكن إلى الجماعة التي آمنت بدعوته من قومه ونجت معه في السفينة من الغرق.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ{26} فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} (هود:25 ـ27). نفهم من الآيات أنه اتبع سيدنا نوح نفر من قومه وليس أبنائه فقط كما ذكرت تلك القصة الخرافة في التوراة. قال ابن كثير: ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا.

وقد أكد الله تعالى تلك الحقيقة عند حديثه عن نجاة نوح وقومه في الفلك، في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} (هود: 40). قال ابن كثير:  وقوله {وَمَنْ ءَامَنَۚ} أي من قومك {وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥۤ إِڑ قَلِيلٌ} أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفساً منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفساً. وقيل كانوا عشرة. وذلك يكذب ما جاء في التوراة: (وقال الرب لنوح: هيا أدخل أنت وأهل بيتك جميعاً إلى الفلك لأني وجدتك وحدك صالحاً أمامي في هذا الجبل) (التكوين: 7/1).

كما أن القرآن الكريم لم يخبرنا عن أبناء لنوح نجوا معه في الفلك أو أحد من أهله بالاسم؛ ولكن الله تعالى أخبرنا أن أحد أبنائه وزوجه لم يكونوا مؤمنين ولم يركبوا معه في السفينة ولم يكونوا من الناجين من الغرق. قال تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ } (هود42). أي أن سيدنا نوح نادى ابنه ـ وكان في مكانٍ عَزَل فيه نفسه عن المؤمنين ـ فقال له: يا بني اركب معنا في السفينة, ولا تكن مع الكافرين بالله فتغرق. وبعد أن رفض وأجابه بأنه سيأوي إلى جبل مرتفع يعصمه من الماء، توجه نوح على الله تعالى قائلاً: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }هود46 } (هود45 ـ 46). وعندما نادى نوح ربه: رب إنك وعَدْتني أن تنجيني وأهلي من الغرق والهلاك, وإن ابني هذا من أهلي, وإن وعدك الحق الذي لا خُلْف فيه, وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم. قال ابن كثير: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى} أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين {قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَۖ} أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: {وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْۖ} فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحاً عليه السلام. وقال القرطبي وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله: "وَأَهْلَكَ" لأنه كان عنده مؤمناً في ظنه، وكان ابنه يُسِرّ الكفر ويظهر الإيمان؛ فأخبر الله تعالى نوحاً بما هو منفرد به من علم الغيوب؛ أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقاً. وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، وبعضهم يقول كان ابن امرأته. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله: {إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَۖ} أي الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة.

أما عن زوجة نوح فقد أخبر المولى عز وجل بقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم: 10). ضرب الله مثلا لحال الكفرة - في مخالطتهم المسلمين وقربهم منهم ومعاشرتهم لهم, وأن ذلك لا ينفعهم لكفرهم بالله- ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يُغْني أحدٌ في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرّق بينهما الدِّين، حال زوجة نبي الله نوح, وزوجة نبي الله لوط: حيث كانتا في عصمة عبدَين من عبادنا صالحين, فوقعت منهما الخيانة لهما في الدين. قال القرطبي: وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القُشَيريّ. إنما كانت خيانتهما في الدِّين وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى (الله) إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين؛ وقيل للزوجتين: ادخلا النار مع الداخلين فيها. أي لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لمّا عَصتَا شيئاً من عذاب الله؛ تنبيهاً بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. ذلك يعني أن زوجة نوح أيضاً لم تكن من الذين آمنوا معه، ولا من الذين ركبوا السفينة ونجوا من الغرق، ولكنها كانت من الهالكين، ما يُكذب الأسطورة التوراتية.

ولكن الله تعالى أخبرنا بأن والدي نوح عليه السلام كانا مؤمنين. قال تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً} (نوح: 28). ذكر القرطبي: أي دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين. وقال سعيد بن جُبَيْر: أراد بوالديه أباه وجدّه. وقال ابن عباس: {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي مسجدي ومصلاّي مصلّياً مصدّقاً بالله. وعنه أيضاً: أي ولمن دخل ديني، فالبيت بمعنى الدِّين. وعن ابن عباس أيضاً: يعني صديقي الداخل إلى منزلي. وقيل: أراد داري. وقيل سفينتي. مجمل القول: يقصد أتباعه الذين آمنوا معه من قومه.

وحقيقة أنه آمن مع نوح ثلة من قومه، وركبوا معه السفينة ونجوا من الغرق، ومنهم ومن ذرية نوح تشكلت أجناس الأرض، أكدها الله تعالى وذكرها في مواضع عدو من القرآن الكريم، في قوله تعالى: {قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰۤ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (هود: 48). قال ابن كثير: يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة. كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.

وفي قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} (الإسراء: 3) أي يا سلالة الذين أنجيناهم وحَمَلْناهم مع نوح في السفينة لا تشركوا بالله في عبادته، وكونوا شاكرين لنعمه، مقتدين بنوح عليه السلام؛ إنه كان عبدًا شكورًا لله بقلبه ولسانه وجوارحه. وقال ابن كثير: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۚ} تقديره ياذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي ياسلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم. وذكر الطبري، وعنى بـالذرية: جميع من احتـجّ علـيه جلّ ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمـم، عربهم وعجمهم من بنـي إسرائيـل وغيرهم، وذلك أنّ كلّ من علـى الأرض من بنـي آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح فـي السفـينة.

كان يجب على المؤرخين والكتاب المسلمين أن يتوقفوا مع هذه الحقيقة القرآنية قطعية الدلالة، بأنه كان هناك آخرين آمنوا مع نوح ونجوا من الطوفان لم تذكرهم التوراة ولم تذكر أنساب ذريتهم، ومع توقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند رفع نسبه إلى عدنان وعدم تجاوزه، ليس ذلك فقط ولكنه أخبر بكذب النسابون، وذلك التكذيب لا يحتاج كبير جهد ليدرك المسلم أنه يقصد به ما ورد في التوراة عن أنساب أهل الأرض من آدم إلى تاريخ كتابة التوراة، ومَنْ نقل عنها، ومع إخبار القرآن أن اليهود حرفوا توراة موسى عليه السلام، ويدركوا أن تلك الأنساب غير صحيحة وأنه لا يمكن أن يعتمدوا التوراة كتاب موثوق في تاريخ الأنساب وأصول الأعراق البشرية!.

أضف إلى ذلك أنه إذا لم يلتفت السلف إلى هذه الحقيقة؛ كان يجب أن يلتفت مؤرخي وكتاب عصرنا من المسلمين وغير المسلمين، وخاصة المؤمنين بالعلم وبسببه شككوا في كثير أو قليل مما جاء وصَدق فيه القرآن الكريم، ويسألوا أنفسهم: إن كان العلم يقول أن الكون مخلوق منذ عشرات بل مئات ملايين السنين، أو على الأقل عشرات الآلاف من السنين، وأن العلماء اكتشفوا هياكل أو بقايا هياكل عظمية أو جماجم بشرية يرجع عمرها إلى ملايين السنين، أو لنقل إلى عشرات الآلاف من السنين، والبعض منهم عندما يؤرخ لبدايات تأسيس المدن أو بدء حياة الاستقرار البشري ومعرفة الزراعة واستئناس الحيوان، أو لنشأة الحضارة في فلسطين نفسها …إلخ؛ لنقل في متوسطها الذي لديهم عليه أدلة مؤكدة بحسب علومهم ما بين عشرة ألاف إلى خمسة عشرة ألف سنة، وهناك من يذهب إلى عشرون ألف سنة!.

وذلك ليس تاريخ خلق الكون ولا تاريخ الإنسان الذي مر بحسب النظرية العلمية الشهيرة التي اتخذها أنصار العلم والعقل أهم وسائلهم لمحاربة الدين والتشكيك فيه، نظرية "النشوء وارتقاء"، في مراحل تطور متعددة إلى أن حدثت الطفرة! تلك الطفرة التي لم يخبرنا عن كيفية حدوثها لا دارون ولا العلماء المؤمنين بتلك النظرية وأعطت الإنسان شكله الحالي (هيكله)؟! كان يجب أن يلفت انتباه أولئك حساب اليهود لتاريخ البشرية منذ خلق الله الكون الذي تزامن مع خلق آدم إلى اليوم. فقد أخبرت التوراة أن الله خلق الإنسان في اليوم السادس من خلق الكون: (ورأى الله ذلك فاستحسنه. ثم قال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، فيتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى الأرض، وعلى كل زاحف عليها) (التكوين: 1/25 ـ 26).

وبناء على ذلك وعلى أعمار آدم وذريته التي سجلها كتبة التوراة في (سفر التكوين) حسب اليهود عمر الكون وتاريخ الإنسان منذ خلقه، الذي على تلك الحسابات لا يتجاوز ستة ألاف سنة! واعتبروه التاريخ التقويم اليهودي التوراتي المعمول به لدى اليهود والمسمى (التقويم العبري)؟! كان عليهم أن يلفت انتباههم ذلك ليدركوا أن التوراة كتاب غير موثوق بل كاذب وأن ما جاء فيه ما هو إلا خرافات وأساطير! فكيف والعلم الحديث أثبت أن التوراة كتاب تاريخ خرافات وأساطير جميع الأمم السابقة والتي كانت معاصرة عندما كتب اليهود توراتهم؟!. وعلى الرغم من ذلك ما زال السواد الأعظم من المؤرخين والعلماء والكتاب يعتمد عليه في موضوع الأنساب وغيره من الحوادث التاريخية وتاريخ الأقوام والشعوب القديمة على أنه مصدر تاريخي موثوق؟!.

      ذلك ما يؤكد صواب رأي مَنْ ضعف أو نفى صحة الحديث المروي في مسند أحمد وسنن الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه  كان يقول: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم".

وكما بدأ التاريخ بـ (سام)  واختيار اليهود شعب الله المختار متجاهلين تاريخ البشرية قبل وبعد الطوفان، حاصرين له في اليهود فقط، يبدأ تاريخ فلسطين أيضاً منذ دخول بني إسرائيل إليها في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، ويتم تجاهل آلاف السنين من تاريخ فلسطين قبل ذلك التاريخ وبعده، وينتهي تاريخ فلسطين اليوم بعودة اليهود الميمونة إلى وطن الآباء والأجداد، مهدهم ومهد الحضارة الأول ـ كما يدعون ـ بمعنى أنهم اختزلوا تاريخ البشرية وفلسطين والعالم أجمع في تاريخ اليهود فقط.

 

3ـ حديث سام بن نوح أبا العرب

ورد حديث سمرة بن جندب في مسند الإمام أحمد بسندين، الأول الحديث رقم (19719): حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم".

والثاني الحديث رقم (19732): حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا روح من كتابه حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: حدث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش، وقال روح ببغداد من حفظه: "ولد نوح ثلاثة سام وحام يافث"[34].

كما جاء في سنن الترمذي أيضاً بسندين، الأول الحديث رقم (3353): حدثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِي حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عَن سَعِيدِ بن أَبي عَرُوبَةَ عَن قَتَادَةَ عَن الْحَسَنِ عَن سَمُرَةَ، عَن النبيِّ قالَ: "سَامُ أَبُو العَرَبِ وَحَام أَبُو الْحَبَشِ ويَافِثٌ أَبُو الرُّومِ".

والثاني ذكره في باب "مناقب فضل العرب" الجزء العاشر، الحديث رقم (4100): حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ بصري حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: "سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ". قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَيُقَالُ يَافِثُ وَيَافِتُ وَيَفثُ[35].

ويبدو أن جميع المفسرين اعتمدوا ذلك الحديث في محاولة للتوفيق بين الآيات التي تحدثت عن (وذرية مَنء حملنا مع نوح) وآية سورة الصافات {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَـاقِينَ} (الصافات: 77). فأهلكوا جميع الذين أمنوا بدعوة نوح، وركبوا معه في السفينة، والبعض قال: أن ذرية نوح فقط الذين ذُكروا في الحديث هم الذين تناسلوا، والآخرين لم يتناسلوا فانقرض نسلهم ولم يبقى لهم ذرية!.

وعلى كثرة التفاسير التي رجعنا إليها علنا نجد أحدهم يخالف نص ما جاء في الحديث وما سبق ذكره في تفسير تلك الآية فلم نجد، إلا الألوسي البغدادي الذي بعد أن قدم ما أجمعت عليه التفاسير الأخرى، ذكر آراء أخرى تقول بأن أهل الأرض من غير ذرية نوح: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَـاقِينَ} (الصافات: 77). وقالت فرقة: أبقى الله تعالى ذرية نوح عليه السلام ومد في نسله وليس الناس منحصرين في نسله بل من الأمم من لا يرجع إليه حكاه في البحر، وكأن هذه الفرقة لا تقول بعموم الغرق، ونوح عليه السلام إنما دعا على الكفار وهو لم يرسل إلى أهل الأرض كافة فإن عموم البعثة ابتداء من خواص خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلّم ووصول خبر دعوته وهو في جزيرة العرب إلى جميع الأقطار كقطر الصين وغيره غير معلوم.

والحصر في الآية بالنسبة إلى من في السفينة ممن عدا أولاده وأزواجهم فكأنه قيل: وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية من معه في السفينة وهو لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه وكان في بعض الأقطار الشاسعة التي لم تصل إليها الدعوة ولم يستوجب أهلها الغرق كأهل الصين فيما يزعمون، ويجوز أن تكون قائلة بالعموم وتجعل الحصر بالنسبة إلى المغرقين وتلتزم القول بأنه لم يبقَ عقب لأحد من أهل السفينة هو من ذرية أحد من المغرقين، أي وجعلنا ذريته هم الباقين لا ذرية أحد غيره من المغرقين، والله تعالى أعلم[36].

ولأننا لسنا أهلاً للعلم ولا الفتوى، ولا نشكك في علم سلفنا رضوان الله تعالى عنهم، ولا التابعين وأهل العلم والتفسير في الأمة، إلا أننا أيضاً لن نسلم بصحة أو حرفية ما قالوا، خاصة وهم لا حجة لهم ولا دليل إلا روايات التوراة وما أصبح معروفاً في تراثنا باسم الإسرائيليات التي حشوا بها كتبهم، ومنذ زمن طويل علت الأصوات بضرورة تنقية تراثنا منها، وتقديم معلومات صحيحة وتفسير لكثير من المسائل والقضايا بعيداً عن تلك الإسرائيليات.

 وهذا الحديث يتشبث به بعض دعاة القومية والعروبة بتعصب وعنصرية شديدين، ينافيان العلمية والموضوعية، ويرفضون الأخذ بعدم صحته أو تضعيفه وعدم جواز الاستدلال به! سأعرض هنا لرأي بعض علماء السلف في الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، وما قالوا في هذا الحديث ورجاله:

ذكره البزار في مسنده وقال: "وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا سمرة وأبو هريرة ولفظ حديث سمرة مخالف للفظ أبي هريرة". رقم (4550): حدثنا عمرو بن علي قال: نا يزيد بن زريع قال: نا سعيد عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم"[37]. وذكر إسماعيل العجلوني أن ابن أبي حاتم والحاكم ذكراه بسند ضعيف عن أبي هريرة[38].

