ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 26/12/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

 

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل... 

حاصر حصارك لا مفر

بقلم فيصل محمود

لعل عنوان المقالة يعبر أصدق تعبير وبجلاء منقطع النظير عما تكابده البشرية من لئواء الحياة وكبدها وتعاستها ...ولعله أيضا يختصر حياة البشرية التائهة منذ بداياتها البريئة التي كانت تغمرها مساحات واسعة من الفرح والحرية وبفضاءاتها الرحبة ... وصولا إلى نهاياتها المترعة بكاس الشقاء والتعاسة والهموم ... هي قصة الإنسان منذ وصوله إلى هذه الحياة وحتى يغادرها ملبيا نداء الحقيقة الساطعة التي لا مفر منها وهي الرحيل إلى عالم آخر .. إلى حياة آخرة هناك حيث تتحدد خياراته ومصيره بخيارين لا ثالث لهما فإما إلى تعاسة وشقاء دائمين وإما إلى سعادة ونعيم دائمين ... ويتوب الله على من تاب... إنها قصة الحصار بكافة أشكاله وألوانه تحيط بحياتنا كما يحيط السوار بالمعصم إذ لا فكاك منها ... وحين يتهيأ للواحد منا أنه قد تخلص مما كان يحاصره  وإذا به يدخل طوعا أو كرها في حلقة جديدة من الحصار لا تقل ضراوة عن سابقتها .. يبدأ الحصار من اللحظة التي ينطق فيها الطفل البريء أولى كلماته ماما أو بابا وحينها يبدأ الحصار بعدما يشهد بأم عينيه صراع خفي بين أبيه وأمه هل قال بابا أم ماما ... ثم يجد نفسه محاصرا بالسؤال التقليدي بتحب ماما ولا بابا اكثر ... والمسكين بريء ليس في ذهنه تفضيل لأحدهما على الآخر... ومن هنا يبدا الطفل في إدراك أن شيئا ما يلوح في أفق حياته إذ عليه من الآن أن يفكر في خياراته  وأن يرضي كل الأطراف ... إذا إنه حصار من نوع آخر ليس شديدا ولا قاسيا بالمفهوم الذي توحيه كلمة حصار... ثم تتوالى حلقات الحصار تتسع وتشتد شيئا فشيئا مع نمو وتطور إدراك الطفل ... ليجد نفسه بعد سنين معدودة وإذا به تحاصره مجموعة من المحرمات والعيب والقوانين المنزلية والعائلية بحيث تتضائل أمام ناظريه تلك الفضاءات الرحبة من الحرية التي كان يسرح فيها ويمرح ... تحاصرة حلقة من الحصار يحمل آثارها ربما بقية حياته وهذه الحلقة هي حلقة التخويف من الأشياء المجهولة والأساطير التي يتم تخويفه بها عقابا له على بعض تصرفاته وربما لإسكاته عن الصراخ .. ولعل أشهر نجوم التخويف وألمعهم على الإطلاق هو ذلك الغول الذي لا ندري ما هو وكيف شكله وهل هو حيوان أم ماذا ... إلا إننا نخافه ونحن صغار وكل ما هو مجهول لنا هو الغول بعينه .. حتى تحول الغول إلى جزء دفين في شخصيتنا ومن ذواتنا نحمله في أذهاننا .. أليس هذا حصارا بحد ذاته لقمع غريزة الأستكشاف والبحث والإنطلاق حتى نحو المجهول ... ولكن كيف يتم ذلك والغول واقف هناك يتربص بنا في كل زاوية ووراء كل صخرة وتحت كل شجرة بل إنه يطاردنا في أحلامنا ... يستولي علينا ويقهر في اذهاننا حب الإستطلاع وإنطلاق النفس على سجيتها ..

