ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 18/08/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

 

النظام السوري يمهّد في ممارساته للتدخل الدولي

بدرالدين حسن قربي

لازم الثورة السورية صمت عربي مخجل، بدأ يتزحزح عن مواضعه وهي تكمل شهرها الخامس مع تأكد عزم حرائر سورية وأحرارها وثبات إرادتهم الماضية لإسقاط النظام. ولئن كان لكل بلد منها متراسه وتعذراته في السكوت، فإن الموقف الفلسطيني الشعبي والرسمي الساكت أيضاً وإن تحلحل قليلاً، فهو مع تعدد منظماته وفصائله وأحزابه ومناكفاته كان يلتقي بعمومه على الخوف على الفلسطينين السوريين من أن يمسهم السوء، أو بخصوصه مع من كان منهم من حلفاء النظام بعذر الحرص على المقاومة والممانعة، وخوفهم على مصيرها وتعطّل تحرير فلسطين برحيل النظام المقاول الذي يصرخ السورييون من استبداده ونهبه وظلمه وجرائمه. ورغم علم جميعهم أن مصيبة السوريين مع نظامهم هي في استبداده وطغيانه وإذلاله لهم واستعبادهم وليس مع ما يزعمه من مقاومة وممانعة، فإن طائفةً منهم أيضاً ليست قليلة تبدو مصرةً على دعمه ومساندته وإن قتل من السوريين آلافاً، واعتقل منهم عشرات الآلاف وهاجم مدنهم بمئات الدبابات والمدرعات، واستخدم كل الأساليب الفاشية في قمعهم واضطهادهم، ولاتأخذ على يديه حرصاً على استمرار المقاومة وخوفاً من المساس بالممانعة، فلاصوت يعلو على صوت المعركة.

جديد الحرب الحقيقية بداية الأسبوع الجاري التي عاشتها اللاذقية، والعمليات العسكرية التي استهدفت فيها على الخصوص مخيم اللاجئين الفلسطينيين في حي الرمل، والتي نتج عنها حسب متحدث (الأونروا): أن ما بين خمسة إلى عشرة آلاف من سكانه غادروه هربا من نيران المدفعية والدبابات والقطع الحربية والسفن البحرية المحاصرة للمنطقة أو بأوامر القوات السورية المحاربة إلى أمكنة غير معلومة. وهذا الجديد وليس ماقبله هو الذي أخرج السلطة الفلسلطينية الرسمية ومعها منظمة التحرير عن بعض صمتها والتعبير عن صدمتها وإدانتها الشديدة لاقتحام المخيم وتهجير سكانه واعتباره شكلاً من أشكال الجرائم ضد الإنسانية. أما عن الآخرين من الفصائل الحليفة على اختلاف مراتبها ومقاديرها وفي مقدمتهم حركة حماس، فقد عجز ماكان للمخيم على أن يفتنهم عن قناعاتهم فيتكلموا ولو بكلمة تخرجهم من ملة المقاومين وتبعدهم عن سكة الممانعين، بل ذهب أنكاهم بأنه لم يكن هناك قصف ولا قتل ضد المخيم بل ليست أكثر من إشاعات هي بعض المؤامرة ضد النظام المقاوم والممانع، وكأن ماكان هو في عالم آخر وليس في اللاذقية التي لاتبعد سوى سويعات عن مكاتب هذه الفصائل لو أرادوا معاينة ومشاهدة. وأما عن اتهام السيدة بثينة شعبان بعض العناصر الفلسطينية المقيمة في مخيم الرمل بأنها كانت متورطة في بعض المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت المدينة خلال الأشهر السابقة، فهو كلام مكرور كانت قد قالت بمثله أيضاً مع بداية الثورة السورية عن الفلسطينين في مدينة درعا.

دخول بعض المعارضين للنظام السوري على خط التحليلات والتعليقات على ماكان، واعتبارهم ماحصل خطة لتهجير الفلسطينين من منطقة الساحل السوري تمهيداً لإقامة الدولة الطائفية للنظام كحصن أخير في حال سقوط خطوطه الدفاعية المفترضة، فهو في تقديرنا أمر يدخل في خانة التخمينات والتوقعات التي يصعب إثباتها على الأقل حالياً.

وعليه، فمابين ماقاله الفلسطينيون من خصوم النظام صراحة، وما سكت عنه عموم الحلفاء منهم، وماقالته السلطات الرسمية السورية بمن فيهم السيدة شعبان وماقاله معارضو النظام وخصومه أيضاً، فإن مافعله النظام السوري والحق يقال، يؤكد أنه عامل فلسطيني مخيم الرمل معاملة السوريين أنفسهم في كافة أنحاء المدن والأرياف قتلاً وتشريداً واعتقالاً، وإن كان ميّزهم باستخدام السفن والقطع الحربية البحرية فهو أمر مرتبط بطبيعة مكان المخيم على البحر ليس أكثر. ومن ثم، فإذا كان النظام خلال سنوات حكمه التي تجاوزت الأربعين عاماً بين والد وولد قد قتل من مواطنيه السوريين عشرات الآلاف، وهجّر أضعافهم، فليس غريباً أن ينال إخواننا الفلسطينيين في مخيم الرمل وفي كافة أماكن تواجدهم على الأرض السورية في هذا الشهر الفضيل بعض إجرامه، ولاسيما أنهم يعيشون هذه الأيام ذكرى مجزرة تل الزعتر التي كانت في الثاني عشر من آب لعام 1976 والتي قارب عدد ضحاياها ثلاثة آلاف بين قتيل وذبيح.

إن النظام السوري يمارس فاشية من طراز خاص بتوحشه في قتل شعبه على امتداد خمسة أشهر كاملة، وهي تمتد اليوم لتطال مخيماً لإخواننا الفلسطينين هو في عهدة الأمم المتحدة. وعليه، فإن مايفعله في السوريين والفلسطينين وفي مخيم الرمل تحديداً، هو دعوة سافرة للتدخل الأجنبي بصورة من الصور، يتحمل كامل مسؤوليتها، لأن المجتمع الدولي الذي يُتكلم عن ازدواجيته وتآمره، فإنه في النهاية لن يقف مكتوف الأيدي ولن يسكت عن أعمال إجرامية لا إنسانية عمّت البلاد والعباد في ظل تعتيمٍ ومنعٍ لكل وسائل الإعلام الصديقة وغيرها.

=====================

 لا للطائفية حيثما كانت ..

 جلال / عقاب يحيى

 لم يعد مخبوء الطائفية والخوف منها جائزاً وبعض ملامحها تلعلع في أجوائنا، وبعض مركباتها وسحبها تعبر سماءنا محاولة خنق الوحدة الوطنية وجرجرة بلادنا إلى مهاويها : التقسيمية، التفتيتية، الاحترابية ..

 الطائفية المقصودة : لا تعني حذف، أو اجتثاث، أو جوهر التوزعات الدينية والمذهبية التاريخية التي تموضعت منذ قرون طويلة في بلادنا واتخذت مواصفاتها، واعتنقها المؤمنين بها، وإنما : الفعل الطائفي، واستخدام الطائفية في السياسة، واستغلال التوزع الطائفي لصالح مشروع خاص، ونظام، واستراتيجيات تفتيتية .

 الطائفية لا تخصّ طائفة بعينها دون بقية الطوائف، وكأنها موجّهة للعلويين وحسب، أو للأقليات الدنية : إسلامية كانت أم مسيحية، فقط، وإنما جميع دعاتها، وأشكالها، وأصحاب المصلحة في موضعتها، وتأجيجها، وتوظيفها .

