ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 06/03/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

 

السوريون بين إصلاح النظام أو إسقاطه

بدرالدين حسن قربي

رياح التغيير التي هبت مع مطلع العام الحالي، أخذت حتى تاريخه ثلاثةً من الأنظمة العربية العتيدة، في تونس فمصر ثم ليبيا، وأكّدت بصورة جلية أن سوسة الفساد والاستبداد على مرّ عشرات السنين قد نخرتها. فسقطت حقيقةً بفعل فسادها واستبدادها بشكل كرتوني مهين، قبل أن تسقط ظاهراً بحركة جماهيرية شعارها:الشعب يريد إسقاط النظام. فسقط منهم من سقط بالتنحي أو الرحيل أو التناحة، وقُضي بينهم وبين شعوبهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين.

ولئن كان السبب الحقيقي فيما كان انتفاضةً على ممارسات الأنظمة القامعة للحريات والممتهنة للكرامات، والمستحوذة على الثروة والناهبة للمال العام بطريقةٍ انعدم فيها الحياء على الآخر، فإن هذا يعني تحقيقاً أن أحجار دومينو الفساد والديكتاتورية العربية سيتوالى سقوطها، فالرياح عاصفة، والأنظمة متعفّنة ومتآكلة، وتاريخ صلاحيتها منتهٍ منذ أمدٍ بعيد، وشعار المرحلة:بالدور ياقامعين الناس بالدور، ولكل ظالم يوم.

ولمن يستكثر على الناس أو يستغرب منهم - عن حسن نية أو سوئها - أن يكون شعارهم إسقاط النظام وليس إصلاحه، فلا شك أن كلامهفيه نظر، لو لم يكن الناس قد فعلوا ذلك من قبل مقولته بسنين وأشهر وأيام، وشقُوا وتعبوا وحاولوا ووسّطوا، وعلّقوا وتوقفوا وقربوا وبعّدوا، وإنما هو الفالج، الذي قالوا في أمره: لاتعالج. فكيف السبيل لإقناع نظام مستبد فاسد بإصلاح نفسه وهو لايحسب حساباً لأحد، ولايستحي من أحد، ويمارس فساده وقمعه دونما ذرة من حياء أو خوف من أحد. وما نظنّ أن التونسيين والمصريين والليبيين بمن فيهم السورييون أيضاً قصّروا بالمطالبة بالإصلاح، ولكنها أنظمة اعتقدت أن حصونها الأمنية والمخابراتية مانعتها من غضب شعبها، وظنوا أن لن يقدر عليهم أحد،وذلك ظنهم الذي أرداهم وأوردهم ما أوردهم، فبئس الورد المورود. بل حتى الرئيس الأسد نفسه وفي مقابلته مع الوول ستريت جورنال المنشورة في 31 كانون الثاني 2011 قد قال بوضوح: إن لم ترَ الحاجة إلى التغيير قبل ما حصل في مصر وتونس، فقد أصبح متأخراً أن تقوم بأي تغيير، وعندما سئل عن الإصلاح في سورية أجاب: بأنه سيشرع في إصلاحات سياسية واقتصادية، وإنما لكي نكون واقعيين علينا ان ننتظر الجيل القادم لتحقيق هذا الإصلاح.

لمطالبي السوريين أن يرفعوا شعار إصلاح النظام لا إسقاطه فمازال هذا شعارهم حتى تاريخه، ومازالت هناك أيام يستطيع فيها نظامهم أن يستدرك مافات بإطلاق حملة إجراءات هي بالضبط مثل مايعمله المصريون الآن والتونسييون تماماً، والذي لو عمله الرئيس المصري السابق والتونسي والليبي أيضاً قبل الانتفاض عليهم بأيام لكانت نهاياتهم مختلفة. ولمطالبي السوريين بأن يكون شعارهم إصلاح النظام في انتفاضة الغضب لإنسانيتهم وكرامتهم القادمة على الأبواب، نذكّرهم أن النظام مابين الأب والابن قد أمضى في حكم سورية حتى تاريخه إحدى وأربعين عاماً، هي أقل من فترة حكم قذافي ليبيا بعام واحد، وأكثر من فترة حكم مبارك بإحدى عشر عاماً، فيُفترض أن النظام قد أخذ حقّه ومستحقه من عمر الناس في الإصلاح، وأن الوطن طفح كيله إصلاحاً وتصليحاً،وسبق في الصلاح، ومابقي على النظام غير الراحة والرحيل.

ياجماعة..!! إن شعباً نظامه أسّس لنشوء حكم شمولي على الطريقة الكوبية والكورية، حزب البعث فيه هو القائد في الدولة والمجتمع، وسيطر على كافة مفاصل الوطن بأجهزة أمنية قامعة، وصلت حد الإبادة الجماعية والمجازر التي طالت عشرات الآلاف من المواطنين والمفقودين مما أورث البلد مشاكل عالقة على كل جبهات الحياة، واحتل مراتب متقدّمة على مستوى العالم فساداً وديكتاتوريةً،لا يُلام أن يكون شعاره المطالبة بإسقاط النظام.

ياناس..!! إن شعباً يعيش في ظل إعلان حالة الطوارئ منذ قرابة خمسين عاماً تحكمه المحاكم الاستثانئية الأمنية منها والعسكرية بحجة حالة الحرب مع إسرائيل، وإن شعباً نظامه بات عصياً على الإصلاح، واستحال مقاوماً لدولة القانون والعدالة وممانعاً للمشاركة والتعايش مع الآخر المختلف، لأنه تأسس من ساعته الأولى على القمع الذي قدم على دبابة عسكرية باطشة، واستمر كل هذه السنين العجاف، لا يُلام أن يكون شعاره المطالبة برحيل النظام.

ياعالم..!! إن نظاماً من أهم إنجازاته إمبراطوريات من القرابات والنافذين للاستحواذ على الثروة يرعاها في كل منشآت الوطن، ولها أباطرتها ممن لايتركون شيئاً يفوتهم، أوصلت البلاد والعباد إلى حالٍ مرعبة من الجوع والفقر والبطالة والقهر، لا تلومُنّ شعبه أن يرفع في وجهه كرتاً أحمر، فيه من كافٍ وكُفينا وكفاية وكِفايات، المختصر من الكلام، وأن يُطالِب بتنحي ورحيل وإسقاط النظام.

=======================

بين ديكتاتوريات القتل والنهب .. وديمقراطيات التغييب والخديعة

نوال السباعي

صراعات دولية مصيرية ، يشهدها العالم على هامش ثورتنا الإنسانية الكبرى في المنطقة العربية ، فعلى الرغم من أنها ثورة شعبية قام بها شبابنا ، ليس لقوة خارجية في قيامها فضل ولامِنّة ، فإن المهيمنين على النظام العالمي المعاصر تحركوا بالتوازي في محاولات مستميتة لاحتواء الأوضاع ومواكبتها ، والتسابق لخطب ودّ القوى الجديدة الصاعدة .. قوة الشعوب ، التي جعلت أذكياء الغرب يكتشفون – أخيرا- أن الحفاظ على مصالحهم بخطب ودّ ها ، سيعود عليهم وعليها بالفوائد عاجلا وآجلا ، وبكلفة أقل بكثير من تلك التي يتكبدها في صراعاته معها .

 هزيمة ديبلوماسية -سياسية رنانة لحقت بفرنسة "الساركوزية" المتمترسة مع الطغاة ، مقابل تحركات الولايات المتحدة "الأوبامية"- ومعها بريطانيا "كاميرون"-التي تبدي رغبة ً "مُراوغةً " في دعم إرادة الشعوب بما يتماشى مع مصالحها ، هزيمة ..ستتبعها هزائم عسكرية واقتصادية وثقافية قد تغير الخريطة النفسية واللغوية لبلدان المغرب ، حيث يتحدث الناس باللهجات المحلية ويقرؤون بالعربية ويفكرون بالفرنسية ،وحتى لحظة انتصار الثورة التونسية !.

الفضيحة الفرنسية تجلت في موقف وزيرة خارجية "ساركوزي" ، التي اقترحت إرسال قوات فرنسية للمساعدة في قمع الشعب ، إذ تربطها ب"العائلة المالكة" التونسية علاقات تجاوزت حدود اللياقة الديبلوماسية ، مما حملها على الاستقالة راغمة ، الشيء الذي لا ..ولن ينقذ رؤوسا كثيرة في أوربة من التدحرج تحت ضربات مقصلة الثورة العربية القاصمة !.، لن يكون أولها رأس "بيرلسكوني" الذي تربطه علاقات المداهنة والمال والفساد والفضائح مع القذافي وأبنائه ، ولاآخرها رأس "ساركوزي" الذي قضى شهر عسله قبل زواجه في مصر على حساب "العائلة المالكة"!.

ثورة الكرامة والحرية والحياة ، التي زلزلت المنطقة ، غيرت معادلات الوطن والإنسان ، والهوية والزمان ، ونسفت الكثير من القناعات والمقولات الراسخة منذ عقود في ضمائرنا وضمير الرأي العام العالمي عنّا ، لكن آثار "تسوناميها" لن تقف عند ذلك ، لأنها ستمتد بطوفانها لتطهر كل شيء ، وتجرف من القيعان كل الطحالب الضارة والألغام القديمة المدفونة في الرمال التي تبدو ساكنة في هاتيك الأجواف السحيقة التي بنى فيها الطغاة عروشهم ، فانهارت عليهم من القواعد ، قواعد الطغيان الذي ينهب ولايشبع ، والاستبداد الذي لايتسرطن إلا بالفساد ، والمُلك الذي يتزاوج مع المال العام المنهوب ، ليصبح هِبات في أيدي هؤلاء الخونة يوزعونها ذات اليمين وذات الشمال ، دون مساءلة ولارقيب ، ولاعودة إلى الشعوب التي برهنت أنها لم تكن نائمة ، وإن تمّ تغييب بعض أجيالها في أنفاق القهر المخترق خارطة السجون وفرم اللحم البشري ، المتمددة بحجم خارطة وجودنا.

لم تُسْقِط هذه الثورة وخلال أقل من شهرين منظومة الديكتاتوريات التي تحكمنا وحسب ، ولكنها فككت وتحت هدير سيلِها العَرِم ، آليات الديمقراطيات التي تحكم الضفة الأخرى للأبيض المتوسط ، والتي طالما تآزرت وتعاونت مع هؤلاء الحكام القتلة من عصابات السراق ، ديمقراطيات طالما تغاضت وسكتت عن إجرامهم وولوغهم في دمائنا وآلامنا ، بتمرير فزاعاتها الثلاث : "الإرهاب الإسلامي" ، و" الهجرة السرية" ، و"تهديد منابع الطاقة" !، مبررة جرائمها الثلاث : "بيع أسلحة القمع والردع" ، و" التشارك بمليارات الأمة " ، و" خديعة الرأي العام الأوربي" .

الحلف بين ديكتاتوريات الجنوب ، وديمقراطيات الشمال ، كان ومازال من أهم العقبات الكأداء في سبيل تحرر الشعوب ، ديكتاتوريات القمع والنهب وتسرطن عائلة على حساب الوطن ، وديمقراطيات الكذب والنفاق والارتكاس إلى درجة التضحية بكل المبادئ والقيم، وتغييب الرأي العام الأوربي والعالمي عن حقيقة سياساتها القذرة في دعم هؤلاء الطغاة ، وخديعته بإعلام يدندن بالعداء للعرب الذين تعيش هذه الطبقة الديمقراطية الحاكمة على حساب رشاواهم ومنحهم المليونية ، وتجريم الإسلام والمسلمين ، وكراهية الآخر الآتي عبر المضائق في قوارب الموت ، مهاجرا إلى عوالم الرفض والكراهية ، التي تعيش وتنمو وتتوسع وتقوم على أكتاف صغار الآدميين ، من كبار المجرمين ، الذين باعوا أوطانهم بثمن بخس ، ولم يفكروا حتى مجرد تفكير في أن يقبضوا ...ولو بعضاً من الثمن ، على غرار ما تفعله الصهيونية العالمية ، وهي تشتري الضمائر والحكومات الغربية ، ولكن مقابل فرض احترامها على الرأي العام ، ونيل الدعم غير المشروط لجرائمها المستمرة في فلسطيننا.

=======================

بعد كل ما حدث في تونس ومصر وليبيا.. علام يراهن الرئيس السوري؟

الطاهر إبراهيم*

انطلاق الثورة ونجاحها في تونس التي كان يضعها محللون في ذيل قائمة الدول العربية التي يمكن أن تنتفض شكل قفزة فوق جدار الخوف الذي تعيشه شعوب خائفة من أنظمتها العربية المستبدة. وانتصار الثورة في تونس أعاد إلى لشعب التونسي ثقته في نفسه وفي مقدرته على الحصول على حقوقه التي كانت مهدورة في عهد الرئيس "زين العابدين بن علي".

كذلك فإن ثورة 25 يناير في مصر أدت إلى خلع الرئيس حسني مبارك وملاحقته مع رموز الفساد والتسلط، وهيأ الجو لوضع أسس دولة مدنية غير منقوصة الحقوق، مبنية على الحرية والديمقراطية، ومارافق ذلك من كر وفر بين شباب ميدان التحرير وبين رموز الشد العكسي التي كانت تتحكم في مفاصل مؤسسات الدولة في مصر. كل ذلك شكل "بروفة" مكتملة لكي تنسج على منوالها الشعوب العربية التي تحكمها أنظمة مستبدة. الثورتان التونسية والمصرية ما زالت حية نابضة تعيش بأدق تفاصيلها في نفوس شباب دول عربية تخضع لقمع أنظمتها وإرهابها، الذي ربما يفوق القمع الذي كان سائدا في تونس ومصر.

وبالمناسبة فإن الشباب في هذه الأنظمة القمعية عاش منذ نعومة أظفاره، وحتى نيله الشهادة الجامعية، وهو يرى الأب يكدح طوال يومه ليحصل لأسرته على الحد الأدنى من المعيشة. بل إن الغصص التي تجرعها هذا الأب في مسيرته اليومية، والمذلة التي كانت تحني ظهره تحت سمع ابنه وبصره، وهو يطرق باب هذا الموظف المرموق أو ذاك، يرجوه ويريق ماء وجهه أمام مكتبه ليحصل على وظيفة لولده بعد أن تخرج هذا من الجامعة، وقد أنفق كل ما في جيبه من مدخرات قليلة، حتى صار هذا الجيب داخله كظاهره لا يحوي على أبيض ولا على أحمر من مال كان بالأصل يسيرا. ثم بعد هذا يجد الموظف المرموق يقول له: راجعني بعد أسبوع أو شهر. فإذا جاءه ثانية قال له مدير مكتبه إنه غير موجود.

