ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 06/01/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


 

طواغيت الأمس! كيف وصلوا؟ ... وأين انتهوا؟

الطاهر إبراهيم*

عند ما جال في ذهني موضوع هذا المقال، وتوجهت همتي لكتابته، خطر ببالي أن اختيار "نجوم الكراهية عند شعوبهم" عنواناً له سوف يكون مناسبا. ثم تذكرت أن النجوم هي بؤرة نور وضياء، ومن أردتهم بهذا العنوان ليسوا إلا "عتمات" ودياجيرَ ظلمة.

لا عجب في أن أطرق هذا الموضوع، والهموم اليومية تأخذ بأقطار النفس وتنتظر فرصة.  فإذا ما تكلم مفؤود تداعت تلك الهموم لتسابق لسانه بكلام يغلفه الهَمّ الذي ينوء به. فمثلا لو سألت الجائع كم يساوي (أربعة + ثلاثة)، أجابك فورا: سبع أرغفة.

مما لا شك فيه أن أكثر ما يؤرق شعوب بعض الدول العربية أنهم فرض عليهم أن يعيشوا كمواطنين من الدرجة الخامسة، وما يتبع ذلك من العيش تحت كابوس حكام فرضوا أنفسهم كحكام طواغيت "خمس نجوم"، ثم يقال لهم قولوا "سمعنا وأطعنا"، وإلا.

بعض هؤلاء الحكام رصدت ذاكرة المواطن مسلسل صعوده إلى سدة الحكم، من يوم تخرج ضابطا من الكلية الحربية وعُيّنَ في وحدة عسكرية خارج العاصمة، ينتقل إليها داخل حافلة عسكرية لا يكاد يجد فيها مقعدا يجلس عليه. فيقف على قدميه متعلقا بماسورة حديدية ممتدة في سقف الحافلة حتى لا يسقط أرضاً، إذا ما استعمل سائق الحافلة الكوابح ليفسح بمرور سيارة قائد الوحدة، "فولكس فاكن" قديمة، وقد كانت موديلاتها بشكل واحد لا يتغير، وتشبه السلحفاة. ولم يكن قد شاع استعمال سيارات المرسيدس.

بطبيعة الحال، فإن هذا الضابط كان واحدا من ضباط كثيرين، بعضهم يسبقه في التخرج  وبعضهم تخرج معه. وكان شيئا طبيعيا أن يعود مساء من وحدته، وتنزله الحافلة في أقرب مكان إلى غرفته التي يسكن فيها –وربما اقتسمها مع زميل- في إحدى حواري العاصمة الشعبية. ولا ينسى أن يعرج على بقالة الحي ليشتري ما تيسر لطعام العشاء.

تمر الأيام. ويصبح الضابط قائدا لوحدته العسكرية، وتفرز له سيارة "فولكس فاكن"، وربما ورثها عمن سبقه في قيادة الوحدة. وربما مر من نفس "الدوار"، فيسابق الحافلة التي تحمل مرؤوسيه الضباط، فيفرمل سائقها ليفسح له بالمرور، فتفقد الحافلة توازنها أو تكاد، ويهتز من بداخلها وهم متعلقون بالماسورة لكي لا يسقطوا أرضا، فيلتفت إليهم مقهقها.  

وتتاح له الفرص أو يصنعها هو بنفسه. ويبدأ مسلسل الانقلابات، فتشترك وحدته في حلقة من حلقات ذلك المسلسل. وبدلامن أن ينصرف إلى الاهتمام بوحدته العسكرية ينصرف إلى الانخراط في مجموعة انقلابية. وإذا قيل له: لقد أهملت جنود وحدتك وآلياتها التي قد يدعو داعي الوطن للدفاع عنه، فيقول: "إن للوطن ربا يحميه".   

وربما انشغل في لقاءات تطبخ فيها الانقلابات، -وبعضها يحترق- وقد دخل دائرة الضباط القادة، (ملازم، ملازم أول، نقيب، ضباط أعوان. رائد، مقدم، ضباط قادة. الضباط الأمراء هم العقيد، والعميد، واللواء،). ويشارك في أول محاولة انقلابية وقد يفشل الانقلاب، -إذ لا ندري كم انقلابا شارك فيه، فما عرفناه إلا بعد الانقلاب الناجح- وقد لا يفطن إليه أحد ممن أحبطوا الانقلاب. أما من شارك واعتُقِل، فإنه لا يشي بزملائه. وحتى لو اعتقل، فلا يلبث إلا قليلا حتى يطلق سراحه، ويسرح من الجيش، وقد يعاد إلى الخدمة. ويغيب صاحبنا بعد الانقلاب الفاشل عن الساحة، ولكن إلى حين.