 ولئن كان الشائع أن المقصود بالدرجة الأولى الطائفة العلوية، بالنظر إلى وجودها تحت الأضواء، وإلى موقعها في بنية وفعل نظام الطغمة، ومستوى التجييش فيها لصالحه، ودرجة الخوف فيها من آخر مفترض، وموقعها من الوحدة الوطنية، ومن مستقبل الثورة السورية، والدولة المدنية الديمقراطية ..

فإن محاربة الطائفية، على قاعدة صيانة الوحدة الوطنية، وضمان مساهمة كافة أطياف المكوّنات السورية : السياسية والفكرية والاجتماعية والدينية والقومية والمذهبية في ثورة الحرية، وفي بناء البديل التعددي..إنما تعني كل أشكالها ومظاهرها، وكل محاولات استبدال الصراعات السياسية بأخرى دونها تعيدنا إلى مرحلة ما قبل الدولة، والوطن .

 ****

 نعم .. برزت الطائفية بقوة في عهد النظام الأسدي مذ كان تكتلاً واضح العالم يحاول فرض وجوده بالقوة، حتى إذا ما نجح انقلاب التفحيح، وبات الأسد القوة الوحيدة التي تتحكّم بكل الصلاحيات والقرارات، وتفصّل الدولة، والمؤسسات على قياس نرجسيته وحجمه المنفوخ، والمكبّر آلاف المرات .. برزت الطائفية ظاهرة فاقعة في المؤسسة العسكرية، ومفاصلها الحساسة، وفي الأجهزة الأمنية وقياداتها، وفي صنع القرار.. ثم تطورت بتخطيط خبيث للانتقال من النخبة هؤلاء إلى الحالة الشعبية، ولتدخل الطبقة الوسطى عبر تقديم الرشى الكبيرة في مجالات عديدة(البعثات والوظائف المهمة، والجيش)، ثم محاولة تجييش الفئات الفقيرة والمحرومة من التعليم والدخل في صفوف الأمن والحراسات الخاصة، وسرايا الدفاع، والقطعات المنتخبة.. وإن كانت قصدية التلوين المظهري إحدى الوسائل الخبيثة للأسد المؤسس، ونظام توريثه.. حين اتسعت رقعة المشاركين الواجهة في الوزارة ومجلس التهريج، والحزب المطية، ووسائل الإعلام، وتجاوز ذلك إلى القوى السياسية التي وافقت على المسخ بدخول " الجبهة الوطنية التقدمية"، ناهيك عن كمّ الشعارات البيّاضة، الفائضة عن المقاومة، والتوازن الاستراتيجي، والصمود والتصدي، والممانعة، والتي من شأنها إحداث استقطابات واسعة في الشارع الداخلي والعربي، وتصوير الأمر على أن النظام من موصفات طبقية يقع في خندق" العلمانية"، والقومية، والتقدمية.. بينما كانت تسري في الأوساط الشعبية، ورغم الخوف، والحذر، والتحسّب همهمات، وأحاديث كثيرة عن الصفة الطائفية للنظام، وعمّا يجري في قاع المجتمع من تقسيم على هذا الأساس، ومن قصص وروايات تتناقلها الذاكرة الشفهية لتكوين ما يشبه الاتفاق العام على توصيف النظام بهذا الجانب، رغماً على أن الأمور لم تتجرأ على التعبير الفصيح بالنظر إلى عاملين متراكبين : شدة الخوف من بطش سطوة النظام من جهة، وموقع الوطنية السورية لدى الأغلبية الساحقة من الشعب، من جهة أخرى .

 في مناح الارتداد هذا، وعمليات الحقن والتعبئة، وإجهاض المشروع النهضوي، الحداثي(ناهيك عن التحرر والحرية والتحرير والتوحيد والعدالة الاجتماعية).. كان طبيعياً أن تعرف حركة المجتمع نوعاً من النكوص إلى ما قبل وطني، وأن تنتعش الأفكار والمكونات الدينية والمذهبية في حواضنها العلنية أو السرية، وكذا الجهوية والعشائرية والعائلية، وأن يبحث الناس عن أسيجة واطر للحماية بعد أن نفض كثيرهم يده من الأحزاب التي طالما رفعت شعارات أحلامهم وأمانيهم ومصالحهم وخانتها بطريقة مخزية، وكان نظام الطغمة الأسدي أكثرها ازدواجية، وأكثرها باطنية، وأكثرها نحراُ ونخراً وتقويضاً لذلك المشروع ولحوامل الوحدة الوطنية الطبيعية .

 في العودة إلى مرحلة الصراع بينه وبين " الحركة الدينية" صعد التجييش الطائفي إلى مستوى ظاهري لا يمكن إخفاؤه، وبات الفعل وردّ الفعل عنواناً مشتركاً للفريقين . ولأن النظام هو صاحب السطوة، والقرار، وهو المعني بحماية الوحدة الوطنية، وهو الرافع لشعارات خلبّية.. فإنه في نظرنا المسؤول الأول، وحاضنة تلك الأوضاع التي هددت الوحدة الوطنية في الصميم، والتي طالما تناولناها في حينها على صعيد " التجمع الوطني الديمقراطي"، أو على صعيد الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية، أم على صعيد الجهد الفردي .

 لقد استفاد النظام من أخطاء ممارسات " الطليعة المقاتلة" الراكبة على تغطيتها حركة الإخوان المسلمين تلك التي اتصفت بالطائفية الصريحة، وبخط سياسي استئصالي تماماً، فنجح في ركوب مطية حامي الحمى للطائفة العلوية من الذبح على الهوية، ومن نبش مخزون ذاكرة البيئة الشفهية عن صراع قديم منتقى مليء بالاضطهاد، والمذابح، والخوف من الآخر، وتضخيمه إلى درجة البعبع الذي يُستحضر عند اللزوم، كما هو الحال اليوم .

 لنقل، ورغم أن حركة الإخوان المسلمين قامت بنقد ممارستها تلك الفترة، وأدانت استخدام العنف، وأقرّت التداول السلمي على السلطة.. فإنها مطالبة على الدوام، وهي بالتحديد، بأن تفصح أكثر عن نقدها لذلك الأسلوب الذي سمح للنظام بالإيغال بعيداً في التعبئة الطائفية.. التي يتمّ إحياؤها اليوم كتواصل لتلك المرحلة من جهة، وعبر تضخيم والتقاط عديد المظاهر والتصريحات المحسوبة على أطراف دينية سنية تتقاطر بأشكال متخلفة، وملغومة هنا وهناك من جهة أخرى .

 *****

النظام، ومنذ بدء الانتفاضة، وبالنظر إلى تركيبته الأقلوية(الأقلوية الشاملة)، والأمنية، اتجه مباشرة إلى "جورة الحرامية" المخبّأة في خزينه متصوّراً أنه بالحديث عن الفتنة يستطيع أن يركّب غطاء مناسباً للقتل وإجهاض الانتفاضة من جهة، وتقريب ودفع الطائفة العلوية، وعموم الأقليات الدينية والمذهبية إلى خندقهمن جهة ثانية، جبناً إلى جنب الحديث عن المؤامرة التي تستهدفه كرمز للممانعة والمقاومة، وهو الخطاب الازدواجي الذي رافق هذا العهد منذ قيامه، وظهر أكثر سذاجة وترقيعاً في عهد الوريث وصحبه، من جهة ثالثة .

 النظام اليوم وعبر أزمته الفاضحة، وفشله في إجهاض الثورة يحقن الأوضاع بحقن مذهبية خبيثة من شأنها، كما يعتقد، أن تكون البديل عن الوحدة الوطنية، وربما يكون قد نجح الآن في تخويف الشارع الشعبي العريض من الطائفة العلوية، ومن بعض الأقليات الدينية والمذهبية من" مجهول" إسلامي يجري النفخ به وتصويره كغول، أو كسيف سيقطع رؤوس الآخرين.. الأمر الذي يفسّر ضعف حضور ومشاركة تلك الأقليات في الثورة، بينما تعاني نخبها(لنقل دوماً : المحسوبة عليها مجازاً) من عدة إشكاليات لجهة ضغوط بيئتها من جهة، وسقف تصوراتها للمخرج من جهة ثانية .