هذا الشاب السوري الذي هو عينةٌ من مئات الألوف في كل مدينة من سورية، لم يعد لديه ما يخسره الآن. فقد أوصدت في وجهه أبواب العمل. وقد استنزف والده كل ما يملكه، وأراق ماء وجهه في الوقوف أمام أبواب مكاتب النافذين بحثا له عن وظيفة. وكان يظن أن حصوله على الشهادة الجامعة هو نهاية الشقاء والتعب لوالده، ومفتاح الأمل المزدهر أمامه كي يبني مستقبله ويكون عضوا نافعا في مجتمعه. لكن أمله انهار وصارت الشهادة الجامعية عنوان البؤس والشقاء. في نفس الوقت كان يرى القلة من زملائه المدعومين قد التحقوا بالوظائف، وقد كانوا نجحوا عن طريق مجلس الرحمة في الجامعة، يعني أنهم نجحوا "تشحيط"!

وإذا كان هذا الشاب –ومثله مئات الألوف- قد اصطدم بجدار الوظيفة والبحث عن العمل، فإن هناك الصورة الأخرى، التي تزيد مأساويتها قتامة عن مأساوية البحث عن لقمة العيش، وهو العيش خائفا في وطن لا يحميه من كرباج الأجهزة الأمنية أو الصعق بالكهرباء، ثم بعد ذلك يرمى كحلس قديم في زنزانة تحت الأرض يعشش فيها الظلام والجرذان. هذا الشاب الثاني هو النسخة المكررة عن كل أبناء الوطن، فقيرهم وغنيهم، لا ينام في بيته إلا والخوف لحافه بعد أن تسلطت أجهزة الأمن على الناس تروع الآمنين حتى داخل بيوتهم.

هذا الجو الكئيب المكفهر الخائف المرتجف يتمثل كأوضح ما يكون في سورية التي لم تترك فيها أجهزة الأمن شيخا في الثمانين من عمره إلا اعتقلته وحكمت عليه بالسجن مثلماهو حال الأستاذ "هيثم المالح" ، ولا فتاة في عمر الزهور مثل "طل الملوحي" إلا واتهمتها في عرضها ووطنيتها، ثم ينطق بالحكم عليها بالسجن، وهي مصفدة الرجلين مقيدة اليدين.

إزاء هذه الانتهاكات لحقوق الشعب السوري، فإن على النظام السوري ألا يلومنّ إلا نفسه إذا ما انفجر الوضع، ومن دون سابق إنذار، في مكان ما وفي زمن ما، لم يحسب لهما النظام حسابا، كما حصل في تونس. لمن لا يعرف الشعب السوري، فإنه من أكثر الشعوب العربية شعورا بالأنفة والكرامة والوطنية. رفض استعمار فرنسا المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. قاومها بصلابة وبسالة اضطرت معه فرنسا أن تغادر سورية في أقل من ربع قرن، والشعب السوري يلاحقها بالرصاص والبارود إلى الحدود البرية أو البحر أو المطار.

إذا كان الشعب السوري قد سكت حتى الآن على الظلم والديكتاتورية، وعلى غياب الحرية ونهب أموال الناس بالباطل، فلأنه كان يأمل أن يأتي يوم يعيد فيه النظام حساباته ويتراجع عما هو فيه من تجبر واستبداد. والفرصة الآن مواتية لكي يرى النظام الحاكم في دمشق ما حل بنظام "بن علي" ونظام "مبارك"، وما ينتظر "معمر القذافي" الذي تتسارع نهايته الوخيمة، فيعيد حسابه على ضوء النتائج في كل من تونس ومصر وليبيا.

على النظام الحاكم في دمشق ألا يختبر صبر المواطن السوري طويلا، فقد نفد لديه الصبر. وألا يغترنّ بمن حوله من حملة الرتب على الأكتاف، والأوسمة والنياشين تملأ صدورهم، فإن هؤلاء لا يعرفون إلا مصالحهم، وسينفضون مع أول مظاهرة مليونية تجوب شوارع دمشق وحلب وباقي المدن السورية.

إذا دقت ساعة الحقيقة وخرج الشعب السوري بكافة أطيافه يهتف: الشعب يريد إسقاط النظام ،فإنه لن يفيد النظام أن يعزف نفس المعزوفة التي عزفها "بن علي" و"مبارك" من قبل، عندما زعما أن الإخوان المسلمين هم وراء ما يجري في تونس وفي مصر. فقد أدرك العالم كله زيف هذا الادعاء، لأن الأخوان ليسوا إلا فصيلا من فصائل الشعب الذي ثار على تسلط "بن علي" وتسلط "مبارك". كما أدرك زيف ادعاء "معمر القذافي" عندما زعم بأن تنظيم "القاعدة" يمول المقاتلين في ليبيا.

بعد هذا الإسهاب في بيان ما ينتظر الأنظمة التي تصر على احتكار الحكم من دون الشعب، وأن نهايتها كنهاية نظام "بن علي" وكنهاية نظام "مبارك"، على النظام السوري أن يتبصر في ما هو فيه، وأن يضع خطة لإشراك المواطن السوري إشراكا فعليا في الحكم، لا على طريقة أحزاب الجبهة التقدمية .

استطرادا فإن من قرأ المقابلة التي أجرتها مؤخرا صحيفة "وول ستريت جورنال"مع الرئيس السوري "بشار أسد"، شعر وكأن الرئيس السوري أراد أن يرسل رسالة يقول فيها: "إن ما جرى في تونس وما يجري في مصر بعيد سورية". ونحن نجيب بالقول: إن الرئيسين "بن علي" و "مبارك" قالا مثل هذا القول قبل أن يطاح بهما. فماذا كانت النتيجة في هذين البلدين؟ سؤال برسم الإجابة من فخامة الرئيس "بشار أسد"؟

أخيرا نقول: عودوا إلى المنطق السليم يا حكام دمشق. اتركوا للصلح مطرح. تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، يكون فيها الحَكَم هو صندوق الاقتراع في انتخابات نزيهة (وليس كالانتخابات التي كانت تجري على عينك يا تاجر). فإن اختاركم الشعب قلنا سمعا وطاعة، على أن تحكموا بالعدل. وإن اختار غيركم، فاسمعوا وأطيعوا. وما عليكم من سبيل، إلا الذين أساؤوا للشعب وظلموا، فإن القضاء العادل يحكم في أمرهم. ونرجو أن لا تضطروا الشعب السوري إلى ما صنع أشقاؤه في تونس وفي مصر، وما يفعله الآن شعب ليبيا، ولا نعتقد أن الشعب السوري أقل حاجة من أشقائه في تونس وفي مصر وفي ليبيا إلى الحرية والديمقراطية. (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد! الآية 44 من سورة غافر).

*كاتب سوري

===============================

أبعاد أخرى للثورات العربية

د. صالح بكر الطيار*

 من خلال الشعارات المرفوعة في الساحات العربية التي تشهد تحركات شعبية يتبين ان مطالب ذات ابعاد وطنية تتعلق بالفساد والرشوة والبطالة وتداول السلطة وأقامة انظمة مدنية وإشاعة الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير هي الطاغية دون ان يستشف أي موقف لأي ثورة قامت بشأن مستقبل العلاقة مع الغرب او بشأن مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي . ولوحظ بالمقابل ان هناك عدم وضوح ايضاً لدى الإدارات الرسمية الغربية التي تتعاطى بحذر مع ما يجري في العالم العربي خاصة وأن اجهزتها الدبلوماسية لم تتوقع في تقاريرها حصول أي ثورة ، وكانت تظن ان الأنظمة العربية التي سقطت كانت ستعيش سنوات طويلة قبل ان تشهد أي تهديد فعلي . وحالة الأضطراب والضياع في دوائر صناعة القرار الغربي يمكن رصدها من خلال تمهلها عدة ايام قبل اصدار أي موقف سلبي او ايجابي بدليل ان وزيرة خارجية فرنسا السابقة ميشيل اليو ماري عرضت على نظام زين العابدين بن علي تزويده بخبراء وتجهيزات ظناً منها ان ما يحدث في تونس كان كناية عن تمرد او عن عمليات اضطراب ذات ابعاد ارهابية . والولايات المتحدة الأميركية كانت تظن عند اندلاع الثورة المصرية انها لا زالت قادرة على الإمساك بزمام الأمور وأن إزاحة الرئيس حسني مبارك والإتيان بمن يخلفه من نظامه سيحل المشكلة . ولكن المفاجأة كانت هي ازاحة النظام بأكمله . وفي ليبيا اليوم لا زال البعض يظن من امثال رئيس فنزويلا هوغو تشافيز ان المسألة يمكن حلها من خلال فتح باب الحوار بين نظام العقيد معمر القذافي والثوار . وجاء الجواب بأن المطلوب هو اقتلاع النظام من جذوره . وهناك الحالة اليمنية والبحرينية والأردنية والعراقية حيث الصورة لم تتضح بعد بشأن ما ستؤول اليه المفاوضات الجارية بين الحركات الشعبية وبين الأنظمة السياسية . هذا الواقع يفيد ان الوقت لا زال مبكراً من اجل معرفة التوجهات السياسية الخارجية للدول العربية التي شهدت او تشهد تحركات شعبية ، وهذا ما يستدعي من الدول الغربية رسم عدة سيناريوهات كلها قائمة على احتمالات افتراضية وليس على ثوابت . والأكثر ارباكاً من الغرب هي اسرائيل التي تعتبر نفسها انها قد حققت الكثير من الإنجازات خلال العقود القليلة الماضية حيث وقعت اتفاقية كمب ديفيد مع مصر ، وإتفاقية وادي عربة مع الأردن ، وأقامت علاقات "مساكنة " مع تونس والبحرين وليبيا . ولكن ماذا عن المستقبل فيما لو اعادت هذه الدول النظر بعلاقاتها مع تل ابيب ليس على قاعدة الغاء اتفاقيات السلام المعقودة بل على قاعدة عدم التعاطي الإيجابي مع اسرائيل والعودة للتضامن بشكل فاعل مع الشعب الفلسطيني دون النظر الى الى انتماءاته السياسية سواء كان البعض مع حركة فتح او البعض الأخر مع حركة حماس ؟ . وما هو مستقبل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس فيما لو ظل يعتبر ان التفاوض هو اقصر طريق للوصول الى السلام ؟ . وما هو مصير الرعاية الأميركية لمسار السلام في الشرق الأوسط في ظل انحياز واشنطن الى تل ابيب ؟ . وماذا لو بادر الشعب الفلسطيني في الداخل الى اعلان انتفاضة شعبية سلمية جديدة ضد المحتل ؟ . هذه الأسئلة عصية على الإجابة عنها في القريب العاجل . وبقدر ما يُنظر بإيجابية الى بعض التغييرات التي حصلت في العالم العربي بقدر ما يخيم الخوف لدى الكثيرين من ان تتفلت التحركات الشعبية في بعض الدول العربية من حدود القدرة على ضبطها فتتحول الى شرارة لإندلاع حرب مذهبية في مكان ما ، وحرب قبلية في مكان أخر ، وحرب اهلية في مكان ثالث خاصة وأن الغرب المتطلع دائماً الى ضبط الإيقاعات في العالم العربي قد يكون هو الداعم لمشاريع الزعزعة فيما إذا كانت الأمور ذاهبة عكس ما تشتهيه

*رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي

===============================

فساد مصري له رائحة إسرائيلية!

د. فايز أبو شمالة

من يدخل مصر العربية لا يحتاج إلى تقارير رسمية كي يتعرف على حجم الفساد الذي ضرب أطنابه في ربوع الطاهرة، إذا يكفي أن تتجول في الأسواق لتعرف أن الأحذية الرياضية مستوردة من فيتنام، وأن الدجاج المجمد تم استيراده من البرازيل، وأن الجبن ومشتقاته مستورد من هولندا، وأن اللحم المجمد مستورد من الأرجنتين، وأن الملابس مستوردة من الصين، وأن معظم ما تحتويه الأسواق التجارية مستورد من خارج مصر، ليسأل كل عاقل: أين مصر؟ ومن الذي يشطب اسم مصر داخل مصر؟

وكي تعرف حجم الفساد الذي عصف بمصر، انظر في حال الناس الذين يتدفق تحت أقدامهم نهر النيل العظيم، وتلفهم شمس الشرق، ويمتلكون السواعد السمر القادرة على تفتيت الصخر، ولا يجدون قوت يومهم! ينظرون إلى الموز ويشتهون ملامسته، يبصرون المانجو المصرية ولا ينطقون باسمها، يشمون رائحة التفاح ويكتمون الأنفاس، إنهم بشرٌ، ولهم مشاعر، وأحاسيسهم رقيقة، وأطفالهم يشتهون البيض، ويرسمونه في كراريسهم، ويقرءون في الكتب عن اللحمة، ولا يتذوقونها، ويتمنون قطعة سمك ولا يلامسونها، فكل تلك الأشياء من المحرمات على غالبية الشعب المصري! أما بشأن الخضروات مثل الباذنجان والكوسة والطماطم والبطاطس والثوم والبصل، فأسعارها في بلد نهر النيل والشمس الساطعة أغلى بكثير من أسعارها في قطاع غزة الذي يعاني الحصار!.

فإذا كانت إسرائيل التي تحاصر قطاع غزة لم تنجح في منعه من الزراعة، وتوفير المواد الغذائية الأساسية، وبكميات تكفي سكان قطاع غزة، وتفيض أحياناً، فمعنى ذلك أن الفساد الذي ضرب مصر لم ينتقل بالعدوى، وإنما كان منظماً، وله رائحة إسرائيلية، وانتشر بفعل فاعل، وله أهداف سياسية، تؤكد أن وراء كل فاسد في مصر جهاز أمن إسرائيلي يرعى فساده، ويحدد مهماته التي تتجاوز الفساد المادي إلى الإفساد الروحي!.

هذه الحقائق تفرض على الشعب المصري ألا يفتش في جيوب الفاسدين، وألا يكتفي بمصادرة أموالهم التي نهبوها، بل لا بد من التفتيش في أفكارهم عن الجهات التي رعت فسادهم، وأوصلتهم إلى مواقعهم القيادية، ليصيروا مصدر القرار! لا بد من الكشف عن المنظمات الدولية التي خططت، ونفذت، وأحكمت الخناق على مصر العربية!.

تجربة الشعب الفلسطيني تؤكد أن كثيراً من الأسماء الفاسدة التي تتحكم بالقرار، لا تتحرك في فراغ، ولم تكبر في زمن الحكم الذاتي لأنها اعتمدت على كفاءتها، وقواها الذاتية فقط، التجربة الفلسطينية تقول: إنّ وراءَ كلَّ فاسدٍ جهازُ أمنٍ إسرائيلي!