 

4ـ أصل العرب وحقيقة مفاهيم العرب (البائدة والعاربة والمستعربة)

رحلة سيدنا إبراهيم بابنه إسماعيل عليهما السلام هي التي جعلت بعض المؤرخين المسلمين والعرب يقسمون العرب إلى ثلاثة أصناف: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة!. معتبرين أن العرب البائدة هم أقوام نبيي الله هود (لقومه عاد) وصالح (لقومه ثمود) وطسم وجديس وغيرهم، وقد بادوا بعد أن حل بهم عقاب الله بسبب تكذيبهم رُسل الله. والعرب العاربة هم عرب اليمن وهم العرب الأقحاح الذين لم يختلطوا بغيرهم من الأقوام من غير الجنس العربي وهم الذين حافظوا على استمرار الجنس العربي. أما العرب المستعربة فهم نسل إسماعيل بن إبراهيم الخليل من زوجاته من قبيلة جرهم العربية اليمنية التي استقرت معه وأمه بعد أن فجر الله لهما بئر زمزم، وعندما كبر وبلغ سن الزواج صاهرهم، ومن نسله تكونت قبيلة قريش، التي خيرها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن إسماعيل لم يكن يتكلم العربية ولكنه تعرب لغة وثقافة من خلال اكتسابه اللسان العربي من قبيلة جرهم العربية اليمنية التي نشأ وتربى وترعرع فيها! لذلك فَهِم البعض أن سيدنا إبراهيم وإسماعيل كأنهما لم يكونا عرباً في الأصل وأن نسله اكتسب عروبته من مصاهراتهم لقبيلة جرهم وعيشهم واختلاطهم معها على مدى قرون طويلة من التاريخ؟!.

المدقق في تلك النماذج التي قدمناها لما درج عليه المؤرخون المسلمون الذين لم يأخذوا بحديث رسول الله (كذب النسابون)، ونقلوا عن التوراتية ما جاء عن أنساب الأمم والخلائق ومنهم العرب منذ بدء الخليقة، سيجد أنهم خلصوا دون وعي أو قصد منهم إلى نفس نتائج التي أراد كتبة أسفار التوراة وخاصة كتبة سفر التكوين توصيلها للعالم، فهم أبادوا تقريباً جميع القبائل العربية إلا ما ندر، ممن يرتفع نسبهم إلى سام بن نوح،من غير نسل ابنه أرفكشاد، الذي رفعت التوراة إليه نسب إبراهيم عليه السلام. أي معظم القبائل العربية من إخوة أرفكشاد بن سام بن نوح ازاحهم المؤرخين المسلمين الذين تأثروا بأنساب التوراة من طريق مشاركة اليهود في حقهم في البركة التي منحها الله لسام، وذلك بإبادتهم لأنهم كذبوا أنبياء الله أو لسباب اخرى، والقليل منهم الذي ذكر أن مَنْ بقي منهم ذاب في ذرية قحطان، وأولئك اعتبروا قحطان هو يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، لأن البعض يرجح أن يطون قحطان من ولد إسماعيل. ومن المفارقات العجيبة للمفسرين والمؤرخين المسلمين أنهم كانوا يميلون إلى ترجيح صحة أنساب التوراة في وجود الحديث الصحيح عن رسول، كما في نسب قحطان كما سيأتي. ولم يقل لنا واحد ممن عد قحطان بأنه يقطن،  لماذا قحطان من دون كل تلك الأمم التي بادت بقي حياً وذريته من بعده لليوم، وإن كان جائهم رسول من الله تعالى آمنوا به، ولم يفعلوا مثل تلك الأمم التي كقرت وهلكت؟!.

على الرغم من أن المؤرخين المسلمين يعلمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم السابق ذكره عن رفضه رفع نسبه إلى ما بعد عدنان، وقوله: "كذب النسابون"، وفي الوقت نفسه يذكره البعض قبل أن يبدأ في عرضه لأنساب العرب، كابن خدلون مثلاً، الذي بدأ بالقول[39]:

وسئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك وكره أيضاً أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال‏:‏ إبراهيم بن فلان بن فلان وقال من يخبره به‏.‏ وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ‏"‏ قال‏:‏ كذب النسابون‏.‏ واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال ‏"‏ من ههنا كذب النسابون ‏"‏‏.‏ واحتجوا أيضاً بما ثبت في أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات‏.‏

ولكنه يبدأ بخرافات التوراة السابق ذكرها،  فيقول: وهذه الأحاديث وإن صحت فإنما الأنساب فيها مجملة ولا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريغ أنساب الأمم من هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً‏ (أي سام وحام ويافث أبناء نوح).‏ وكذلك نقل الطبري أنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الذي هلك في الطوفان‏.‏ قال‏:‏ وتسميه العرب يام. {ولأن ذلك لا دليل عليه وفي الوقت نفسه يتعارض مع خرافة التوراة نفسها، عندما ذكرنا قصة نوح مع ابنه الهالك في سورة هود، لم ننقل عن المفسرين هذه القصة‏}.‏

ويبرر ذلك عند بدء حديثه عن "الطبقة الأولى من العرب وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإلمام بملكهم ودولهم علي الجملة" (ص23): بأن هذه الأمة أقدم الأمم من بعد قوم نوح وأعظمم قدرة وأشدهم قوة وآثارا في الأرض وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه‏.‏ لأن أخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع إطلاعنا عليها لتطاول الأحقاب ودروسها إلا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الأنبياء بوحي الله إليهم وما سوى ذلك من الأخبار الأزلية فمنقطع الإسناد ‏... وأخبار هذا الجيل من العرب وإن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أن بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا وأوعى لأخبارهم فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل‏. ... وسمي أهل هذا الجيل العرب العاربة إما بمعنى الرساخة في العروبية.. وقد تسمى البائدة أيضاً بمعنى الهالكة لأنه لم يبقَ على وجه الأرض أحد من نسلهم‏.‏

العرب كلهم عاربة

يذكر ابن كثير أنه: قيل إن جميع العرب ينتسبون إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام والتحية والاكرام، والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل اسماعيل، وهم قبائل كثيرة منهم عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم ومدين وعملاق وعبيل وجاسم وقحطان وبنو يقطن وغيرهم. وذكر الألوسي، وقال ابن دريد في الجمهرة العرب العاربة، هم سبع قبائل: عاد. وثمود. وعمليق. وطسم. وجديس. وأميم. وجاسم، وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل.

ويذكر ابن خلدون في كتابه "تاريخ ابن خلدون" في الجزء الثاني ص33 ما بعدها" أنساب القبائل العربية بمرجعية توراتية: فأما سام فمن ولده العرب على اختلافهم وإبراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين. والخلاف بينهم إنما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب إلى سام‏.‏ فالذي نقله ابن إسحق‏:‏ أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم أرفخشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم‏.‏ ويؤكد على صحة ذلك بقوله: وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة .. وقال ابن إسحق‏:‏ وكان للاوذ أربعة من الولد‏:‏ وهم طسم وعمليق وجرجان وفارس‏.‏ قال‏:‏ ومن العماليق أمة جاسم‏.‏ فمنهم بنو لف وبنو هزان وبنو مطر وبنو الأزرق‏.‏ ومنهم بديل وراحل وظفار‏.‏ ومنهم الكنعانيون وبرابرة الشام وفراعنة مصر‏.‏ وعن غير ابن إسحق: أن عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ‏.‏ قال ابن إسحق‏:‏ وكان طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية‏.‏

قال وولد إرم‏:‏ عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت‏.‏ ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشام والحجاز‏.‏ وقال هشام بن الكلبي‏:‏ عبيل بن عوس أخو عاد‏.‏ وقال ابن حزم عن قدماء النسابين‏:‏ إن لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر‏.‏ قال فعلى هذا يكون جديس ثمود أخوين وطسم وعملاق أخوين أبناء عم لحام وكلهم بنو عم عاد‏.‏ قال ويذكرون عبد بن ضخم بن إرم وأن أميم بن لاوذ بن إرم‏.‏ قال الطبري‏:‏ وفهم الله لسان العربية.

العرب العاربة البائدة

ثم يذكر ابن خلدون أسماء العرب العاربة البائدة من تلك القبائل: عاداً وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة. وربما يقال‏:‏ إن من العرب العاربة يقطن أيضاً ويسمون أيضاً العرب البائدة ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد‏.‏ قال وكان يقال عاد إرم فلما هلكوا قيل ثمود إرم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد إرم أرمان وهم النبط. وقال هشام بن محمد الكلبي‏:‏ إن النبط بنو نبيط بن ماش بن إرم والسريان بنو سريان بن نبط‏.‏

وفي موضع آخر يقول: وأما العرب البائدة من بني أرفخش بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فهم جرهم وحضورا وحضرموت والسلف‏.‏ فأما حضوراً فكانت ديارهم بالرس وكانوا أهل كفر وعبادة أوثان‏.‏ وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع فكذبوه وهلكوا كما هلك غيرهم في الأمم‏.‏ وأما جرهم فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية‏ .ص34.‏.. قال ابن سعيد: وأما جرهم إنهم أمتان‏:‏ أمة على عهد عاد‏.‏ وأمة من ولد جرهم بن قحطان‏.‏ وأن جرهم التي كانت على عهد عاد فقد هلكت وبادت. ص37.

ومثال آخر للمؤرخين المسلمين ونقلهم عن التوراة دون تمحيص؛ المسعودي في كتابه "النتبيه والإشراف"، حيث يقول: وأخبار العرب البائدة كعاد وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام بن نوح. وثمود وجديس ابني عابر ابن أرم بن سام. وعمليق وطسم ابني لاود بن أرم ابن سام ابن نوح. ووبار بن أميم بن لاود بن أرم بن سام بن نوح. وجرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. وعبس بن ضخم بن عبد بن هرم بن عابر بن أرم بن سام .. وغيرهم. وتفرقهم عن أرض العراق بعد تبلبل الألسن (الخرافة التوراتية السابق ذكرها)!.

وفي كتابه "مروج الذهب"، عند ذكر "عاد وملوكها"، (الصفحة 43)، يقول[40]: ذكر جماعة من ذوي العناية بأخبار العالم أن الملك يؤثر من بعد نوح في عاد الأولى التي بادت قبل سائر ممالك العرب كلها، ومصداق ذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الاْولَى} (النجم: 50). ويذكر (نسب عاد): وكان عاد رجلاً جباراً عظيم الخلقة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وعند ذكر "ثمود وملوكها"، (الصفحة 46)، يقول: (مساكن ثمود) وكان ملك ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفجِّ الناقة، وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن إرم بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وفي (الصفحة 50)، يقول: وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.

ونموذج ثالث ذكره محمد طاهر بن عاشور، "التحرير والتنوير في تفسير القرآن"[41]: ... ووصف عاد بـ{ٱلأولَىٰ} في قوله تعالى: {وَأَنَّهُۥۤ أَهْلَكَ عَادًا ٱڙولَىٰ} (النجم: 50)، لأنها أول العرب ذكراً وهم أول العرب البائدة وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح. "الجزء (27)، صفحة (152). وإرَم بن سَامٍ بن نُوح هو جد عاد لأن عاداً هو ابن عُوص بن إرَم، "الجزء (30)، صفحة (317). وثمود أمّة عظيمة من العرب البائدة وهم أبناء ثمود بن جَاثَر ـ بجيم ومثلّثة كما في «القاموس» ـ ابن إرَم بن سام بن نوح فيلتقون مع عاد في (إرَم). ونظير إطلاق اسمين على حي مؤتلف من قبيلتين إطلاق طسم وجديس على أمّة من العرب البائدة، وإطلاق السكاسك والسكرن في القبائل اليمنية، "الجزء (16)، صفحة (30). و{ثَمُودُ} : أمة من العرب البائدة العاربة، وهم أنساب عاد. وثَمود: اسم جد تلك الأمة ولكن غلب على الأمة. "الجزء (29)، صفحة (115).

ويُضيف القلقشندي في "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب": (234) بنو عبد ضخم - قبيلة من العرب البائدة وهم بنو عبد ضخم ابن أرم بن سام بن نوح عليه السلام‏.‏ قال في العبر‏:‏ كانوا يسكنون الطائف فهلكوا فيمن هلك‏.‏ قال ويقال‏:‏ أنهم أول من كتب بالخط العربي. (615) بنو هزان - بطن من جاسم من العماليق من العرب البائدة وجاسم تقدم الكلام عليه في حرف الجيم‏.‏ (5) يوم جديس - لجديس على طسم وهما من العرب البائدة‏‏[42].‏

العرب العاربة الباقية

أما العرب العاربة الباقية فقد نسبوها جميعاً إلى قحطان وكادوا يجمعون على أنه هو أول مَنْ تكلم العربية، ولكنهم واختلفوا في نسبه إن كان لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أم إلى سام بن نوح؟!.

فقال ابن خلدون في (تاريخه، الجزء الثاني، ‏ص38): وأما بنو سبأ بن يقطن فلم يبيدوا وكان لهم بعد تلك الأجيال البائدة أجيال باليمن منهم حمير وكهلان وملوك التبابعة وهم أهل الطبقة الثانية‏.‏ وفي مسند الإمام أحمد‏:‏ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هو فروة بن مسيق المرادي عن سبا أرجل هو أو إمرأة أم أرض فقال بل رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة والشام أربعة‏.‏ فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعر وأنمار وحمير‏.‏ وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان‏. وثبت أن أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية ولقنها عن الأجيال قبله فكانت لغة بنيه‏.‏ ولذلك سموا العرب المستعربة ولم يكن في آباء قحطان من لدن نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية وكذلك كان أخوه فالغ وبنوه إنما يتكلمون بالعجمية إلى أن جاء إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة بنيه وهم أهل الطبقة الثالثة المسمون بالعرب التابعة للعرب‏.‏ قال ابن إسحق‏:‏ وكان طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية‏.‏

وفي (ص53) يقول: وأعلم أن أهل هذا الجيل من العرب (العاربة) يعرفون باليمنية والسبائية، وقد تقدم أن نسابة بني إسرائيل يزعمون أن أباهم سبأ من ولد كوش بن كنعان ونسابة العرب يأبون ذلك ويدفعونه، والصحيح الذي عليه كافتهم أنهم من قحطان وأن سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان‏.‏ وقال ابن إسحق‏:‏ يعرب بن يشجب فقدم وأخر‏.‏ وقال ابن ماكولا‏:‏ اسم قحطان مهزم‏.‏ وبين النسابة خلاف في نسب قحطان‏:‏ فقيل هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام أخو فالغ ويقطن ولم يقع له ذكر في التوراة وإنما ذكر فالغ ويقطن‏.‏ وقيل هو معرب يقطن لأنه اسم أعجمي والعرب تتصرف في الأسماء الأعجمية بتبديل حروفها وتغييرها وتقديم بعضها على بعض‏. وقيل‏:‏ إن قحطان بن يمن بن قيدار وقيل‏:‏ إن قحطان من ولد إسماعيل‏.‏ وأصح ما قيل في هذا أنه قحطان بن يمن بن قيدر ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار وأن يمن هذا سميت به اليمن‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ أن يعرب بن قحطان كان يسمى يمناً وبه سميت اليمن‏.‏ فعلى القول بأن قحطان من ولد إسماعيل تكون العرب كلهم من ولده لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها‏.‏ وللأسف أنه سبق ذكر يقطن في عداد العرب البائدة!