 النظام يدفع بقوة باتجاه الحرب الأهلية، وحتى بعض عمليات التطهير الديني والمذهبي، بينما تراود ذهن البعض حكايا مشاريع التقسيم، وإقامة دولة طوائفية إذا ما كانت هي المنحشر الأخير لنظام الطغمة، بواقع تماسك المؤسستين الأمنية والعسكرية، حتى الآن، وإبداء استعداد قياداتها لإهراق المزيد من الدماء، وقتل وتصفية الناشطين، وحتى استدراج الخارج للتدخل .

 *****

 بالمقابل ، فالطائفية ليست حصراً على النظام، أو طائفة معينة دون غيره ن قوى طائفية، وماضوية، ومشبوهة منتشرة في عموم الطوائف، وتظهر تجلياتها الفاقعة في مظاهر كثيرة تتجاوز ردود الفعل إلى ما يمكن اعتباره بنياناً له قواعده، ونواظمه ومصالحه.. الأمر الذي يجب توجيه الضواء إليه حتى لا تبدو المواقف حولاء، أو مزدوجة المعايير .

 ***

 إن الحديث عن تطمينات وتعهدات.. ومناشدات.. بقدر ما يضغط عليها الوضع السوري لجهة إحجام أغلبية بعض الأقليات عن المشاركة في صنع المستقبل المشترك : ثورة الحرية، والزجّ ببعض الفئات وقوداً لمحرقة الطغمة الحاكمة، وفتح أشداق الحرب الأهلية.. بهدف ترسيخ الوحدة الوطنية على قاعدة الإسهام في بناء البديل.. فإنها ظاهرة لرد فعل آني لا تتناول جذر المشاكل، ولا تتمحور حول القاسم العام .

 إن الدولة المدنية الديمقراطية ليست ملكاً لفئة دون أخرى. إنها دولة المواطنية المتساوية للجميع، وهي ضمانة للجميع، وتعني الجميع على قدم التكافؤ.. حيث لا أحد يطمئن أحداً سوى الدستور الذي يضعه نواب الشعب المختارين، والمنتخبين، والقوانين التي تقررها دولة المواطنة وليس فريقاً دون آخر .

 إن ألف باء الحرية ليس الاعتراف بالتعددية وحسب، وإنما تمثلها ووعي مفرداتها وماذا تعنيه نظرياً وفي التعامل، وماذا تستوجبه من "تنازلات" تخص الجميع إزاء الجميع .

إن مدخل الإقرار بالتعددية : الاعتراف بأن الحقيقة نسبية، وبأنها ليست حكراً على أحد دون الآخر، وأن معتقدات الآخر محترمة مهما كانت نظرتنا الخاصة إليها، كما هو واجب احترام معتقداتي .

 إن وعي التعددية. ونسبية الحقيقة تقودان إلى إقرار حق الآخر بالتعبير والمعتقد كما هو لا كما نريد ونشتهي، كما يجب أن يؤدّيا إلى فهم مكونات الآخر على قاعدة الحق، والاحترام، والتفاعل، وليس بالنفي ، والاستئصال والاحتقار، أو التكفير .

 التطمينات الحقيقية تكون بتفصيح طبيعة الدولة المدنية الديمقراطية لجهة : المدنية كحقوق المواطنة، ولجهة نزع الطابع الإديولوجي لها، وعدم إلحاقها بهذا المكوّن، أو ذاك المعتقد، وتحديداً : بالجهر المسبق لعلاقتها بالشريعة الإسلامية باعتبارها محط الجدل حول موقعها في التشريع(بين المصدر الرئيس، ومصدر من مصادر التشريع وبين علمانيتها(وليس إلحادها) الذي يعني رفض التخصيص لتكون مفتوحة، وغير متناقضة مع حرية الاعتقاد، والانتماء الفكري والسياسي وغيره , وحقوق القليات القومية(وليس الدينية) .

 على هذه القاعدة يكون الفعل الطائفي من أين جاء فعل منبوذ، مرفوض، إجرامي بحق الدولة الديمقراطية، وبحق الوحدة الوطنية ولا يحتاج إلى تجريم مسبق .

 وعلى ذلك أيضاً فإن إسهام الجميع بكوننة البديل، وفي يوميات الثورة، والانفضاض المعلن عن نظام الطغمة ومهاويه التي يريد دفع البلاد وبعض أبناء الطائفة العلوية إليه.. سيكون اللبنة القوية في إشادة دولة المواطنة . دولة العدل والقانون والحقوق .

كاتب وروائي الجزائر

=========================

خير الليالي ( ليلة القدر )

محمد حسن فقيه

بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) (القدر- ا، 2 )

إن الله تعالى بعلمه وحكمته قد فضل الأنبياء على غيرهم من البش ، وفضل مكة والمدينة على غيرهما من البقاع ، وفضل شهر رمضان على غيره من الشهور، وفضل يوم الجمعة على فيرها من الأيام ، كما فضل ليلة القدر على غيرها من الليالي ، وجعلها خير ليالي السنة .

من رحمة الله على عباده المسلمين ، وإكراما وتعظيما للدين الخاتم للبشرية ، قد أنعم ّ الله عليهم بهذه الليلة المباركة ليكفرّ عن عاصيهم ، ويتجاوز عن غافلهم ، ويتوب عن مقصرهم ، ويعفوعن مسيئهم ، ويرحم عامتهم ، ويوزع بعض خير جوده وفضله من النّعم عليهم جميعا .

ويمنّ عليهم بخيرعميم ، وفضل عظيم ، فيعوضهم عن ذلك بسبب قصر أعمار أمة محمد في آخر الزمان .

كما ورد في موطأ مالك " حدثني زياد عن مالك من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبلها وما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه ليلة القدر خير من الف شهر " .

 فغالب أعمار أمة محمد ما بين الستين والسبعين بحسب رواية الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام : " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين " رواه الحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي ، ورواه الترمذي وابن ماجة .

فقد أكرم الله المسلمين بهذه الليلة المباركة ليتقربوا إلى الله بالعبادات ويتزودوا بالطاعات ، من صيامهم لنهارها ، وقيامهم ليلها ، ليشملهم خيرها ، ويعمهم أجرها ، وتتنزل عليهم بركاتها ، وتتغمدهم رحمة الله الواسعة ، فيكفرّ عنهم أوزارهم ، ويتجاوز عن خطيئاتهم ، ويمحو سيئاتهم ، ويعفو عنهم .

وكما أنّ خير الأيام – نهارها – هي العشر الأوائل من ذي الحجة ، وخير يوم في السنة اتفاقا هو يوم عرفة ، فكذلك خير الليالي في السنة هي العشر الأواخر من رمضان وخير ليلة بينها اجماعا واتفاقا هي ليلة القدر ، فهي خير من ألف شهرفي المثوبة والأجر، خصّها الله من بين الليالي في السنة كلها ، وتبدأ الليلة من صلاة المغرب وتمتد حتى طلوع الفجر .

 

 أولا : سبب تسميتها :

1 - سميت ليلة القدر بذلك من الشرف والعلو والرفعة وعظيم منزلتها وقدرها عند الله تعالى ، كما يقال فلان ذو قدر عظيم ، أي ذو شرف ومنزلة رفيعة .

2 - وقيل سميت بذلك لما يقدر فيها من خير ونعيم ورزق وبركة بحق المسلمين للسنة القادمة ، فهي ليلة تقرير المنح الربانية ، وتقسيم الهدايا السماوية ، وتوزيع جزيل العطايا السخية من بحر جوده وفضله على عباده لقوله تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) - ( الدخان – 4 ) .