فاسألوا أنفسكم أيها المصريون، إلى أي جهاز أمن إسرائيلي ينتمي الفاسدون؟!.

===============================

من الدورة التاريخية إلى الدورة الحضارية!

د. أكرم حجازي

ثمة مقولة نفيسة للأديب الفرنسي الشهير فيكتور هيغو يقول فيها: « لا توجد قوة مهما عظمت يمكن أن تمنع قيام فكرة آن أوانها». هكذا هي الثورات العربية بالضبط، والتي ليست سوى ولادة آن أوانها. فالأمة استقبلت كل أنواع الحقن الصليبية واليهودية والوثنية والدهرية والإلحادية المسمومة، وحبلت، وانتفخ بطنها إلى آن أوان ولادتها. وشاءت أقدار الله أن تكون بداية الطلقة الأولى لهذا المخاض العسير من تونس. وها هو الطَلَقُ يشتد، بعد مصر، انطلاقا من ليبيا. أما السؤال فهو: ما هي الفكرة التي آن أوانها؟

 

مطالب فريدة

الاستعمار ليس سوى فكرة استعلائية عنصرية تقوم على: (1) إحلال منظومة عقدية أو فكرية أو قيمية محل منظومة أخرى، أو (2) السيطرة على الخصوم والأنداد وإجبارهم على الاعتراف بالزعامة عبر مبدأ القوة القاهرة، أو (3) الاستحواذ على الثروات والموارد وإجمالي الخيرات في البلاد المستعمرة. هذه المبادئ الثلاث قابلة للتفصيل بحسب الفترة التاريخية، ولسنا هنا معنيين بذلك بقدر ما سنهتم بتلخيص الحالة التي صارت عليها الأمة.

فمع بدء العصر الميكانيكي، مطلع القرن التاسع عشر، وانتصار الرأسمالية في الغرب انطلقت العربة الاستعمارية لتحط رحالها في الجزائر (1832)، واستهدفت، رفقة اليهود، باحة السلطة العثمانية عبر إغراقها بالديون وما اشتهر بنفوذ وامتيازات عهد القناصل الأوروبيين، فضلا عن الغزو الفكري الذي أخذ يستوطن في البلاد العثمانية انطلاقا من منتصف القرن الثامن عشر إلى أن انتهى بإصلاحات دستورية ذات مصدر أوروبي. ثم في مرحلة لاحقة بدأت الأمصار الإسلامية تتساقط الواحدة تلو الأخرى كما حصل في مصر وتونس سنة 1882. ومنذ هذا التاريخ بدأ الاستيطان اليهودي يتسرب، بشكل مباشر أو عبر القناصل الأوروبيين، إلى فلسطين.

خلال مراحل التاريخ الإسلامي كانت العلاقة مع القوى الغربية الصليبية تميل لصالح الجيوش الإسلامية التي استطاعت فتح القسطنطينية والتوغل في أوروبا إلى حد تهديد الإمبراطورية النمساوية التي كانت، في ذلك الوقت حاضرة أوروبا. أما الصليبيون فبالكاد تمكنوا من بعض الثغور في العالم الإسلامي خاصة على سواحل بلاد الشام. ومع ذلك فما كان لتدخلهم الحربي أن يهدد عقيدة أو ديارا أو معاشا إسلاميا. وعلى العكس من ذلك فقد تدافع المسلمون مع الغزوات الصليبية في صولات وجولات. وحتى بيت المقدس فلم ينل اغتصابها لقرن من الزمان من بيضة الإسلام كما نال منها اليوم منذ بداية الغزو الصليبي اليهودي الجديد.

فقط بعد الحرب العالمية الأولى، وانكشاف معاهدة سايكس – بيكو، وإطباق الغرب بكل قوته على ديار المسلمين، بشكل مباشر ودفعة واحدة، شعر العرب والمسلمون بأن جسما ثقيلا جثم على صدر الأمة، وفي عقر ديارها مرة واحدة، حتى أن سايكس – بيكو تحولت، مع الوقت، إلى حالة ثقافية مستعصية.

لو فتحنا كتب التاريخ الإسلامي قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية لما وجدنا أي أثر لمصطلحات مثل الوطن أو المجتمع أو الاستقلال أو الحرية أو حق تقرير المصير أو السيادة أو العلم الوطني ... فهذه كلها مصطلحات غربية المنشأ والمحتوى. ومع ذلك فقد كانت القوى الاستعمارية سعيدة وهي تشاهد الحركات الوطنية المحلية تنبثق رافعة هذه المصطلحات كشعارات مقدسة ومطالب لا تنازل عنها!!!

لكن الحقيقة أن الأمة دخلت، مع مطلع القرن العشرين، في دورة حضارية ثقيلة الوقع. ويبدو أن الأمة أُغلق عليها تحت وقع الصدمة، ولم يعد بوسعها أن تفكر أو تستوعب ما يحصل لها أكثر من الحاجة إلى إزاحة هذا المارد الغريب والثقيل عن الصدر قبل أن تلتفت لأي أمر آخر. وهكذا ظلت في مخاض عسير استمر إلى أوائل الستينات، حيث توارى الاستعمار المباشر من الحياة العامة. وتبعا لذلك، ظنت الأمة أن إسرائيل لقمة سائغة يمكن إزالتها بالوحدة العربية أو بالأممية أو بالزعامات الراديكالية. فانشغلت بالاستعداد للمعركة الفاصلة فإذا بها تخسر ما تبقى من فلسطين، ويتجدد غزوها من جديد.

ظلت الدورة الحضارية الغربية والصهيونية مستمرة في العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، إلى يومنا هذا. وتعرض الإسلام والمسلمون إلى حروب طاحنة كانت الهزيمة، على الدوام من نصيبهم حيثما كانوا. وإذا كان الغرب قد تناوب على قيادة دورته الحضارية في الأمة فقد كان اليهود، وما زالوا، يلعبون دور رأس الحربة لهذه الدورة.

ما يحدث في الأمة من ثورات عاصفة لا يمكن أن تكون إلا حدثا تاريخيا يمكن أن يؤدي، لاحقا، إلى التحول من دورة تاريخية إلى دورة حضارية بامتياز. ولا شك أن الانقلاب بدأ من الصحوة الإسلامية وصولا إلى مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، الذي مثل انعطافة حادة جدا أطاحت بإحدى أشرس الإمبراطوريات العظمى في التاريخ. من هنا بدأت المواجهة مع الغرب وأدواته وحلفائه تنحى منحاً جديدا، قائم على العقيدة خاصة بعد 11 سبتمبر 2001.

حتى الآن تخلو الثورات العربية، بشكل كبير، من المطالب العقدية كتطبيق الشريعة. فهي تتجنبها ليس نفورا منها أو كرها بها بل لأنها تخشى من توظيفها في حشد الخصوم لوأدها من قبل النظم السياسية والقوى المعادية لها. لكنها، ثورات، لا تخلو أبدا من المصطلح العقدي الذي تتصاعد وتيرته وتتبلور تباعا، سواء عبر صيحات التكبير والتهليل، أو عبر طلب الدعم والمساندة من المشايخ والعلماء، أو باستحسانها لمصطلح عقدي بارز صار يوصف به الزعماء العرب .. وهو مصطلح « الطاغوت أو الطاغية أو الطغيان أو الطغاة » الذي كان أشبه ما يكون من « اختصاص» تيارات الجهاد العالمي، بينما هو الآن من مفردات الخطاب الإعلامي ناهيك عن الخطاب الشعبي.

أكثر ما يلفت الانتباه بالثورات العربية يكمن في تركيزها على أمرين مميزين ألحقا أضرارا بالغة جدا في ماضي الأمة وحاضرها. وهما: (1) الطغيان بشتى أنواعه وتداعياته وأثره على الأمة و (2) النهب المنظم للثروات والموارد. هذان المعطيان سَلَبا لبَّ الثورات الشعبية بكافة الشرائح العمرية والثقافات والمكانات الاجتماعية والقوى السياسية. وتَصدَّرا رأس هرم الاحتجاجات، واستوطنا في أعماق النفس العربية. لكن أميز ما فيها أنهما معطيان لم يسبق للأمة أن طرحتهما، منذ انهيار الخلافة وحتى الثورات الحالية، ولا مرة واحدة بهذا الشمول والإصرار والتحدي والعناد.

 

حرارة الشعوب

الشعوب، إذن، لا تقلد بعضها أبدا كما يحلوا القول للرئيس اليمني وغيره من أصحاب مقولات: تونس ليست مصر .. واليمن غير الجزائر .. والسعودية دولة توحيد .. وتلك قبلية .. وهكذا. ولعل مثل هذه المقولات كانت تنطبق على ثقافات الشعوب وقيمها وعلاقتها البينية. لكنها لا تنطبق على نظم الطغيان السائدة فيها منذ زمن بعيد. ومن طرائف الثورات الراهنة أنها لم تشتك من أزمات اقتصادية بقدر ما اشتكت من الطغيان والنهب، خاصة وأن الشعوب تعلم علم اليقين أن البلاد العربية غنية الثروات والموارد. ولما تكون كذلك؛ فأين اختفت؟ هكذا أيضا تكتشف الشعوب ذواتها في لحظات ثمينة جدا من الزمن آن أوانها، لاسيما وأنها لم تكن بحاجة لأكثر من شرارة مع توفر الوقود التاريخي من الطغيان والنهب.

المحتوى القيمي والثقافي للشعوب كانت تعكس، إلى حد مريع، تنافرا وتشاحنا وتحقيرا فيما بينها. فالليبي، مثلا، كان يكره التونسي لأن هذا الأخير يحتقره ويقلل من مكانته. وكذا المصري الذي بدا منبوذا محتقرا من الشعوب العربية كلما شوهد يلهث في البلاد العربية محاولا الظفر بلقمة العيش لأبنائه، ولا بأس أن يتجرع في سبيلها مرارة الذل والقهر والدونية، وكأن حظه من الدنيا موقوف على أن يظل أحط العبيد رغم أنه صاحب أعرق حضارة إنسانية. والأردني يتوجس خيفة من الفلسطيني، وهذا الأخير يستعلي عليه!!! والشامي إجمالا ينظر إلى الخليجي والسعودي خاصة وكأنه زير نساء يمتلك من المال ما يجعله يستعبد به غيره بينما هو في الحقيقة بدوي أو أعرابي، حتى غدا زواج الخليجي من غير أهل الجزيرة مستعصيا ومهينا لأهل الشام مثلا. وهذا الخليجي يشعر بنفرة ذات محتوى عنصري تجاه العرب المستعربين ... .

حتى اندلاع الثورات، وفي الأسابيع الأولى منها، كنا نسمع، أيضا، ذات المصطلحات من نوع: « دي بلدنا لازم نحافظ عليها! ... بلادنا وحرِّين فيها .. هذيا بلادنا واللي يحب يتعاطف معنا أهلا وسهلا ، لكن منحبوش شكون يقول لينا ما نعمل!!! ما نحبش ندمر بلادنا .. هذه غرفة مصرية .. وهذه ليبية .. وهذه ... » وهكذا .. لكن ماذا يقول الفلسطيني المُهجَّر أو المُحاصَر أو الذي لا يعترف به أحد؟ ماذا يقول المعدمون من العرب ممن لا يجدون ما يفتخرون به أو يدافعون عنه أو حتى من ينظر إليهم من البشر ولو بقليل من العطف والرحمة؟ ماذا يفيد هؤلاء أن يكونوا مصريين أو سوريين أو مغاربة أو من الجزيرة العربية ممن لا يجدون مجرد لقمة عيش أو كرامة؟

هكذا شوهت النظم السياسية والفلسفات الغربية علاقات العرب فيما بينهم. وبكل وسيلة، سياسية أو أمنية أو إعلامية أو ثقافية ... زرعوا البغضاء والحقد والحسد والتحاسد فيما بينهم حتى صاروا يتربصون ببعضهم البعض وكأنهم ألد الأعداء الذين لا تجمعهم رابطة دموية ولا عقيدة إسلامية ولا تاريخ مشترك ولا لغة واحدة. الصحيح أن سايكس – بيكو حجبت عنا الحقيقة، وقتلت فينا المحبة، وحولتنا إلى مسوخ بشرية لا رابط بينها إلا العدوانية، وقيم العنصرية المستجلبة من الثقافات الغربية المنحطة، التي لا تخجل أن تتحدث عن حقول إنسان هي أول من أهدرتها.

لما صارت المواجهة مع الطغيان العربي والأجنبي مفتوحة على مصراعيها صرنا نلاحظ تقاربا عجيبا ليس بين العرب فحسب بل وبين المسلمين. لكن لما انفجرت الثورات العربية ظهرت العلاقات الحميمية بين الشعوب .. وتفجرت مشاعر الاعتزاز والفخر بين العرب وهم يرون شجاعة التونسي ونباهة المصري ورجولة الليبي وحكمة اليمني ووفاء السعودي وأمل الفلسطيني ... ولقد تفجر نوع آخر من العلاقات الحميمية التي يدعو فيها الكردي، بحرقة، على الطغاة والطغيان من أعماق قلبه .. ويتحسر فيها العربي لو أنه ليبي في بنغازي أو مصراتة أو الزاوية أو البريقة، أو مصري في قلب ميدان التحرير يناصح أهله وإخوانه ويدافع عنه ويشاركهم بطولاتهم وآمالهم وتطلعاتهم، أو يمني لم يجد بدا من أن يكون في قلب الحدث الليبي على طريقته .. وهو يتوعد رئيسه، بالويل والثبور، بعد الانتهاء من القذافي، ويصرخ في الجموع: « بعد القذافي».

ثورات كشفت عن شعوب طيبة القلب .. نقية السريرة .. رائعة الخلق .. حلوة المعشر .. كريمة العطاء .. جزيلة التضحيات .. تتحرق للقاء والعناق .. تفيض بجبال من المشاعر الطاهرة والنبيلة .. شاب منها يلعن من فرق الأمة وداس كرامتها وحرمها من المحبة والتواصل وقطّع أواصرها .. امرأة تصرخ بأعلى صوتها: أنا أخت الرجال؛ فمن ينتصر لي؟ .. أخرى تقول: غدا، بعد أن ننتهي من هذا الطاغية سنزحف إلى فلسطين ..

 

الطغيان

صحيح أن الاستعمار توارى عن الواجهة لكنه بقي كنظام سياسي وأمني يمارس النهب المنظم لموارد الأمة وثرواتها. ومع الثورات باتت الأمة تدرك أن الطغيان لا بد وأن يزول. ففي ظل النظم السياسية ساد الفساد وأصبحت له طبقات وشرائح وأحزاب وحركات وجماعات ومدارس وثقافات وجذور وعلماء ومفكرون وأكاديميون يشرعون له ويدافعون عنه. أما فكرة الإصلاح فقد غدت مستحيلة التحقق. إذ حين يحتكر رأس النظام كافة السلطات بيده فهذا مؤشر قاطع على أنه ما من سلطة في العالم العربي تحت المساءلة. وبالتالي ما من منطق يقنع الشارع بأية وعود تذكر.