وكما تقدم معنا فإنه هناك اختلاف على نسب قحطان ومذملك على إن كان هو أول مَنْ تكلم العربية أم غيره! وهذا مثال إلى تخبط النؤرخين المسلمين لأنهم لا ينقلون عن مصدر موثوق، ولم يلتزموا بحديث رسول الله "كذب النسابون"، وسأعرض لتلك الاحتلافات كمثال على اختلافات كثيرة في تلك الآلاف من المجلدات التي تحتاج إلى إعادة كتابة لِما جاء فيها، دون أن اتدخل في الآراء المذكورة لأن رأي معلوم أنا مع عروبة قحطان ولغته وغيره ولكن من تاريخ معلوم وعليه دليل، تؤكده روايات السيرة وأحاديث رسول الله. وما سأذكره ورد في جميع المراجع التي ذُكرت واتخذناها كنماذج وفي المراجع التي لم تُذكر!

ذكر الألوسي البغدادي: ... وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية يعرب بن قحطان، وهو مراد الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، واستدل بعضهم على أنه أول من تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في التاريخ بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفاً ولا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل وأنه أول من تكلم بالعربية[43].

كما ذكر البروسوي وقدم تأولاً لعدم التعارض والتناقض بين أن يكون قحطان أول مِنْ تكلم العربية أو غيره، فقال: ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية فهو أبو عرب اليمن يقال لهم العرب العاربة. ويقال لمن تكلم بلغة إسماعيل العرب المستعربة وهي لغة أهل الحجاز. فعربية قحطان كانت قبل إسماعيل عليه السلام وهو لا ينافي كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية، لأنه أول من تكلم بالعربية البينة المحضة وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن، وكذا لا ينافي ما قيل أن أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية. واشتهر على ألسنة الناس أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "أنا أفصح من نطق بالضاد" المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد في غير لغتهم[44].

وذكر ابن عادل الدمشقي الحنبلي ما قاله البروسوي، وأضاف: وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه: منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر. ويقال إن هوداً عليه السلام أول من تكلم بالعربية وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها، وقال غيره أول من تكلم بها نوح، وقيل آدم وهو الأشبه قبل غير ذلك والله أعلم[45]..

كما ذكر ابن كثير: عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة"، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا أبو جري حدثني[46].

وأذكر بما قلته سابقاَ: لم يقل لنا واحد ممن عد قحطان بأنه يقطن، وأنه وذريته هم يكادوا أن يكونوا الوحيدين من العرب العاربة الأولى التي لم تبيد، لماذا قحطان من دون كل تلك الأمم التي بادت بقي حياً وذريته من بعده لليوم، وإن كان جائهم رسول من الله تعالى آمنوا به، ولم يفعلوا مثل تلك الأمم التي كقرت وهلكت؟!.

العرب المستعربة

‏ويذكر ابن خلدون في ( تاريخه، الجزء الثاني، ص 19): أن العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام‏.‏ ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبؤة منهم إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ وكان من شأنه مع نمروذ ما قصه القرآن‏.‏ ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور.

ثم يذكر ابن خلدون "الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وأيامهم وملوكهم والإلمام ببعض الدول التي كانت على عهدهم" (الصفحة 53) فيقول: وإنما سمي أهل هذه الطبقة بهذا الاسم لأن السمات والشعائر العربية لما انتقلت إليهم من قبلهم اعتبرت فيها الصيرورة بمعنى أنهم صاروا إلى حال لم يكن عليها أهل نسبهم وهي اللغة العربية التي تكلموا بها‏.‏ وأهل الطبقة الأولى لما كانوا أقدم الأمم - فيما يُعلم -‏ جيلاً كانت اللغة العربية لهم بالأصالة وقيل العاربة.

ويذكر ابن كثير: وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم[47]. في (الجزء الثاني، ص 156): ولكن انطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللطبري رأي آخر، يقول: وكانوا قوماً عرباً يتكلمون بهذا اللسان المضري فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة لأنه لسانهم الذي جبلوا عليه، ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم: العرب المتعربة لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم. فعاد وثمود والعماليق وأميم وجاسم وجديس وطسم هم العرب[48].

وتقدم معنا أنه قيل‏:‏ إن قحطان بن يمن بن قيدار وقيل‏:‏ إن قحطان من ولد إسماعيل‏.‏ وأصح ما قيل في هذا أنه قحطان بن يمن بن قيدر ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار وأن يمن هذا سميت به اليمن‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ أن يعرب بن قحطان كان يسمى يمناً وبه سميت اليمن‏.‏ فعلى القول بأن قحطان من ولد إسماعيل تكون العرب كلهم من ولده لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها‏.‏

وقد احتج الذين قالوا: أن قحطان ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، بأن البخاري ترجم في صحيحه "باب نسبة اليمن الى إسماعيل عليه السلام"، فقل: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي اللـه عنه قال خرج رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيدهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم انفرد به البخاري وفي بعض الفاظه ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قال البخاري وأسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل اللـه عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لـهم عليه الصلاة والسلام ارموا بني اسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأولـه آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبدالبر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قالـه ابن عبدالبر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخوالـه انتسبوا إلى قحطان[49].

وأني لأدهش من موقف معظم مؤرخي المسلمين لأنهم لم يأخذوا بهذا الرأي على أن نسب قحطان بن يعرب يرتفع إلى إسماعيل بن إبراهيم، وليس إلى سان بن نوح، ذلك الراي الذي لا دليل موثوق يؤكد صحته، فضلاً عن تضارب الأنساب والروايات حوله؟!.

5ـ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ

ذلك الفهم عند البعض يحتاج إلى إعادة نظر! فإبراهيم كان عربياً من قبيلة عربية أصيلة في عروبتها، هي (الآراميين). كما أن العرب هم العرب منذ فجر التاريخ، فمَنْ يسمونهم العرب البائدة ليسوا بائدة! لأن قومي عاد وثمود وغيرهم لم يبادوا عن بكرة أبيهم بعد أن نزل بهم عذاب الله وعقابه، ولكن بقي نسلهم مستمراً فيمَنْ آمن مع رُسِلِهم ونجاهم الله، وإن كانوا هاجروا أو انتقلوا من ديارهم قبل أن ينتقم الله من أقوامهم الكفار ويبيدهم إلى مكان ما في حدود الجزيرة العربية، وقد اختلطوا بالأقوام العربية التي نزلوا بينها في أي مكان؛ لا يعني ذلك أنهم بادوا وانقرضوا ولكنهم تواصل نسلهم وتكاثر بالتزاوج مع تلك الأقوام العربية مثلهم.

أما سيدنا إسماعيل وذريته من بعده لم يكتسبوا عروبتهم من تزاوجهم واختلاطهم بقبيلة جرهم العربية اليمنية، لأن إسماعيل أخذ عروبته عن أبيه إبراهيم الذي كان عربياً، من قبيلة الآراميين العربية العاربة ـ إن صح التعبير في أصله ـ ولم يكن أعجمي كما فهم البعض من اسمه الذي قالوا أنه اسم أعجمي! وعلى ذلك يكون ذلك التقسيم تقسيم خاطئ يحتاج إلى إعادة نظر وتصوب.

ولأننا نسعى لتقديم قراءة قرآنية أو عربية صحيحة لتاريخنا وتاريخ وطننا وقبائله، ومن خلال فهمنا لخصوصية ديننا وتاريخنا؛ فإنه يمكننا أن نسترشد بما بين أيدينا من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة لتقديم تلك القراءة البديل عما هو شائع ومتداول في كتبنا ولدى كتابنا ومثقفينا، نقول:

أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه العزيز أنه جعل النبوة والرسالة في ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 33 ـ 34). إن الله اختار آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران, وجعلهم أفضل أهل زمانهم، وجعلهم النبوة والرسالة في ذرتيهما.

قال القرطبي: اصطفى اختار، وفي البخارِيّ عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد؛ يقول الله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۴ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 68) وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأن محمداً صلى الله عليه وسلّم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران؛  قاله الأخفش. أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض.

وقد ذكر الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله اجتبى آدم ونوحاً، واختارهما لدينهما، لدينهم الذي كانوا علـيه، لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأخبر الله عزّ وجلّ أنه اختار دين من ذكرنا علـى سائر الأديان التي خالفته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰۤ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} رجلان نبيان اصطفاهما وفضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم. فالذرّية منصوبة على القطع من آل إبراهيم وآل عمران: لأن "الذرّية" نكرة، و"آل عمران" معرفة، لأن المعنى: اصطفى ذرّية بعضها من بعض. وإنما جعل «بعضهم من بعض» فـي الموالاة في الدين والموازرة على الإسلام والحق، إنما معناه: ذرّية دين بعضها دين بعض، وكلمتهم واحدة، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 26).

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام لم يرسل بعده رسولاً ولانبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما.

وقال الطبري يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا أيها الناس نوحاً إلى خلقنا، وإبراهيم خليله إليهم رسولاً وَجَعَلْنا فِي ذُرّيَّتِهِما النُبُوَّةَ وَالكِتابَ وكذلك كانت النبوّة في ذرّيتهما، وعليهم أنزلت الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وسائر الكتب المعروفة فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ يقول: فمن ذرّيتهما مهتدٍ إلى الحقّ مستبصر وكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من ذرّيتهما فاسِقُونَ يعني ضُلاَّل، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته.

ويمكننا أن نفهم من هذه الآيتان: أن العهد لنوح والوعد لإبراهيم هما عهد ووعد إيمان وهداية ورسالة للبشرية جمعاء، وأن الله تعالى اصطفى بعض ذريتهما مِمَنْ هم أهل لحملها وتبليغها للناس بذلك الشرف. وقد روى الترمذي أن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيم إسْمَاعْيِلَ، واصْطَفَىَ كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفَىَ قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ. وَاصْطَفَىَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صحيح مسلم وسنن الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم خير القبائل فجعلني من خير القبيلة، ثم خير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً. سنن الترمذي.

يُصدق ذلك؛ قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (مريم: 58).

وتفسير قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلّم: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء من ذريه آدم، ومن ذرية من حملنا مع نوح فـي الفُلك، ومن ذرية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرية إسرائيل، وممن هدينا للإيمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا،

وقال ابن كثبر: قال السدي وابن جرير رحمه الله. فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح (قلت) هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما السلام،

نفهم من الآيات الكريمة أن جميع الأنبياء والرسل نسل ذرية واحدة تعود في نسبها إلى نوح عليه السلام، وأن إبراهيم من ذرية نوح، وأن جميع الأنبياء والرسل الذين جاؤوا من بعده هم من ذريته، فكان جميع أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا في مصر ومنطقة الهلال الخصيب (العراق وبلاد الشام) من ذريته في إسحاق ويعقوب. وكان خاتم جميع الأنبياء والرسل قاطبة من ذرية نوح وإبراهيم هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان النبي من ذريته إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وقد بُعث في أم القرى (مكة)، وفي العرب الذين لم يختلطوا بالأجناس الأخرى كإخوانهم الذين سكنوا بقية الوطن. ونفهم من الأحاديث النبوية الشريفة؛ أن خير ذرية إبراهيم إسماعيل، وخير ذرية إسماعيل كنانة، وخير ذرية كنانة قريش، وخير ذرية قريش بني هاشم، وخير ذرية بني هاشم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وإذا ما حاولنا أن نجتهد لنعرف سبب تلك الخيرية والاصطفاء للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نقول: أنه كما أراد الله تعالى أن يعيد العلاقة الروحية بين مكة وفلسطين من خلال رحلة إبراهيم بابنه إسماعيل من فلسطين إلى الحجاز (مكة)، فإنه أراد أيضاً أن يعيد وحدة العرب الذين تفرقوا في أرض الوطن وتباعدت أنسابهم وأصهارهم عن بعضهم من خلال إسماعيل، فجمع إسماعيل عرب العراق من ناحية الأب بعرب مصر من ناحية الأم (هاجر)، بعرب الشام من ناحية المولد (بئر السبع)، بعرب الحجاز واليمن من ناحية المصاهرة منه لهم ومن ذريته من بعده بهم، وبذلك تكون اجتمعت فيه وفي ذريته جميع قبائل العرب على تباعدها، التي اصطفى الله تعالى منها جميعاً خير البشرية جمعاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ومما يؤسف له؛ أنه لم يخبرنا أحد من المسلمين الذين ينقلون عن التوراة أو علماء الغرب والمنظومة الفكرية والعلمية الغربية، دون تدقيق، أين ذهبت ذرية القوم الذين آمنوا مع نوح، أو يسألون أنفسهم: أين ذهبت تلك الذرية؟! التي يجب أن تفوق ذرية نوح من أبنائه الثلاثة كما تدعي التوراة لأن عددهم أكثر من ثلاثة أشخاص! لم يقل لنا أحد من أولئك المؤرخين والكتاب المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن وما جاء فيه إن كان ذرية القوم الذين آمنوا بدعوة نوح وركبوا معه الفلك كما أخبرنا القرآن الكريم أبيدوا أو انتقلوا إلى كوكب آخر، وأنه لم يبقى على الأرض مِمَنْ نجا من الطوفان مع نوح إلا أبنائه الثلاثة الذين لم يذكرهم القرآن الكريم الذي لا يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!!.

ذلك هو فهمنا لِما ورد في كتاب الله العزيز، لأن القول بتلك التقسيمات للقبائل العربية يتعارض مع صريح نص القرآن بجعل النبوة والرسالة في ذرية سيدنا نوح وإبراهيم، لأنه إذا انقرضت تلك القبائل التي كانت فيها النبوة والرسالة في نبيي الله هود وصالح من بعد سيدنا نوح، فذلك يعني انقطاع تواصل النبوة في ذلك النسل (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ). كما أنه يخالف ما نفهمه من نجاة الجماعات التي آمنت من قومهما ومنهما نبيي الله هود وصالح نفسهما، ما يعني أن تلك الأقوام لم تنقرض ولم تبيد، واستمرت في ذريتهما النبوة والرسالة إلى أن وصلت إلى سيدنا إبراهيم، ومنه ومن إسماعيل وصلت إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

6ـ عروبة إبراهيم عليه السلام؟!