3 - وقيل تتنزل فيها ملائكة تملأ الأرض أكثر من عدد الحصى ، فتضيق الأرض بهم من كثرتهم ، أي تقدر ، ومعنى قدر: أي ضاق ، وذلك من قوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه ) (الطلاق -7 ) .

أي من ضاق عليه رزقه .

4 - وقيل يتنزل فيها ملائكة كثرذات قدر .

( تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) – ( القدر – 4 )

5 - وقيل لنزول القرآن الكريم فيها من شهر رمضان ، لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وأمة ذات قدر .

( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) – ( الدخان – 3 ) .

6 - وقيل لأن للعبادة والطاعات فيها قدرا عظيما وأجرا كبيرا .

ولعل السبب يكون بسبب ذلك مجتمعا ، وغير ذلك مما قيل أيضا فيها .

 

ثانيا : فضل ليلة القدر

1 - أنزلت فيها سورة كاملة من القرآن إجلالا وتعظيما لقدرها ، غير ما أنزل فيها من آيات أخرى متفرقة في القرآن الكريم ، كما وردت فيها السنة بأحاديث كثيرة صحيحة ومتواترة في فضلها وصفاتها وعلاماتها وتعيين نزولها .

2 – تتنزل فيها الملائكة وتلتقي فيها العبادات والطاعات بين السماء والأرض مجتمعة ، من ملائكة وإنس وجن وجميع المخلوقات الأخرى من شجر وحجر ومدر وغيرها ......

( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) – (الإسراء- 44 ) .

3 – ليلة ساكنة هادئة آمنة ، لا حوادث فيها ولا مصائب ، تغل ّ فيها الشياطين وتقيّد عن فعل الشر والأذى ، كما أنها سالمة من الحوادث والكوارث التي تعصف بالأرض من رياح وعواصف وحرائق ونكبات وزلازل وبراكين وغيرها .

( سلام هي حتى مطلع الفجر ) – ( سورة القدر – 5 )

قال الفرّاء : ( لا يقدّر في ليلة القدر إلا السعادة والنّعم ، ويقدّر في غيرها البلايا والنقم ) – تفسير القرطبي .

وقال مجاهد في تفسير فتح القدير للشوكاني : لا يستطيع الشيطان أن يعمل سوءا ولا أذى فيها للمؤمنين .

 

4 – فضل العبادة والطاعات فيها كبير وأجرها عظيم .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) – أخرجه البخاري (1901) ومسلم (759) والنسائي (4-150 ) وابن ماجة (1641) أبوداوود (1372) والترمذي (683) .

 

 ففضيلة العبادة فيها خير من عبادة الف شهر – ليس فيها ليلة قدر، كما في كتب التفسير – أي ما يعادل عبادة (83 ) سنة و(4 ) أشهر .

( ليلة القدر خير من ألف شهر ) – ( القدر – 3 ) .

وقيامها إيمانا واحتسابا يكون بالإكثار من العبادة والطاعات ، وذلك بصيام نهارها ، وقيام ليلها ، والإجتهاد في الصلاة مع التدبر والخشوع ، وقراءة القرآن والذكرالمأثور والدعاء للمسلمين ، وأعمال البر والخيروالتقوى من صدقة وزكاة ، أوأمر بمعروف ، ونهي عن منكر، ونصيحة لله ورسوله والمؤمنين .... وغير ذلك من أعمال الخير والصلاح .

ويستحب لمن يوافيها أن يدعو بإخلاص ونية وصحة ويقين من دين ودنيا ، ويجرد نفسه من الغلّ والحقد ، وينقي صدره من البغضاء والشحناء تجاه جميع إخوانه المسلمين ، ويكون أكثر ما يدعو به للدين وحسن الخاتمة يوم المعاد ،

أما ما قاله العلماء عن مغفرة الذنوب ، هل يختص ذلك بالصغائر فقط ؟ أم بالصغائر والكبائر معا ؟

قالوا : إن التكفير يكون للصغائر فقط ، وإن كانت هناك كبائر فلا تكفّر الكبائر ولا الصغائر ، وفي رواية وهي الأصح : تكفر الصغائر ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة وأن الكبائر لا تكفرها إلا التوبة ورحمة الله . " شرح منهاج الطالبين للنووي (2- 73) – سبل السلام للصنعاني (2- 671) – الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2-589) .

وقال البعض رجاؤنا إن صادف كبيرة أو كبائر ، ولم تصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر أو تحتّ منها .

وقال بعضهم : تغفر الذنوب جميعها الصغائر والكبائر .

 

ثالثا : التماس ليلة القدر

ورد في التماسها وأوقات موافاتها أو نزولها راويات متعددة منها ماكان مرجوحا أو ضعيفا أو غريبا أو شاذا ، كأن يروى بأنها قد رفعت كلية ، أو تقع مرة كل سبع سنين ، أو تكون في اليوم الأول من رمضان ، وقيل ليلة سبعة عشر ، وقيل ليلة تسعة عشر أومتنقلة من أول رمضان إلى آخره ، أو تكون متنقلة طوال العام ، أو أنها ليست مختصة بشهررمضان دون غيره ... وذلك لما سنبين أدناه .

إن ليلة القدر خاصة بشهر رمضان ، وهي على الأرجح في الوتر من العشر الأواخر منه ، ولم ترفع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لقوله تعالى : ( شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن ) ( البقرة - 185) .

ويقول عن انزال القرآن في سورة القدر : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) - ( القدر -1 ) فالقرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في تلك الليلة المباركة من شهر رمضان الفضيل ، ثم نزل منجّما على رسول الله خلال ثلاث وعشرين سنة بحسب الحاجة والأحداث .

كما يؤكد وقوعها حصرا في رمضان وعدم رفعها بعد وفاة الرسول ، وإنما رفع معرفة وقت نزولها فقط ، إذ تلاحى المسلمون واختلفوا فيما بينهم ، وذلك لحديث أبي مرثد قال : " سألت أبا ذر ، قلت سألت رسول الله عن ليلة القدر ؟ قال : أنا كنت أسأل الناس عنها قلت : يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان أم في غيره ؟ قال : ( بل هي في رمضان ) قلت : تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت ، أم هي إلى يوم القيامة ؟ قال : (بل هي إلى يوم القيامة ) ، قلت في أي رمضان هي ؟ قال : (التمسوها في العشر الأول أو العشر الأواخر ) .... إلى أن يقول : ( لو شاء الله لأطلعكم عليها ، التمسوها في السبع الأواخر ) .

أخرجه : أحمد والبيهقي والحاكم .

ومما يبين رفع معرفة تحديد وتعيين ليلة نزولها – لا رفعها – مارواه عبادة بن الصامت في صحيح البخاري قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال ( خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة . ) "

وفي رواية : تلاحى رجلان فأنسيتها .

ومن هذا يتضح أن معنى الرفع : هو رفع علم تعيين وتحديد ليلتها للمسلمين ذلك العام ، وهذا يتضح من سياق الحديث حيث يرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التماسها في ليالي التاسعة والسابعة والخامسة ، وينبئهم بأن ذلك الأمر عساه أن يكون حيرا لهم ، لما يدعوهم للقيام والاجتهاد في الليالي الثلاث التي أخبرهم عنها رسول الله ، وفي الرواية الأخرى تفسير معنى الرفع بالنسيان ( أنسيتها ) ، وإلا لو كان الرفع بما روي عن البعض - بما فيه من الغرابة والشذوذ - بأنها رفعت كليا عن الوجود ، فما الحاجة لتوجيه الرسول لالتماسها في تلك الليالي ( 25، 27، 29) ، ولم وردت أنسيتها بدلا من رفعها في رواية أخرى ، ومن ثم إنها موجودة في القرآن الكريم وفي سورة القدر عامة لم تحدد أو تخصص ، كما أنها لم تنسخ بأية تبين رفعها لفترة من الزمن ، أو كلية من الوجود كما يقول بعض الجهلة .

