-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 20/05/2009


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


تعليق : نذكر أنه في الرياضيات وحدها تبقى 5+5= 10 ، وأن الواقع محكوم بمعادلات نسبية أو اعتبارية كما يقول الفقهاء ... مركز الشرق العربي

بعض الأسئلة والملاحظات

في موضوع الأخوان المسلمين وجبهة الخلاص السورية

علاء أبو محمود

* مقدمة:

- هذه الملاحظات موجهة في سياق انسحاب الأخوان المسلمين من جبهة الخلاص السورية. وأرجو أن يقرأها كل من يهمه الأمر من زاويتها المنهجية بمعزل عن أي ممالأة أو معاداة لهذا الطرف أو ذاك.

بنفس الصدق أرجو التأكيد أن هذه المنهجية ليست شيئاً محايداً. بل إني أوجهها لصالح السؤال الأساسي: أين تكمن بالضبط مصلحة سوريا شعباً ووطناً ومصيراً؟

ولا أخفي قناعتي أن هذه المصلحة تكمن أولاً وأخيراً في تغيير ديمقراطي وإصلاح سياسي شامل يجعلنا نكسب الوطن والديمقراطية معاً.

غير أن هذه المصلحة تحدد الغاية المرجوة فقط وليس الوسيلة المؤدية لها. لهذا كي لا تبقى هذه الغاية مجرد أمنيات، وربما شعارات فارغة، فهي تستتبع جزءاً آخر من ذات السؤال هو : كيف يمكن تحقيق هذه المصلحة والسعي لأجلها حاضراً ومستقبلاً. وبالأحرى بأية آليات ومنظومات قيم وأهداف وتوافقات مرحلية واستراتيجية يتم ذلك؟

-  إن هذا السؤال غاية في الأهمية. لهذا من الأحرى جعله أكثر وضوحاً ومقاربة للواقع. خصوصاً أن أحداً لا يماري في وجود أهداف وأجندات وتطلعات خاصة .. إلى جانب الديمقراطية. كما توجد أيضاً طرق وعادات وأساليب تؤدي أو لا تؤدي للديمقراطية. بالتالي يتعين السؤال: أين تقع مصلحة كل من هذين الأمرين بالنسبة للآخر. وبالأحرى ماذا تساوي بالضبط مصلحة الديمقراطية والتغيير الديمقراطي بالنسبة لدعاة هذا الهدف. وماذا تزن في ميزان حساباتهم ومعتقداتهم وأولوياتهم وأجنداتهم وأساليبهم الخاصة (بما فيها ارتباطاتهم بهذه الجماعة أو تلك، هنا وهناك). خلاصة القول، ماذا تمثل قضية الديمقراطية من ناحية قيمتها ومقاصدها وأولوياتها، بالنسبة لواقع مجتمعنا ومصيره على السواء؟

-  إننا نؤكد أهمية هذا السؤال بصفته جزءاً أصلياً من الضرورة المنهجية والانحياز الآنفين. بل هو أبده بديهياتها، وهو مرجعية ملاحظاتنا جميعاً.

بناءً عليه فإن هذه الملاحظات ليست مخصوصة في تجربة الأخوان وجبهة الخلاص على وجه الحصر. بل هي معروضة في سياق هذه التجربة وما آلت له فقط. لأنها موجهة بنفس القدر لمجمل أطياف المعارضة وتجاربها. ودون استثناء أهل السلطة والأطياف الأخرى. بالتالي فإن هذه الملاحظات هي غيض من فيض مما لا ينفي عشرات الأسئلة والملاحظات الأخرى التي تخص الحالة موضوع المقال وغيرها.

-  وربما كانت هذه الأسئلة تتفق مع وقائع جارية على الأرض. أو وقائع مفترضة أو يمكن حصولها. والواقع أن ما ذكره الأستاذ البيانوني على شاشة "الجزيرة مباشر" حول أسباب خلاف الأخوان وحلفائهم في جبهة الخلاص، قد أكد توقعاتي حول هذه الواقعة تماماً. وبهذا فإن هذه الملاحظات ستخص هذه الواقعة أيضاً.

.. في مطلق الأحوال فإنني آمل حفظ مسافة لهذه الأسئلة والملاحظات تساوي ما تستحقه أو تنشده من ضرورة منهجية وانحياز للمصلحة أعلاه، بصرف النظر عن دقة الوقائع بحد ذاتها، خصوصاً أن الوقائع والمواقف كثيرة ومتنوعة بقدر الأحداث والتغيرات الجارية. وهي تحمل دوماً الجديد من التناقضات واختلاف المواقف وردود الأفعال تجاهها والتي ربما تطال الحلف الواحد.. وحتى الجماعة الواحدة. وربما تفضي لانقسامات عميقة تخرج عن السيطرة، وتخرج عن أية غاية إيجابية، ما لم توضع في إطار آلية سليمة تحترم الفروق والاختلافات وتكرس قواعد سليمة لمعالجتها في أفق الحاضر أو المستقبل دون التضحية بمشتركاتها أو غاياتها المرجوة!