لقد وقع معظم كتاب التاريخ ودارسي الكتب الدينية عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل من بعده في خطأ جسيم جداً، وذلك عندما رفعوا نسبه إلى من تدعيه التوراة (سام بن نوح)، كما أن التوراة تناقضت في ذكر نسب سيدنا إبراهيم، وغالباً ما يذكره المؤرخون دون التطرق إلى أصله العرقي وأصل قبيلته التي انسلخ عنها بعد أن أوحى إليه الله تعالى بأن يترك قومه ويهاجر إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، مما يُظهر بني إسرائيل واليهود وكأنهم قبيلة متميزة عن غيرها من القبائل التي عاصرتها، ومستقلة عن جميع قبائل وأعراق الأرض منذ فجر التاريخ، أو منذ ما بعد الطوفان، في وقت الحقيقة فيه خلاف ذلك.

فنحن عندما نرجع إلى شجرة الأنساب في التوراة في سفر التكوين؛ نجدها رفعت نسب إبراهيم عليه السلام إلى (أرفكشاد بن سام بن نوح)، فقد جاء في التوراة: "وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ وُلِدَ لَهُ أَيْضاً بَنُونَ. بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ. وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ وََوَلَد شَالَحُ عَابِرَ وَوَلَد عَابِرُ َفَالَجَ وَوَلَدَ َفَالَجَ رَعُوَ وَوَلَدَ رَعُو سَرُوجُ وَوَلَدَ سَرُوجُ نَاحُورََ وَوَلَدَ نَاحُورَ تَارَحَ. وَوَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. (يراجع سفر التكوين: الإصحاح 10،11). وفي موضع آخر من التوراة في سفر التثنية نحد كتبة التوراة ينسبونه إلى (أرام بن سام بن نوح) أخو (أرفكشاد بن سام بن نوح) عندما يكتبوا على لسانه: "أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي". (التثنية: 26/5). فأي النسبين الصحيح؟!.

لذلك سنخالف ما درج عليه المؤرخون والكتاب عند ذكرهم سيدنا إبراهيم وبني إسرائيل واليهود من بعده، ونبدأ تحديد نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، لنثبت نسبه العربي منذ ولادته، وكذلك أن الذي دفع العرب أبناء عمومة بني إسرائيل إلى كراهيتهم وعدم الترحيب بهم أو بجوارهم، ومحاربتهم لهم، راجع إلى ما طُبع عليه بنو إسرائيل من طباع سيئة، وأخلاق عدوانية، منذ فجر تاريخه، وقصتهم مع أخويهم من أبيهم سيدنا يوسف وأخاه بميامين على تسمية التوراة له معروفة، فإن كان حقدهم وكراهيتهم وغيرتهم من أخويهم الأصغرين وصلت ذلك الحد فكيف ستكون مع غيرهم؟!.

إننا نرى أن الرأي الراجح هو الذي يقول: أن أصل سيدنا إبراهيم عليه السلام من قبيلة آرامية عربية الأصل، هاجرت إلى بلاد الشام والعراق مع الهجرة الآرامية في الألف الثالث قبل الميلاد، وأن قسم منها سكن الجزء الجنوبي من العراق، وذلك في العهد الأموري الذي أسس دولة بابل الأولى التي كان من أشهر ملوكها حمورابي. وقد ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام في بدايات القرن التاسع عشر قبل الميلاد ـ على أقرب التواريخ للصحة ـ ونشأ في مدينة أور بابل الواقعة في القسم الجنوبي من العراق، فقد جاء في التوراة نص قريب من ذلك عن أصل نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، يتوافق مع الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار، وهو: "آرامياً تائهاً كان أبي" (سفر التثنية: 56/5).

فقد بات معلوماً أنه: كان الأموريون في مبدأ الأمر في شمال سوريا، ثم أخذوا ينتشرون بعد ذلك في مناطقها الوسطى وعلى الشاطئ حتى وصلوا إلى فلسطين، وانتشروا نحو الشرق واستقروا في مناطق ذات حضارة قديمة. وأسسوا دولة لعبت دوراً كبيراً في تاريخ العراق، ونشأت فيها أُسرة مدينة بابل حوالي عام 1894ق.م، التي قدر لسادس ملوكها وهو الملك حمورابي الذي بدأ حكمه عام 1728 ق.م أن يوحد البلاد كلها تحت سلطانه وأن ينشئ الإمبراطورية الشامية الثانية وأن يخضع له كل الدويلات الأخرى مثل دولة ماري ولارسا وعيلام ووصل جنوباً إلى (الخليج الفارسي)[50]. كما هاجر الآراميون واستقرت قبائلهم في أعالي بلاد ما بين النهرين ومنطقة الفرات الأوسط وبلاد الشام وذلك في منتصف الألف الثاني ق.م، ومنهم قبيلة أقامت في جنوبي العراق[51]. يقول بعض المؤرخين وعلماء الآثار أنه في تلك القبيلة ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام نحو عام 1900 ـ 2000 ق.م.

كما إننا نجد أن التوراة تناقضت واختلفت في نسب سيدنا إبراهيم، فإنها أيضاً تناقضت واختلفت في إن كان هاجر هو ووالده من أور بابل أم وحده!  فقد جاء في التوراة: "وأخذ تارح إبرام ابنه… من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض (كنعان)" (سفر التكوين: 11/31). وكما أن هذا النص يتعارض مع ما ذكرته الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار من أن اسم كلدية نسبة إلى قبيلة كلدية العربية، التي هاجرت إلى جنوب العراق وأقامت فيها دولة بابل الثانية لم يظهر إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، أي بعد مولد سيدنا إبراهيم بأكثر من ألف سنة، فإنه أيضاً يتناقض مع النص التوراتي الذي يقول: "وقال الرب لإبرام: (اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك واذهب إلى الأرض التي أريك)" (سفر التكوين: الإصحاح 12/1).

فأي النصين نُصدق؟! وأي النسبين نُصدق؟ وأي العهدين لنوح أيضاً تُصدق؟! ولكننا سنُصدق ما ذكره القرآن الكريم لأنه الأصدق.

لم يذكر القرآن الكريم أن سيدنا إبراهيم هاجر من بلاده ومعه أبيه، لأن أبيه لم يكن على دينه الذي دعا إليه قومه، حيث أن سيدنا إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد، وإلى توحيد الخالق وترك عبادة الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة التي كانوا يعبدونها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. (الأنعام: الآية 74). وعندما ضاق أبا سيدنا إبراهيم بدعوة ابنه له وعجز عن رده إلى عبادة الأصنام قال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾. (مريم:46). وهذا دليلٌ على عدم صحة النص الأول في التوراة وصحة النص الثاني، والتأكيد على أن إبراهيم هاجر من غير أبيه إلى أرض محددة، قال تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. (الأنبياء: الآيات من51ـ71).

ورد في تفسير هذه الآية عن ابن كثير والطبري والقرطبي وغيرهم: قالوا: عن الأرض التي بارك الله فيها للعالمين هي بلاد الشام. وما من ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرّق في الأرض. وقيل لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها؛ والبركة ثبوت الخير. وكان يُقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في بلاد الشام. وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر. وقيل: بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء لذلك قيل أنها معادن الأنبياء. وهي أيضاً كثيرة الخصب والنموّ، عذبة الماء.  وبها مـجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريـم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال.

وقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجه (سارة) وابن أخيه (لوط) والعدد القليل الذي آمن معه من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين والتمكن من نشره. وساروا مع طريق القوافل حتى وصلوا حران مدينة شمال الهلال الخصيب تقع على إحدى أفرع الفرات وإلى القرب من تل الخلف. وهي مدينة تجارية واقعة على طريق القوافل بين بابل وسواحل البحر المتوسط. وقد مكث في حران فترة من الزمن ثم تركها ومن معه مهاجراً إلى فلسطين، وبعد عبور نهر الأردن واصل سيدنا إبراهيم سيره إلى فلسطين حتى نزل مدينة شكيم نابلس. ثم رحل عنها متنقلاً في أرض فلسطين إلى أن استقر بع المقام في مدينة بئر السبع. أما سيدنا لوط فقد نزل قرية سدوم قرب البحر الميت.

وقد أقام إبراهيم وسط أبناء عمومته من القبائل العربية من سكان بئر السبع وفلسطين داعياً إلى الله تعالى. وقد قامت علاقة طيبة بينه وبين سكان البلاد الذين أحسنوا وفادته وضيافته لما رأوا من حسن خلقه وصلاحه وكرمه. واستمرت إقامته إلى أن حلت المجاعة بأرض فلسطين فارتحل إبراهيم إلى مصر، ولم يطل به المقام هناك لِما أخبرتنا به كُتب السير مما حدث بينه وبين فرعون مصر، فخرج منها عائداً إلى فلسطين بعد أن زوده فرعون مصر بالمال والماشية وجارية ـ قيل أنها أميرة من أميرات القصر أو أنها من الأسرة الحاكمة ولم تكن خادمة كما قال البعض، وقد تكون صفة الجارية نقلها الكتاب عن التوراة ـ وهبها لزوجه (سارة) اسمها (هاجر). وبعد عودته إلى فلسطين استقر مرة أخرى في بئر السبع. وبعد فترة قصيرة تزوج إبراهيم من هاجر التي أنجبت له إسماعيل عليه السلام، الذي حمله وأمه بعد أن غارت منها سارة عابراً الصحراء إلى مكة في الجزيرة العربية وأسكنهما هناك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. َربّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. (إبراهيم: الآيات 35-37). قال المفسرون في مِن ذُرِّيَّتِي ولده إسماعيل وزوجه هاجر. وجاء في الحديث: أن هاجر لما ولدت إسماعيل غارت منها سارة زوجة إبراهيم فأمره الله تعالى أن يحمل ولده إسماعيل مع أمه من الشام إلى مكة فوضعهما عند دوحة مكان زمزم… وقد أراد الله تعالى أن يكون سيدنا إسماعيل سبباً في إعادة العلاقة والصلة بين أرض الحجاز وفلسطين.

وبعد أن رزق سيدنا إبراهيم بإسحاق (ولد إسحاق بعد سيدنا إسماعيل بأربعة عشر عاماً) من زوجه سارة، هاجر إلى الخليل ونزل وسط سكانها العرب وبعض الحثيين الذين كانوا يقيمون فيها بصفة فردية وليسوا حكاماً أو ذوي سلطة، وقد كانت تسمى الخليل آنذاك بقرية أربع نسبة إلى أربع أحد حكامها وغالباً أنه هو الذي أقامها وبناها. وبقية القصة معروفة وليست موضوعنا، ولكن نريد أن نلفت النظر إلى ما تبع تلك القصة من تقسيمات للعرب إلى عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة؟!.

 

القسم الثاني

المبحث الثالث

حقيقـة الشـعوب واللغـات

السامـية

 

1ـ علماء الآثار وحقيقة الشعوب واللغات السامية.

أوضحنا سابقاً أن كتبة التوراة اختلقوا القصة السابق ذكرها عن سيدنا نوح عليه السلام ليحرموا مَنْ زعموا أنه (كنعان ابن حام) من الحق في مشاركة من زعموا أنهم أبناء (سام بن نوح) في البركة، جعلوا أصل جميع أجناس الأرض بعد الطوفان هم أبناء سيدنا نوح عليه السلام، دون ذكر للقلة التي آمنت معه من قومه وركبوا معه السفينة، وقصروا ركاب السفينة على نوح وأبنائه وزوجاتهم! أن علماء الأجناس والتاريخ والآثار وصنفوا الأصول العرقية للبشر على النحو التالي: (سام) الأب الأعلى للعرب واليهود. و(حام) الأب الأعلى للزنوج والأفارقة، و(يافث) الأب الأعلى للأوربيين والأجناس الأخرى؟. علماً أن أولئك العلماء وإلى حد بعيد التوراة نفسها تتناقض آرائهم مع ذلك التقسيم عندما يعتبروا القبائل العربية التي سكنت فلسطين (الكنعانيون حسب نسبتهم في التوراة إلى كنعان بن حام) قبائل عربية تنسب إلى (الساميين بحسب أيضاً أجناس التوراة)؟!.

ولأن تلك القصة مختلقة وكاذبة ولا دليل على صحتها إلا ما جاء في كتاب اليهود التوراة، الذي لا يمكن بأي حال أن يُعتبر كتاب دين سماوي ولا مصدر تاريخي موثوق يمكن الاستدلال بما جاء فيه؛ يجب علينا استبدال تلك المصطلحات والأسماء والمفاهيم التي أصبحت مسلمات وحقائق تاريخية وعرقية وعلمية عالمية بأسماء عربية، وخاصة التي تشير إلى مفاهيم دينية وتاريخية وأهداف ومصالح يهودية ـ غربية في وطننا، في الوقت الذي لا يوجد فيه عليها أي دليل علمي إلا ما جاء في التوراة عن تاريخ أنساب الأجناس البشرية بعد الطوفان.

فقد درج البُاحثة والعلماء الغربيين الذين كما نعلم أسسوا علم الآثار من أجل تأكيد صحة ما جاء من خرافات وأساطير في التوراة اليهودية، ولتتبع رحلتي سيدنا إبراهيم وموسى على الأخص، لإثبات حق اليهود المزعوم في وطننا من الفرات إلى النيل، وأن فلسطين هي (أرض الميعاد) لليهود لإقامة (الدولة الموعودة) لهم فيها، لتحقيق أهداف أخرى ضد الأمة والوطن ليست موضوعنا، وتبعهم بالنقل والنسخ دون مراجعة أو تدقيق أو تمحيص لآرائهم وكتاباتهم وهم يدسون السُم في العسل معظم الكتاب العرب. وقد درج علماء الغرب على تسمية الشعوب التي تُنسب إلى جزيرة العرب أو التي تتشارك في اللغة والأفكار والعقائد من سكان العراق وبلاد الشام ووادي النيل ودوله بـ(الشعوب السامية)، وهي تسمية حديثة وضعها مستشرق نمساوي (شلوتزر ولهلم) سنة 1781م نسبة إلى (سام بن نوح)، الذي ذكر سفر التكوين من ذريته أقواماً عاشوا في جزيرة العرب والأقطار المجاورة لها كـ(الكنعانيين) والآراميين والسبئيين والكوشيين والمصريين …الخ، بعد أن لاحظ أوجه التشابه الظاهرة بين لغاتها وأفكارها وعقائدها

يقول الدكتور (عبد ا لواحد وافي) "يطلق الآن لقب (الساميين) على الشعوب الآرامية والفينيقية والعبرية واليمنية والبابلية والآشورية، وما انحدر من هذه الشعوب. وأول من استخدم (شلوتزر) في أواخر القرن الثامن عشر، وقد ورثه مما اقتبسه من سفر التكوين بعدد أولاد نوح الثلاثة (سام وحام ويافث) والشعوب التي انحدرت من كل ولد منهم ... وعلى هذا الأساس عد سفر التكوين الفينيقية من الشعوب الحامية مع أنهم من أخلص السامية نسباً وأقربهم رحماً إلى العربية)[52].