وقد وردت أحاديث كثيرة على أنها في الوتر من العشر الأواخر ، أو الوتر من السبع الأواخر.

فقد ورد في صحيح مسلم ، عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر ) مسلم (206- - 1166 )

كما ورد مثل ذلك عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وسالم ... وغيرهم

كما ورد عن ابن عمر أيضا : أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرو ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ) " مسلم (205 1165)

وفي رواية أخرى صحيحة بأنها في السبع الوتر من أواخرشهر رمضان الكريم ، أي في ليالي ( 25،23، 27، 29)

وفي رواية أ خرى في ليلة ( 27 ، 29 )

وهناك من يرى أنها ليلة إحدى وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري قال : " اعتكف رسول الله في العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه ، فأتاه جبريل فقال إن الذي تطلب أمامك ، فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه ، فأتاه جبريل فقال : الذي تطلب أمامك ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال : ( من كان اعتكف معي فليرجع فإني رأيت ليلة القدر وإني أنسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر ، وإني رأيت كأني أسجد في ماء وطين ) وكان سقف المسجد جريدا من النخل ، وما نرى في السماء شيئا ، فجاءت قزعة فمطرنا حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق رؤياه في صبح إحدى وعشرين " ( أخرجه الشيخان ) .

ويقول الشافعي عن هذا الحديث بأنه أصح الروايات .

 ويقسم أبي بن كعب رضي الله عنه – عن ليلة القدر- أنها ليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان يقول : " والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان – يحلف ما يستثني – ووالله إني لأعلم أي ليلة هي ، هي الليلة التي أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها ، هي ليلة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها " أخرجه : (مسلم -672) –(أحمد -5 -130) – (الترمذي 3351 ) – ( أبو داوود -1378 ) .

كما روى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كان متحرّها فليتحرّها ليلة السابع والعشرين ) .

وخلاصة الأمر مما ورد من أحاديث وأخبار صحيحة فإننا نرى من خلال الأحاديث التي ورد ذكرها أعلاه :

1-        أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصرح بها تحديدا بليلة معينة ، حتى لا ينحصر اجتهاد المسلمين في القيام والعبادة والدعاء بليلة واحدة ، وذلك طلبا لزيادة الأجر وتعميم الفائدة بالقيام والاجتهاد والذكر والدعاء لأكثر من ليلة .

2-        ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها في العشر الأواخر من الوتر .

3-        ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها في ا لوترمن السبع الأواخر في رمضان وذلك في أحاديث صحيحة .

4-        وردت أحاديث صحيحة أنها ليلة إحدى وعشرين .

5-        وردت أحاديث صحيحة أنها ليلة سبع وعشرين .

يمكن أن نستخلص مع التسليم بصحة ما وردنا من أحاديث صحيحة وبالجمع والتوفيق بينها ، بأن ليلة القدر تكون متنقلة في ليالي الوتر من العشر الأواخرمن رمضان ، ولو وافقت ليلة جمعة من هذه الليالي الوتر لكانت الفرصة أكبر لوقوعها في تلك الليلة وموافاتها ، لاجتماع أكثر من فضيلة معا ، هذا والله أعلم .

 

رابعا : علامات ليلة القدر

تتصف ليلة القدر بعلامات وأمارات تميزها عن غيرها من الليالي .

عن ابن عباس أن رسول الله الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: ( ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة ، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء ) أخرجه الطيالسي من تفسير ابن كثير .

كما أخرج الإمام أحمد بإسناد جسن ، وابن جرير والبيهقي وابن مردويه وذكر ابن كثير في تفسير ليلة القدر عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا ، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر ، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح ، وأن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذ ) .

وكما ورد في صحيخ مسلم عن أبي بن كعب عندما سؤل عن علامتها بعد أن أقسم على أنها ليلة السابعة والعشرين قال : " بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها " .

كما أن من علامات ليلة القدر: قوة النور المنتشر في السماء حتى الغيوم تبدو أكثر إضاءة ، ولا يظهر في السماء ليلتها شهب ولا نيازك ، كما لا تجتاحها عواصف ولا قواصف ، ولا غيرها من حرائق وزلازل وبراكين ، ولا يحصل فيها من الشر والأذى من أفعال الشياطين لأنها تكون مقيدة ، كما لا يسمع فيها نباح الكلاب ونهيق الحمير .

 وهي ليلة آمنة هادئة ساكنة مضيئة رغم أنها في أواخرالشهر وحيث يكون القمر فيها هلالا ، وشمس صبيحتها لا شعاع لها .

وإن كانت تلك العلامات التي ذكرناها آنفا كلها علامات كونية ، ويمكن مراقبتها ومشاهدتها بالمتابعة والملاحظة ، إلا أن هناك علامات أخرى قد يستشعرها المؤمن في داخله مما يشعر به من راحة وصفاء في النفس ، وطمأنينة وسكينة في القلب والجوارح ، وسعة وانشراح في الصدر ، وسعادة ومتعة روحانية تغمر المؤمن ، وخشوع يتجلله ، مع رقة وشفافية في الشعور ، وسمو في الإحساس ، ولذة في القيام والعبادة والذكر وقراءة القرآن ، وقوة في الإيمان واليقين ، ويفتح الله عليه بالدعاء ، ويشعر بالاتصال وقربه من الله تعالى أكثر من أي وقت آخر ، كما يستجيب الله دعاء تلك القلوب المؤمنة المتوجهة بصدق ويقين إلى عليائه ، والمتصلة به بتدبر وخشوع .

كما يمكن أن يرى بعض الصالحين ليلة القدر في المنام ، كما كان يراها الصحابة بحسب ما ورد في الصحيح وبعض الأحاديث السابقة .

 

خامسا : أفضل الدعاء فيها

وأفضل الدعاء فيها : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : " أرأيتَ إن وفقت ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال : ( قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) " . أخرجه ابن ماجة ( 3850) والترمذي (3513) وأحمد في مسنده ( 6-171) .

 وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ".

ثم يجتهد بما يفتح الله عليه من الدعاء والذكر المأثور له وللمسلمين ، ويسأل الله من فضله في أمور الدين والدنيا وحسن الخاتمة ، بخشوع ويقين واتصال وثيق مع رب العالمين .

اللهم وفقنا لموافاة ليلة القدر ، وأكرمنا برؤياها ، وارزقنا حسن قيامها بتدبر وخشوع ، واهدنا لخير الأعمال الصالحة فيها من البروالتقوى ، لتغفر ذنبنا وتمحو زلاتنا وتتجاوز عن سيئاتنا وتعفو عنا ، وتدخلنا فردوسك الأعلى بغير حساب مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

اللهم آمين .. آمين ... وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

=======================

سوريا والفصائل الفلسطينية

بقلم : ثامر سباعنه - فلسطين

لن أدخل بسرد تاريخي حول العلاقة المتقلبة والغريبة وغير الثابتة بين النظام السوري والفصائل الفلسطينية ، ولكن سأكتب عما أراه مصيراً للفصائل الفلسطينية الموجودة الآن في سوريا ، فمنذ اندلاع الثورة السورية والسؤال يتردد : ما هو موقف الفصائل الفلسطينية وخاصة فصائل المقاومة من الثورة السورية ؟؟ لماذا لم توضح الفصائل موقفها مما يجري بسوريا؟؟

 

أعتقد أن الشعار المعلن دائماً لمعظم الفصائل الفلسطينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ، وأنا أدرك صعوبة الوضع الذي تحياه هذه الفصائل الآن ، فهي ترى نفسها في ضيافة النظام السوري ولا تستطيع (( أن تبصق بالصحن الذي أكلت منه )) وبنفس الوقت هذه الفصائل لا تستطيع أن تغض الطرف عن الجرائم والمجازر التي تحصل ضد الشعب السوري.