 

* ملاحظات وأسئلة:

-  بناءً على ما سبق لماذا ينبغي التيقن أن اتفاق الأخوان مع أطراف جيهة الخلاص كان صائباً بالأمس، وأن الاختلاف معهم كان صائباً أيضاً؟

بتعبير آخر، لماذا ينبغي التيقن أن الأخوان كانوا صائبين في الأمر ونقيضه معاً؟

-  وفي هذه الحالة لماذا لا يصح عكس هذا تماماً، من وجهة نظر أخرى؟

-  ومن وجهة الكاتب شخصياً: لماذا لا يكون الأمر غير هذا وذاك؟

أي لماذا لا يكون ثمة عيب أو خلل ما تخلل الاتفاق السابق وأدى لانفجاره الآن؟

ولماذا لا يطال هذا العيب طريقة إنشاء جبهة الخلاص نفسها؟

ولماذا ينبغي انفجار أية علاقة سياسية فور ظهور الاختلاف حول هذا الموقف أو ذاك، وهذه الواقعة أو الجماعة أو تلك؟

بتعبير آخر لماذا يتعين توجيه العيب لهذا الموقف السياسي أو ذاك، وليس لغياب طريقة محترمة لإدارة الاتفاقات والاختلافات على السواء؟

ومتى كانت الجبهات، والتحالفات، والتفاهمات (خصوصا التي تنشد الديمقراطية) تخلو من اتجاهات وقراءات ومواقف متنوعة، وربما متباينة حيال قضايا شتى؟

ولماذا ينبغي التيقن أن هذه الجماعة دون تلك هي أكثر صواباً من ناحية موقفها السياسي بحد ذاته، ومن ناحية غايتها الديمقراطية على السواء؟

وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يحجزها أو يمنعها عن امتلاك صوابية الحقيقة المطلقة أيضاً؟

 

* دعونا نطرح هذه الأسئلة بطريقة أخرى:

-  لماذا ننسب دوماً الخطأ أو الصواب للمواقف بحد ذاتها بمعزل عن طريقتها . فإما يكون الموقف في جوهره ومجمله خطأ، أو يكون في جوهره ومجمله صواباً.. بصرف النظر عن كيفية إنشاء المواقف وطريقة إدارتها وتوجيهها وتطويرها أيضاً؟

-  بتعبير آخر لماذا يتم إغفال الخطأ والصواب في مجال الطرائق البشرية. برغم أنها أكثر التصاقاً بالوضع البشري وتعبيراً عن عاداته وموروثاته وتحيزاته. أي أنها منتوج ظرفي بشري يخضع لمؤثرات معقدة. ويحتمل الخطأ والصواب. مما يجعلها طرائق صالحة أو فاسدة لأنها تقع في دائرة الخبرة والتجربة البشرية وتستدعي بالتالي تطور المعارف وحرية البحث والتنمية البشرية أولاً وأخيراً؟

-  ألا يعني التركيز على صواب الموقف أو خطئه بالمجرد، نزعه من أصله البشري وشروطه الواقعية وجعله قيمة معيارية بذاته. أي صالحاً دوماً أو شريرا وفاسداً دوماً (مثل أي عقيدة أو حقيقة مطلقة). وبالتالي إحالته لقيمة باطنية تخص نوايا أصحابه ومخططاتهم الخاصة لتطالهم بذات التصنيف أيضاً (أي بوصفهم صالحين أو فاسدين دوماً) بمعزل عما تمثله المواقف وطرائق أصحابها من قيمة سلبية أو إيجابية بعين الواقع الموضوعي وأهدافه وأولوياته الحقيقية؟

-  ألا يعني هذا إضمار نظرة جوهرانية مسبقة لتفصيل الموقف منذ لحظته الأولى طبقاً لصورة أيديولوجية جاهزة ومبيتة في رؤوس أصحابها بوصفها مصدر الحقيقة والصواب، بمعزل عن أصلها وعيوبها البشرية. وبمعزل عن طرائق تشكيل الموقف طبقاً لمتطلبات الواقع وطاولة الحوار مع الشركاء الآخرين؟

-  ألا يعني هذا إحالة الموقف الواحد والواقعة الواحدة إلى صواب مطلق في نظر أصحابها، وزيف وانحراف وشرك وخيانة في نظر الآخرين، أو العكس سواء بسواء؟

-  ألا يؤدي هذا إلى جعل الاتفاق أو الاختلاف معاً يقومان بين أشباح وليس بشر واقعيين . وبين تهويمات ورغبات ونوايا وحقائق ومخططات غامضة أو غيبية، تتصف بالمقدس الذي لا يقبل المس.. وليس مواقف واقعية تحكمها النسبية والخطأ والصواب. وبالأحرى تحكمها المشروطية بما تؤديه من النفع أو الضرر. وتتطلب بالتالي الدرس والبحث الذي يحترم حقيقتها البشرية، ويحترم المشكلات المعروضة عليها، ويحترم تطور الخبرة والتجربة، ويحترم عقل الجمهور وقضاياه العمومية على حد سواء؟