كما أسس علماء الغرب علم جديد أطلقوا عليه اسم (اللغات السامية أو لغات الشعوب السامية) وبدؤوا يؤسسوا لذلك العلم من أجل تحقيق نفس أهداف علم الآثار الذي أسسوه سابقاً، واللغات (السامية) تطلق على لغات القبائل العربية التي سكنت الجزيرة العربية منذ فجر وما قبل فجر التاريخ، وسموها (الساميون)، وقد تحدثت تلك القبائل لغة انحدرت من أصل واحد، وهي لغة غنية بمفرداتها وآثارها الأدبية، وقد تشعبت إلى فروع ولهجات يمكن تقسيمها إلى كتلتين: شرقية وأهم فروعها اللغة الآكدية ومنها البابلية والأشورية، ثم اللغات العربية الجنوبية كالحميرية والمعينية والسبئية والحبشية. أما الكتلة الغربية فهي الأمورية والكنعانية والفينيقية والعبرية والعربية الشمالية (الحجازية).[53]. "

وهناك تقسيم أكثر تفصيلاً ذكره الدكتور(شوقي ضيف) في سلسلة "تاريخ الأدب العربي"، حيث يقول: "وقد قسمها علماء اللغات إلى شمالية وجنوبية، وقسموا الشمالية إلى شرقية، وغربية، أما الشرقية البابلية والآشورية، وأما الغربية (لغة نقوش رأس شمرا) والكنعانية والآرامية، وقسموا الجنوبية إلى عربية شمالية، وهي الفصحى، وعربية جنوبية وهي لغة بلاد اليمن وما والاها في الزمن القديم"[54].

وبعد أن أشبعوا تلك اللغات دراسة وتصنيف وتقسيم انتهوا إلى نتيجة هي الأكثر خباثة وأشد خطورة؛ من أجل إثبات زعم اليهود في نسبتهم إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (سام بن نوح)، ليثبتوا صحة تلك الخرافة التي بدأنا حديثنا عنها، وهي: "وحدة الجنس العربي"، وحتى لا يفهم البعض موقفي خطأ هنا؛ أوضح أني لست ضد النظرية، ولكني ضد المقدمات والحيثيات التي اعتمدوا عليها ليثبتوا صحة ذلك، وطريقة التحليل والنتائج التي وصلوا إليها ولها علاقة بمحاولة إثبات صحة تلك الخرافات والأساطير التوراتية التي اختزلت كل حق وكل ما هو إنساني في (ذرية سام بن نوح) من دون بقية إخوته وذريتهم، وفي اليهود فقط من ذرية (سام بن نوح). ويجمل الدكتور (محمد خليفة حسن) آراء علماء تاريخ (الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي في الآتي:

أنه قبل أن تتكون الشعوب (السامية) كان لها أصل واحد منه تفرعت، ألا وهو الأصل العربي أو الجنس العربي، ونفس النظرية تنطبق على نشأة لغات الشعوب (السامية)، فقبل أن تتطور تلك اللغات كان لها أصل لغوي واحد تفرعت عنه، ألا وهو الأصل اللغوي العربي، ممثلاً في اللغة العربية التي كانت بلا شك اللغة (السامية) الأم! كما كان الشعب العربي هو الشعب (السامي) الأم لكل الشعوب (السامية)[55]. بناء على ذلك خلصوا إلى نتيجة أخرى خاصة بأصل ما يسمى (اللغات السامية)، وهي: "إن رجوع هذه اللغات (السامية) جميعها إلى فصيلة واحدة ليحمل على أن الأمم الناطقة بها ترجع كذلك إلى أصل واحد وإنها قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية"[56]. كما يقول الدكتور (صبحي الصالح) نقلاً عن المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون): "يبدو أن اللغات السامية قبل تفرقها كانت ترجع إلى أصل واحد، وتشكل شبه وحدة شعبية، إلا أن من العسير جداً تعيين ذاك الأصل الواحد وتحديد هذه الوحدة"[57]. وهذا القول كغيره مما قال به علماء ما يسمى (تاريخ الشعوب السامية) الغربيين إنما هو إعادة إنتاج لخرافات التوراة وتقديمها في ثوب علمي زائف وخادع لمحاولة إثبات صحتها! وما قالوه هو مضمون ما جاء في التوراة: "وَكَانَتِ \لأَرْضُ كُلُّهَا لِسَاناً وَ\حِداً وَلُغَةً وَ\حِدَةً. ... وَقَالَ \لرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَ\حِدٌ وَلِسَانٌ وَ\حِدٌ لِجَمِيعِهِمْ وَهَذَا \بْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَ\لْآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». فَبَدَّدَهُمُ \لرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ \لأَرْضِ". (سفر التكوين: 11/1ـ10).

ولكن الدكتور (شوقي ضيف) في سلسلة "تاريخ الأدب العربي" يتحفظ على تلك النتيجة الخبيثة التي توصل لها علماء ما يسمى (اللغات السامية)، فيقول: "(الساميون(: كلمة تطلق على مجموعة من الشعوب في الشرق الأوسط، دلت القرابة على لغاتها أنها كانت من الأصل تتكلم بلهجات متقاربة، تطورت إلى لغات سميت جميعاً باسم (السامية)، أخذاً من اسم (سام بن نوح) الذي ورد ذكره في التوراة، وهي تسمية اصطلاحية، فليس هناك أمة تسمى بالأمة (السامية)، إنما هناك صلات لغوية بين طائفة من اللغات، تدل على أنها ترجع إلى أصل واحد"[58]. 

وعلى الرغم من إجماع علماء (تاريخ الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي على أن الأمم الناطقة باللغات (السامية) قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية واحدة، هي الشعب العربي، إلا أنهم اختلفوا حول الموطن الأول لذلك الشعب، كما اختلفوا حول اللغة الأولى التي كان يتكلمها (الشعب السامي) أيام إن كان أبناؤه مجتمعين في موطن. وقد كان أحبار اليهود في العصور القديمة يعتقدون أن العبرية هي أقدم لغة إنسانية، وانتشر هذا الرأي عند كثير من الباحثين حتى بعض العرب أنفسهم ذهبوا إليه. وذهب بعضهم إلى أن الآشورية والبابلية هي أقدم لغات (السامية)، وذهب طائفة من المحدثين وعلى رأسهم العلامة (أولهوزن) إلى أن اللغة العربية هي أقرب اللغات (السامية) إلى اللغة (السامية) الأولى[59].  

ولأن إعادة إنتاج تلك الخرافات والصياغات الركيكة في التوراة عن الأصل الواحد في ثوب العلم والعلمية؛ تمهيداً للوصول إلى نتيجة شبه حتمية تؤكد صحة الأسطورة التوراتية وحق اليهود فيها، فإن الأمر لم يقف عند ذلك؛ ولكنهم أضافوا: ولوضوح الشبه بين أفراد هذه الفصيلة فطن الباحثون منذ عصور سحيقة إلى صلات القرابة التي تربطها بعضها ببعض، فتشابه اللغتين العربية والآرامية قد بلغ درجة لا تخفى معها قرابتهما حتى على أقل الناس إلماماً بهذه الشؤون. لذلك كثير من قدامى الباحثين أشار إلى انتمائهما إلى فصيلة واحدة، وتشابه اللغتين العبرية والعربية، قد ظهر في القرن العاشر الميلادي، ففي هذا القرن أدرك كثير من علماء اليهود وجوه القرابة بين هاتين اللغتين[60]. ما يعني أن اللغة العبرية التي يتكلم بها اليهود الآن لغة موجودة منذ ما قبل فجر التاريخ، ومن أقدم اللغات التي عرفها الإنسان، وهي صنو اللغة العربية، وهي أقرب اللغات بعد اللغة العربية إلى اللغة (السامية الأولى)؟!! وغالباً ما يسوق بعض العلماء أو الناقلين العرب والمسلمين للعلوم والمعارف عن الغرب واليهود دون تدقيق أو تمحيص، مثلاً ذكره المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون) ليؤكدوا على صحة ذلك، وهو:

اختلاف العلماء في معنى كلمة عبري، مَنْ قال أنها لقب كان لإبراهيم الخليل بعد أن عبر النهر، وسمي أحفاده بعده بالعبرانيين، ومن قائل إنها نسبة إبراهيم إلى أحد أجداده الذي جاء في سفر التكوين باسم عابر، ولكن الأقرب إلى المعقول كما يقول (محمد الأنطاكي)، ما ذهب له (إسرائيل ولفنسون) من أن الكلمة كما يدل عليها اشتقاقها في اللسانين العبري والعربي تدل على الرحلة والتنقل. وأنه لما استوطن العبرانيين (يقصد أحفاد إبراهيم) نسبة إلى عبور النهر أو الصحراء أرض (كنعان) وعرفوا المدنية والحضارة صاروا يُعرفون باسم بني إسرائيل فقط. ثم بعد ذلك ذاب بنو إسرائيل وامتزجوا كالعماليق والمؤابيين والمدينيين وغيرهم في إخوانهم الآراميين[61]. ويتساءل ولفنسون بعد ذلك مندهشاً ومستهجناً ليخلص إلى نفس النتيجة التي قررتها الخرافة التوراتية السابق ذكرها، ويجعل من اللغة العبرية أصلاً: "كيف يُعقل أن تكون (الكنعانية) أًصلاً والعبرية فرعاً في حين أن (الكنعانيين) والعبريين والآراميين إنما هم فروع لأصل واحد مشترك بينهم جميعاً ولا يمكن أن يقال: إن هذه اللغة متفرعة عن الأخرى استناداً إلى قوة الشبه بينها إلا إذا ثبت بأدلة أخرى أن العبرانيين قد اقتبسوا لغتهم العبرية من اللغة (الكنعانية)، وأما شدة القرب بين اللغتين فلا يمكن إلا أن تدل على شيء واحد وهو أن اللغتين في الأصل لغة واحدة"[62].

يعلق الدكتور (عبد المسيح جورج متري) على محاولات ولفنسون قلب الحقائق وتزوير التاريخ: "حاول أن يقلب الأمور ويعكسها، أن يجعل الربيب أصلاً من المربي فرعاً أو أخاً، إن التعاطف قد يعمي الباحث العلمي عن الحقيقة ويغدو الباحث لا علمياً في حين يدعي أنه يبحث بعلمية ومنهجية ولكن عين الرضا هي التي لا يبصرون بها إلا محاسن اليهود"[63].

يريد أن يقول (إسرائيل ولفنسون) وأنصار نظرية (الجنس العربي الواحد)، وعلماء ما يسمى (اللغات السامية) أنه وبعد أن انقرضت جميع تلك اللغات (السامية) الأخرى ولم تعد لغات حية، ولم يبقَ منها إلا اللغة العربية الثابت قطعاً أنها استمرار للغة الأولى لجميع تلك الشعوب، وبحكم أن اللغة العبرية الحالية هي الأقرب إلى اللغة العربية ـ بحسب زعمهم ـ فإن ذلك يعني صحة انتساب اليهود الحاليين الذين يتكلمون اللغة العبرية إلى مَنْ يزعمون أنه (سام بن نوح)، وأنه من حق يهود الخزر المتهودون في القرن الثامن الميلادي، الذين لا يمتون بأي صلة عرقية للعرب ولبني إسرائيل الأوائل، الذين يزعمون أنهم هم أحفاد بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، ووعدهم الرب بفلسطين (أرض الميعاد)! وأنهم أبناء عمومة العرب الذين يسكنون الأرض من الفرات إلى النيل! وعلى ذلك تكون الخرافة التي زعمتها التوراة عن سيدنا نوح وأصل الأجناس البشرية صحيحة، وهي صحيحة بدون ذلك عند النصارى الذين يؤمنون بالتوراة على أنها (العهد القديم)، وأنها وحي ومنزلة من الله على سيدنا موسى، أنه (سام بن نوح)! كما أن خرافة التوراة عن مباركة الله لـ(سام بن نوح) وذريته وحرمان (كنعان بن حام) بسبب خطيئة أبيه صحيحة أيضاً.

تلك المزاعم بدعوى النظريات العلمية والدراسات المنهجية تحتاج منا إلى كشف زيفها وكذبها حتى لا يبقَ مخدوعاً بها كثير من أبناء وطننا:

2ـ العبرية الحالية ليست العبرية القديمة لغة (الكنعانيين)؟!

يزعم علماء ما يسمى بـ(اللغات السامية): أن اللغة العبرية التي يتحدث بها اليهود الآن هي نفسها اللغة العبرية القديمة، على الرغم من علمهم أن اللغة العبرية الآن ليست هي نفسها اللغة العبرية القديمة! فقد شكك العلماء المنصفين والموضوعيين والمستقلين في إن اللغة العبرية الحالية التي يتكلم بها اليهود الخزر المتهودون هي نفسها اللغة العبرية القديمة، فالمعلوم أنه هناك شعوب كثيرة غير بني إسرائيل قد اعتنقت اليهودية، وأكبرها القبائل الخزرية التي يؤكد (بنيامين فريدمان): أنها تشكل ما "لا يقل عن 92% من جميع مَنْ يزعمون أنفسهم (يهود) في العالم اليوم، ينحدرون مِمَنْ عُرفوا بـ(يهود) السلالة الخزرية تاريخياً ... [و]  أن الـ8% المتبقية مِمَنْ يزعمون أنفسهم (يهوداً) يتحدرون من السكان الوثنيين البدو القدامى في إفريقيا وآسيا وحوض البحر الأبيض المتوسط"[64]. وقد أصبح معلوماً أن تلك الشعوب كما دخلوا في اليهودية عقائدياً فإنهم أدخلوا معهم إلى اللغة العبرية الأولى كثير من مفردات لغاتهم، ولم تعد اللغة العبرية الحالية هي نفسها اللغة العبرية القديمة.

يقول الدكتور (صبحي الصالح): واللسان العبري شديد الشبه باللسان (الكنعاني). ووجوه الشبه بين العبري والعربي عديدة ... وأما عبرية اليهود الآن التي أصبحت لغة الآداب اليهودية المستحدثة فتختلف اختلافاً بيناً عن العبرية القديمة[65]. ويرجعها الدكتور عبد الواحد وافي إلى أنها: مزيج بين العبرية والعربية واللغات الأوروبية الحديثة، التي كتبها عدد كبير من علماء اليهود والمنتمين إلى مختلف الشعوب الناطقة بشتى اللغات، ومنهم اليهود الألمان والإنجليز والفرنسيين والعرب[66].