سيسارع الكثيرون ليقولوا لي ما هو البديل لهذه الفصائل ؟؟ أين تذهب ؟؟

 

أقول لهم أعلم أن استقبالهم في أي دولة عربية هو صعب جداً لكنه غير مستحيل بالإضافة إلى وجود غزة ..لم لا يعودون إلى غزة !! مع إدراكي الكامل بالوضع الأمني الصعب عليهم في غزة وإمكانية استهدافهم هناك بسهولة.

 

النظام السوري لن يبقى متمسكاً بهذه الفصائل للأبد وخاصة فصائل المقاومة والتي تعتبر محاربة دولياً والمطلوب رأسها إسرائيلياً ، وأرى أن المستقبل لا يبشر بخير لهذه الفصائل فهنالك ثلاثة احتمالات :

 

أولاً : النظام السوري سيسعى لإرضاء الغرب وخاصة أمريكا وطبعاً إسرائيل ، ولا يوجد عنده قربان أفضل من الفصائل الفلسطينية ليقدمه تقرباً من الغرب وإسرائيل.

 

ثانياً : في حال بدأت العمليات العسكرية الغربية ضد سوريا ، ستكون الفصائل الفلسطينية أحد أهم الأهداف التي ستضعها أمريكا وإسرائيل لكي تضرب في سوريا وتحت عدة حجج .

 

ثالثاً : نجاح الثورة السورية ، ووقتها سنسمع من الجميع : أين كانت الفصائل الفلسطينية أثناء الثورة السورية ولِمَ لمْ تقف هذه الفصائل مع الشعب المظلوم في سوريا !!

 

البعض قال : الأفضل للفصائل الفلسطينية أن لا تتبنى موقفاً معلناً يؤيد أو يعارض النظام لأن فيه خطراً على مصير مئات الآلاف من اللاجئين ... كلام سليم لكن لِمَ تم استهداف المخيمات الفلسطينية من قبل النظام السوري رغم عدم تبني الفلسطينيين أي موقف رسمي من أحداث سوريا !! لماذا تقوم الآلة العسكرية السورية بقتل وتشريد سكان مخيم الرمال !! يدل هذا على أن الفلسطيني مستهدف حيث كان وسواء صمت أم تكلم .

 

لا أنكر أن الفصائل الفلسطينية وخاصة حماس مأزومة وسيؤثر موقفها الحيادي عليها ، والموقف الأخلاقي يتطلب الوقوف مع الدماء التي تسيل .... لكن أقول أن لسان حال حماس كما قال الشاعر:

 

لا أكذبُ الله ثوبُ الصبرِ مُنخرقٌ ... عنّي بفرقته لكن أرقّعهُ

======================

لحظة بلحظة جنازة الشهيد جمال فتوى \ للمرة الأولى .. و الأخيرة ..

يامن الشامي

لم يستطع أحدٌ النومَ ليلة البارحة فجميعنا كان يتسامر مع الشهيد جمال في ذكرياته وحتى في حاضره و..مستقبله..كانت الصدمة قاسية على الجميع و دموعنا كانت حارقة لاهبة لم تعرف السكينة إلا عندما نتذكّر أنه الآن في أعلى عليّيّن.. كان جثمانه الطاهر قد سلّم لمشفى ا...لبرّ بعد أن وقّع أهلى على جميع الأوراق التي تثبت كيفية وفاته النظرية ...الواضحة..وبين جدليّة التوقيع أو عدمه ..قررت العائلة أن الأوراق و الأحبار في هذا الوطن لم ولن تساوي قطرة دم الشهيد.. لأني كنت أعلم تماما أني سأذهب إلى الجنازة بعينين : عينٌ دامعة هي عين الصديق..و عينٌ ناقلة ٌ هي التي نويت أن أكتب لكم ما حدث..ضمن إمكانيات حروفي المتواضعة... في تمام الساعة الثانية عشر ظهرا وعملا بنصيحة أحد الأصدقاء ألا أذهب بسيارتي الخاصة ..أوقفت تكسي :"على باب السباع لو سمحت؟" ..أعدت الوجهة مرتين .ونظرت في وجهه..لم يستغرب ولكن استفسر : خير عمّي في شي؟؟..كان جوابي :في جنازة شهيد.. صمت كلّ الطريق..أطفأ الراديو ..واخترق صمت سيارة السابا دعوات بتعجيل الفرج..ورفع البلاء.. عندما وصلنا إلى أول شارع باب السباع قرب حاجز الأمن كانت السيارات تملأ الشارع ..فقرر سائقنا اتخاذ شوارع فرعية حتى يصل إلى جامع المريجة.. وعندما وصلنا استغربت أنه ركن سيارته ..و نزل إلى المسجد..لربما صمتنا خلال هذه التوصيلة جعل قلبه يدفعه إلى أخد قيلولة للصمت ..و المشاركة.. بقي على صلاة الظهر حوالي النصف ساعة ..لكنّ المسجد كان ممتلأ عن بكرة أبيه..جامع المريجة يقع في صدر شارع باب السباع الرئيسي..لا آثار للقصف عليه..حاولت التمحّص بكل شيء..لا إرادتي كانت تسرق من بين دموع لم أعرف من أين تأتي مهرولة على خدودي مشاهد للذكرى و الذاكرة جامع المريجة بسيط ..لا أثر لأي فخامة عليه..مراوحه السقفية أكثر بكثير من مكيّفاته..وطلاؤه يحتاج إلى طلاء..إلى هنا ما زلت في وعيي و إدراكي لما حولي.. إلى أن شممت عبقا لم أعرف ريحه من قبل..جسما نورانيّاُ يستلقي على الأرض..كانت آخر مرة قابلت فيها الشهيد جمال منذ حوالي 18 يوما ..بكامل صحته وعافيته ..لا أثر لأي فيروس أو جرثومة ..سوى أنه كان ينتمي إلى فصيلة جراثيم الحرية.. ساقتني دموعي و هتافات التهليل إلى وسط باحة المسجد حيث يرقد هناك..تلتلفّ حوله الجموع المهنّئة..اقتربت اقتربت اقتربت ..و إذ بي أرتعد من خشوع المنظر..وجه نورانيّ لم أره في حياتي ..بسمة ارتسمت على محيّاه أعلم أنها استلقت على شفاهه في لحظة ألم دنيويّ..و أمل أخرويّ..لا يستطيع من يرى براءته أن يفكّر أنّ مثل هذا المَلَك كان مسلّحا..أو مندسّا..من يبيع الدواء لا يشتري الموت لأحد.. لبس ثوبا أخضرا من فوق كفن استلقت حوله الزهور الحمراء كأنه الربيع .. دفعتني ذكرياتي معه وحبّي لشاب ناضل في الغربة ليتعلّم الصيدلة ليعيل عائلة فقدت أباها إلى الاقتراب أكثر و أكثر.. لم أكن اشعر أنّ شلالات الدموع قد بللّت ما تبقّى لدي من جفاف ..قبّلت جبينه ..و ذهبت لأبارك لأخيه الباسم أمام الجميع.. بعد صلاة الظهر التي دعا فيها أحد الشيوخ بكل ما أوتي من علم أن يعجّل الفرج ..و سأل الله الانتقام فهو المنتقم الجبار..وبعد أن ضجّ المسجد باصوات ما يقارب 2000 شخص مكبّرين مهللّين ..حُمل الجثمان على الأكتاف ليكون إماما للأئمة ..في طقس ربّاني حكيم.. لم أجد في طقسا في الاسلام إلا ويبدأ بالله أكبر..في تلك اللحظة راجعت استغراب الناس جميعا من التكبير..لم يخترعوا كلمة من عقلهم..استنتجت أن الاسلام يدور حول كلمة الله أكبر.. قبل أن تبدأ الصلاة ألقى أحد الشيوخ كلمة الشهيد التي كتبها الشهيد في صفحته على الفيسبوك بتاريخ 19-06-2011 حيث يقول فيها أن الموت سيأتي على الجميع .. فلم لا نموت و نحن أبطال ثم تلى أحد الشيوخ رسالة من أم الشهيد تزف ابنها فوصفته أنه : نور عينها ..و بشهادته قد برد قلبها بعد أن كانت تخاف عليه من فتن الدنيا.. و كلما كانت الكلمات شديدة ..اشتدّ الهتافات في المسجد..أبرزها "وهيي ويالله..ما منركع إلا لله "" كان جوّا عاطفيّا بامتياز ..تكاد لا ترى إلا دموع الرجال تحيط بك ..ممتزجة بنظرات عيون شابّة لا تعرف اليأس.. أقاموا الصلاة على الشهيد..و حُمل على الأكتاف إلى مقبرة الشهداء .. كان يتسابق الجميع لحمل النعش..لعلمهم أنهم يحملون لا ثوابا فحسب..و إنما يحملون مسيرة ودربا .. حوالي 2500 شخص زفّوا الشهيد في موكب جنائزي لم يعرف الصمت كباقي الجنائز..لم يعرف موسيقا كلاسيكية كتلك التي تسمعه في جنازات الرؤساء ..لم تسمع إلا هتافات القسم بإكمال طريق الشهيد ..والمطالبة بالحرية والكرامة... سألت أحد المارّين : أين سيدفن؟ قال في مقبرة الشهداء , هي صغيرة ولكن مقبرة الضيق تسع ألف شهيد..وقال: جهزّنا قبور لجمعة لقدّام..بتعرف كل يوم عنّا عرس...طلب منّي أن لا أطيل البقاء بعد الدفن ..خوفا من رصاص يأتيهم دوما بعد كل جنازة لتفريقها.. قال لي: لا أتوقع ان يطلقوا النار اليوم ..فالسفير التركي قالوا لنا أنه كان هنا البارحة..ألله بيين.. عندما وصلنا إلى المقبرة فوجئت مجددا ببساطة القبور ..فوجئت أن من هو مدفون هنا لا يمكن أنه يكون قد طلب جاها أو مال ..في أحدى الزوايا جلست عجوز تحت أشعة الشمس تتلو أيات من القرآن..على قبر شهيدها .. حوالي خمس دقائق ..كان جسد الشهيد جمال يبدأ رحلته الابدية إلى عالم اختاره بملء ارادته و خياره ..فسخ خطبته قبل اعتقاله بأيام مخاطبا حبيبته: عذرا فأنا مشروع شهيد..علم أن 72 حورية في الجنة بانتظاره الآن... عدنا أدراجنا نخلط مشاعر الألم بالأمل ...و لأقول بصراحة بعد أن حاولت أن أجنّب عاطفتي بالكتابة : جمال كان غائبا بيننا عندما كان حيّا أكثر من غيابه الآن وهو شهيدا.. متى سيفهمون أن كل شهيد سيوقظ ألف مشروع شهيد... و أقسم بالله أن استشهاد جمال و عدنان و هادي و البقية قتل صمت حمص .. واسمحوا لي أن أختم كلماتي بكلمات خطرت ببالي اليوم و أنا أقبّل جبينه الطاهر: عندما نفقد عزيزاً شهيداً وفي لحظات الهيجان و تلقّي خبر زفافه .تتمنّى لو تستطيع أن ترجع إلى عصر الجاهليّة وعصر داحس و الغبراء فتمتطي الخيل و تتمنّى الانتقام.. ولكنّ شيئاً ما أكبر من هذه المشاعر يسيطر عليك وهو : سلميّة الوطن ...و أنّ ما نحتاجه ليس رائحة البارود و دوّامة الانتقام ..بل نحتاج لعبق الصبر و الوعي والإيمان والثقة فتُذهب سلميّة الشهيد .. ردّات فعلنا الغاضبة ..ونعي تماماً أنّ: ردّات فعلنا لن تكون كفعلهم.. ولكنّ وعينا لن يجرّنا أيضاً لفخّهم. عذرا للأيجاز رغم الإطالة... و إنا لله و إنا إليه راجعون