هذه النظم تغولت وطغت وتجبرت وأُعطيت أكثر من وقتها، ولم تعد تتمتع بأية مصداقية أو شرعية تذكر. ما الذي أبقى القذافي طوال أربعة عقود وهو بكل هذا الجنون؟ سؤال عبثي!!! إلا إنْ كان الآخرون أصحاء!! فلو كان مختلفا عن غيره ومسيئا أكثر لما تعايشت معه ذات النظم التي ينطق اليوم باسمها، ويفعل ما لم تعد تجرؤ على إظهاره. كل ما في الأمر أنها فكرة آن أوانها. فكما آن أوان بن علي ومبارك فقد آن أوانه هو الآخر.

عجيب أمر الزعماء العرب. حتى هذه اللحظة لم يتعظ أيا منهم. ولعلهم على أحر من الجمر بانتظار صولة القذافي على الجراذين والقطط التي تؤذي كلا منهم في بلاده. لقد سخر الناس من الرئيس التونسي في خطابه الذي ألقاه قبل فراره بساعات، حين قال: « فهمتكم .. فهمت العطَال والبطَال والمحتاج»!!! وكأنه لم يكن يفهم في حياته إلا لما طردوه شر طردة. وعجب الناس من صبر الرئيس المصري على جبال الإهانات التي تلقاها كلما خرج بخطاب يرفض فيه التنحي. لكن العجب الأكبر كان مع القذافي الذي نال من أشنع التوصيفات ما لم ينله مخلوق على وجه الأرض حتى الآن!!! ومع ذلك يخرج على فضائية أجنبية ويقول بكل وقاحة: « كلهم يحبوني»!!! ويرددها بلغة إنجليزية على شاكلته: They love mf all!!!. هل فقد هؤلاء كل كرامة حتى يتمسكوا بهذه المنزلة المنحطة بين الناس وفي بطون التاريخ القادم؟ لسنا ندري كيف ينظر هؤلاء إلى أنفسهم بالمرآة؟ أي وجه يشاهدوه وقد اختفت ملامحه من هول الإهانات التي تعرض لها؟ حتى لو كان أحدهم زنديقا لا يعبأ إلا بلحظته؛ وحتى لو لم يؤمن برب ولا دين ولا حساب ولا عقاب؛ فكيف يحتمل هذه الوضاعة وبإمكانه أن يحيا عزيزا كريما؟

إذا تتبعنا تقارير الفساد، مع الكثير من التحفظ السلبي على الأرقام الواردة، لتبين لنا أن ثلث الناتج القومي العربي، بما يوازي ألف مليار دولار، نُهبت وأودِعت في مصارف الغرب وبنوكه خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وهي مبالغ قطعا لا تستفيد منها الأمة ولا بمقدار حمل بعير. ولو عاش النهابون في لَهْوٍ طوال عمرهم، وعلى مدار الدقيقة لما استنفذوها لخمسة أجيال أو حتى عشرة. وهذا يعني أن الغرب والصهيونية والقوى المعادية للأمة هي الوحيدة التي تستفيد منها. وهذا يعني أيضا أنهم فقط يكنزونها. ويحرمون الأمة من الانتفاع بها، وفي نفس الوقت يُحلِّون للغرب واليهود الاستحواذ عليها والانتفاع بها. فهل بقي من شرعية لهؤلاء؟ وهل يمكن الثقة بهم بعد احتجازهم لحرية الناس، وسفك دمائهم، وإعانة الغرب عليهم، واستباحة كل محرم ومقدس، وإهدار حقوق خير أمة أخرجت للناس؟

المشكلة الأعوص ليست فقط فيما تنهبه النظم السياسية في مستوى الإنتاج القومي الخام؛ بل أيضا في الإهدار الهائل للموارد والثروات. وهذه السياسة أبلغ أثرا من النهب. بالإضافة إلى ذلك ثمة، في كافة الدول العربية بلا استثناء، استحواذ مهول على الموارد والثروات العقارية والشركات والممتلكات العامة. ولا يخفى على متابع أن الكثير من الدول فرطت في القطاع العام عبر نظام الخصخصة، وهذه العملية تسببت بفقدان مئات المليارات من الدولارات دون أي حق في السؤال عن مصيرها.

حتى المساعدات سرقوها وحولوها إلى حساباتهم الخاصة .. حتى من كانوا محسوبين ثوارا استثمروا في الثورات وتسلقوا على الشعب الفلسطيني وراهنوا على الثراء على حساب واحد من أقدس بقاع الأرض. ثم قالوا لنا: أعيدوا قراءة صلح الحديبية!!! هل ثمة وقاحة على وجه الأرض أشد من وقاحة هؤلاء الذين هاجروا، مع أهليهم حفاة عراة، فإذا بهم يركبون السيارات الفارهة ويتخذون لهم قصورا ويفتحون الحسابات بعشرات الملايين .. ويتسابقون في التنسيق مع اليهود لحفظ دمائهم بينما يسفكون دماء أبنائهم؟ أي نوع من البشر هؤلاء؟ أي نوع؟ وأي كرامة لهم؟ وبأي دين يدينون؟

لعله من المدهش حقا أن يكتشف التونسيون في أحد قصور الرئيس المخلوع في ضاحية سيدي أبو سعيد خزانة حائط تحتوي على مليارات الدولارات وعملات صعبة ومصوغات ذهبية ونفائس من شتى الأواع والألوان. مع العلم أن زوجة بن علي نهبت من البنك المركزي قبل فراره 1.5 طن من السبائك الذهبية. فكم تكون حجم ثروته الخفية في تونس أو تلك المودعة في البنوك الأجنبية؟ وكم تكون حجم ثروات النظم السياسية في البلدان النفطية أو ذات الكثافة السكانية؟ أو ممن يحكم البلاد منذ عقود طويلة؟

إذن التخلص من الطغيان، بكل صوره ومضامينه، واستعادة الثروات والموارد المنهوبة لا يمكن أن تكون إلا مطالب آن أوانها!!! فالأمة عانت طويلا جدا من الطغيان السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي والإعلامي والأخلاقي والقيمي والعلمي والمعرفي. وعانت من الاستبداد والتحريف والتبديل والتكتم على الحقائق. وعانت من احتجاز تقدمها. وعانت من حظر كل مبادرة فردية أو منظمة.

 

الجبر

من رحمة الله في خلقه أنه يريهم آياته لعلهم يتفكرون أو يهتدون أو يتعظون. والآيات لا تنكشف إلا لمن اختصه الله عز وجل برحمته، وكشف عن بصيرته. لذا فنحن، كمسلمين، مأمورون بالتدبر والتعقل والتفكر في آيات الله فلعلنا نستهدي بها فيما استشكل علينا من حوادث.

وفي الحديث النبوي عن الخلافة، يقول صلى الله عليه وسلم، وفق إحدى الروايات، نقلا عن حذيفة: « تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».

القذافي شخصية لا تتقبل غيرها من البشر. فهو قائد الجميع .. وقائد القارات .. وقائد العالم .. وهو صاحب الكتاب الأخضر .. والرافض للسنة النبوية .. وهو الشخصية التي كفرها الكثير من العلماء رغم أنف المرقعين له من الجامية وغير الجامية. هذا مفهوم. والمفهوم أيضا حين نلاحظ أن القذافي لا يعتبر نفسه ملحدا ولا كافرا ولا زنديقا ولا أي توصيف مشين بحقه.

يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ﴿٩﴾ ( الحجر). أما القذافي فالآية الخبرية هذه لا تعنيه بما أنه يرى نفسه فوق أمر الله تعالى. ويعتبر أن لفظة « قُلْ » في سور « الناس» و « الكافرون» و« الفلق» و« الإخلاص» دخيلة. فالملك جبريل عليه السلام هو الذي أمر الرسول صلى الله عليه بأن يقول ما أوحى الله إليه، لكنه لم يقل له بأن اللفظة « قُلْ » من الآيات!!! لذا لا يجب أن يقولها المسلمون!!! ولا ريب أن هذا تحريف صارخ. وهو مفهوم!!!

لكن الله، جل وعلا، في لفظة « قُلْ » كأنه يخاطب، مباشرة، كل فرد من خلقه بالامتثال إليه، وأنه لا مفر من أن يردد التوحيد ويستعيذ به وينكر على الكافرين الإيمان بغيره. والمعنى أنه ما لم ينصع الفرد للأمر المباشر من الله سبحانه وتعالى، وردد غيره، فهو قطعا ليس من أهل التوحيد. بهذا المعنى، إنْ صح اجتهادنا بعون الله، فالقذافي شخصية لا ترفض القرآن الكريم فقط، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أقوال العلماء وعامة المسلمين وخاصتهم منذ البعثة النبوية وإلى يومنا هذا، بل وترفض حتى الأمر المباشر من الله من فوق سبع سماوات!!! ثم يأتي من يتبجح بولاية الأمر وحق السمع والطاعة « مهما كان الحاكم»!!! مع أن الشواهد على كفر القذافي صارت من لغة الأطفال. فما الفرق بين شيخ يدافع دفاعا مستميتا عن طاغية وأخر كالشيخ أسامة القوصي يجيز حق الكافر بالولاية على المسلم؟ وما الفرق بين القذافي وهؤلاء في تشريع سفك الدماء؟

إذن ليس غريبا على أمثال هؤلاء، أو على مثل هذه الشخصية، التي تتعالى على الله عز وجل، أن تضع الشعب الليبي بين خيار الموت أو خيار طاعة ولي الأمر، حتى لو كان كافرا أو رفضه كل الشعب، وكل المسلمين، وكل العالم. ولا ريب، بحسب حديث الخلافة، أن هذا النوع من الخلافة لا يمكن أن يكون إلا حكما جبريا. ولعل الله عز وجل، من عظيم رحمته بالأمة، أن يهديها إلى ماهية الملك الجبري، وكيف يكون حقيقة واقعة .. متجسدة في صورة القذافي. وهكذا ربما تكون صورة الثورة الليبية هي إحدى آيات الله وبشائر رحمته بهذا الشعب المنكوب بالقذافي، فضلا عن أنها بشائر يتحقق بها الحديث والله أعلم.

 

خلاصة القول

إذن الدورة الحضارية للغرب تمثلت ب:

  الاستعمار المباشر لكل الأمة وليس لجزء منها. استعمار فكك بلاد المسلمين، وأنهى نظام الخلافة، وأرسى نظم الاستبداد والظلم والقهر، التي تدور في المركز دون انقطاع أو خروج عنه. نظم خارج أية مساءلة من أية مرجعية كانت إلا من الغرب ذاته.

  استمرار الاستعمار غير المباشر الذي حافظ على نهب الثروات والموارد، ونقلها إلى المركز ليمنع الأمة من الانتفاع بها.

  محاربة الإسلام والمسلمين وتشويه عقيدته ومسخ ثقافتهم وشخصيتهم وإبقائهم تحت السيطرة الدائمة.

أما الدورة التاريخية للأمة ممثلة بالثورات العربية فإن أبرز مضامينها الأولى:

  استهداف نظم الطغيان بشتى صورها ومحتوياتها. ففيما مضى كانت الأمة تترقب موت هذا الزعيم أو ذاك طوال عقود، عسى أن يأتي من هو خير منه. لكنها اليوم تبادر بنفسها لإنجاز مهمة الخلع، للطغاة ولكل المنظومة المتعلقة بهم.

  ملاحقة النظم ومحاسبتهم، بدء من رأس الحكم وانتهاء بكل من دار في فلكها أو دافع عنها وشرع لها.

  الإصرار على استعادة ثروات الأمة المنهوبة، وكذا الموارد، والأموال غير المنقولة، التي استحوذ عليها النظام عنوة.

يبقى القول أنه إذا استمرت الثورات الشعبية على نفس الوتيرة، أو اشتد عودها، وتجذرت مطالبها، ونجحت في تحقيق هذين المطلبين فالمؤكد أن الدورة التاريخية ستتجه نحو دورة حضارية جديدة للإسلام وليس للعرب فقط.

===============================

الشعب يريد إسقاط أوسلو

عبد الستار قاسم

تكثر الدعوات في الضفة الغربية لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي، ويتم إقامة مهرجانات تدعو إلى إنهاء الانقسام. لكن لا يوجد أي توضيح للأسس التي يجب أن يتم إنهاء الانقسام وفقها. هل ينتهي الانقسام هكذا تلقائيا، وتنتهي بذلك الأسباب التي أدت إلى الانقسام؟ هل إنهاء الانقسام يعني إنهاء الأسباب التي أدت إليه؟ أم ستتم معالجة الأسباب أولا، وينتهي الانقسام بعد ذلك؟ لا يوجد توضيح لما هو مطلوب من أجل أن ينتهي الانقسام. ربما من يرفع الشعار يريد من الشعب أن يهتف باسمه كأساس لإنهاء الانقسام.

كل الشعب يريد إنهاء الانقسام، لكن يجب ألا يُستعمل الشعار للجذب العاطفي، وبدون مناقشة الأسباب التي أدت إليه. الشعب الحي والعظيم هو الذي يتوقف عند كل مشكلة يواجهها، ويدرسها بعناية وحرية تامة، لكي يصحح الخطأ ويعزز الصواب.

لم يأت الانقسام من فراغ، وتعود جذوره وأسبابه إلى قرارات المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 والتي اعترفت بإسرائيل وبقراري مجلس الأمن 242 و 338. وتعززت الأسباب بتوقيع اتفاق أوسلو، وبالاتفاقيات التي تلت. تزول الأسباب، يزول الانقسام.

ولهذا فإن الشعار التي يجب أن يُرفع هو

الشعب يريد إسقاط أوسلو

===============================

كيف نرسخ ثقافة الديمقراطية ؟

يبرز من احداث الايام القليله السابقة ان مصر تشهد حالة استثنائية في تاريخها قد نختلف عي توصيفها ما بين ثورة او انتفاضة او مظاهرات اتت بنتائجها او معظم مطالبها واستطاعت ان تخرج البلاد من حالة الصمت واليأس.

ويعلم جيدا من هو علي دراية بمفهوم الديمقراطية ان ثمت خيطا رفيعا بينها وبين الفوضي ليس نقلا عن خطاب الرئيس ولكنها حقيقة نظرية وعملية ومن اراد يتحقق فعليه بالتاريخ فبه من الامثلة الحية ما يشبع ثقته الضعيفه في المقولة .