وكذلك يعلم ويتجاهل أولئك العلماء المختصون فيما يسمونه (اللغات السامية) أن اللغة العبرية القديمة هي في الأصل اللغة القديمة للقبائل العربية (الكنعانية) التي سكنت فلسطين قبل مجيء يني إسرائيل إليها نحو 1200 ق. م، وقد استعارها منهم بنو إسرائيل بعد قدومهم لفلسطين، وأصبحت لغتهم بعد ذلك. استعاروها منهم بنو إسرائيل وليس كما قال بعض المستشرقين ونقله عنهم بعض المختصين العرب فيما يسمى (اللغات السامية) بـ(نظرية الصراع اللغوي)، وأنه كان يحدث صراع دامي بين اللغات كما كان يحدث بين القبائل ينتهي بالقضاء المبرم والهزيمة المنكرة والساحقة للغة على أخرى، وأن لغة بني إسرائيل، اللغة العبرية، قد دخلت في صراع مع اللغة (الكنعانية)، وقد كُتب لها النصر في نهاية المطاف وقضت وسحقت اللغة (الكنعانية)، كما قال بذلك الدكتور (عبد الواحد وافي)، الذي اعتبر اللغة العبرية أقوى اللغات الكنعانية وليست اللغة الكنعانية نفسها، حيث قال: "تُعد اللغة العبرية أهم اللهجات (الكنعانية) على الإطلاق". وأضاف: "أن اللغة الأصلية لبني إسرائيل قد اشتبكت مع اللسان الكنعاني في صراع انتهى بتغلبها عليها وفقاً لقوانين الصراع اللغوي"[67]. ولم يقف الأمر عند قضاء اللغة العبرية على اللغة الكنعانية فقط، ولكنها دخلت في صراع مع جميع لغات السكان الأصليين وانتصرت عليها، حيث يضيف في (صفحة 57): "واشتبكت لغتهم ـ يقصد العبرية لغة بني إسرائيل ـ مع لغات السكان الأصليين وكُتب لها النصر عليها وفقاً لقانون الصراع اللغوي". ذلك في الوقت الذي يناقض فيه نفسه بنفسه عندما كتب في (صفحة 43) أن اللغة الآرامية قد قضت على اللغة العبرية: "ولم يأتِ القرن الأول من الميلاد حتى كانت الآرامية قد قضت على الفينيقية وأختها العبرية وكما قضت بعدها على الأكادية"؟!! يكتب ذلك وهو نفسه أقر بقوة ومدى اتساع وانتشار اللغة الفينيقية (الكنعانية)، وتأثيرها في لغات العالم المختلفة في نفس كتابه في (الصفحة 36 ـ 37): "ومن الرسم الفينيقي أشتق كذلك الرسم الآرامي"!. وهو يعلم أن "اللغة الآرامية مأخوذة عن لغات البلاد التي أقام فيها الآراميون، وكذلك الكتابة الآرامية بدأت بحروف مسمارية وبلغة آشورية وغيرها، إلا أن الآراميون أخيراً اقتبسوا الأبجدية الفينيقية المكونة من 22 حرفاً والتي ظهرت في نهاية الألف الثاني على وجه التقريب. وقد أضاف الآراميون إلى تلك الأبجدية الحروف الآتية وهي الألف والواو والياء[68]. فكيف تكون في هذه الحال قضت اللغة الآرامية على اللغة الفينيقية وغيرها وهي امتداد وتطور طبيعي لتلك اللغات؟!!.

أمثال تلك التناقضات التي كانت تواجهني أثناء قراءاتي وسعيّ لبناء نفسي فكرياً في سبعينيات القرن الماضي، وشعرت أنها منهج شائع عند الكتاب والمؤرخين والمختصين العرب، الذين أسسوا وأصلوا لموسوعة ومنظومة العلوم الإنسانية عندنا، لأن كثير منهم لغى عقله وكان ينسخ وينقل دون مناقشة أو مراجعة أو تمحيص ولا عرض ذلك على كتابه (القرآن الكريم) أصدق الكتب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلا كان اكتشف أخطاء وتناقضات كثيرة ينقلها ويجعل منها مسلمات علمية وتاريخية لأجيال أمته وهو لا يعلم، وذلك ما دعاني في ثمانينات القرن الماضي إلى كتابة هذه الأبحاث محاولاً تقديم رؤية إسلامية وعربية لتاريخنا.

وإن كنت لا أستغرب ذلك من علماء الغرب المتأثرين بالتوراة، إلا أني أستغربه وأدهش منه عندما أسمعه من عربي أو مسلم! خاصة وأن توراة اليهود نفسها تعترف بمدي قوة اللسان واللغة (الكنعانية)، ومدى اتساع اللسان (الكنعاني) في بلاد غير بلاد (كنعان)، فقد جاء في (سفر إشعيا: 19-18): "في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة (كنعان) وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس". وذلك دليل مدى التأثير (الكنعاني) على عقيدة وثقافة بني إسرائيل.

ولا أعلم كيف تكون اللغة العبرية لغة بني إسرائيل قد انتصرت على اللغة (الكنعانية) في الوقت الذي يُقرر ويؤكد فيه كبار العلماء والمؤرخين فراغ العقلية اليهودية من أي نظام حضاري أو ثقافي أو اجتماعي. وفي وقت أكد فيه المؤرخ الأمريكي الشهير (جيمس هنري بريستد): أن اللغة الآرامية "كانت اللغة التي يستخدمها يهود فلسطين في جميع البلاد التي تفرقوا فيها بعد سبي بابل، وبعد استقرارهم في كثير من البلاد في عهد الفرس...[69]. أي أن اللغة العبرية لم تعد لغة حية ولم تصمد أمام قوة وتأثير اللغات الأخرى كما يزعم المستشرقون ومَنْ نقل عنهم. كما أن بريستد يُرجع كل تقدم حققه اليهود في فلسطين إلى اختلاطهم بـ(الكنعانيين)، حيث يقول: "وقد أحدث اختلاط الطرفين تغيرات جوهرية في حياة العبرانيين". أما المؤرخ الفرنسي الكبير (غوستاف لوبن) يرى أنه: "لا يستحق اليهود بأي وجه أن يكونوا من الأمم المتمدنة". ويضيف: "إن تأثير اليهود في الحضارة العالمية كان صفراً". أما" جورج سارتون" أستاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفرد الأمريكية، يرى أن اليهود مدينين إلى سكان المنطقة فيما أخذوا عنها فيقول: "ولكننا نحن اليوم نعلم أن اليونان واليهود أنفسهم مدينون بذلك كله للمصريين والبابليين وربما لغيرهم أيضا من الأمم التي تقدمتهم"[70]. ويقول (شفيق مقار) عن نقل اليهود لثقافات ومعارف الشعوب السابقة ونسبتها إلى أنفسهم: إنه نوع من السطو الحضاري مارسه المحررون والمؤلفون بشكل لحوح في صوغهم للتاريخ وصنعتهم للمعبود وتجميعهم للكتاب وإرسائهم لأسس الديانة اليهودية. ذلك النوع من السطو فريد في نوعه، حقيقة أن كل ثقافات الشعوب تأثرت ببعضها وأثرت في بعضها وتفاعلت فيما بينها في كل العصور إلا أن حالة مؤلفي الديانة اليهودية تظل حالة فريدة لا قرين لها ولا مثيل لها في أي عصر وأي حضارة. ويتمثل ذلك التفرد من أن الأخذ كان وظل بغير عطاء"[71].

وإن كان القول بـ(نظرية الصراع اللغوي) مستنكرة عند السواد الأعظم من علماء اللغة بصفة عامة، لأن اللغة تؤثر وتتأثر بنسب متفاوتة باللغات الأخرى، ويعتبر ذلك جزء من التمازج والتلاقي والتلاقح والتأثير الثقافي المتبادل بين الشعوب وثقافاتها، وليس صراعاً ومعارك كالمعارك العسكرية التي تدور بين شعوب وقبائل تلك اللغات، إلا أنه في حال اللغة العبرية و(الكنعانية) تعتبر تزييف وتحريف للحقائق التاريخية الثابتة، ومحاولة خبيثة للقول بالتفوق النوعي للغة العبرية لغة اليهود اليوم، كما هو التفوق النوعي والعرقي لليهود كـ(شعب مختار)، وذلك جزء من محاولة التأكيد على صحة تلك القصة الخرافية في سفر التكوين عن تقسيم الجنس البشري موضوع حديثنا، ذلك لأن اللغة العبرية القديمة التي تحدث بها بنو إسرائيل وكتبوا بها توراتهم هي نفسها اللغة (الكنعانية) التي زعموا أنها هُزمت أمام اللغة العبرية!!.

وللرد على مزاعم أنصار (نظرية الصراع اللغوي)، و(إسرائيل ولفنسون) وأنصاره من علماء ما يسمى (اللغات السامية)، نقدم هذه الأدلة:

يقول الدكتور (عبد الحميد زايد): أنه كما تَعلم بنو إسرائيل من (الكنعانيين) حراثة الأرض وزراعتها تعلموا أيضاً "بناء المنازل والقراءة والكتابة، وترك العبرانيون اللهجة "(السامية) القديمة واتخذوا اللغة (الكنعانية) الفينيقية لغة لهم. ولم تختلف اللغة الفينيقية واللغة العبرانية القديمة التي كُتب بها العهد القديم إلا من ناحية اللهجة..."[72]. ويقرر الدكتور (أنيس فريحة) أن اليهود استخدموا اللغة واللسان الكنعاني بديلاً من لغتهم، وقد تعلموا الكتابة الألفبائية التي مكنتهم من كتابة العهد القديم، فيقول: "إن كثير من عناصر الحضارة الكنعانية حتى اللسان الكنعاني الذي أصبح لغة اليهود الرسمية أصبحت جزءً لا يتجزأ من الحضارة اليهودية رغم عدائها لها"[73].

أما الدكتور (أحمد سوسة) ـ الذي كان يهودياً وأسلم ـ فيقول: "ومن الثابت أن سكان فلسطين الأصليين القدماء كلهم كانوا عرباً هاجروا من جزيرة العرب إثر الجفاف الذي حل بها، فعاشوا في وطنهم (كنعان) أكثر من ألفي عام قبل ظهور النبي موسى وأتباعه على مسرح التاريخ، وقد أخذ الموسويون بعد ظهورهم في أرض (كنعان) بلغة (الكنعانيين) وثقافتهم وحضارتهم وتقاليدهم، هذه حقيقة تاريخية ثابتة أيدتها المكتشفات الأثرية الأخيرة وأخذها العلماء بالإجماع تقريباً"[74].

ويلخص (أندريه نهر) مدى تأثر اليهود بالثقافة والحضارة (الكنعانية)، بقوله: إن "تعقد الشعائر الدينية في الحياة الزراعية الإسرائيلية ليست في نظر المؤرخين سوى نسخة من التنظيم الثقافي (الكنعاني)، أخذ به العبرانيون أنفسهم بالتدريج بعد استقرارهم في (كنعان)"[75]. كل ذلك تؤكده عالمة الآثار البريطانية (كاثلين كينون): "يجب أن نقرر أن المجموعات الإسرائيلية التي كانت تصل أصلاً من البدو الرحل. الذين استعاروا لدى استقرارهم أدوات أسلافهم في هذه الأرض (فلسطين). وأن الثقافة الفلسطينية كانت أساساً كنعانية"[76].

وعن نقل اليهود عن (الكنعانيين) يقول الأستاذ وترمان: "وهكذا فإن بني إسرائيل وجدوا شرائع معقدة ومهيأة فعملوا بها في مسيرة حياتهم في كنعان. ثم يضيف مؤكداً أن التحقيقات الأركيولوجية التي يمكن أن تزودنا بمعلومات في هذه الناحية لا تعترف بوجود أي فاصل ثقافي بين الكنعانية واليهودية[77].

أما (غوستاف لوبون) في كتابه "اليهود في التاريخ"  فيرى أن اليهود في الوقت الذي أخذوا فيه من كل الأمم، إلا أنهم لم ينتقوا الأفضل بل اقتبسوا الأسوأ والأخس، فيقول: "فلم يقتبسوا من تلك الأمم العليا سوى أخس ما في حضارتها ولم يقتبسوا سوى عيوبها وعاداتها الضارة ودعارتها وخرافاتها ... وكانوا يضعون أبناءهم في أذرعة محررة من مولك وكانوا يحملون نساءهم على البغاء المقدس في المشارق"[78]. ويتتبع سقطات التوراة ودعارات القوم وأخطاءهم ويرى في اليهودية أنها ليست إلا نتاجاً مختلفاً من فكر الأقوام الذين خالطوهم من السومريين والأكاديين والآراميين والبابليين. 

3ـ واجب تصحيح الأسماء بعض المصطلحات والأسماء، مثل (السامية ، الكنعانية، الفينيقية، العبرو والعبيرو).

خلاصة القول: إن الواجب القومي العربي والإسلامي يقتضي من كل أبناء الأمة أن يحرصوا على استخدام المفاهيم والمصطلحات الصحيحة، التي تدل على حقيقة هوية وطننا وأبعاد الصراع الدائر فيه، وتبين مَنْ الذين ساعدوا اليهود على اغتصاب فلسطين، ومازالوا يوفرون الحماية للمغتصب اليهودي لقلب الأمة، ويحاولون جعله محوراً ومركزاً لكل "نظام إقليمي جديد" في وطننا، لذلك ليحرص كل منا على استبدال تلك المصطلحات التوراتية بأي مصطلح يتوافق مع فكره ومفاهيمه الأصيلة، بحيث يدل على وحدة الوطن وأبعاد الهجمة اليهودية الغربية عليه، لعله يكون بداية لتقويم المقلوب، والعودة إلى الذات، وإدراك أبعاد ومخاطر الاستمرار في استخدام المصطلحات الغربية التي تنطوي على أبعاد خطيرة ضد الأمة والوطن. لأن استخدام تلك المنظومة التوراتية عن أصل الجنس البشري، واعتبار كتاب التوراة المحرف الذي بين أيدينا مصدر تاريخي موثوق، والنقل عنه بدون تحفظ أو نقد وتداول ما ورد فيه من أسماء وأصول وأنساب للقبائل القديمة العربية وغير العربية، كل ذلك يضفي الشرعية الدينية والتاريخية على المزاعم اليهودية في فلسطيننا، والأرض من الفرات إلى النيل وعن السيادة العالمية لليهود!

وفي اعتقادنا أن هذه التسمية لا تقوم على سند من تاريخ أو علم آثار؛ وأن الأولى أن تسمى هذه الشعوب بالجنس العربي، وقبائلها بالقبائل العربية، ما دامت قد نزحت من جزيرة العرب. فجزيرة العرب أخذت تُذكر باسم العروبة الصريح في كتب اليونان والرومان وأشعار العهد القديم، واسم العرب الصريح أخذ يُطلق على أهلها المستقرين في داخلها وتخومها الشمالية جزئياً ثم شمولياً على ما تدل عليه النقوش والمدونات القديمة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة، ما يعني أنها معروفة بذلك الاسم قبل ذلك التاريخ[79].