==========================

أربعون عاماً من المقاومة والممانعة ما بين تل الزعتر والرمل

محمد فاروق الإمام

أربعون عاماً ونحن والعرب والعالم نسمع عن ممانعة النظام السوري ومقاومته لمخططات الدولة العبرية والصمود في وجهها، ودعمه لفصائل المقاومة الفلسطينية واحتضانها، ودعم المقاومة اللبنانية وتمرير السلاح الصفوي لها عبر الأراضي السورية، والسوريون بما فيهم الطبقة الحاكمة والدائرين في فلكها، دون البسطاء منهم والجهلة وأنصاف المتعلمين وهم الغالبية العظمى ممن ينتمون لهذا النظام، ومعظم الفلسطينيين والعرب يعرف بطلان هذه الدعاوي وكذب هذه الأقاويل التي لا تتجاوز الشعارات والأغاني والأفلام والمسلسلات والمسرحيات والاحتفالات والمؤتمرات والمسيرات المبرمجة، التي تحمل صور بشار وأعلام البعث والعلم السوري المنبطح على رؤؤس المسيّرين لمسافة أميال، إمعاناً في إذلال هذا العلم الذي لم ينبطح مثل هذا الانبطاح المذل المخجل إلا في عهد نظام المقاومة والممانعة بعد أن سهل وزير الدفاع، الرئيس الراحل فيما بعد (1970-2000)، اللواء حافظ الأسد للصهاينة أن يدوسوه بنعالهم في الخامس من حزيران عام 1967 بعد تسليمه القنيطرة لهم والانسحاب من مرتفعات الجولان دون دفع أو مدافعة.

كما قلت السوريون يعرفون حقيقة هذا النظام المقاوم والممانع، وما جعلهم يصمتون على تلك الأكاذيب كل هذه السنين تلويح النظام بمناسبة وبغير مناسبة بالعصا الأمنية الغليظة التي يمتلكها، وقد ذاق السورين فعلها على ظهورهم حتى تقوست في السجون والمعتقلات والمنافي، ونزفت دماؤهم أنهاراً في مجازر ومذابح وحشية راح ضحيتها ما بين عامي 1980-1982 أكثر من أربعين ألفاً، واختفى في السجون ما يزيد على عشرين ألفاً، لم يعرف لهم أثر هل هم في عالم الأحياء أم الأموات حتى اليوم ونحن في العام 2011.

السوريون يعرفون أين كانت الساحات التي كان النظام السوري يمانع فيها ويقاوم، إنها ساحات المخيمات الفلسطينية في لبنان وسورية، فقد حاصرت قوات حافظ الأسد، التي دخلت لبنان بحجة وقف الحرب الأهلية فيه، مخيم تل الزعتر الذي يضم ثلاثين ألفاً من الفلسطينيين حتى سقط في (12 /8 /1976 ) بعد حصار دام اثنين وخمسين يوماً من الحصار الوحشي، وقد مات فيه حوالي ثلاثة آلاف مدني معظمهم ذبحوا بعد سقوطه، كما يروي الكاتب البريطاني باتريك سل في كتابه (الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط).

ونشرت وكالة الصحافة الفرنسية يوم (29/9/1976) تصريحاً لشمعون بيريز وزير دفاع العدو الصهيوني السابق يقول فيه: "إن هدف إسرائيل هو نفس هدف دمشق بالنسبة للمسألة اللبنانية"، وقال أيضاً: "يجب أن نمنع وقوع لبنان تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية".