وايضا قد نتفق او نختلف علي مستقبل تلك الدولة الكبري العربية الاسلامية الافريقية وان ثمت تداعيات خطيرة تشبك الداخل والخارج بما يجعل هناك صعوبة بالغة في التنبؤ بما سيحدث .

لكن ما لا يجب ان نختلف عليه و هو الخطوة الاولي نحو النور و هو تماما ما ذكرته سابقا وهو ضرورة ترسيخ ثقافة الديمقراطية .. والا سنغرق في فوضي لا منتهية ....وهذا ما لا نتمناه وما سوف لا يحدث ان شاء الله .

من حديثي مع اصدقاء ذوي ميول واراء مختلفه حول الموضوع استطعت ان اصل الي 3 نقاط اعتقد انها محور القضية.

وهي التي من خلالها يمكن ان نفعل حلولا متعدده لأزمة ثقافية قد تحول دون التحول الجاد والحقيقي نحو الديمقراطية.

1- ثقافة الديمقراطية الي جانب انها ثقافة الا انها ايضا قرار فرد وهذا عن تجربه شخصية

بمعني عندما اطلقت العنان لغضبي في التعبير عن الرأي وجدتني لا اصل لشيء سوي ان افرغ طاقتي واخسر زملائي الذين هم ايضا يحدث لهم نفس الشيء . الخطوة الاولي تنبع من التنمية البشرية فلابد ان يكون لدي الشعب رغبه جاده في ان يعبر عن رأيه في هدوء بحجج وبراهين .

وان لا يستهين برأيه ابدا فهو يملك نصل سكين حاد فلا يجب ان يلوح به في الهواء وان يسيء استخدامه وهو ما سيؤدي بالضرر عليه اول ما سيضر .

2 -المجتمع المدني والجمعيات الاهليه.

وهي للاسف غير مفعله في مصر نتيجة ان المناخ السياسي هامد منذ فتره ونعني بهذا ان يكون للمجتمع المدني دور في ترسيخ تلك الثقافة من خلال الممارسه وان لم يكن لنا نصيب من تنشئة سياسية ترسخ هذه المفاهيم منذ نعومة اظافرنا فها هي الفرصه الرفصة لتنشئة سياسية جديدة بالممارسه فالثقافة شيء مكتسب والتنشئه لا تعني ابدا انها للصغارلكنها ممارسه تجعلك بعد فترة ما تتشبع بها وتصبح جزء من تكوينك.

واعتقد ان وجود خبراء نفسيين وعلماء اجتماع واساتذة علوم سياسية هم نخبه صالحة تماما لنشر تلك الثقافة لدي المجتمع المدني فنفترض ان جمعية اهلية ما لديها استاذ علوم سياسية متخصص في المدخل الثقافي يوجه ويشرح للخيراء النفسيين واساتذة علم الاجتماع ما المطلوب تماما او ما المجموعة الاساسية من القيم الثقافية التي يجب ترسيخها مثل قبول الاخر والتفكير العقلاني وتقبل النقد وهكذا.

ويقوم المشرفين من اساذة علم النفس وعلم الاجتماع برسم الانشطة التي يمكن من خلال ممارستها ترسيخ ما ذكرت.

وهي انشطة مفيدة للمجتمع بالطبع مثل تنظيف الشوارع و مساعدة المرضي او حماية حقوق الانسان وحماية البيئة هذا ما يحدث لكن الجديد انه لابد من شيئين - مناقشة افراد المجتمع المدني التي يفترض ان نجعل المجتمع المدني فيها يغطي المجتمع كله

لابد من مناقشتهم وتوجيههم ولكن ضع في اعتبارك ان الافراد لو في غير استعداد لتقبل ذلك وهي النقطه الاولي التي ذكرتها فلايمكن تحقيقه لذلك علي الفرد دور هام وهو ان يعد نفسه نفسيا للتعاون و التخلي عن العناد .

الشيء الثاني هوان الثقافة تطبع في الذهن بمجرد ممارستها لفتره

وبالتالي دور المجتمع المدني في هذه الحاله دور خاص بالتثقيف من خلال المناقشه ودور خاص بالممارسة.

3- ترسيخ ثقافة الديمقراطية لدي النشء بالطبع سوف لا ننتظر تغيير المنظومة التعليمية والمناهج لتكون اكثر تطورا فهذا يتطلب وقتا كبيرا لكن تستطيع الدوله ان تفتح المدارس في الاجازة وتقوم برسم انشطة تماما مثل التي تحدثت عنها في المجتمع المدني

وهذه الانشطة يشرف علي رسمها اساتذة علوم سياسية متخصصين - ليس تحيز ولكن لأنهم اكثر فئات متعلمة علي دراية بتلك الثقافة بحكم التخصص - وهناك بديل اخر وهو الاستعانه بالاجانب المتخصصين وهذا شيء لا افضله

وايضا اساتذة علم النفس والاجتماع

ولكن لابد ان تكون هذه الانشطه جاذبة للطلبة والتلاميذ او يكون هناك اي حافز مادي ولو بسيط لحضور تلك الانشطة المفيدة والمسلية في الظاهر والتي ترسخ ثقافة الديمقراطية في الباطن وبذلك نستطيع ان نصيب هدف مزدوج

فاستطعنا من ناحية ان نبني شخصية متوازنة مفيده لنفسها ولمجتمعها -

و استطعنا ايضا ان نضع ارضية جديدة للتفكير والابداع والنقد وهو حل سريع لكن هذا لا يعني ان نترك التعليم بلا تطوير

فلابد ان يعمل الكل علي التوازي

اهم من هذا وذاك الاراده .... توافر الاراده علي جميع المستويات اراده فردية

وجماعية

ومجتمعية

وحكومة

ودوله ما يعني مؤسسات الدوله

وتذكروا دائما أن لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

لو في حد عنده أي حل ابداعي او طريقة مبتكرة لترسيخ ثقافة الديمقراطية يا ريبت يشاركنا فيه

لأن ما قدمته رؤيتي فقط وانا ازعم اننا لدينا عقول شابه متفتحة تستطيع ان تبتكر الحلول لأصعب المشكلات فقط اذا توافرت لديها الارادة

===============================

السلاح الحاسم الذي نطمح إليه

نبيل عودة

nabiloudeh@gmail.com

لفت انتباهي هذا الأسبوع بالأخص القلق الإسرائيلي من بيع روسيا صواريخ عابرة إلى سوريا، ويطلق على هذه الصواريخ أسم "ياخونت" وهي صواريخ مجنحة تفوق سرعتها سرعة الصوت 3 مرات، ويستطيع هذا الصاروخ أن يحمل شحنة من المتفجرات بوزن 200 كيلوغرام لإصابة أهداف مختلفة على بعد 300 كيلومتر.

ليس موضوع بيع الصورايخ إلى سوريا هو ما لفت انتباهي، فالشرق الأوسط مليء بكافة أشكال الأسلحة الأكثر تطوراً وخطراً وتهديداً وجودياً لشعوب الشرق الأوسط، وعلى رأسها السلاح النووي. وطائرات الأف 35 ("الشبح") وغيرها من الطائرات القادرة على إسقاط قنبلة تزن طناً من المتفجرات "ولا يهتز فيها الجناح الا قليلاً" على حد تعبير قائد سابق لسلاح الجو الإسرائيلي دان حالوتس ، مبرراً ارتكاب مجزرة قتل وجرح عشرات الأطفال والنساء والشيوخ والشباب من أجل تصفية شخص محسوب على حماس هو صلاح شحادة..

تقول إسرائيل أنها قلقة من وقوع الصواريخ بيد حزب الله، والسؤال هل اعتدى مره حزب الله على الأراضي الإسرائيلية، أم كان دائماً في موقف الدفاع والنضال من أجل تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة؟ وهل تبرير استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضي سوريه ولبنانية وفلسطينية، يجب أن يكون سبباً لمنع السلاح على أصحاب الأراضي الذين يطالبون بتحريرها؟!

لم أكن ولن أكون من مؤيدي حزب الله أو النظام السوري، ولكني لا أرى بتجاوز للمنطق العسكري العام في الحصول على سلاح في ظروف سباق تسلح مجنون للحفاظ على التفوق التكنلوجي والعسكري من جانب اسرائيل. . والأسلحة الأمريكية تهدف ضمان تفوق إسرائيل النوعي، كما تعلن أمريكا بوضوح وقح، وبنفس الوقت عقد صفقات بمئات المليارات من الدولارات مع الدول العربية، لبيع أسلحة أمريكية، يُعلن بوضوح انها بلا قيمة عسكرية في مواجهة التفوق الإسرائيلي.

اذن لماذا يحتاجونها؟

والمذهل أن الأنظمة العربية تحافظ على صمتها وكأنها لم تسمع ولا ترى ولا تنطق، فما حاجة السلاح إذن اذا لم ينفع في خلق توازن استراتيجي يقود الى حلول غير عسكرية مثلا للصراع الشرق اوسطي؟

هل لتنفيذ ضربة ضد إيران فقط؟ او وضد الشعوب العربية التي تتسلح حكوماتها للحفاظ على النظام الفاسد؟ ها نحن نشهد كيف يوجه السلاح ضد ثورة الشعب الليبي؟!وكان يمكن ان يكون في مصر سيناريو شبيه بالسلاح الأمريكي ولا ارى ان الموضوع اقفل في مصر.

 وبأي سلاح تواجه ثورة شعب البحرين؟ وقد يوجه السلاح الأمريكي مستقبلاً ضد ثوار 25 يناير في مصر،إذا حاول الجنرالات "سرقة الثورة" والتلاعب باستحقاقاتها كما تشير الكثير من المعلومات المقلقة؟!

تعرض إسرائيل تفاصيل اعتراضها على بيع صواريخ "ياخونت" إلى سوريا، بتفصيل قدرات الصاروخ، فهو صاروخ طور خلال عشرين سنة، وخصص لإصابة كل القطع البحرية من مسافة 300 كيلومتر. وأن حمولته 200 كيلوغرام متفجرات، وهذا يعني أن سلاح البحرية الإسرائيلي، الذي يتجول أمام الشواطئ اللبنانية أو السورية، بحرية كاملة على بعد عدة عشرات من الأميال من شواطئ إسرائيل، ويقوم باعمال قرصنة في المياه الدولية. توجد كل قطعه البحرية في مجال هذه الصواريخ. ولكن المقلق أكثر أن هذه الصواريخ يمكن أن تطلق من الأرض، من الجو ومن البحر، والصاروخ ينطلق بسرعة 3 أضعاف سرعة الصوت والأخطر أنه ينطلق بارتفاع قليل جداً عن سطح الماء، الأمر الذي يصعب اكتشافه. حتى الولايات المتحدة تدخلت لمنع الصفقة، قلقاً، كما هو واضح، من الإخلال بالتوازن، أو بالتفوق الإستراتيجي الذي تضمنه الولايات المتحدة لإسرائيل.ويبدو أن الإدارة الأمريكية، وإسرائيل، لم يستوعبا بعد التحولات السياسية الجارية في العالم العربي.

استطلاع للرأي، أثبتت أن الثورة المصرية، لا تفكر بإلغاء اتفاق كامب ديفيد، ويبدو ان من سيقود عملية جعل اتفاقية كامب ديفيد خسارة لفرصه تاريخية لإسرائيل، من أجل حل سلمي شامل، لصالحها بالدرجة الأولى، هي إسرائيل نفسها.

حتى النظام السوري، الذي نراه نظاماً لا بد ان يطوله التغيير عاجلاً أم آجلاً ، ونأمل ان يحدث التغيير من داخل النظام ، مستفيدين من الثورات العربية ، حتى هذا النظام ، يطرح على لسان رئيسه بشار الأسد بوضوح كامل رؤية سلمية لحل النزاع.. وقد تكون فرصه أخرى لحل مشكلة احتلال الجولان تضيعها إسرائيل باستمرار فكر التوسع والاحتلال وخلق أمر واقع لن يلزم أي نظام آخر في سوريا، بل قد يكون النظام القادم أكثر تصميماً وحفظا لكرامة شعبه، وليس نظاماً تقصف أراضيه، ويعتدي عليها ويحافظ على صمته مكتفياً بالتلويح بالتهديدات، التي يمحو نصوصها عن الرمال. موج البحر!

من حق، إسرائيل أن تقلق، ومن حق سوريا أن تقلق، ومن حق حزب الله أن يقلق، ومن حق كل جانب أن يحول قلقه إلى استعداد للآتي.

ولكن ليس من حق قوة متطورة جداً، وبأسلحة تقليدية متفوقة على كل أسلحة العالم العربي، وسلاح نووي لا تعلن عنه، ولكنه لم يعد سراً، أن تصل بها الوقاحة هي والإدارة الأمريكية التي ترعاها، الى التهريج على نوع معين من السلاح، قد يكون مؤثراً ولكنه لن يكون السلاح الحاسم.

السلاح الحاسم الذي نطمح إليه... وتطمح إليه كل الشعوب في الشرق الأوسط، إنهاء الاحتلال وإقرار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والوصول إي اتفاق سلام كامل وشامل!!.

===============================

تونس الثورة وجمعة النصر

الناصر خشيني / نابل تونس

Naceur.khechini@gmail.com

يحق لشباب تونس المعتصمين في القصبة الاعلان عن نصر جزئي وبالتالي الفرح واعتبار حمعة اليوم حمعة النصر وذلك بعد خطاب الرئيس المؤقت للبلاد السيد فؤاد المبزع ويعد هذا الخطاب استجابة جزئية لمطالب ثوارنا في ضرورة انهاء العمل بالدستور وحل مجلسي النواب والمستشارين وحتى وان لم يشر الخطاب مباشرة الى ذلك فان الخطوات المقررة تأكيد على هذا الخيار باقرار انتخابات لمجلس تأسيسي وطني يسهر على صياغة دستور للبلاد لأن الدستور القديم قد تجاوزته الأحداث وهكذا تنجح ثورة شعبنا في تحقيق هذا المنجز الهام بفضل الشهداء الأبرار الذين سقطوا فداء لحرية شعبهم وكذلك صبر شبابنا المعتصم في ساحة القصبة أو الذي تحرك عبر شوارع تونس شمالا وجنوبا مناديا بمطالبه المشروعة.