كما أنه وجد أول نص أثري وجدت فيه كلمة عرب وهو نص (شلمانصر) الثالث والذي يعود إلى سنة 954 ق.م. الذي تحدث عن (جندب العربي) الذي كان أحد أعضاء حلف من "ملوك" سوريا الجنوبية حاربوا ذلك الملك الآشوري. وسواء فهمنا كلمة العرب في النص على أنها البدو وهو الأرجح أو أنها تعني قوماً بعينه، فإن النتيجة واحدة وهي أن جماعة تحمل هذا الاسم أو الصفة كانت موجودة منذ القرن التاسع ق.م. وقد تتالى حديث نصوص الملوك الأشوريين بعد ذلك التاريخ إلى نهاية عهد الدولة الآشورية في القرن السادس قبل الميلاد عن ملوك وملكات الأرض "الأربي" وعن "آدمو" معقل بلاد العرب وقبائلها. كما يحفظ سفر الأخبار الثاني أخبار غارة شنها عرب الجنوب على (يهوذا) سبوا فيها نساء وأولاد الملك (يورام) (848 ـ 844 ق.م) ونهبوا أمواله. ويبرز اسم العرب كعنصر أساسي من عناصر السكان منذ أواخر القرن السابع ومطلع السادس ق.م، فتتحدث نبوءة (أرميا) (626 ـ 586 ق.م) عن "ملوك العرب" أي الشيوخ. ويتحدث (هيرودوت) عن (دارا) في القرن السادس ق.م الذي خضعت له كل أقوام آسيا إلا العرب لم يخضعوا أبداً لسلطان فارس[80].

فضلاً عن ذلك أن مؤرخي منطقة بلاد الشام والعراق يجمعون على أن هذه المنطقة كانت إلى حد كبير وحدة واحدة لا تنفصل عن بعضها، خاصة وأن سكان المنطقة بكاملها بما فيها مصر وجنوب وادي النيل منذ فجر التاريخ  يشكلون شعباً واحداً، من أصل واحد، جاء من الجزيرة العربية، موطن القبائل العربية التي غطت هذه الأراضي منذ ما قبل العصور التاريخية المعروفة، والتي امتزجت شعوبها مع سكان البلاد القدامى قليلي العدد وامتصتهم فيها، وأكسبتهم صفاتها العربية، وصبغت البلاد كلها بالصبغة العربية، ابتداء من نحو 3500 ق.م حيث خرجت القبائل العربية من جزيرتها العربية بأعداد هائلة، وانتشرت في العراق وبلاد الشام "سوريا، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن"، ومن فلسطين سارت بعض القبائل إلى سيناء ومنها إلى مصر، وذهبت منها قبائل إلى شمال إفريقيا وإلى السودان والحبشة، واستوطنت هذه البلاد وامتزجت بسكانها[81]. ويذكر الدكتور أحمد سوسة: "إن جماعات نزحت من جزيرة العرب إلى وادي النيل واستقرت فيه في حدود الألف الرابع قبل الميلاد"[82].

وتلك المنطقة هي ما أطلق عليها المؤرخ وعالم الآثار الأمريكي (جيمس هنري برستد) اسم الهلال الخصيب، لأنه "يكون شكلاً نصف دائري على وجه التقريب، ويرتكز حرفه الغربي جنوب البحر الأبيض المتوسط، ووسطه فوق شبه جزيرة العرب ويرتكز حرفة الآخر عند (الخليج الفارسي) وخلف ظهر هذا الهلال تقوم الجبال المرتفعة، وعلى ذلك تكون فلسطين عند نهاية الجزء الغربي منه وبلاد بابل في الجزء الشرقي بينما تكون بلاد آشور جزءاً كبيراً من وسطه. وهذا الهلال الخصيب ليس إلا امتداداً لصحراء العرب"[83].

وإذا ما رجعنا إلى المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين القدامى، وتحديدهم لحدود الجزيرة العربية، فإننا سنجد أن منطقة الهلال الخصيب عندهم هي جزء من الجزيرة العربية، وعلى ذلك فإن حركة انتقال القبائل منذ فجر التاريخ كانت تتم في حدود الوطن الواحد "الجزيرة العربية"، التي حددوا حدودها: "من عبادان حيث مصب دجلة على الخليج العربي، إلى عمان على مدخل الخليج مروراً بالبحرين ومن عمان إلى عدن على مدخل بحر القلزم (الأحمر) مروراً بسواحل المهرة وحضرموت ومن عدن على طول سواحل اليمن، عبر جدة والحاز ومدين إلى (آيلة) على طرف خليج العقبة، عبر تاران وثيران". كما يقرر المؤرخ العربي الإصطخري أن هذه المساحة من بلاد العرب تحيط بها مياه البحار "بحر فارس" تمثل ثلثي بلاد العرب، وأما الثلث الباقي فحدوده الغربية من آيلة" إلى بالس قرب الرقة، ويعتبر هذا الحد من بلاد الشام ويمر على البحر (الميت البحيرة المنتنة أو بحيرة زغر) إلى الشراة والبلقان (من عمل فلسطين( إلى حوران وأذرعات والبثنية والغوطة ونواحي بعلبك (من عمل دمشق) إلى تدمر وسليمة (من عمل حرض) ومن هناك إلى المناصرة وبالس (من عمل قنسرين) عند الفرات[84].

أضف إلى ذلك: أن ما كان يسمى حتى عهد الآراميين بالعناصر (السامية) صار هو نفسه يُدعى بالعناصر العربية بعد ذلك، وإذا كانت التسمية لا تهم بقدر ما يهم التكوين الحضاري الفعلي والواقع التاريخي فهذه الجماعة الأخيرة العرب التي يظهر اسمها وتظهر جموعها في سوريا منذ القرن الثامن ق.م، جاءت من المنبع نفسه المختلف عليه (الجزيرة العربية) والذي جاء منه (العموريون) و(الآراميون) وكانت تتشكل من العناصر العرقية نفسها التي شكلت من قبل عناصر هؤلاء وأولئك. كما أنها كانت وما زالت تحمل الأسس الحضارية نفسها التي حملوها من تقاليد اجتماعية وطرق عمل وفكر وحياة ومن عناصر ثقافية، دينية ولغوية وفنية[85].

 

القبائل العربية لا (الكنعانية) ولا (الفينيقية)

من الأسماء التي يتم تداولها دون التدقيق في مدى صحتها أو صوابها، وإن كانت حقائق تاريخية قطعية لا يرقَ إليها الشك أو أنها خرافات وضعها كتبة التوراة وألبسوها لباس الدين والوحي السماوي، لتخدم أهداف سياسية معينة خاصة بهم، وأصبحت حقائق تاريخية وعلمية مسلم بها في العالم أجمع، ويشكل استخدامها مخاطر عظيمة على عقلية الشعوب ومستقبل الصراع مع العدو الصهيوني، لأن لها علاقة بالرؤية الدينية التوراتية، والتي تعتبر من صلب قضايا الصراع بين المسلمين واليهود على فلسطين (القضية المركزية للأمة)، والتي لها علاقة مباشرة أيضاً بغايات التوراة للسيادة العالمية الدينية لليهود، تلك الرؤية التي يؤمن بحرفيتها النصارى البروتستنت، وبالمعنى العام لها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس، أسماء مثل (الكنعانيون، الفينيقيون). أو كأن يوثق البعض إلى أن أقدم جذر تاريخي في بناء القدس يعود إلى اسم بانيها، وهو (إيلياء بن إرم بن سام بن نوح)، ولو سألته أو بحثت عن مصدره التاريخي الموثوق الذي اعتمد عليه في توثيقه لهذه المعلومة أو تلك على شاكلتها كما هو أصل اسم (الكنعانيون والفينيقيون) ستجده التوراة المحرفة التي بين أيدينا! لذلك سنلقي الضوء على مصدر آخر قد يكون أكثر صحة من المصدر التوراتي لأصل اسم (الكنعانيون، الفينيقيون)، أو الأصل اللغوي الذي اشتقت منه تلك الأسماء.

كانت القبائل التي أطلقت عليها اسم (الكنعانيون والفينيقيون) هي فرع من الهجرات العربية التي غمرت الساحل السوري ولبنان وفلسطين في الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أول وأكبر القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان. فقد "وصل (الفينيقيون) ونزلوا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ابتداءً من أوجاريت (على مقربة من اللاذقية) إلى صور، كما احتل (الكنعانيون) جزءاً آخر من الشاطئ من جبال الكرمل حتى حدود مصر، وهي المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم فلسطين". ومن خلال البحث التاريخي والمسح ألآثاري الغالب أنه لم يثبت اسم (كنعان) إلا في العهد القديم (التوراة)، كتب الأب دوفو: "كانت بداية العصر البرونزي القديم 3100 ق. م هي الزمن الذي استقر فيه (الساميون) لأول مرة في فلسطين وقد أُطلق عليهم (الكنعانيون) تبعاً لإطلاق (الكتاب المقدس) الذي خلع هذا الاسم على السكان (الساميين) في فلسطين قبل وصول الإسرائيليين)[86].

لذلك لا بد من وقفة مع أصل كلمة (كنعان). يقول مجموعة من المؤرخين وعلماء الآثار:

أنه كان يُظن قديماً أن اسم (كنعان) (سامي) الأصل وأنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ إشارة إلى الضِعة ومنها مجازاً الأرض الواطئة لسكناهم على الساحل، ولكن الرأي المقبول الآن عند أكثر المشتغلين بهذه الدراسات هو أن أصل كلمة (كنعان) غير (سامي)، ويُحتمل أن يكون مشتقاً من اللفظ الحوري Knaggy  بمعنى الصباغ الأرجواني، إذ كانت هذه المنطقة تشتهر بهذه الصبغة القرمزية عندما اتصل الحوريون بتلك البلاد في القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد. وفي البابلية كتبوا اسمها كنغى، وكتب بالفينيقية كنع Kena، وبالعربية (كنعان) أي بلاد الأرجوان[87].

لم يقل علماء الآثار أن (كنعان) اسم علم على (كنعان بن حام بن نوح)؟! ولكنهم ظنوا في البداية أنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ كما سبق ذكره، وأنهم اكتشفوا أن الاحتمال الأقرب إلى الصحة، أنه مشتق من اللفظ الحوري Knaggy فكيف لنا أن نستخدمه على أنه اسم علم، في الوقت الذي لم يذكره اسم علم إلا (التوراة)، وقد سبق أن ذكرنا القصة التي اختلقها كتبة التوراة والهدف والغاية منها وعدم صحتها

أما اسم (فينيقيا) فهو مشتق على الأرجح من الكلمة اليونانية  Phoenix التي تعني باليونانية نفس معنى كلمة  Knaggyالحورية؛ أي  تعني اللون القرمزي أو اللون الأرجواني، وهو اللون الذي كانت القبائل العربية التي سكنت ساحل لبنان وسوريا (الفينيقيون) يستخرجون لونه من المحارات البحرية ويصبغون به ثيابهم. والظاهر أن الإغريق هم الذين خلعوا عليهم هذه التسمية. وغالباً ما تكون جماعة الميكانيين الذين جاءوا إليها للاتجار في أواخر الألف الثاني عشر قبل الميلاد هم الذين خلعوا عليها ذلك الاسم. وفي البداية كان يُستعمل لفظ (فينيقي) لكل القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان، ثم حدد إلى الذين يسكنون الساحل، ومن حوالي الـ1200ق.م أصبحت كلمة (فينيقي) مرادفة لكلمة (كنعان)[88]. إلا أن اسم (الكنعانيين) ظل يطلق على من سكن الساحل الفلسطيني والمناطق الداخلية، واسم (فينيقي) على من سكن الساحل اللبناني والسوري مع أنهم قبيلة واحدة ولا فروق بينهم.

وذهب الأستاذ العقاد في تفسير (فينيقي) غير ما ذهب إليه غيره، فقال: إن اليونان "يطلقون اسم فينيقية على شاطئ فلسطين إلى الشمال والجنوب من مدينة صور التي اشتهر أبناؤها الملاحون عندهم باسم الفينيقيين، ولكن فينيقية كما يدل عليها اسمها كانت اسماً لبلاد النخل في الإقليم كله، وكلمة (فينقس) عندهم ـ اليونان ـ تعني النخلة، وتقابلها عند الرومان كلمة Palmyra التي أطلقت علي مدينة (التمر) أو "تدمر" في شرق البقاع، و"تمر هي الكلمة السامية التي تقابل كلمة Palmyra بمعنى النخلة في بعض اللغات الأوروبية إلى اليوم. وأطلق اسم (كنعان) في البداية على الساحل وغرب فلسطين، ثم صار الاسم الجغرافي لفلسطين وقسم كبير من سوريا، وكان هذا  أول اسم لفلسطين، وكل الأسماء الأخرى لها أقل شأناً وذكراً[89].

وبناء على ما تقدم فأننا نرى أن تُستخدم كلمة "سامي" و"عربي" كمترادفين لكلمة واحدة نقصد بها العرب، كما يُفضل وضع كلمة (سامي) و(كنعاني) و(فينيقي) وغيرها من الأسماء التي مصدرها توراتي ومشتقاتها عند النقل بين قوسين للدلالة على تحفظنا عليها، وأننا اضطررنا إلى استخدامها لضرورات النقل فقط. وتأكيداً منا على أننا لا نؤمن بخرافة التقسيم التوراتي لأصل الأجناس البشرية على الأرض، وأن القبائل التي يسميها البعض من المؤرخين وعلماء الآثار بالقبائل (السامية)، لا يوجد أي دليل قرآني أو تاريخي أو آثاري صحيح يؤكد حقا أنها تعود بأصولها العرقية إلى من تدعيه التوراة المحرفة (سام بن نوح)، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة، ولكن الثابت أن اسم "كنعان" كاسم علم وأصل للقبائل العربية التي سكنت فلسطين وكجد أعلى لتلك القبائل، أول من أستعمله كان العهد القديم "التوراة". كما أنه هناك شبه اتفاق بين المؤرخين وعلماء اللاهوت من الذين لم يقعوا فريسة للتعصب العرقي والديني الغربي؛ على أن ذلك التقسيم التوراتي لأصل الجنس البشري له غايات دينية وسياسية يهودية. وقد يكون كتبة التوراة صاغوا مؤامرتهم أيام السبي البابلي على أساس أن اسم (الكنعانيون) وغيره من الأسماء كانت موجودة وعلماً على تلك القبائل العربية التي كانت تسكن فلسطين وغيرها، ولكنهم أعطوها الصبغة الدينية السياسية، وجعلوا لها أصول دينية وعقدية يترتب عليه حقوق وواجبات على كل الأجناس البشرية أدائها تجاه الذرية الوحيدة (اليهود) التي هي من نسل (سام بن نوح)، التي خصتها الأسطورة التوراتية بالأرض الموعودة "فلسطين" وبالسيادة العالمية، وأن (كنعان بن حام) لُعن وحُرم من البركة والسيادة؛ بسبب غلطة ارتكبها أباه (حام بن نوح). وعلى الرغم من أن مصدر أصل تلك الأسماء غير التوراتي تطمئن له نفوسنا أكثر ويعتبر أصدق مما جاء في التوراة عن أصل مصدر اسم (الكنعانيون والفينيقيون) إلا أننا سنبقى نضع الاسم بين قوسين لأنه ليس كل الكتاب أو القراء يعرفون المصدر الأصلي للكلمة أو ويرفضون التسمية الدينية السياسية التوراتية.