وجاء في كتاب (وجاء دور المجوس) ص 418 عن إسحق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق قوله: "إن إسرائيل لا تجد سبباً يدعوها لمنع الجيش السوري من التوغل في لبنان، فهذا الجيش يهاجم الفلسطينيين، وتدخلنا عندئذ سيكون بمثابة تقديم المساعدة للفلسطينيين، ويجب علينا أن لانزعج القوات السورية أثناء قتلها للفلسطينيين، فهي تقوم بمهمة لا تخفى نتائجها الحسنة !! بالنسبة لنا".

وهكذا كانت ساحات نظام المقاومة والممانعة في عهد الأسد الأب مخيمات الفلسطينيين في لبنان، واليوم ساحات المقاومة والممانعة في عهد الأسد الابن هي مخيمات الفلسطينيين في سورية حيث تحاصر قواته بكل آلتها العسكرية المدمرة التي أدارت ظهرها للجولان حيث تبني فيه قوات العدو الصهيوني جداراً فولاذياً، تحسباً للبديل الذي سيأتي بعد الإطاحة ببشار حليفها الذي لم تتمكن من الدفاع عنه، يعزل تلك الأرض الغالية عن الوطن مؤكداً ضمها إلى كيانه، تحاصر مخيم الرمل في اللاذقية وتدك منازل الصفيح المتهالكة على رؤوس الفلسطينيين العزل براً وبحراً عقاباً لهم على رفضهم أن يكونوا أداة قمع لأشقائهم السوريين خدمة للنظام الباغي، الذي يستبيح الدم السوري في طول البلاد وعرضها منذ أكثر من خمسة أشهر، فيموت في المخيم من جراء القصف من يموت ويفر من يتمكن من الفرار إلى المجهول في عملية تطهير عنصري ما شهدتها سورية منذ أن وجدت.

هذه هي ساحات قتال النظام المقاوم والممانع الذي تنافح عنه أبواق قم وحرسها الثوري والضاحية الجنوبية وميليشياتها، وبعض المغفلين من بقايا البعثيين، وبعض السذج من القوميين في بعض البلدان العربية، الذين لا يزالون يعتقدون أن نظام دمشق هو الذي يقود خط الممانعة والمقاومة في الوطن العربي، ويتباكون على سقوطه ورحيله، دون أن تحركهم مشاعرهم المتلبدة صيحات الألم التي تطلقها حرائر الشام على أبنائها وآبائها وإخوانها وأزواجها، والحزن على نزيف الدم الذي يجري أنهاراً من أجساد إخوانهم السوريين منذ أكثر من خمسة أشهر!!

=========================

المخيم في مرمى المدافع

عادل عبد الرحمن

عاش مخيم الرمل جنوب اللاذقية إسوة بمدينة اللاذقية وحي الرمل، الذي يضم الشرائح والفئات الاجتماعية الفقيرة اليومين الماضيين، ايام سوداء نتيجة محاصرتها بشبيحة وبلطجية نظام بشار الاسد، الذين نادوا على المواطنين السوريين والفلسطينيين بمكبرات الصوت بمغادرة منازلهم، ثم اطلقوا العنان لنيران واسلحة ومدافع بوارجهم البحرية بقصف المنطقة، مما إضطر حوالي نصف سكان المخيم (مايزيد على خمسة الاف لاجىء) الى الهرب من مساكنهم هائميين على وجوههم دون ان يعرفوا مكانا يلجأوا له سوى الاستاد، قبل ان تقتحم قوات وزمر الاجهزة الامنية الفاسدة المنطقة عموما والمخيم من بينها. ونتج عن ذلك إستشهاد ما يزيد عن خمسة وثلاثين مواطنا بينهم ستة عشر لاجئا فلسطينيا، فضلا عن اعداد الجرحى، والمعتقلين.

مع ان النظام السوري يعلم علم اليقين ان ابناء الشعب الفلسطيني إلتزموا بالقاعدة، التي إعتمدتها القيادة السياسية في العلاقة مع الدول العربية "عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية"، ولم يتدخلوا لا من قريب او بعيد بالاحتجاجات الشعبية السورية المناهضة للنظام، غير ان مدافع وبطش النظام الاستبدادي لم تميز بين ابناء الشعبين الشقيقين الفلسطيني والسوري، فاستباحتهم دون وازع سياسي او اخلاقي. وعمقت وحدة الدم بينهما، واعادت للذاكرة تلاحم الشعبين في المعارك الوطنية والقومية المشتركة ضد الاستعماريين الغزاة البريطانيين والفرنسيين والصهاينة على مدار الحقب التاريخية القديمة والوسيطة والمعاصرة، والتي سطع فيها نجم الشهيد الشيخ عز الدين القسام، الذي استشهد في العام 1935 في فلسطين، مدشنا باستشهاده بشائر الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939. مع الفارق الكبير بين معارك الشعبين السابقة ضد الغزاة وبين وحشية نظام آل الاسد المنفلتة من عقالها.

جريمة نظام الاسد الابن الجديدة في اللاذقية، التي طالت ابناء الشعب الفلسطيني في مخيم الرمل، ليست الاولى ضد ابناء الشعب الفلسطيني، ولكنها قد تكون الاخيرة، إذا قدر للشعب السوري إسقاط نظام الاسد الفاسد (وهو الخيار الاكثر واقعية)، فقد ذاق الشعب الفلسطيني مرارات البطش السوري في مخيم تل الزعتر، وفي البقاع وطرابلس وفي حرب المخيمات (شاتيلا وبرج البراجنة)، فضلا عن مئات والاف المعتقلين، الذين إستشهد العشرات منهم على يد جلاوزة النظام الشمولي واجهزة قمعه الوحشية. كما ان نظام الاسد الاب قام بالتطاول على رمز الوطنية الفلسطينية، الشهيد الرئيس الرحل ياسر عرفات، مرة باعتقاله، ومرة بابعاده من الاراضي السورية، ومازال نظام آل الاسد يتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية لاخضاعها لحساباته الفئوية الضيقة.

وحتى لا يبقى نظام الاسد المتزعزع، وفاقد الاهلية والشرعية موغلا في الدم الفلسطيني والسوري، على العالم واقطابه الاساسية وتحديدا منظمة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية والدول العربية كل على إنفراد إلزام قادة نظام البلطجة بالوقف الفوري للجرائم والمذابح، التي يرتكبها بحق ابناء الشعبين الفلسطيني والسوري، وعدم الزج بابناء الشعب الفلسطيني في معاركه الوحشية ضد ابناء الشعب السوري، وضمان الحماية السياسية لهم، وسحب شبيحة وبلطجية النظام من المنطقة عموما والمخيم خصوصا، والسماح للامم المتحدة بالدخول للمخيم لتقديم المساعدات العاجلة للاسر المنكوبة، وإصلاح الاضرار الناجمة عن عمليات القصف الوحشية للمخيم.

ومرة اخرى يؤكد المرء، على ضرورة تكثيف حملة حجب الثقة بالنظام السوري، وتعميق عملية عزله وحصاره، من خلال سحب سفراء الدول كما فعلت السعودية والكويت ، وطرد سفراء النظام من الدول والمؤسسات الدولية، وتصعيد فرض العقوبات الاقتصادية والديبلوماسية على نظام بشار. وتقديم الدعم لقوى الثورة السورية المعنوية والمادية في مختلف مجالات الحياة لتتمكن من مواصلة شق طريق وخيار إسقاط النظام الشمولي، وفتح بوابات بناء الدولة المدنية لكل مواطنيها.

a.a.alrhman@gmail.com

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

السابقأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