وان البداية بتكوين مجلس تاسيسي يسهر على صياغة دستور جديد للبلاد فيه الكثير من المعاني منها القطع مع الماضي وتدشين مرحلة ديمقراطية جديدة في حياة شعبنا وترسيخ لحضور هوية شعبنا العربي المسلم اذ أن الرسول عليه السلام عندما هاجر الى المدينة من مكة كان أول عمل سياسي قام به في اتجاه بناء حياة سياسية قائمة على الديمقراطية والشورى هي تأسيسه لعقد الصحيفة كأول دستور مدني مكتوب تعاقدي بين كل مكونات المجتمع في المدينة بقطع النظر عن الانتماء الديني حيث كان المسلمون واليهود والنصارى في المدينة وبذلك يعلن الرسول عن انشاء دولة مدنية توظف فيها السياسة لخدمة الدين لا العكس كما يحصل وحصل بعد ذلك أن وظف الدين لخدمة السياسة وهكذا يبادر شعبنا عبر ثورته المظفرة الى المصالحة مع هويته العربية والاسلامية بعد تشويهها كثيرا بفعل التغريب الذي فرض على شعبنا عقودا عديدة .

ان التونسيين يعتبرون طليعة للأمة العربية في ثورتها الشعبية الملتهبة في معظم الساحات حتى وصلت أخيرا الى بلاد نجد والحجاز حيث ننتظر من الشباب العربي في كل هذه الساحات تناسي الخوف والغائه من اعتباراتهم والتقدم نحو الفعل الثوري الجريىء الذي يبني الامة العربية على أسس متينة بحيث لن نبقى بعد هذه الثورات الشعبية تحت الهيمنة الغربية أو موضوعا للاذلال الصهيوني الذي جاء الوقت لازالته نهائيا من الوجود حتى يتسنى لشعبنا الفلسطيني العودة الى أرضه معززا مكرما .

ان مشاكل الامة العربية مترابطة ومتشابهة الى حد كبير وذلك لوجود حقيقة موضوعية هي وحدة التاريخ التي تقود حتما الى وحدة المصير وكذلك الروابط الدينية واللغوية والحضارية والتاريخية تؤكد على ضرورة الوحدة العربية لمجابهة التحديات التي تواجه الامة العربية وللتأكيد على هذه الحقيقة فاننا سنتابع ما سيفعله أعضاء المجلس التاسيسي المنتخب عندما يقررون هذه الحقائق لشعبنا في الدستور المزمع صياغته ونحن متأكدون من ذلك لأن وراءهم شعب عظيم افتتح عصر الثورة العربية ولن يسمح الا بتحقيق كل أهدافه.

===============================

تسونامي ال"فيس بوك "

حيدر قاسم الحجامي

يقال ومن باب الفكاهة إن الرئيس المصري حسني مبارك سأل وزير داخليته ُ حبيب العادلي قبيل انطلاق ثورة ال25 يناير عن هولاء الشباب الذين يسعون لتنظيم اعتصام لإسقاطه على صفحات الفيس بوك ،فأجابهُ العادلي وقد غطت وجهه ابتسامة مغرورة " دول شوية عيال صيع يفندم "واستطرد بشيء من الوجوم كما فعل رئيس المخابرات في مسرحية الزعيم " إحنا مسيطرين على الموقف "، فعلاً يشبه هذا الافتراض الواقع كثيراً.

 

هكذا ظلت الأنظمة العربية القمعية " أمنية "بامتياز ومتعالية عن الطبقات الاجتماعية لان الطبقة "السلطوية بقيمها الهابطة وهمومها " تنظر الى الشباب العربي بازدراء وتتعامل معهم على أنهم مجاميع "صايعة ضائعة " وهم مجاميع لا تحسن سوى العيش على هامش الكبار والتمترس خلف علاقات هامشية عبر برامج الاتصالات الحديثة والاستغراق بالميوعة والتقليد الأعمى .

 

لكنها لم تدرك إن بذرة الغضب الشبابي كانت تنمو بصورة مضطردة كلما أوغلت الأنظمة بالقمع والفساد الذي أتى على شكل موجات من رجال الإعمال الذين انتقلوا الى السياسة ليتكلل التزاوج اللا شرعي بين السلطة والمال في البلدان العربية المحكومة بأنظمة بوليسية "عتيقة" وان تسونامي مدمر كان يتشكل هناك على صفحات الانترنت دون تتحسسه مقاييس ريختر الأمنية ! .

 

في ثورة الشباب المصري كنا نتابع ونراقب صوراً عدة ، فأجهزة الأعلام المصرية الرسمية كانت تعمل بأسلوب الخمسينات والستينات من القرن الماضي وذكرت المتلقي كيف كانت تلك الوسائل الإعلامية تحتكر مصادر الإخبار وتوجهها حسب ايدوجيا السلطة ورغبة الحاكم ليلوكها المواطن دون إن يمحص ما يلوك .! فتجاهلت المظاهرات بادئ الأمر .

 

وتناست إننا وبضغطة زر بسيطة على الريموت كنترول يمكننا إن نشاهد البث الحي للقنوات الفضائية التي تنقل مشاهد المظاهرات وأصوات المتظاهرين كأنهم بيننا ، وبينما كانت تلك القنوات الحكومية تصف المتظاهرين بأنهم مجاميع من "البلطجية" كنا نرى "بلطجية " السلطة هم من يهاجمون المتظاهرين بالخيول والجمال في قنوات أخرى .

أي خطاب إعلامي بائس يمكن إن يصمد إمام موجات هائلة من الأصابع الشبابية التي تدون على صفحات تجمع مجاني عملاق اسمه "فيس بوك" تدون ما تشاهده وتناقش مستقبل البلاد بعد الدكتاتورية والدكتاتور كان منشغلاً بتذكر أمجاده ، والى جنبها كانت مجاميع شبابية أخرى تلتقط ما حاولت كاميرات السلطة إن تحجبه من خلال أجهزة "الموبايل " الشخصية وتبث إحداث صغيرة ومفصلة عن يوميات ثورة الشباب عبر موقع مجاني أخر اسمه "يوتيوب " .

كنا جميعاً متفاعلين مع تدوينات إسراء عبد الفتاح التي ألجمت ومعها شباب مؤمنين بقدرتهم على التغيير كل أجهزة انس الفقي الذي ذكرنا كثيراً بزميله صحاف صدام ، كنا نتابع إخبار وائل غنيم وتصريحاته وكأننا نتابع قائد أسطوري انبعث من رماد المهمشين من شباب مصر ليقول ما عجزت قوى المعارضة الكارتونية قوله طيلة العقود الماضية بعد موت أيدلوجياتها القديمة وتكدس شعاراتها في مخازن أدبيات تلك الأحزاب .

 

تسونامي الفيس بوك كان إعصارا عاصفاً لم تنفع معه سياسة طأطأة الرؤوس التي أدمنت الأنظمة الدكتاتورية إتباعها مع كل عاصفة تواجهها ، بل كان شباب الفيس بوك أكثر إصراراً وأكثر ثباتاً على المطالبة اختصروها بعبارة مقتضبة واسعة المعنى والدلالة ب"الشعب يريد إسقاط النظام " لا غير ، الاقتلاع من الجذور و لن نقبل بإنصاف الحلول لا تفيد معنا الوعود التي تشبه كثيراً جرعات المخدر الموضوعي التي تزول ويبقى الوجع إن لم يزد .

ظللننا نحن الذين شغفنا الفيس بوك حباً نتابع إحداث الثورة المصرية وأيدينا على قلوبنا خوف من إن نفشل في إن نقنع من هم اكبر من أعمارنا بان ما نقوم به ليس لعباً وكلام فارغ في عالم افتراضي مفصول عن الواقع بل إننا جادون في ما نقول ومُصرين على إن نغير ، كانت تلك التجربة بمثابة امتحان لهذه التجمعات الشبابية المليونية في إنحاء عالمنا الناطق بالضاد وليس لشباب مصر فقط .

فالنجاح سيعني إن عالمنا العربي قد دخل مرحلة أخرى بالفعل وحان وقت إسدال الستار على حقبة الجنرالات المعمرين بالسلطة الى الأبد ، نجاح المدونين كان يعني إن رصاصة الرحمة أطلقت على كل وزارت الإعلام الرسمية التي كان مهمتها محصورة بمهمتين اساسيتن " التلميع والتشويه" تلميع الحاكم وتشويه معارضيه ، نجاح تجمعات الفيس بوك كانت يعني إن مفاهيم التعتيم والتهميش قد دخلت الى متحف التاريخ السياسي فلم يعد بإمكان أي شخص أو سلطة إن يحجب الحقيقة عن الناس ، نجاح ثوار الفيس بوك كان يعني إن معنى الثورة قد تغير ، وأنها بدأت تخلع عنها لبوس العسكر وأصوات الدبابات والبيان رقم واحد والاهم من ذلك كان يعني تبدل لون الثورة من الأحمر الى الأزرق ، فهل نجح عشاق الفيس بوك في تحقيق أحلامهم ؟ اترك الإجابة لكم .

===============================

18 يوما هزت الشرق الأوسط

محمد خضر قرش- القدس

الأيام 18 المجيدة التي تمكن فيها شباب مصر ومن مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية من قيادة ثورة حقيقية قل مثيلها ضد نظام حكم دكتاتوري استبداديَ فاسد جثم على صدور المصريين لثلاثة عقود متتالية ،وبروح معنوية عالية وبعزيمة لا تلين وإصرار وتحدي وتنظيم عجزت عنه أحزاب وقوى وحركات تدعي أنها يسارية ووطنية مضى على تأسيس العديد منها أكثر من نصف قرن. لقد شكلت ثورته زلزالا حقيقيا لم يهز ويسقط النظام المصري المتساوق مع المخططات ألأميركية والإسرائيلية والذي كان أحد أركانها فحسب ،بل ومن المؤكد أن يؤثر على تركيبة ووجود الأنظمة المماثلة له في المنطقة العربية والإقليمية . ما حققه شباب مصر غير المنتمى أو المنتظم في الأحزاب الكرتونية الموغلة في الفساد والدكتاتورية والبيروقراطية والتي بات شأنها ومستقبلها كشأن الأنظمة المتساقطة والتي لم يعد لها وجود سوى اسمها وأعضاء مكاتبها السياسية ولجانها المركزية وأمناءها العامين والذين مضى على وجود العديد منهم أكثر من 42 عاما، أي ما يزيد على عقد من حكم واستبداد الرئيس المطرود حسني مبارك وقبله زين العابدين والرئيسين الآيلين للسقوط معمر القذافي وعلي عبد الله صالح.إن ما فعله شباب مصر الشجعان ، يتوجب تقييمه وتحليله والوقوف أمامه لأخذ الدروس والعبر منه ،ولا غضاضة إذا قلنا بأن على قادة الأحزاب والقوى والفصائل والحركات الوطنية واليسارية والإسلامية ،أن تتعلم منهم ،فهم بحق أساتذة وعمالقة هذا العصر وقادته وصناعه. ما فعله شباب مصر في ميدان التحرير وفي كل المحافظات، سيهز بلا شك أركان كل الأنظمة الاستبدادية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب وإسرائيل وسيسقطها واحدا تلو الآخر كأحجار الدومينو وسيسقط معها وبدون رحمة أو ترحم، الأحزاب والفصائل والحركات التي ملأت الدنيا ضجيجا وصخبا دون أن نرى أفعالا وممارسات تتوافق والمهام الجسيمة التي تواجه حركة التحرر العربية . ليس هذا فحسب ،بل أن العديد منها قد بات جزءا من الأنظمة الفاسدة ويعزف معها ألحانها وأناشيدها ويفتخر ويتبارك في لقاءاتها ،متناسية كل ما فعلته هذه الأنظمة المستبدة من البطش بشعوبها وبهم من قتل واعتقال وتعذيب .