 

العبيرو ليسوا العبرانيين

من المعلومات التاريخية التي يرددها السواد الأعظم من الكتاب كلما تحدثوا عن تاريخ فلسطين، أو عن تاريخ بني إسرائيل، وخاصة سيدنا داود عليه السلام، مما ينقلونه من التوراة المحرفة والمزورة وما فيها من اتهامات لا أخلاقية وسخافات وافتراءات وأكاذيب ليس فقط لا تليق بنبي أو رسول ولكنها تتنافى والفطرة السوية لعامة الوثنيين، فما بالك بأنبياء ورسل الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم؟! تلك المعلومات التي ينقلونها وبكم زائد عن الحد دون أن تنفر نفس الناقل من مضامينها وأبعادها وهو ينقل عن نبي أو رسول، ودون مراعاة لأدب أو تنويه من الكاتب بأنه ينزه الأنبياء والرسل عن تلك السخافات والافتراءات والأكاذيب، وأنه اضطر إلى نقل تلك النصوص كما جاءت في كتاب اليهود (التوراة) لضرورات التوثيق أو تبيان الحقيقة، أو لكيفية تناول كتبة التوراة وتشويههم لتاريخ الأنبياء والرسل من أجل خدمة أهداف وغايات دنيوية لا علاقة لها بحقيقة دعوة رسل بني إسرائيل وتاريخهم أو أخلاقهم.

ومن تلك المعلومات والأخطاء التاريخية والخلط في الحقائق دون التمحيص لها لتبين عدم صحتها، خلطهم بين بني إسرائيل وقبائل العابيرو التي لم يكن لها موطن محدد، وكانت تعيش على السرقات وقطع الطريق، وتعمل لمن يدفع لها ليتقي شرها أو ليخلصوه من أعداء له، اتهامهم كذباً لنبي الله داود إلى جانب اتهامات كثيرة لا تصح في حق نبي مرسل من الله تعالى، واتهامهم سيدنا داود أنه انضم للعبيرو وأنه كان قاطع طريق، ولا يلفت انتباههم وهم يسوقون تلك المعلومات نقلاً عن التوراة وعلى أنها حقائق تاريخية أن العبيرو الذين لجأ لهم سيدنا داود ليسوا من بني إسرائيل؛ ولا ينتبهوا لذلك ويخلطوا بينهما لمجرد اشتراكهما في الأصل العرقي، حيث أنهما من نفس القبيلة العربية، ولكن العبيرو ليسوا أحفاد سيدنا إبراهيم عليه السلام! تلك المعلومة لم ألتفت لها إلا وأنا أحقق في: مَنْ يكون فرعون سيدنا موسى عليه السلام، خاصة وأن علماء الآثار الغربيين وبعض العرب والمسلمين جعلوا له أكثر من فرعون، فهناك مَنْ جعل له فرعونين وآخر ثلاثة وقد وصل الأمر بالبعض أن جعل له أربعة فراعنة، من أجل أن يتوافق ذلك وينسجم مع روايات التوراة المحرفة عن خروج بني إسرائيل من مصر، في الوقت الذي لم يذكر القرآن الكريم لموسى غير فرعون واحد، ولد في عهده ومات غرقاً وهو يطارد موسى وبني إسرائيل! وقد كتبت أيامها:

جاء في كتب الآثار التي تحدثت عن تاريخ مصر والمنطقة قديماً: يوجد في الوثائق المصرية القديمة الهيروغليفية معلومات تشير إلى أنه قد وُجد بمصر على فترات متباعدة من الزمن من قبل زمن الهكسوس تقريباً؛ فئة أو أقوام من العاملين أو المرتزقة وقطاع الطرق عُرفت باسم الخابيرو والعبيرو والأبيرو والهابيرو Apiru  أو هابيرو Habiru  أو HapirK كلها تسميات لفئة واحدة ـ وقد قاموا بأعمال سُخرة في مصر وبناء المدن المذكورة في التوراة على أن بُناتها بني إسرائيل أيام استعباد فرعون لهم، وغيرها. لا ينتمون إلى السكان المحليين ولا توجد لهم هوية في طبقة من المجتمع وليس لهم عمل واحد ولا وضع واحد. وقد أشير بهذا الاسم إلى عمال البناء والعمال الزراعيين وعمال قطف العنب … الخ. وهؤلاء القوم مُختلف على أصلهم بين علماء الآثار والمؤرخين، من أين أتوا؟ عسيرة حقاً الإجابة عن هذا.

رأى البعض صحة أو خطأ أنهم العبريون. ومع أن هؤلاء العبيرو مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة بلاد الشام، وأنهم مذكورين في التاريخ القديم قبل تشكل بني إسرائيل في جماعة واحدة تُعرف باسمهم. إلا أنهم يجزمون أنهم هم العبريون بحسب نص التوراة أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) الذين سخرهم فرعون في الأعمال الكبرى التي أمر بها.

وهناك شبه إجماع بين علماء الآثار على أن الخابيرو تسمية تطلق على فئة من الناس كانت خليط من قبائل مختلفة أشهرها الآراميين، ليس لها موطن، وكانت تعتمد في حياتها على الإغارة وقطع الطريق، وكانت مرتزقة بالمعنى الحديث للكلمة أي ممكن أن تقاتل مع من يدفع لها. وكان الفراعنة وأمراء بلاد الشام أوقات يدفعون لهم ليأمنوا شرهم، وكانوا يجوبون الأرض بين بلاد الشام ومصر. وترى التوراة أن داود عندما فر من جيش طالوت استعان بهم في قتاله.

تصويب الخطأ

بتقديري أن السواد الأعظم من علماء الآثار قد خلطوا بين تاريخ الخابيرو المذكورين في الوثائق المصرية القديمة، وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك. واعتبروا أن كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين. وبناء عليه ربطوا تاريخ الإسرائيليين في دخولهم لمصر وخروجهم منها بتاريخ الخابيرو، ولم يفصلوا بينهما، لذلك لم يستطيعوا الفصل بين الجماعتين، وربطوا بينهما في الحل والترحال. فاختلفت الآراء. 

أَما ونحن نحاول أن نقدم قراءة جديدة لتاريخ سيدنا إبراهيم وأحفاده من خلال رؤية قرآنية، فقد فصلنا بينهم وبين غيرهم من الجماعات التي عاصرتهم أو قد تكون صاحبتهم في مسيرة ترحالهم الطويلة، وخاصة الخابيرو، واعتبرنا أن بني إسرائيل جماعة لها تاريخها المستقل عن غيرها ممن يتشابهون معهم في الأسماء أو يشتركون معهم في الأصل العرقي، لذلك لم نعتبر – كعلماء الآثار- أن هجرة سيدنا إبراهيم من العراق كانت جزء من هجرة كبيرة، حتى وإن ثبت أن سيدنا إبراهيم هاجر مُتبعاً طريق القوافل مع جماعة كبيرة كانت متجهة إلى حَرّان أو فلسطين. لأن هجرة سيدنا إبراهيم ومن آمن معه كانت هجرة إيمان وعقيدة، وبأمر من الله تعالى إلى أرض محددة (الأرض التي باركنا فيها للعالمين)، وليست هجرة عشوائية لقبيلة تبحث عن أرض يمكن لها أن تضع رحالها عليها وتستقر وتعيش فيها، ولأنه لا علاقة لهجرة سيدنا إبراهيم ببقية الركب إن ثبت أنه كان معهم ركب آخر لا في حِلهم ولا ترحالهم إلا بما يخدم دعوته أو وجهته التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها "الأرض المباركة".

ونفس الأمر ينطبق على خروج سيدنا يعقوب وبنيه من فلسطين وانتقالهم ودخول مصر أيام سيدنا يوسف، لم يكن له علاقة بدخول الهكسوس أو قبائل الخبيرو أو العابيرو إلى مصر أو خروجهم منها، حتى وإن ثبت أنهم رافقوا بعضهم في طريق انتقالهم إلى مصر فقط، لأنه يستحيل أن يكونوا رافقوا أحد سواء من الهكسوس أو قبائل الخابيرو أو العابيرو أثناء خروجهم (بني إسرائيل) من مصر، لأن خروجهم لم يتزامن مع خروج الهكسوس الذي سبق خروجهم بنحو ثلاثمائة سنة، وإن ثبت يوماً ما تاريخياً أن خروج بني إسرائيل تزامن مع خروج قبائل أخرى من العبيرو من مصر، فلا يعني ذلك أنهم رافقوهم في سيرهم وسلكوا معهم نفس الطريق! لأن بني إسرائيل كان لهم خصوصية اختصهم بها رب العالمين لحمل الرسالة، وليكون منهم الأنبياء والرُسل، وقد كان خروجهم من مصر هرباً من فرعون وقومه هروب إيمان وعقيدة، تلاه أحداث خصت بني إسرائيل وحدهم دون غيرهم لها علاقة بعقيدتهم ودعوتهم الإلهية، فيستحيل أن يكون معهم في ذلك الخروج قبائل أخرى.

ولذلك نقول ونحن مطمئنين لأننا لا نلهث وراء إثبات صحة هذه الرواية أو تلك مثل الآخرين: إن الذي أوقع علماء الآثار في الخطأ والخلط؛ أنهم ربطوا تاريخ بني إسرائيل في حِلهم وترحالهم، بدء من هجرة سيدنا إبراهيم للعراق، مروراً بدخول سيدنا يعقوب وبنيه مصر وخروجهم منها أيام سيدنا موسى بغيرهم من القبائل وخاصة قبائل الخبيرو!! والذي زاد من الخطأ والخلط أن علماء الآثار والراجح في التوراة أن سيدا إبراهيم يرجع نسبه إلى الآراميين، وعليه يكون الأصل العرقي لبني إسرائيل أو العبرانيين الذين يقصد بهم مَنْ عبر النهر أو الصحراء مع سيدنا إبراهيم يعود إلى قبيلة الآراميين العربية. وأن السواد الأعظم من قبائل الخابيرو أو العابيرو التي بدأت تجوب المنطقة بكاملها إلى مصر منذ ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد، وكانوا مرتزقة وقطاع طرق وقد استقروا أخيراً في جنوب فلسطين وشرق الأردن، يرجعون في أصلهم العرقي إلى الآراميين أيضاً.

من هنا قد يكون جاء الخلط والخطأ في الغالب، وقد كان من أشد الأخطاء التي ترتبت على ذلك الخلط النتائج التي توصل لها كثير من علماء الآثار حول فرعون موسى، وهذا ما سأعرض له:

 

4ـ فرعون موسى؛ هل هو فرعون واحد أم أكثر

عاش بنو إسرائيل في مصر بعد وفاة سيدنا يعقوب ويوسف عليهما السلام زمناً ينعمون فيه بخيرات البلاد، محتفظين بدينهم وتقاليدهم وقد تكاثر عددهم، ولم يتعرض لهم فراعنة مصر بعد طرد الهكسوس منها، وظلوا يعيشون حياة آمنة إلى عهد (رمسيس الثاني) أحد ملوك الأسرة التاسعة عشرة، حيث كان المصريين يستعبدون الأسرى ويسخرونهم في أعمال الحفر والبناء وشق الطرق وغيرها. ويقول علماء الآثار والمؤرخين: أن المصريين في عهد رمسيس الثاني استعبدوا بني إسرائيل ومارسوا عليهم أشد أنواع الخسف والجور، وتسلطوا عليهم وسخروهم في إنشاء الطرق وبناء المدن وشق الترع وزراعة الأرض. واستعملوهم خدماً في البيوت، ومنهم من قال: أن اليهود في مصر أصبحوا قوة اقتصادية هائلة تتحكم في اقتصاد مصر وسياستها. ومنهم من قال: أن اليهود ثاروا على المصريين. وقائل: أن اليهود كانوا من أنصار الملكة حتشبسوت وأن زوجها (تحمس الثالث) أراد بعد موتها التخلص من أنصارها ومعارضيه في الحكم فاضطهد اليهود.. وغيرها من الأقوال التي لا أساس لها من الصحة. ذلك لأن القرآن الكريم أصدق الكتب أخبرنا أن سبب اضطهاد فرعون لبني إسرائيل يرجع إلى غير ما ذكره علماء الآثار التوراتيين وهم يبحثون عن مبررات لخروج بني إسرائيل من مصر.

قال الله تعالى: {طسم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ. أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}. (القصص: من 1ـ 8).

إن فرعون مصر (رمسيس الثاني) كان طاغية متجبر علا واستكبر في أرض مصر. وجعل أهلها فرقاً وأصنافاً في استخدامه وطاعته، يستعبد ويستذل فريقاً منهم وهم بنو إسرائيل، فيسومهم سوء العذاب ويقتل أبنائهم الذكور ويترك الإناث على قيد الحياة لخدمته وخدمة رعيته. قال المفسرون: سبب تقتيله الذكور أن فرعون رأى في منامه أن ناراً عظيمة أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة، فقالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يديه، ويكون هلاكك بسببه فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل، فهو كان من الراسخين في الفساد. المتجبرين في الأرض، ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد. ذلك هو السبب والقصة معروفة في القرآن الكريم يمكن الرجوع إليها، ولكننا هنا سنقصر حديثنا على مناقشة تلك الآراء والتواريخ التي تخبط فيها علماء الآثار والمؤرخين وهم يبحثون عن سبب لخروج بني إسرائيل، وعن فرعون الخروج بما يتوافق مع الروايات التوراتية، وليس بحث علمي موضوعي بعيداً عن الانحياز المسبق لفكرة أو رأي بعينه، وخدمة للعلم ومعرفة أحداث مرحلة معينة من تاريخ البشرية، أو مصر وبني إسرائيل.

آراء علماء الآثار التوراتيين

يمكننا أن نجمل الآراء التي ذكرها علماء الآثار التوراتيين عن سبب خروج سيدنا موسى عليه السلام وبني إسرائيل من مصر واختلافهم حول فرعون موسى في ثلاثة آراء، وهي:

الرأي الأول: أن موسى ولد في أواخر عهد تحتمس الأول (1520ق.م)، وأن (حتشبسوت) تبنت موسى بعد موت أبيها (تحمتس الأول) الذي حكم من (1528-1510ق.م). وأنه عندما اعتلى (تحتمس الثالث) العرش كان عمره تسعة سنوات. فزوجوه من عمته أخت أبيه (حتشبسوت) وكانت في السابعة والثلاثين من عمرها، وكانت ذات شخصية قوية استطاعت السيطرة على (تحتمس الثالث) وأن تكون هي الملكة، وأن (تحتمس الثالث) عندما كبر حاول التخلص منها والانفراد بالحكم وحده. ولا يُعرف إن كانت قد ماتت غدراً أم موتاً طبيعياً. كما أن (تحتمس الثالث) بعد موتها قضى على كل من والاها لينفرد بالحكم، ففر سيدنا موسى خوفاً من (تحمتس الثالث) إلى "مدين" وكان في سن الأربعين، وقد اضطهد ذلك الفرعون بني إسرائيل.