-  وما الذي يدعونا للتيقن أن الطريقة الفاسدة لإنشاء موقف معين، لن تمتد لإنشاء الموقف النقيض أيضاً. أو لن تتكرر في مواقف أخرى. أو لن تطال بالإساءة البالغة المواقف والأهداف الصالحة أيضاً. خصوصا حين تظهر هذه المواقف عن الأشخاص أنفسهم، أو حيال الموقف ونقيضه بمعزل عن طاولة الحوار مع الآخرين . وبمعزل عن البحث والتمحيص الذي يحترم الأفكار والعقول والآراء العامة ويحقق أفضل الطرق وأشكال المشاركة التي تكسب الصدقية والتفاف الجمهور؟

-  وإذا كان الاتفاق والاختلاف يدور بين مطلقات وماهيات مغلقة على هذا النحو. فما هي قيمة التوافقات .. والإعلانات .. والتيارات التي تعد الناس بالإنقاذ والخلاص والتغيير الديمقراطي والعدالة والحرية.. الخ. ثم تنهار عند ظهور أول اختلاف جديد، وما هي قيمة المطلق الذي يدوم يوماً.. أو شهراً.. أو عاماً واحداً فقط، ثم يدوسه أصحابه قبل الآخرين؟

-  في مطلق الأحوال أية دروس يمكن أن نأمل انتفاع الجمهور بها (بما فيه أخص الأتباع) جراء اتفاقات واختلافات كهذه. وأية آثار مدمرة تتركها لطعن رجائه وقطع طريق مبادرته. وأين تصبح وعود الديمقراطية والحوار والانفتاح لإقامة شراكات حقيقية تقوم على التنوع والاختلاف الحقيقي الذي يحقق صدقية القضايا العمومية ومواجهة متطلباتها وتكريس تقاليدها (خصوصا غير المسبوقة قط كالديمقراطية موضوع الحديث)؟

 

* دعونا نطرح هذه الأسئلة بطريقة ثالثة:

-  لماذا نظهر حماساً زائداً في تفسير المشكلات بعد وقوعها فقط، بينما لا نظهر قدراً يسيراً من هذا الحماس لاستجلاء المقدمات والأسباب المؤدية لها، أو التي تتحاشى وقوعها؟

وهل ليس ثمة خيارات وطرق أفضل لتحاشي هذه المشكلات أصلاً، أو على الأقل تخفيف ضررها أو جعله يساوي الانتفاع من دروسها في أقل تقدير؟!

-  ولماذا يتم تمرير التحالفات وتشكيل المواقف بطريقة النوايا والتفسيرات الباطنية، مع تجاهل ملفت للفروق والعوامل والمقدمات والنتائج وروابطها السببية. بينما لا يتوانى أصحاب هذه الطريقة عن استخدام النوايا والتفسيرات الباطنية في اتجاه عكسي تماما حيال نفس الواقعة والحلفاء السابقين. أي أنهم تارة يخلعون ثوب الصدقية التي لا تقبل المس على مواقف الآخرين ونواياهم، وتارة يجعلون الصراع معهم قاطعاً في مرحلة أخرى بحجة (افتضاح مواقفهم ونواياهم واتجاهاتهم الحقيقية)؟!

والملفت هو قيام هذين الموقفين تباعاً بمعزل عن أي مجهود حقيقي لبحث الفروق والمشتركات الحقيقية على الوجه الذي يحقق إغناء التجربة ويرسم لها مساراً مختلفاً كي تتطور وتكون محط الاحترام والصدقية في عين الأصدقاء والأعداء على السواء!

-  وهل أن تسابق هؤلاء الفرقاء لإطلاق تفسيرات متباينة ومتناقضة للمشكلة بعد وقوعها، يحمل تحليلاً صائباً وأميناً لأسبابها الحقيقية . أم أن هذه التفسيرات لا تعدو أن تكون تسويغاً للتنصل من مسؤولية المشكلة وجعلنا أكثر بعداً وعماءً عن فهم أسرارها وحلولها الحقيقية (إن لم تكن تحمل ألغاماً وأضراراً أخرى لمواقف ووقائع قادمة) ؟!

-  ألا يؤدي هذا لاندفاع كل فريق في طلب الطهارة لنفسه بواسطة المهاترات والتأويلات الأيديولوجية التي لا تتوانى عن ابتزاز المقدس والمحرم لطعن حلفاء البارحة في صميم ماهيتهم الوطنية أو الدينية أو حتى الإنسانية، مما يجعل التحالفات التي كان مرجو منها حل مشكلات سابقة، مصدراً لمشكلات جديدة تحمل مزيداً من تعطيل العقل وحجب الأسباب والمقدمات والنتائج . كما يجعل الفرقاء أقل صدقية لأهدافهم، وأكثر ضعفاً وهواناً واستقطاباً بالفعل.. في أجندة طغاتهم الداخليين والخارجيين على السواء؟