 آفاق المستقبل

لم يعد من باب التخمين والتقدير توقع التداعيات، فقد باتت تشاهد بالصوت والصورة في ليبيا واليمن والبحرين والعراق بما في ذلك شماله كردستان وسلطنة عمان والأردن وحتى جيبوتي وإيران وشرق شبه الجزيرة العربية والحبل ما زال على الجرار. فحينما ينبض القلب الكبير في أرض الكنانة تتدفق منه الدماء الفتية النقية وبقوة عبر شرايين الشباب إلى كل أجزاء الجسم والإطراف مدشنة عصرا للتطهر والتخلص من رجس الفساد وحكم الاستبداد والاستئثار بالسلطة وبداية عهد النهوض والثورة والديمقراطية وحق الشعب في تقرير مصيره بيده وفوق أرضه . تلك هي أبرز ما تمخضت عنه ثورة شباب وطلاب مصر وقبلها ثورة شباب تونس. ليس هذا فحسب، فقد أكدت الثورتان مدى هشاشة وضعف الأنظمة البوليسية التي كانت تتحكم في مصائر الشعوب فقد انهارت هياكلها سريعا جدا،كما أظهرت بان هناك حدودا للأنظمة الفاسدة المتسلطة على رقاب الشعب . كما كشفت الثورتان أن خدمة الغرب والانزواء داخل الحدود القطرية والتخلي الطوعي عن حماية المصالح العليا بما في ذلك التفريط بالأمن القومي العربي لصالح الغرب وإسرائيل لا يشكل حماية لهذه الأنظمة من السقوط نحو الهاوية ولا يحول دون تخلي الغرب عنها ومطالبته إياها بالتنحي والرحيل عند أول انعطاف أو أزمة حادة تعصف بها . فهي رغم ادعاءها بأنها فهمت ووعت ما يريده الشعب إلا أنها ما زالت تتمترس في غيها وضلالها وغرورها،ومثال ذلك رئيسا اليمن وليبيا ،فهما لم يتعلما شيئيا من تجربة من سبقهما في الهرب أو التنحي .كما أن هذه الأنظمة لم تتعلم شيئيا أيضا مما آل إليه كل من شاه إيران والرؤساء سوهارتو وماركوس وبينوشيت وتشاوشيسكو وغيرهم كثير . فالحكام العرب دون استثناء ليسوا أعز أو أحب أو أقرب لأميركا من شاه إيران أو سوهارتو أو ماركوس، فقد تخلت الولايات المتحدة الأميركية عنهم جميعا ولم تسمح لهم بدخول أراضيها بعد هروبهم أو تنحيهم .ليس هذا فحسب بل أنها قامت بالحجز على أموالهم وأرصدتهم المنقولة وغير المنقولة وامتد ذلك ليشمل الدول الغربية كلها . لقد أثبتت كل التجارب سرعة تخلي الغرب عن الحكام الفاسدين وتركهم لمصيرهم المأساوي البائس ،رغم كل الخدمات التي قدموها للغرب وإسرائيل على امتداد فترات حكمهم الطويلة . ما أحدثته ثورتا مصر وتونس لا يمكن حصره في سقوط الأنظمة المستبدة رغم أهميته الكبيرة فقد بات واقعا ملموسا ومشاهدا فكل ما يحتاجه هو القليل من الوقت فحسب حتى يكتمل عقد سقوطهم ، ولكن التغيير الحقيقي سيكون في تكريس الديمقراطية في الحكم والتداول السلمي للسلطة وكف يد الأجهزة الأمنية القمعية عن التحكم في مصير الشعوب .فلن نرى بعد الآن ديكتاتوريا فاسدا يلتصق بكرسي الحكم ويعمل لتوريثه لابنه وعائلته. فالدولة لم تعد مزرعة له ولعائلته أو عزبة كما يحلو لشباب مصر تسميتها. لقد بات، وبفعل ثورة الشباب المجيدة وقوافل الشهداء، رؤية المنتفعين والفاسدين والمتحكمين وأولهم الحكام في قفص الاتهام منظرا ستألفه الشعوب العربية كثيرا ،حيث لم يعد بإمكانهم أو باستطاعتهم الهرب أو الفوز والتمتع بالأموال التي نهبوها .فثورة شباب مصر وتونس تعيدان حاليا رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد المتعاكس تماما مع النظام الذي سعت إلية كوندليزا رايس والذي تم تنسيقه بالتوافق الكامل مع المصالح الإسرائيلية والغربية .لقد كسب نضال شعب فلسطين قوة دعم غير مسبوقة طال انتظارها منذ رحيل الزعيم جمال عبد الناصر،من خلال تغيير هذه الأنظمة .لقد بات شعب فلسطين بعيدا عن الضغوط التي كانت تمارسها الأنظمة البائدة عليه بين الوقت والأخر بغرض تقديم تنازلات لصالح محتلي الأرض .بل أن تغيير هذه الأنظمة قد قرب فترة الخلاص من الاحتلال . فما تم ويتم في الأرض العربية هو ضد السياسة الإسرائيلية والأميركية بكل تأكيد مما يدفع المحتل الإسرائيلي لإعادة التفكير مجددا في جمود العملية السياسية وفي استمرار نهج المراوغات التي اتبعها خلال العقود الماضية مستندا إلى ضعف الأنظمة المستبدة العاجزة والساعية فقط للبقاء في الحكم .لقد ظلت هذه الأنظمة متساوقة بل وجزءا من الإستراتيجية الأميركية بكل متطلباتها ومستلزماتها بما في ذلك تنفيذ كل ما تطلبه منها الإدارة الأميركية من خدمات فيما سميَ محاربة الإرهاب وحتى بدون مقابل. الثورتان المصرية والتونسية دشنتا عصرا جديدا لن يكون من السهولة بمكان ابتلاع مطالبها وبرامجها أو تجاوزها ، فالأسابيع القليلة التي انقضت على هروب بن علي وتنحي مبارك والتظاهرات المستمرة في ساحات التحرير وبنفس الزخم والإصرار على المطالب المشروعة والتي أخذت تتحقق بشكل متسارع خلقت وأسست لطمأنة الشباب ومن وراءهم الشعب أن إرادته هي الضمانة لتحقيق بقية المطالب .فالشعب أراد إسقاط هذه الأنظمة وها هو يتحقق ،فالقدر يستجيب دائما لإرادة الشعب الحر فالمهم هو الإبقاء على جذوة التمرد ضد أنظمة الفساد والدكتاتورية المتساوقة مع الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية . هناك فجر جديد بزغ من تونس وميدان التحرير في مصر وما زال يتمدد ويتعاظم تأثيره في ليبيا واليمن والبحرين والعراق وكردستان...الخ ولن نتعجب أو نستغرب إذا بدأت بوادر البزوغ تشاهد في العديد من الدول الأسيوية والإفريقية وخاصة في الدول الفاسدة منها . فبزوغ فجر مصر كان دائما ملهما لكل الشعوب المقهورة والساعية للتحرر والديمقراطية والاستقلال. لقد هزت ثورة شباب مصر وتونس منطقة الشرق الأوسط بأكملها وسنرى الكثير من الثورات قبل نهاية العام الحالي .

===============================

الشباب نجاح المجتمع

ستار عبدالله

من معالم الدول المثيره الاهتمام تجد شبابها هم اكثر تفهما للامور وانبثاق الحياة الجميله للمجتمع الذي من خلاله تتحق الدوله رقيها وابتسامتها الجميله من خلال الشباب ولكننا اذ نظرنا الى عالمنا العربي تجد ان الشباب منشغلين بأمور روتينيه ملهيه لكل الافكار وهذا ما صنعه حكم متجبرين ومتمسكين بكرسي لم يدم يوما لسطان ولا لملك سوى المللك الجبار الذي انذرهم كثيرا في كتابه العزير ولكن لا حياة لمن تنادي واليوم يغمرني فرحا ان اجد ثوره شباب تمتد من محيط الوطن العربي حتى شرقه لتغير ما دمروه الطغاه من ظلم وجهل وانحدار والله الثوره اليوم في الوطن العربي امر يسر الصديق ويفاجئ العدو ويدمر المتكبرين وانها لبشرى للشعوب العربيه ان الثقافه والعلم والحق والديمقراطيه الحقيقيه التي انبثقت بالعفويه قد انتصرت وانتصر العرب ورجعت لهم هيبتهم المفقوده شكرا لكم ياشباب الثوره العربيه

===============================

عندما يبكي الرئيس الفقير

بقلم أنيس ديوب

قصة الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا الذي انتهت ولايته قبل أيام، مع البكاء هي قصة طويلة ورائعة وتبعث على البكاء أيضاً. فخلال آخر خطاب له كرئيس للبلاد، أجهش لويس أناسيو لولا دا سيلفا، وهو اسمه الكامل بالبكاء ثلاث مرات، لم يكن سبب أحدها بالتأكيد مغادرته لمنصب الرئاسة.

 

دا سيلفا الذي يلقب ب "ابن البرازيل" بكى أمام حشد بمسقط رأسه في ولاية بيرنامبوكو التي ولد فيها فقيراً قبل 65 عاماً. وذرف هذا الرئيس الفقير الدموع أولاً حينما استحضر ذكريات نشأته وهو طفل فقير في إحدى المدن الريفية القريبة من مدينة جارانهونس بشمال البرازيل إلى أن وصل لرئاسة ثامن أكبر قوة اقتصادية في العالم.

 

ثم بكى دا سيلفا ثانية عندما عبر شاعر من سكان المنطقة عن عرفانه بجميل "الرئيس الذي حظي بأكبر قدر من محبة شعبه". وأخيراً بكى دا سيلفا حينما استحضر ذكرى فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2002 بعد 3 هزائم متتالية في 1989 و1994 و1998 قائلاً "خسرت لأن جزءاً من الفقراء لم يكن لديهم ثقة فيَّ حينذاك".

وعلى أية حال فان بكاء دا سيلفا ليس جديداً، حيث أنه بكى مرتين قبل ذلك خلال مقابلة تلفزيونية عندما تذكر قرضاً منحته الحكومة لإحدى شركات إعادة تدوير المخلفات. وهذا الرئيس، الذي بلغت شعبيته 80 %، قام بتسليم قرض إئتماني خلال ولايته الأولى بقيمة112.1 مليون دولار منحها البنك الوطني للتنمية الاقتصادية لأكبر جمعية تعاونية تضم جامعي القمامة وتدويرها في ساو باولو. وجامعو القمامة هم بالطبع رفاق دا سيلفا السابقين قبل أن يصبح رئيساً للبرازيل.

 

دا سيلفا الرئيس، أتى من العمل كماسح للأحذية في ضواحي ساوباولو، وكصبي بمحطة بنزين، وخراطاً، وميكانيكي سيارات، وبائع خضار. ولولا وهي كلمة برتغالية تعني الكالمار أو سمك الحبار متحدر من أسرة فقيرة، وهو من أبرز الزعماء السياسيين الذين خرجوا من رحم الفقر والتهميش إلى قمة هرم السلطة فقد وُلد في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1945، بمدينة جارانهونس الفقيرة حيث عاش الهنود الحمر آلاف السنين، قبل أن يأتي البرتغاليون، ليختلطوا ويتزاوجوا معهم، منتجين ما يسمى ب "الميستيزو" أي "الخليط الأسمر". وكان دا سيلفا الطفل السابع لعائلته المكونة من 8 أطفال تركهم والدهم العنيف لأمهم الأمية، فاضطرت العائلة أن تسكن في غرفة واحدة خلف ناد ليلي، تنبعث منه الموسيقى الصاخبة وشتائم السكارى. غير أن الأم أريستيديس التي بكى عليها دا سيلفا حين وفاتها،كانت تتمتع بعزم كبير وأسهمت في تربية وتكوين شخصية دا سلفيا، الذي قال عنها «لقد علمتني كيف أمشي مرفوع الرأس، وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون» صور. وقد اضطر دا سيلفا للتوقف عن تحصيله الدراسي في الصف الخامس الابتدائي بسبب المعاناة والفقر. وفي سن ال 19، خسر لولا الأصبع الصغير في يده اليسرى أثناء العمل في مصنع لقطع غيار السيارات، وهو ما دفعه للمشاركة في اتحاد نقابات العمال ليدافع عن حقوقه وحقوق زملائه.

 

وهذا الرئيس الفقير وغير المتعلم، واليتيم بالمعنى المجازي، استطاع خلال 8 سنوات من الحكم، وضع بصمته على اقتصاد البرازيل التي ستصبح في عام 2016 أي قبل الألعاب الأولمبية التي ستقام فيها ولربما قبل، ذلك خامس اقتصاد في العالم. وهذا الرئيس الفقير هو الذي جعل البرازيل ودولاً أخرى في أمريكا اللاتينية، تعترف بدولة فلسطين متحدياً إسرائيل وأمريكا والصهيونية العالمية، وكل الجهات التي تقف خلفها.

 

نادراً جداً ما يبكي الرؤساء، وقلما يكون بكاؤهم صادقاً كبكاء البرازيلي الفقير دا سيلفا الذي لا يحمل أي شهادة سوى شهادة الوفاء والحب لشعبه، مقرونة بشهادة الإصرار على خدمته ورقيه وتحسين أحواله، وأيضاً بشهادة الزهد في السلطة والمنصب، وشهادة حب الرفاق القدامى من الفقراء. ما أحوجنا إلى رؤساء يبكون بصدق، أليس كذلك؟.

===============================

أنَّ النهارَ أتى وَلا هرَبُ!

الشيخ خالد مهنا*

1...طهارات لا ثورات وشرارات..

كم نحن سعيدون لمنظر الطهارة الكبرى التي تجتاز التخوم وتتخطى البلد الواحد، وتطوي الغبراء طي الكواكب الخضراء يقودها الأمل بمستقبل واعدِ،مشرق وبين جنبيها همة فولاذية،وقلب يشع،وأفتده كالنسور بين الطيور،تحلق في جونا العربي تحليق من يحاول أن يظللها بأجنحتها..

سرني منظر تونس ومصر والمنامة وعدن وبنغازي والحبل على الجرار،وإن لم نفرح بعد الفرحة.التامة لأنها ممزوجة بالدمع والدم..

من شحوبنا وقنوطنا خرج ما لم نكن نتوقع..

من خناجرنا الممتلئة بالملح والقهر والغيظ والقيح والصديد والخيبة بزغت خيوط الفجر الأولى..

هل كان أحد يتوقع أن يخرج النور من شمال أفريقيا ومن بلدان متجاورة متلاصقة.؟.

نزل وحده بشكل مرتجل من سلم القطار ليفجر الأمل في جميع المدن العربية المقهورة دون إسناد من قوى نووية كبرى،ودون أن يلزم فلاحها تدخل بوارج أطلسية..

من كان يظهر أن 23 يوماً من عمر الطهارة في تونس ستجعل بن علي وحاشيته يولون الأدبار ويفرون كالجرذان؟

ومن كان يظن أن 18 يوماً من الثبات والصمود ستجهض على ترسانة النظام القهري في مصر؟ ومن كلن يظن ان ليبيا ستنتفض ؟

تسونامي وغضب مقدس هادر يهدد بموجاته المرتفعة المضي قدمًا ليجتاز مناطق أخرى من الوطن العربي الكبير, ثورات وانتفاضات مجلجلة تنذر بمزيد من الإسقاطات لأنظمة مهترئة , مر عليها الدهر فأكل وشرب منها, وتراكم عليها الغبار ملَها بل كرهها الشارع العربي, بفسادها, بظلمها, بقمعها, بكل سلبياتها التي تتوالى علينا ولا تنقطع, حتى يخترعون من البشاعة ما هو خارج قواميسها.

اليومَ يومُكَ أنتَ يا غضَبُ اليومَ منكَ الموتُ يرتعِبُ ... بَلْ أنتَ مَوتُ المَوتِ ... يفزَعُ إذ طوفانُ غيظِكَ مِنهُ يقترِبُ... أنتَ العراقُ .. فأيُّ مظلمَةٍ

جَعَلتكَ سَبْعَ سِنينَ تنتحِبُ؟!

أنتَ العراقُ ، وأنت تونس وأنت مصر وأنت اليمن وأنت ليبيا وأنت أنت....يشتد عودك في كل ارض معذبة وَها لقد زَحَفت ْفيكَ الدِّماءُ الآنَ لا الخطبُ!لا الدَّمعُ، لا الشَّكوى... بَل انتفضَتْ رُوحُ الشبابِ بكلَّ ما وُهبوا

شرَفا، وَعزما صادقاً، وَدَماًهم باسمِهم ندَبوا، وَهم ندِبوا..فليسْمَعِ الليلُ المُحيطُ بهم ....أنَّ النهارَ أتى وَلا هرَبُ!..

2....ماذا تبقى لها كي لا تثور؟

تسونامي وغضب مقدس هادر يهدد بموجاته المرتفعة المضي

 لقد ملت الشعوب الاستكانة, ولم تعد ترى أمل في إصلاح أو ترميم هذه الوجوه, لم تعد بإمكانها الصمت أكثر بعد ان ذاقت على جلدها كل أنواع التعذيب والخسف , على أيدي الأجهزة الأمنية لكل دولة عربية, وأدركت أن الخوف لم يعد له مفعول في عقولها.... تعودت الشعوب على القهر والمر, وحرقة الدم, فلم يعد أمامها ما تخسره حتى الكرامة أصبحت سلعة نادرة, فماذا تبقى لها كي لا تثور؟

خرجت هذه الشعوب عن طورها كالزلزال والإعصار, تأكل الأخضر واليابس, تنتفض على جلاديها وتقاوم للحصول على حريتها وكرامتها المهدورة من قبل أنظمة عفنة اعتادت على هذه الشعوب فامتطتها, ولم تعد تحسب لها حساب بالوجود بل هم العبيد في نظرها, ولكن هيهات أن يبقى العربي المسلم وحتى غير المسلم خانعًا ذليلًا, فلابد أن يثور ويستيقظ المارد ليقطع جميع السلاسل التي قيدته ليعلن عن مولد مارد جديد وعلى الجميع الحذر منه فهو إعصار غاضب, لن يبقي ولن يذر أمامه من طواغيت العصر طاغية على حاله.

