ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 21/01/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


 

البقاء للأمم الحيّة

محمد خليفة*

رغم ما تعرضت له الأمة العربية والإسلامية من هزائم ونكبات ، ورغم أن شعوبها  الآن في عداد الشعوب المستضعفة في الأرض ، إلاّ أن أحداً في العالم لا يستطيع أن يقول ، إن هذه الأمة ميتة ، ولا يمكن مقارنتها بالأمم الأخرى التي كانت لها أمجاد غابرة وتحوّلت الآن إلى أطلال لا حياة فيها .  فهذه الأمة ، رغم ما يُحاك ضدها من مؤامرات ، ورغم قساوة الواقع العالمي الراهن ، إلاّ أنها ما تزال تعلن عن وجودها ، وما تزال ترفض الموت والذوبان في نسيج المجتمع الدولي .  والسبب الأساسي الذي يحول دون موت وانتهاء هذه الأمة ، هو شعور أبنائها أنهم أتباع أقدس الرسالات وأكمل الديانات ، وأن أمتهم باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وأنهم موعودون بالابتلاء والعذاب ، لكنهم أيضاً موعودون بالنصر الأكيد .  ولعل البلاء الأكبر الذي تعرّضت له هذه الأمة هو صعود أوروبا الثقافي والعسكري في القرن التاسع عشر ، حين ظهرت فجأة دول أوروبية حديثة تأخذ بأسباب العلم وتطبّق نظرياته في التنمية والبناء .  وظهر نمط جديد من الإنسان في أوروبا هو الإنسان المسلّح بالعلم الأكاديمي والمتخرّج من المدارس والجامعات في وقت كانت تعاني فيه هذه الأمة من الاستعمار العثماني الذي كرّس تخلّفها وأعاق نهوضها ، بل إن العثمانيين وجدوا أنفسهم ـ وهو المستعمرون لغيرهم من الشعوب ـ متخلّفين وضعفاء أمام الإنسان الغربي .  فاضطر هؤلاء إلى اتباع النهج الغربي في كل نواحي الحياة .  فصدرت قوانين خط كلخانة "أو قصر الزهور" عام 1839 ، فتم تنظيم الجندية والجيش على النسق الأوروبي ، وتم اعتماد تنظيمات لجباية الضرائب ، وضمان ممتلكات الرعايا بصورة كلية بصرف النظر عن معتقداتهم .  وتم استدعاء الخبراء الفرنسيين والبروسيين لتدريب الضباط ، وافتتاح المدارس لتدريب الأطباء ، وإنشاء وزارة للمعارف ، وابتعث الأتراك إلى أوروبا ، وتم إعلان مبدأ التعليم الإلزامي والمجاني.  لكن تطبيق هذه القوانين لم يكن إلاّ على نطاق ضيّق ، لأن الفساد كان قد عشش في جسم الدولة العثمانية .  وكان الأمر يحتاج إلى ثورة شاملة تقضي على الفساد في الإمبراطورية وتؤسس لدولة عثمانية جديدة .  لكن هذا الأمر لم يحدث ، بل ازداد ظلم الرعايا وخاصة في البلاد العربية الذين راحوا يلاحقون بتهم الانتماء إلى جمعيات قومية محظورة .  وعجزت الدولة العثمانية عن اللحاق بأمم أوروبا المتطورة ، فاتجهت نحو حتفها .  وكان اشتراكها في الحرب العالمية الأولى عام 1914 الضربة القاصمة النهائية التي وجهها الغرب لها ، فانهارت عام 1918 وخرجت الشعوب العربية التي كانت تحت سيطرتها وكأنها ما تزال تعيش في عصور البدائية الأولى .  فكانت فريسة سهلة لبريطانيا وفرنسا اللتين كانتا قد استولتا على بلاد المغرب العربي ووادي النيل وسواحل الجزيرة العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر .  وقامت هاتان الدولتان بتقديم فلسطين هدية لليهود مما أدى إلى قيام دولة إسرائيل عام 1948 ، وتشريد مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وقتل عشرات الآلاف الآخرين في نكبة لم يشهد تاريخ الإنسانية ، لا في عصور ما قبل التاريخ ولا في عصور ما بعد التاريخ ، مثيلاً لها .  وكان على الدول العربية بعد أن حصلت على استقلالها من بريطانيا وفرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين ، أن تسعى إلى التنمية الشاملة في حين أنها مضطرة إلى التنبّه والتحوّط من العدو الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين الساعي إلى تمزيق ما بقي من أوصال العرب .  لكن إرادة الحياة المتأصّلة في هذه الأمة كانت أقوى من كل مؤامرات المتآمرين .  فما لبثت أن اندفعت روح المقاومة فوقعت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 ، واستطاعت المقاومة اللبنانية أن تحرر جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني عام 2000 .  وجاء الاحتلال الأمريكي للعراق لينعش آمال إسرائيل في تدمير هذه الأمة .  لكن هذا الاحتلال وقع في مستنقع رهيب ، وها هو الآن يترنّح تحت ضربات المقاومة العراقية ويبحث عن مخرج من وحل الرافدين .  وإذا نحن نظرنا إلى هذه الأمة ، فإننا نرى أنها تنهض من جديد ، وليست هذه المقاومة الممتدة من العراق إلى لبنان وفلسطين سوى دليل واضح على وجود إرادة الحياة لدى هذه الأمة ، وهذه الإرادة لا بدّ أن تنتصر في النهاية على قوى الشرّ والظلام .  صحيح أن التضحيات جسيمة ، لكن طريق المجد ممزوج بالدموع ، ولا بدّ من التضحيات الجسيمة في سبيل الوصول إلى العيش الحرّ الكريم .  وكان يمكن لهذه الأمة أن تقتنع بعيش معجل التنكيد مثل غيرها من الأمم التي سادت وبادت ، وبالتالي تحقن دماءها وتحفظ حياة شبابها .  لكنها أبت الذلّ واتخذت قرارها في العودة إلى مجدها التليد ، بعكس غيرها من الأمم مثل أمة المغول الذين اندفعوا في القرن الثالث عشر الميلادي بقيادة جنكيزخان ، كالإعصار الذي لا يبقي ولا يذر ، فاجتاحوا في بضع سنين الصين وتركستان وبلاد الروس وبلاد فارس ، ودمّروا الخلافة العباسية عام 1256 للميلاد ، واستولوا على العراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى ووصلوا إلى أبواب أوروبا .  لكنهم انكسروا أولاً على يد المماليك في بلاد الشام عام 1260 ، ومن ثم انكسروا على يد الأوروبيين عام 1244 ، وزال ملكهم من العراق عام 1357 ، ومن الصين عام 1368 ، ومن روسيا عام 1480 .  وارتدّوا على أعقابهم وتقوقعوا في مناطقهم في صحراء جوبا وأصابتهم الكوارث والمصائب ، وهم الآن من أفقر شعوب العالم ومن أكثرها هدوءاً ، وكأنهم ما كانوا بالأمس جنود إمبراطورية هائلة ، وكأنهم لم يخرجوا من صحرائهم التي تُعرف اليوم باسم منغوليا ، لأنهم افتقدوا إلى العدل الذي هو قانون الحياة .

*كاتب من الإمارات

medkhalifa@maktoob.com

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