وتسير دورة الحياة دون إنقطاع ومعها تستمر حلقات الحصار تارة تشتد وتارة تضعف قليلا لتواصل شدتها كلما تقدم الإنسان بالعمر.. ويدخل الطالب إلى الجامعة .. وهنا تحاصره رغبات أهله فيما سيدرس وتحاصره هيئة التدريس بافكارها ومعتقداتها وطريقة تعاملها مع الحياة ... حصار من نوع آخر .. رغم أن الطالب في هذه المرحلة يحاول ان يستعيد بعضا من حريته التي كانت تذكره في طفولته حيث المساحات الواسعة من الإنطلاق دون حساب ولا عقاب ... وما أن يتخرج الطالب والأمل يحدوه في ان يشق طريقه في الحياة بالطريقة التي تعلمها وأقنع نفسه بها لتحقيق اهدافه وامانيه في الحياة حتى يدخل في دوامة كبيرة ومتسعة من حلقات الحصار وهي اشد من سابقاتها .. حلقة البحث عن وظيفة .. فها هي الدنيا الرحبة الواسعة تناديه ليقتنص منها فرصة عمره ... وتمتد يده ليقتنص هذه الفرصة ... ويا لخيبة الأمل هناك الكثير من العوائق والأسوار التي عليه أن يجتازها حتى يجد هذه الوظيفة... ويمتد الحصار وتتوسع حلقاته ودائرته في البحث عن شريك العمر وعن مواصفاته وعن تأمين الشقة أو البيت والإنجاب وتربية الأولاد وتعليمهم ..ومحظوظ من أفلت من حصار الزوج أو الزوجة دون أن يصاب بمجموعة الأمراض القاتلة...

 

تحاصرك البيئة التي تعيش فيها وتتنفس هواءها وتروح وتغدو فيها في مسيرة حياتك ... تحاصرك بقوانينها واعرافها وتقاليدها ... تحاصرك بتاريخها وجغرافيتها ... وموروثاتها ... يحاصرك إنتماؤك العرقي .. إنتماؤك القومي وإنتماؤك الديني تحاصرك الحياة نفسها بايقاعها وهلواساتها وجنونها ...نحن محاصرون بالرأي الأوحد .. محاصرون بتحصيل لقمة العيش لنبقى على الأقل على مستوى خط الإستواء أعني خط الفقر فلا ننزل دونه إلى ما دون الصفر أو درجة التجمد والتبلد ... محاصرون بوسائل القمع والتجهيل المتعمد ... محاصرون ببث الخرافات والخزعبلات والدجل والشعوذة وإشاعة الرضوخ للقدرية والحتمية وقتل روح المبادرة والنهوض فينا .... محاصرون بمخالب الفقر والمرض ... محاصرون بوسائل التخويف بانواعها ... محاصرون بالسلبية والعدمية واليأس القاتل ... والقائمة تطول ولا سبيل لحصرها......

 يحاصرك الآخرون ممن لا تتفق معهم في الدين واللغة والمبدا والفكر... يحاصروك الآخرون ممن لا يرضون لك إلا ان تكون غير موجود أو ان تذهب  إلى ما وراء الشمس ... فوجودك بينهم أو قريبا منهم أو حتى بعيدا عنهم ... يستفزهم يثير أسوأ مشاعر الكراهية والحسد والحقد ... يتمنون لك الموت في كل لحظة ... ومن أجل ذلك سيفعلون كل ما بوسعهم لإقتلاعك من الحياة نفسها لإجتثاثك من جذورك ... فوجودك ينغص عليهم حياتهم ... وجودك يعيق إستمتاعهم بالحياة... هذا الحصار الذي يأتيك من وراء البحار محمل بالكره والحقد الدفين يحاول طمس هويتك وذاتك وثقافتك ودينك... وهذا الحصار ضار ومؤذ وقبيح وعديم الرحمة والشفقة .. خبرته البشرية وعاصرته في تاريخها يوم أن تعرض صاحب رسالة الإسلام النبي العظيم والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يوم حوصر هو وعشيرته وأصحابه في شعاب مكة لأنهم قالوا كلمة التوحيد ..." قالوا ربنا الله" كانت هذه الكلمة كفيلة بان تستفز كل شياطين الإنس والجن لمحاربتهم والقضاء عليهم وعلى دعوتهم ووأدها في مهدها ... حدث هذا الحصار عند إختلاف الفكر والعقيدة والدين ... ولعلني لا أبالغ إذا قلت بأن هذا النوع من الحصار هو أعتى واقسى أنواعه... كان هذا الحصار محاولة شرسة بكل المقاييس وبإمتياز ... ولكن كان حصارا يائسا باء بالفشل رغم شدته وقسوته... واتم الله نوره وأكمل دينه واظهره على الدين كله ولو كره الكافرون...