ثارت تونس فخلعت رئيسها الفاسد الهارب بليل, و ثارت ارض الكنانة فاقتلعت فرعون من جذوره لتبقى الشعوب كالأهرامات بل أشد رسوخا.

 

زحف الثوار لن يتوقف أو يصمت إلا بالوصول إلى الحدود الدنيا من حقوقه المشروعة, بعد ان حطموا الأصنام التي كانت تجبرهم على عبادتها وكفروا بها, هي الشعوب الحرة إذا تصبر على القمع والتعذيب,و تصبر على الظلم والتنكيل لها, ولكنها لن ترضخ طول الوقت والعمر, للطواغيت و لابد أن تثور على السجن والسجان, وهاهو اليوم موعدها لتخرج إلى الحرية من قفص العبودية, وإن صوره الطغاة لهم ذهبًا؛ سيكسرون القيد ليزحفوا جماعات وأفرادًا إلى الحرية و النور والفضاء الرحب, لتدوس أقدامهم على الجبروت وأدواته مهما طغى وتجبر؛ فلابد للقيد أن ينكسر ولا بد لليل أن ينجلي

 

3...النبوءات وبداية "عالم" جديد بدأ صوت الشعوب المقهورة فيه يصدح؟.

ولقد انتجت هوليوود قي السنوات الأخيرة عديد الأفلام التي تتحدّث عن تاريخ هام سيقلب تاريخ البشرية رأسا على عقب، استلهمت قصصها الخيالية من نبوءات شعب المايا، ومن كتب المنجّم الفرنسي نوستراداموس، وغير ذلك من الأساطير والحكايات التي تزعم أن عالمنا سيفنى بتاريخ 21-12-2012.

"نحن نجزم يقينا بأن المنجمين كاذبون ولو صدقوا، والساعة علمها عند الله؛ ولكن، ومن خلال قراءة عقلانية وتاريخية لما جاء في تقويم شعب المايا، بالخصوص، ووفق نظريّة "التاريخ يعيد نفسه"، أليس من الممكن أن يكون تسونامي الثورات الشعبية- الذي ضرب بقوة وعنف معاقل الأنظمة العربية، في تونس ومصر، ويهدّد كراسي أعتى الحكّام في بقية البلاد العربية- نهاية "افتراضية" ل"عالم" كانت فيه الشعوب العربية صامتة.. وبداية "عالم" جديد بدأ صوتها فيه يصدح؟.

منذ دخول الألفية الثانية من تاريخ البشرية، والعالم ينتظر أن يحدث ذلك "الانفجار العظيم"؛.... والمثير في الأمر أن السينما الهوليوودية، أسهبت في تضخيم هذه التنبؤات وتكبير هذه المزاعم، وقدّمتها في أعمال لاقت اقبالا جماهيريا عريضا، آخرها وأشهرها فيلم "2012" الذي وصفته الصحافة الغربية ب"الفيلم الذي أبكى 40 مليون شخص".. والذي اقتبس من أسطورة شعب المايا، قصة "Doomsday"، أو "يوم القيامة" الذي سيأتي يوم 21 ديسمبر/كانون الثاني 2012 على خلفية كوارث طبيعية مدمّرة.. والطريف في الأمر أن هذا التاريخ يصادف يوم جمعة.

ثمّ جاء فيلم وثائقي أمريكي، في نفس السياق، بعنوان Nostradamus 2012، يتحدّث عن نهاية العالم وفق نبوءة المنجّم والطبيب الفرنسي اليهودي الأصل نوستراداموس.

ولكن، من خلال محاولة ربط "الموعد المفصلي" في تاريخ العالم، بالأحداث الجارية اليوم، في المنطقة العربية، فإن لتاريخ الجمعة 21 كانون الأول/ديسمبر 2012 معنى آخر مختلف عمّا تروّجه السينما الأمريكية من خرافات وما تثيره من فتن، بل يمكن التنبؤ بأن تباشير "نهاية العالم" بدأت تلوح، من الوطن العربي، حيث بدأ صوت الشعب يتمرّد على سوط الحكّام.

وما نهاية العالم المزعومة في 2012، التي حذّرت منها "تنبؤات" نوستراداموس.. إلا بداية ل"عالم جديد" كتبت سطوره الأولى دماء الشهداء في تونس ومصر، والمسيرة متواصلة إلى الآن، وربما ستشهد نتائجها المرجوّة في 2012.

ومن بين السنوات المزعومة التي يُروّج أن نهاية العالم ستحلّ بها نجد 2000، و2012، 2014، و2040، ولكن ولا واحدة من هذه التنبؤات أشارت إلى سنة 2011، هذا التاريخ الذي صنعت فيه الانتفاضة التحررية الشعبية العربية "الانفجار العظيم".

2011، سنة ليست أبدا كالسنوات العشر الأولى للقرن الحادي والعشرين؛ فالعقد الثاني من الألفية الثانية أبى إلا أن يأتي عاصفا، ليسطّر تاريخ بداية جديدة، بداية عالم جديد، وعهد جديد، حيث ثار العرب ولأول مرّة، منذ سنين أصبح عدّها صعبا من كثرتها، لا للتنديد بأمريكا واسرائيل، كما تعوّدوا، بل ثارت الشعوب، في تونس، القاهرة، المنامة...، ضدّ حكّامها.

وحتى إن لم يتحقّق، في تونس ومصر وليبيا ، إلى الآن ما يصبو إليه التونسيون والمصريون والعرب عموما، فإن رفع المواطن البسيط للافتة مكتوب عليها "يسقط النظام" ويتوجّه بها أمام وزارة الداخلية، ويقف هناك دون خوف أو رعب، نصر عظيم، ومؤشّر بداية لعهد جديد"".

4.....إلى الأمام، دقت ساعة الهلوسة!!!! ولا مجال للعودة إلى الوراء. *

وإذا كان ما يفعله الشعب الليبي اليوم في المدن والشوارع والزنقات !!!! متحديا الدبابات والطائرات والقناصة والمرتزقة بصدور عارية، كل ذلك من قبيل الهلوسة، فليتنا كنا نحن العرب حشاشين ومهلوسين منذ عقود.

لقد جن جنون هتلر من قبل وادعى أفضلية العرق الآري على أجناس العالم وتبجح موسوليني بعظمة روما وطالب بحقها في ملكية المتوسط، نجحا الاثنان بالحلف الفولاذي في تركيع نصف العالم وعندما بدأت الدوائر تدور عليهما لم ينعت أيا منهما شعبه بالجرذان ولم يلقيا الاتهامات جزافا الى شعبيهما بتناول حبوب الهلوسة والمخدرات. الأول اختار أن يموت بشرف والثاني اقتص منه شعبه التائق الى الحرية. ورغم ذلك فإنه بعد عقود من نهايتهما، مازال النازيون الجدد في ألمانيا ورابطة الشمال في ايطاليا يرفعون القبعات لهتلر وموسوليني لأنهما تركا ما يمكن الاعتماد عليه، حسب اليمينيين، كإيديولوجيا محركة داخل المشهد السياسي التعددي في أوروبا.

وبالعودة الى ليبيا، فإن ما يحدث هناك منذ أيام حسب نظرية القذافي ليس تعبيرا سياسيا بقدر ما هو نتيجة عملية تخدير جماعية وقعت في زمن واحد، وفي منطقة جغرافية مترامية الأطراف لتشمل ستة ملايين فرد من الشعب الليبي، اذا ما استثنينا بضعة مئات او الآلاف على أقصى تقدير من أنصار القذافي. ويعني هذا التفسير ان الشعب الليبي ظل يتعاطى حبوب الهلوسة على مدار الساعة وطيلة أيام متتالية جعلته فاقدا للوعي ويتصرف كالمهلوس.

واذا صحت نظرية القذافي فيجدر التساؤل في هذه الحالة عن حجم الحبوب الموجودة أصلا في ليبيا والتي أدت الى تخدير شعب بأكمله؟ وكيف أمكن توزيع كمية بهذا الحجم؟ ومن هي الشبكة التي استطاعت ان تفعل ذلك في زمن قياسي لتشمل كامل التراب الليبي الذي يمتد على مساحة لا تقل عن المليوني كيلومتر مربع؟

واذا صحت نظرية القذافي كذلك فإنه لا مفر من الاستنتاج التالي: وهو أن ثورة البوعزيزي التي انطلقت من تونس وشملت بعدها مصر وعدد آخر من الأقطار العربية هي في الأصل ثورة ليبية انطلقت بفعل حبوب الهلوسة التي تم تسريبها غربا الى تونس وشرقا الى مصر. وبعد ان اثبتت تلك الكميات المسربة فاعليتها في هلوسة الشعوب وقلب الأنظمة الديكتاتورية المجاورة بدأ تطبيقها فيما بعد على التراب الليبي.

لم يكن خافيا على الأنظمة العربية ان المخدرات وشبكات الإجرام كانت تضرب بأطنابها في المجتمعات العربية منذ زمان وان شعوب هذه المنطقة جربت أصنافا كثيرة من الحبوب والمخدرات بل ان بعضها يصحو وينام عليه ولا يمكن ان يعيش من دونه لأنه بات جزءا من هويته الثقافية، والحديث هنا يتعلق بالنموذج اليمني الذي اختص بنبتة القات.

ولكن في الواقع أيا من تلك الأصناف لم تكن ذات جدوى وفاعلية في هلوسة الشعوب وتخديرها الى الحد الذي تجعلها فاقدة لبصيرتها وثائرة على الديكاتورية وقمع الحريات والفساد. فأي نوع هذه الحبوب التي تناولها الشعب الليبي بكامله وجعله يقلب الطاولة على "ولي نعمته" منذ أربعة عقود مرت بسرعة أربعة قرون من الكلام والتغيير والتنظير والفراغ المؤسساتي وحكم الجماهير داخل القاعات.

5.....اشراقة حياة قادمة من الموت

اذا كان ما يحدث في العالم العربي هي حبوب هلوسة ليبية في الأصل فإننا سنظل شاكرين على مدى التاريخ الى ليبيا التي ساعدتنا على تعاطي الوصفة السحرية للهلوسة لنكون حشاشين على أصول ونثور ضد الطغمة الحاكمة من أجل كرامتنا وحريتنا وأموالنا المنهوبة. فإلى الأمام، دقت ساعة الهلوسة ولا مجال للعودة الى الوراء.

وألف تحية شكر وامتنان لحبوب الهلوسة !!!!التي أيقظت الأمة من سباتها وجعلتها تدرك ( فلسفة الموت و الحياة)بعد عقود من الزمن سيطرت عليها النظرة المحدودة للموت نظرة الخوف و الجبن و الانهزامية فكانت ميتة رغم حياتها لتسير جنبا الى جنب مع دعوة ميخائيل نعيمة لأخيه، على الرغم من أنها ظلت على مدار 1400 عام تدرك تلك النظرة الشمولية للموت و النابعة من عقيدتها و من حرص قادتها على الموت أيضا هذا الحرص جعلهم بامتياز قادة العالم على مدار هذه السنين الطويلة ، ذلك الحرص جعلهم يسيرون بخطوات ثابتة نحو المجد و الخلود و ينتقلون من نصر إلى نصر حتى نافسوا أفلاطون في مدينته الفاضلة، فمن قال أن الناس على دين حكامهم؟ فقد صدق، ومن قال احرصوا على الموت توهب لكم الحياة؟ فقد صدق،الم يقل احدهم مخاطبا عدوا " ساتيك برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة"؟ مثل هذه العبارات شكلت فكرا و عقيدة عندهم دون تردد أو تأخير فاحدهم قال أيضا" بخ بخ ما بيني و بين ان ادخل الجنة إلا ان يقتلني هؤلاء" تلك هي النظرة إلى اشراقة الحياة القادمة من الموت، و هي الاشراقة ذاتها _و ان بدت مختلفة بين جنة السماء و جنة الوطن المحرر على الأرض_ التي رافقت شعوبنا العربية في سيرها نحو الاستقلال بعد ان تكالبت عليها قوى الاستعمار الأوروبي في بدايات القرن الماضي’ و بتلك الاشراقة لم يبق مستعمر على أرضنا. غير أن نظرتنا الشمولية للموت و استلهام اشراقة الحياة منه بدت تصل الى النظرة المحدودة لأننا بتنا نعتقد ان لا حياة بعد حياتنا هذه ولا بديل عنها فركنا إلى دعة الحياة و بات الخوف من فقدانها يسيطر علينا و غدا خوفنا من التقصير في جانب من جوانبها هاجسا في نهارنا و كابوسا يؤرق منامنا، رضينا بالحياة وغابت نظرتنا الشمولية للموت وتسرب الخوف إلينا وغدت حياتنا كجحيم و باتت دنيانا كدنيا الحيوانات أو اقل شانا، وهي اقل شانا بالتأكيد و حاولنا بشتى الطرق الارتقاء بها غير أن خوفنا منها يقودنا إلى الفشل في كل مرة فكان لا بد من العودة إلى الأصالة لنظرتنا الشمولية الايجابية عن الموت و انطلق محمد البوعزيزي مذكرا بتلك النظرة لتستفيق تونس و تضيء بنور ناره و تستفيق مصر و اليمن و البحرين وليبيا مع وجود محاولات للبعث نحو الموت في كل من المغرب و الجزائر و العراق، ثارت الشعوب العربية فكان حليفها النجاح في كل من مصر و تونس و سيكون في ليبيا، ان مجرد ثورتها و قولها لا، و رغبتها في الموت هو بحد ذاته نجاح لان التغيير يبدأ من هنا ، و رغبات الشعوب لا تحكمها دساتير آو قوانين إذا ما رغبت في نقض العهد بينها وبين الحاكم ، ثارت الشعوب وهي على يقين ان وقود ثورتها سيكون شهداء و قتلى و جرحى و اسري غير ان كل هذا لا يهم فبعد كل هذا الموت هناك حياة حقيقية، هناك إنسان حقيقي مكرم عزيز، أليس في هذا التناقض تناغم رائع ؟؟ أليس في هذا التباين انسجام ؟؟؟ الا تعتقدون ان في هذا قمة التطابق و التالف؟ انه التباين الظاهري بين معنيين بينهما اعلي قدم من التكامل ؟ إنها سمفونية الكون ترددها الكائنات بحزن حينا و بفرح أحيان، إنها نشيد الاله الصامت حينا و الصاخب أحيانا ، إنها فلسفة الموت و الحياة.

*رئيس الدائرة الإعلامية في الحركة الإسلامية _ الداخل الفلسطيني

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

السابقأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