وتحين الفرصة الثانية. ويدخل في محاولة انقلابية جديدة، وتنجح هذه المرة، بعد أن تدخلت سفارة دولة عظمى لصالح الانقلابيين الجدد، ويدخل الضابط مبنى قيادة الأركان وهو ينشد: "وما نيل المطالب بالتمني .... ولكن يؤخذ الحكم انقلابا".

ولو استعرضنا الزمن بالصورة البطيئة، لوجدنا هذا الضابط يصبح لواء، ويطيح بشركائه الانقلابيين، واحداً تلو الآخر. وقد ظن من كانوا معه في الانقلابات الفاشلة والناجحة، أنهم سينالون جزءا من كعكة الحكم. لكنه عرف أنه لن يقر له قرار ما لم يغبْ عن الساحة كل الذين عرفوه ضابطا صغيرا. يزعم أقرباء هؤلاء أنهم كانوا أرسخ قدما وأقدم سابقة، وربما هم وطأوا له سدة الحكم. لكن، لأن هذا الحكم عقيم، ولأن كرسي الحكم لا يتسع إلا لشخص واحد، والقصر لا تشغله إلا أسرة واحدة، فاعذرونا، فلا مكان لكم عندنا. البعض منهم كان يرضى أن يُنفى إلى أي سفارة من سفارات القطر في العالم. لكن لأن هذه السفارة قد تذكره بشجونه وسوالف عهده، وهذه الذكرى قد تؤرق، فعليهم أن يرحلوا.

ويوم صعد أول مرة إلى سدة الحكم، رحبت به بعض فئات الشعب، لأن الذين أطيح بهم في آخر مرة كانوا قد ضيقوا العيش على البلاد والعباد. وتمنى عامة الناس أن تنفتح صفحة جديدة. ولكن من يضمن للساكن الجديد، أن يسكت هؤلاء –على طول الخط- إذا تركهم وشأنهم ولو تناسى الناس كيف كان قبل أن يصل؟ إذن فلا تعايش.

هذا الذي حكم وهو يحذر من كل الناس، صحيح أنه وصل إلى ما يريد، إلا أن الأحداث فعلت فعلها في أعصابه. حدَّثَ من قابله في أواخر حياته ومد يده يصافحه، فوجد أصابعه ناشفة تماما، كأنه ليس فيها لحم ولا دم، فقد أكلتها الهموم. صحيح أنه وصل إلى ما يريد، وأحاط نفسه بدوائر رقابة صارمة، وصار عنده أسطول من سيارات المرسيدس بلون واحد –عشرون أو أكثر- حتى لا يعرف الذي يتربص به الدوائر أي سيارة يستقل لينجو من المتربصين، وقد كان. لكن متربصا واحدا، ما استطاع أن يزوغ منه، ولم ينفعه دهاؤه الذي كثيرا ما أسقط به خصومه أو أكثرهم. حتى إذا حان الموعد، جاءه وهو بين حرسه وأهله، فأخذه من بينهم، ولم يكن لينفعه دهاء ولا سلطان. .. اللهم لا شماتة.

تركت الاسم غفلا من دون تحديد، لأنه ليس طاغوتا واحدا، بل طواغيت، حكموا في أكثر من قطر عربي. (فلو كان طاغٍ واحدٌ لاتقيته... ولكنه طاغٍ وثانٍ وثالثُ). فلو لم يصل إلى الحكم -في طول الوطن العربي وعرضه- إلا طاغوت واحد لكنا بألف خير. ولكن، -ولله الحمد والمنة- لقد مرّ ببلادنا العربية كثير من طواغيت الحكم الذين تسلقوا سلم السلطة. جاء أكثرهم من القوات المسلحة حاكما. إنها حياة صعبة حتى لو كانت في القصور، وهي نهاية أصعب ومحتومة لأنها في القبور. فأين من يعتبر؟

*كاتب سوري

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