ومنذ ذلك الحين والأمة تتعرض من حين لآخر ودون إنقطاع لأنواع من الحصار تجمعها سمة واحدة وهدف واحد وهو إستهداف الأمة في ثوابتها وفي دينها وفي ثقافتها وتاريخها ولغتها .. ما اصعب الحياة عندما تجد نفسك محاصرا حتى في استخدام مفردات اللغة التي نطقت بها أولى كلماتك وأنت طفل بريء ... وكانت موسيقى حروفها هي أول الألحان التي هزت مسامعك .. هي عملية استيلاء على العقل الجمعي للأمة .. هي سلسلة متصلة ساعة يهاجمون عقيدتك وساعة يهاجمون دينك وساعة يهاجمون رسولك ونبيك وساعة ينهشون في لغتك ... وللأسف الشديد فقد أفلح القوم إلى حد بعيد في تحقيق مآربهم ولا يخفى على أحدنا ما وصلت إليه نتائج حصارهم لهذه الأمة...وأمام هذا الحصار إستنفذت طاقات الأمة وإبداعاتها وقيمها ورجولتها ومروءتها .. وفي الحقيقة هي إستهداف لقضية نكون أو لا نكون على هذه البسيطة..

حوصرنا في رؤانا وفي أحلامنا وفي إسهاماتنا في سعادة البشرية بل وحرمنا من هذه المشاركة ... حوصرنا في مساحات الفرح التي كنا نتمناها ونحلم بها لنعيش فيها بحرية وسلام مع الكون كله... حوصرنا في بلادنا في مدننا وفي قرانا وفي شوارعنا وفي حاراتنا وفي بيتنا وداخل بيوتنا وفي غرف نومنا ... وفي محطات قنواتنا الفضائية وفي إعلامنا وفي مناهجنا الدراسية..., حوصرنا في الهواء الذي نتنفسه .. حوصرنا في غذائنا وطعامنا وفرضت علينا وجبات سريعة وثقافة سريعة وموسيقى سريعة وإيقاع حياة سريعة وفي هواتف نقالة سريعة ومتغيرة ومتبدلة ... حوصرنا في طريقة عيشنا وحتى في تسمية صغارنا وفي تعليمهم وفي تربيتهم ... لم يسلم والله شيء واحد في حياتنا إلا وتعرض لهذا الحصار الرهيب...

ويعجب القائمون على حصار هذه الأمة من حقيقة أغاظتهم قديما وما زالت تغيظهم وهي أن هذه الأمة أمة حية  لا تموت تكبو وتضعف ثم تنهض من جديد كطائر العنقاء ينتفض من بين الرماد... والمسلم في دينه الواثق بربه والمتوكل عليه والمؤمن به حق الإيمان يجد نفسه في فضاء رحب ومساحة واسعة بمساحة الكون لا يهمه أمر الحصار طالما تمسك بدينه فهو في كنف الله وفي رعايته وفي معيته ومن يكن هكذا حاله وأمره لن يفت من عزيمته وإيمانه اي حصار... فها هو التاريخ القديم والمتوسط والحديث يضرب لنا أمثالا رائعة فيمن حوربوا في دينهم وحوصروا فلم توهن عزيمتهم بل وأخرجوا للعالم وللبشرية روائع فكرهم حفظها النس في قلوبهم وفي رؤوسهم قبل أن يحفظوها في كراريسهم...

ولعلني أختم بالقول ان من اشد أنواع االحصار الذي يكابده الإنسان دون إنقطاع هو حصار النفس وما جبلت عليه من حب الشهوات بانواعها... تحاصره نفسه بشهواتها وهواها وشرورها فتقودة إلى هلكته ومصرعه وسوء خاتمته إن لم يتداركها بالمجاهدة والصبر ... ولعلنا لو أفلحنا في مجاهدة هذا النوع من الحصار أن نتغلب على باقي أنواعه حتى ينفرط عقدها واحدة تلو الآخرى وهناك فقط نستطيع أن نرى في نهاية نفق الحصار نور ساطع من نور الله ينير قلوبنا ويشفي صدورنا ويقوي عزائمنا ... لذلك مطلوب من كل واحد منا أن يحصار حصاره سواء كان من نفسه أو من غيره ... وكما قال أحد الشعراء ... حاصر حصارك لا مفر....

عندما تهب عاصقة من التاريخ على وطني الكبير

عندها سأجلس على كرسي وفي يدي مسبحة

وأجلس على باب الأحزان أودعه الوداع الأخير ... وداع الرحيل

لأنه ليس في إستطاعتي أن أموت جائعا أو مقهورا ...

بل سأنعم بما قدر الله لي من الخير كله في هذا الدين العظيم الذي إرتضاه لي

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

السابقأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