-  وبما أن الشعارات الأيديولوجية هي أيسر السبل وأكثرها إغراءً لما تحمله من أجوبة جاهزة ومؤثرات رمزية وعاطفية (كالوطنية والدين وغيرهما) للتنصل من صعوبات العمل الديمقراطي والانكفاء عما يتطلبه من قواعد وتقاليد غير مسبوقة، تحت حجة الدفاع عن الثوابت والمقدسات ووصم الآخرين بموبقات التكفير والتخوين. حيال هذا يتعين السؤال: متى كانت مهمة الانتقال من الاستبداد والوحدانية إلى فضاء الديمقراطية والعقد الاجتماعي، تخلو من شراكات حقيقية بين اتجاهات ومعتقدات ومواقف غاية في التنوع والاختلاف الديني والسياسي والثقافي؟

-  وحتى مع فرض حصول توافق وقتي حول هذه الشؤون جميعاً بين دعاة الديمقراطية (وهو فرض مستحيل على أية حال) .. فهل يمكن اعتبار هذا التوافق أساساً يساوي الديمقراطية، أو يشكل وصياً عليها، أو يغطي جميع أسئلتها واستحقاقاتها طيلة مراحلها وأجيالها المتعاقبة؟

بتعبير آخر، هل يجوز اعتبار الديمقراطية منظومة للأفكار أم طريقة للحياة تملك قواماً مستقلاً لإدارة الاختلافات والتوافقات والمواقف جميعا، بما فيها إنتاج أفكار جديدة وحل مشكلات سابقة وحاضرة وقادمة على السواء؟

-  وهل يتمثل فارق الديمقراطية عن الاستبداد في كونها تملك فكراً كاملاً لا يملكه الاستبداد. أم كونها تمتلك طريقة لإدارة التنوع واختلاف الأفكار جميعاً لا يملكها ولا يطيقها الاستبداد؟

-  وهل يصح أن نرد انفضاض هذا التحالف أو ذاك لاختلاف الأفكار والمواقف السياسية والأيديولوجية، أم لفقدان توجيهها بطريقة تليق بالديمقراطية وتحترم عقل الجمهور وحقه في العلنية والمشاركة في بحث الأفكار والمواقف جميعاً، كما تحترم الزمن الكافي لأخذ فرصته وتقرير خياراته بطريقة أفضل وأوسع حاضراً ومستقبلاً؟

-  ومع التسليم أن مجتمعنا يواجه إلى جانب حاجته الملحة للديمقراطية احتياجات ملحة أخرى (وطنية .. ودينية.. واجتماعية.. الخ) مما يؤلف وضعاً مركباً يتنافى مع التبسيط والنظرة الأحادية . خصوصا أن هذه الاحتياجات جميعاً تحوطها مواقف واختلافات شتى بعضها أيديولوجي وبعضها يخص مواقف وقتية لا حصر لها، وربما تطال الحلف الواحد أو الجماعة الواحدة وحتى الأفراد أنفسهم..

.. بالتالي، إلى أي حد يمكن لهذه الاختلافات أن تكون جزءاً من هذه الاحتياجات، ورصيداً إيجابياً لها، وليس سداً منيعاً يقطع طريق الحراك لأجلها أو ينقلب عليها؟

وإلى أي حد يمكن لهذه الاختلافات أن تكون جزءاً من العملية الديمقراطية وليس وسيلة للإطاحة بها أو جزءاً من مناورات الاستبداد ضد الديمقراطية؟

وبتعبير آخر، إلى أي حد يكون مسموحاً للمواقف السياسية والأيديولوجية لهذا الفريق أو ذاك، أن تأخذ فرضتها المشروعة لجانب القضايا الكبرى (كالوطن والوطنية، والدولة، والعقيدة، والهوية ..الخ)) دون أن تجعل هذه القضايا جزءاً من عباءتها تخلعه أو تنزعه عن الآخرين كما تشاء؟

-  وإذا كانت أهم ما يميز الديمقراطية ليس ماهية أفكارها بل صوابية طريقتها . وكان فقدان هذه الطريقة أهم ما يميز الاستبداد أياً كانت أقنعته ومعتقداته. وكان مؤدى هذا أن صوابية الطريقة الديمقراطية هي شأن بشري أولاً وأخيراً، وليست معطىً جاهزاً أو شهادة مجانية لفصيلة من الملائكة. بل هي تتطلب جهداً غير مسبوق من الصبر والتدريب لتحقيق قواعدها ومستلزماتها، ومنع الانقلاب عليها أو تفجيرها عند ظهور أول منفعة وقتية أو مشكلة خلافية هنا أو هناك..

.. بناءً عليه لماذا يتوجب إذا ما أطاح الخلاف هنا وهناك بأول خطوة على طريق الديمقراطية، أن نكون متيقنين أن هذه الجماعة أو تلك أكثر صواباً من الناحية الديمقراطية لمجرد ارتباطها بهذا المعتقد أو ذاك؟

لماذا يتوجب التيقن أن الأفكار والمعتقدات التي يعتقد أصحابها أنها تحمل الصحة والقداسة، تتضمن أتوماتيكياً صواب الوسائل والطرائق والمواقف البشرية التي يؤدونها على الأرض؟

أو أن الصدق والنزاهة والإخلاص للمعتقدات الدينية أو الوطنية، يجب أن تعني بالضرورة امتلاك الصوابية والحقيقة المطلقة في الموقف السياسي أو الشأن الوقتي؟

بل لماذا يكون امتلاك الحقيقة المطلقة شرطاً لازماً لتأكيد طيبتنا ونزاهتنا من الناحية الدينية والوطنية وغيرها؟

ولماذا يكون كل هذا مشروطاً بنزع النزاهة والصوابية معاً عن الآخرين؟

-  لماذا لا نطيق توسيع نظرتنا للقضايا البشرية عموماً (بما فيها طرائقنا ومواقفنا السياسية ) انطلاقاً من ساحتها البشرية وقواعدها وحدودها التي تجعلنا أكثر تواضعا وعقلانية (وربما أكثر إنسانية أيضاً) لتقدير قيمة النفع والضرر، والخطأ0والصواب، بمعزل عن جميع الأوهام والادعاءات التي تحتكر سلطة تخص الخالق دون سواه؟

-  وإذا كنا نعتقد أن طرائقنا ومواقفنا هي جزء لا يتجزأ من العقائد التي نؤمن بها. (وينبغي بالتالي أن تحمل صحتها غير المنقوصة). إي أنها ليست شأناً بشرياً تحكمه الظرفية والنسبية والتنمية والتطور .. فبماذا نفسر ظهور عشرات الجماعات والأجندات والمواقف وسط صفوف العقيدة الواحدة والاتجاه الواحد والتي تتبادل التكفير، بل وسفك دماء أخوة العقيدة الواحدة خلال سجودهم للصلاة في دور العبادة التي تخص الله؟

-  وكيف نفسر النظر للفعل الذي تؤديه "جماعتنا" صواباً مطلقاً في مكان معين، وتؤدي نقيضه صواباً مطلقاً في مكان آخر. بينما لا نتوانى عن إطلاق أحكام عكسية تماماً لنفس الأفعال بالنسبة لجماعات أخرى؟

-  وإذا كانت ماهية الباري أو سع من أن تحوطها مخلوقاته . ومساحة الوطن أوسع من أن تحتكرها جماعة من أبنائه. فكيف يحق للبعض أن يفصّل دين الله وشريعته ومقاصده، ويفصّل الوطنية والهوية والسيادة في قياس صورتهم الخاصة عن هذه الشؤون، ويجعلونها مصدر الصوابية والحقيقة والمقدس الذي لا يتعدى تسويغ مواقفهم الظرفية. بما في هذا تسويغ سفك الدماء وتدمير الأوطان الذي تقترفه جماعات أخرى .. لمجرد أنها تشاطرهم هذه الصورة العتيدة، بينما لا يتوانون عن وصم أقرب الشركاء والحلفاء بالتكفير والتخوين لمجرد دفاعهم بالكلمة العارية عن صورة أخرى للإيمان والوطنية على السواء؟

أليس الأصح اعتبار هذه "الصور" جميعاً مجرد منتوج بشري يعبر عن حدود طرائقنا وعاداتنا وموروثاتنا وتجاربنا وقامتنا البشرية؟

-  أليس أكثر احتراماً لوجه الله وعزة الأوطان أن نترك لهذين الأمرين العظيمين فضاءً يمتد فوقنا وأمامنا لنكبر ونتسع فيه (نحو الأمام والأعلى) عوضاً عن جعلهما جزءاً من عباءتنا ومقتنياتنا الخاصة. خصوصا أن الباري جعل  الإيمان فعلاً .. وخلقاً .. وإبداعاً.. وكدحاً مستمراً الى الله يؤديه أحرار عقلاء. فضلاً أن الأزمنة جعلت العالم قرية واحدة وجعلت مصير الأوطان مرهوناً لغير رجعة بما تحققه من قيمة.. وكرامة.. وحرية.. وعدالة.. وديمقراطية تحت طائلة الفناء والانمحاء؟

-  أخيراً أليس من الأمانة والذوق السليم أن نملك حساسية التقاط المؤشرات العميقة لوضعية العالم وحقبته الراهنة. ووضع قضايانا الكبرى (خصوصا الدين، والوطنية،والديمقراطية) في موقع يليق بها لمواجهة هذه الحقبة وتفاعلاتها . ونحن نعني انفتاح العالم على بعضه ومشكلاته الكبرى أكثر من أي وقت. وفي نفس الوقت احتشاد مشكلاته جميعا في ممر انتقالي غير مسبوق تحوطه الأزمات والتحديات التي تطال حقوق الشعوب وسلامة البيئة والحياة نفسها. وجميعها تستدعي التفاف القوى الحية والأصوات الشريفة حول أوسع دائرة من القيم والمشتركات التي تمكن البشرية من العبور لمصير أفضل وتجنيبها الأخطار المدمرة؟

والواقع أننا لا نطلب إطلاق الحساسية لهذه الناحية فقط، بل أيضاً لالتقاط وجهها الآخر وقول ما يجب أن نقوله فيها . ونعني ظهور موجة عاتية (وربما خبيثة) من التطرف والتكفير وسفك الدماء وإشاعة الخوف والكراهية التي تختبئ للأسف تحت عباءة ديننا الإسلامي بهدف تلطيخ مناقبه وقطع طريقه في أصعب الأوقات للمشاركة في صحوة البشرية، بل وطعن مجتمعاتنا في الصميم تحت عباءة الوصاية على المقدس والحقيقة المطلقة وتنفيذ تدابير الله بتكليف إلهي!!

 

* أرجو التيقن أن هذه الملاحظات لا تخص الأخوان بجملتها، أو دون سواهم، بل هي خلفية لعيوب الثقافة السياسية إجمالاً. وقد عرضتها في سياق جبهة الخلاص والانسحاب منها، وليس عن هذه الواقعة حصراً. لهذا أكرر الاعتذار عن أي أثر سلبي لوقع هذه الملاحظات، مع التمسك بغايتها وباعثها.

وسوف يؤكد الأخوان –كما فعلوا دوماً- أنهم لا يدعون احتكار الحقيقة، أو العقيدة، أو الوطنية.. وهذا جيد!

ويؤكدون أيضاً أن العيب لا يأتي من صلاح العقائد، بل من فساد الطرائق، لأنها طرائق بشرية أولاً وأخيراً.. وهذا جيد أيضاً!

-  بناءً على هذا لماذا ينبغي التيقن أن موقف الأخوان كان صائباً عند إقامة جبهة الخلاص، وعند الانفضاض عنها على السواء؟

-  ولماذا تكون المواقف صائبة أو خاطئة، بالجملة وليس بالمفرق (أو بالنقاط) طالما أنها منتوج بشري تتحكم فيه عوامل وضعية وظرفية مختلفة؟

-  ولماذا ينبغي التيقن أن عسكرة الانتفاضة الفلسطينية، أو انتهاج العمل المسلح غاية بذاته، أو صالح بالجملة أو قيمة معيارية لتقييم المواقف، لمجرد أنه صادر عن جماعة تخصنا . وبالتالي لا يقبل الاعتراض أو المناقشة على الإطلاق (من زاوية نفعه أو ضرره للقضية الفلسطينية) تحت طائلة الشبهة والخيانة؟

في نفس الوقت لماذا ينبغي اعتبار الدخول في لعبة الانتخابات ولعبة السلطة (برغم أنها تقوم على قاعدة أوسلو المرفوضة)، صالح بالجملة أيضاً طالما أنه صادر عن الحركة الآنفة، وصولاً للاكتفاء بمطالبات صغيرة (مثل رفع الحصار أو وقف الاعتداءات وفتح المعابر) بل تارةً قبول هدنة طويلة مع العدو، وتارةً دولة مؤقتة مع هدنة طويلة. أو أخيراً وليس آخراً قبول دولة حل نهائي في حدود 1967.. الخ. بينما كانت هذه الأهداف وما تزال تشكل وصمة عار وخيانة وطنية بحق الآخرين؟

-  ولماذا ينبغي اعتبار الانقلاب العسكري (أو الحسم العسكري بلغة حماس) ضد شركاء السلطة والقضية معاً، وصولاً للتحالفات الملتبسة هنا وهناك، صالحة ومبررة بالجملة أيضاً، طالما أنها تصدر عن حماس . في حين أنها معيبة ومدانة حين تقترفها جماعات أخرى في لبنان أو سواه؟

-  الواقع أن هذه الأسئلة هي مجرد جزء يسير من عشرات الأمثلة والأوضاع والمواقف هنا وهناك. وغايتنا من ورائها السؤال : لماذا لا نعيد هذه المواقف والتجارب جميعاً لأصلها البشري ونقرر بحثها في ضوء نفعها وضررها، القريب والبعيد، بمعزل عن ارتباطاتها الفئوية والأيديولوجية كائنة ما كانت؟

بتعبير آخر، لماذا لا نجعل هذه المواقف أكثر واقعية وقابلية للفهم الذي يحقق الانتفاع من نتائجها الإيجابية والسلبية معاً. ويجعلها وسيلة للتراكم وإغناء التجربة وكسب الصدقية في عين الجمهور وأجياله القادمة؟

-  لماذا لا نعتبر أن المواقف والتحالفات تتضمن مجموعة من النقاط الإيجابية والسلبية، والاتفاقية والخلافية. وأن هذا لا يشكل ضيراً بذاته وليس جديداً في مجتمعنا أو سواه . بل إن أهم ما ينبغي أن تحمله هذه التحالفات من جديد حقاً لنفسها ومجتمعها هو تحقيق طريقة وأسلوبية جديدة، وليس عقائد وحقائق ومزاعم مطلقة جديدة . طريقة لإدارة الفروق ومعالجة المشكلات تخرج من دائرة الأوهام والأحكام المطلقة إلى عالم النسبية الذي يحترم حقوق الزمن واتساع المعرفة ومشاركة الجمهور والأجيال القادمة (بما في هذا الرأي الآخر أيضاً داخل وخارج صفوفها على السواء!).

ألا يحق لنا القول إن هذه الطريقة هي هدف وقيمة بذاتها . وهي طريق الحقيقة السليم . وهي قمة التفاهمات التي يدوم أثرها وتحقق صدقيتها، وليس افتعال تفاهمات وتحالفات زائفة تبشر مجتمعها بالمنّ والسلوى، وتتعمد إخفاء اختلافاتها تحت الطاولة وحظر أي نقش حولها، بحجة الدفاع عن وعودها العتيدة في الخلاص.. والتغيير الديمقراطي. وفي نفس الوقت لا تتوانى عن تقويض هذه العملية كلها في اليوم الثاني بحجة انفجار هذا الخلاف أو ذاك!

-  حيال هذا يتعين السؤال عن ماهية الأسباب الحقيقية التي تهون معها الديمقراطية للحد الذي يقوض أول خطواتها، ويطعن رجاءها في الصميم؟

ولئن كان هذا الهوان لا تعوزه مسوغات كبيرة (كالخلاف حول استحقاق الوطنية، أو القومية، أو مقاومة العدو الصهيوني والمشروع الأمريكي..الخ) فإن هذا يستدعي سؤال آخر عما إذا كانت هذه الاستحقاقات نفسها هي أكثر من مسوغات لتقويض العملية الديمقراطية والتنصل من مسؤوليتها. أو أن مصير هذه الاستحقاقات سوف يكون أفضل حالاً ولن تهون لنفس الأسباب التي أصابت سابقتها؟

 

* إننا لهذا نجد لزاماً العودة لسؤالنا الأول وهو: ماذا تمثل بالضبط قضية الديمقراطية بالنسبة للجماعات المختلفة. وماذا تزن في ميزان حساباتها وأجنداتها وارتباطاتها هنا وهناك؟

-  وحتى مع افتراض النزاهة وتجرد هذه الجماعات عن مآربها الخاصة فإن هذا يستدعي سؤالاً آخر هو: ماذا يمثل استحقاق الديمقراطية بالنسبة للاستحقاقات الأخرى (الوطنية، والاجتماعية، ومقاومة العدو الخارجي)؟

بتعبير آخر هل تخطت هذه الجماعات ثقافة الوحدانية وتفصيل الوطن والوطنية والعقيدة في قياس منظوماتها الخاصة. خصوصا بعد أن أتم الطغاة استنزاف هذه الثقافة وحولوا الوطنية والعقيدة وغيرها إلى شعارات جوفاء تسوغ النهب وتلغيم المجتمع بالانفجارات والحروب الأهلية. وخصوصا في ظل حقبة غير مسبوقة من انفتاح العالم واشتداد أزماته وترابط قضاياه .. مقابل انكشاف المجتمعات وسقوط حاجز سيادتها التقليدي. واشتداد حاجتها للنهوض بالدولة والوطنية معاً على قواعد جديدة أساسها المدننة والمواطنة وحق التنوع والمعارضة والاختلاف . .بوصفها أولويات وطنية بامتياز ورافعة حقيقية لنهوض المجتمع وتجديد ثقته ومبادرته لتقرير مصير أفضل لنفسه وللبشرية؟

-  إننا بناءً على هذا توخينا مناقشة تجربة الأخوان وجبهة الخلاص من زاوية المأزق الوطني الديمقراطي .. وليس العكس.  لأن هذا المأزق يطال أوضاعاً وتجارب كثيرة أخرى للأسف. وما لم يتم احترام هذا المأزق، واتباع مراجعة سليمة لمجمل التجارب والمواقف على أساسه، فلا يبدو أن أحداً يحق له التنطح لإنشاء حركة تتميز بكافة مواصفات الحركة التاريخية (كالديمقراطية). ومن باب أولى لا يحق له الاغتباط، أو المزاودة على غيره، لما حققه من تحالفات، أو بما فعله لتقويضها، ناهيك عما أطلقه من مسوغات طنانة لهذين العملين معاً!

ونحن لا نقول هذا عبثاً. إذ ليس معقولاً أن تتنطح هذه الجماعة أو تلك لإطلاق إعلان شامل (بخبطة واحدة) من أجل التغيير الديمقراطي، أو الخلاص الوطني، وهلمجرا، ثم لا تتوانى عن دوسه بخبطة أخرى قبل أن يحبو خطوة واحدة على الأرض!

وليس معقولاً أن تقوم هذه "الإعلانات" بتفصيل مجتمع ديمقراطي تمامي لا يشوبه النقص والعيب. أساسه الحرية والمواطنة والمساواة التي تجعل الوطن لأبنائه على اختلاف فروقهم الفكرية والسياسية .. ثم لا تطيق أول الفروق والاختلافات : بين أتباع الإعلان وسواهم، وبين أهل المعارضة وأهل المولاة، وأهل التدين وأهل العلمانية، وأهل الاتجاه القومي والاتجاه الليبرالي.. وأخيراً وليس آخراً بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج، وصولاً لانفجار الإعلان الواحد والمعارضة الواحدة (وربما الجماعة الواحدة أيضاً) كل هذا تحت وصمة اللاوطنية التي تعيدنا لمربع الصفر وتذكرنا بأعتى الأنظمة الدكتاتورية التي تفصّل الأوطان والعقائد في قياس أصحابها، مما يكشف بالأحرى بؤس القميص الوطني والقميص الديمقراطي على حد سواء!

-  خلاصة القول، إن قيمة الديمقراطية وجدواها تتأتى من صوابية طريقتها لإنتاج الحلول التي تنفع مجتمعنا آجلاً أو عاجلاً. وليس من إلزامية القرارات والإملاءات المسبقة التي يفرضها هذا الفريق أو ذاك تحت طائلة تقويض العملية الديمقراطية نفسها.

وهذا يقتضي توفير قواعد سليمة للعملية الديمقراطية والالتزام بها كرزمة واحدة لكافة مراحلها. بدءاً من إطلاق حوار حقيقي يحترم عقل شعبنا ويحفز أصواته وقواه الحية للانخراط في هذه العملية وتقرير مصيره من خلالها. وصولاً لإنشاء التفاهمات الحقيقية (التي تتضمن التوافقات والاختلافات معاً) توطئة لإنشاء التحالفات والجبهات العتيدة بناء على هذا جميعاً وترجمة له .. وليس العكس!

ومن نافل القول إن هذه الخطوات نفسها ليست آخر المطاف، بل هي مجرد محطة أولى على طريق العملية الديمقراطية. وربما قاعدة شرطية لتحقيق صدقيتها التي ينتظرها عمل طويل أيضاً!

.. لهذا السبب ليس مطلوباً ولا مقبولاً من هذه الخطوات جميعاً، أن تفصل أوطاناً، أو ترسم أقداراً وسياسات نهائية. وليس مقبولاً بالأحرى أن تفرض مواقف شرطية حيال هذه الواقعة أو الجماعة أو تلك. بل بالأحرى أن تطلق أملاً عمومياً حقيقياً يجسد صوابية الديمقراطية وصدقيتها . وأن تحفر لها مجرىً عميقاً لا تضله العقول أو تقتلعه الأهواء من هنا وهناك!

-  وبناءً عليه يحق القول إن أحداً لم يفِ هذه المسلتزمات للأسف. بدءاً من الأخوان وجبهة الخلاص، عبوراً بإعلان دمشق، وصولاً لما يسمى "التيار" .. ولا ندري ما يمكن أن يظهر بعد!!

 

* خلاصة

-  خلاصة القول إن الديمقراطية تستمد قوتها من صوابية طريقتها ورفعة وسائلها وليس العكس. مصحوبة بأمل نيل الحرية والكرامة والتطلعات المشروعة بأقل الأكلاف التي تقتضيها العدالة والمساواة أمام القانون.

-  وهي في هذا ليست ماضوية ولا تحمل أثراً رجعياً أو ثأرياً. لأن مناوئتها الاستبداد لا تخص أشخاصه وجماعاته، بل أزمنته وطرائقه وعاداته وعلاقاته. وبالأحرى فهي تجسد أزمنة وعلاقات جديدة، وينبغي لهذا السبب أن تتحلى بكامل الوضوح ومنع الالتباس عنها الذي يسهل كشفه من طرف الشعوب لأنها اختبرت زيف الشعارات واكتوت بنارها جميعاً. كما يسهل بالأحرى كشفه من طرف الطغاة وتجييره لحسابهم لأنهم يتصدرون ميراثاً طويلاً من خبرة التضليل التي ربما تضاهي ذكاء الغرائز الأولى!

-  بناءً عليه أجزم أن الديمقراطية (خصوصا المطروحة بشكل سلمي لشعبنا السوري) لا تحمل أي شرط على الأفراد والجماعات سوى تحقيق الصدقية لأجلها، وتبرئة الذمة من فساد الأزمنة والطرائق السابقة عليها. ومن مقتضى هذا تسديد استحقاقات هذه البراءة أمام الشعب السوري لتكون ثمناً عادلاً للانتقال بين زمنين مختلفين، دون أن يخسر أي فرد نفسه، ودون أن تخسر الشعوب نصيبها من حكمة الأزمنة واستحقاقات المستقبل الأفضل!

-  وكان من مقتضى هذا في أقل تقدير أن نطالب عبد الحليم خدام تسديد ما يخصه من هذه الاستحقاقات (وهي معروفة لكل مواطن سوري بسيط)!!

.. أما وإننا خلعنا عليه ثوب الديمقراطية والخلاص الديمقراطي بمعزل عن هذه الاستحقاقات جميعاً. وبنفس الطريقة خلعنا عنه هذا الثوب أيضاً، فإن القضية (يصبح فيها إنّ).. وربما لا يكون فيها ديمقراطية، ولا وطنية، ولا زمن جديد، ولا من يحزنون!!

وأنا لا أقول هذا يائساً، لأن اليأس ترف لا يطيقه واقع الحال على الإطلاق. بل أقوله محتجاً بصفتي مجرد مواطن سوري ما زال ينظر للوطنية.. والديمقراطية (والقضايا الكبرى جميعاً) بوصفها تقف أمامنا، وتدعونا لنفعل أفضل مما فعلناه بعد ... تحت طائلة الطوفان!

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